|
|
الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة» |
|
|
|
الثلاثاء:
29/01/2008
الدرس التأريخي (الموآرخة/ Inner history)
بحث في سوسيولوجيا البناء على الزمن(1/2)
أ.د متعب مناف(*)
الدرس والتاريخي بالذات لايمكن أن يفهم وكأنه محاضرة (Lesson) وإنما يعرف
كونه طريقاً (Course) أو منهجاً تم طرقه: موقفاً وفعلا ومحصلة واتجاها.
فالدرس التاريخي إذا فهم محاضرة (Lecture) فأنه يعني تعظيم الماضي على
حساب الحاضر الذي ينزل إلى مرتبة التلميذ،إن لم يكن المريد،في حين يتفرد
الماضي بالأستاذية والإملاء، وبذلك يتم الهروب /الانكفاء إلى الماضي
لإيجاد حلول لمشكلات الحاضر، وهذه أحدى المحن التي تواجهها الإنسانية
التي يتوجب عليها أن يجد حاضرها الحلول لماضيها.
إن حمل الحاضر على الماضي يعني إبقاء الملفات التاريخية مفتوحة قابلة
للإضافة والتزوير إن لم يكن الترف، وهذا هو المقصود بفلسفة التاريخ لأن
التاريخ علم لذاته وليس علماً بذاته، لذا فهو بحاجة إلى من يتبرع له من
العلوم الأخرى إنسانية أو علمية تطبيقية لكي يتمكن من الوقوف على قوائمه.
فالحاضر هو التاريخ الحقيقي/ الواعي، ولابد من تحويل التاريخ من كونه (خبر
عن الاجتماع الإنساني) إلى كونه (خبر في الاجتماع الإنساني) In human
course وليس (For human course) والفرق دقيق لأن (في الاجتماع الإنساني)
يمكن أن تُزمّن الفعل/ القول الخبر التاريخي فتضعه ضمن حدود الماضي. أما
إذا كان التاريخ خبراً عن الاجتماع الإنساني فانه ينفى الزمن عن التاريخ
ويبقيه ـ أي التاريخ ـ مفتوحاً على كل الأزمنة والاحتمالات بما يشكل ثقلاً
على الحاضر إلى حد ارتهانه والحيلولة دون انطلاقه للمستقبل. لقد وعت
حضارات/ ثقافات شمال المتوسط هذه المفارقة بين التأريخ خبراً في الاجتماع
الإنساني وبذلك (تمايزت)الأزمنة وتحقق فك الارتباط الزمني بين الماضي
والحاضر مما أرهص انطلاق المستقبل. ووفقاً للإدراك الجديد للزمن بشكل
مراحل فقد بدأ التاريخ ثم فلسفة التاريخ ليأتي بعدها الاجتماع (السوسيولوجيا)
لذا فان السؤال المهم ليس لماذا ندرس التاريخ ولكن كيف ندرس التاريخ؟
ندرس التاريخ ـ تاريخنا وتاريخ العالم ـ بأن ننظر إليه كفعل مزمّن (بحدود)
لا نريد له أن يتعدى زمانه الغابر/ العابر لينتقل إلى الحاضر، مما
قد يشظي الزمن أو في اقل الاحوال يخلق لنا ازدواجية في المستقبل في
التعامل مع التاريخ الذي هو مجرد فترة (محقبة) ولكن لابد من توظيف هذه
الفترة أو النزول بها إلى مرحلة الفعل الإنساني الفائت، ونزوع صفة
الإطلاق والقطعية عنها مما يجعل من التاريخ: مدونة زمنية نصية مغلقة،
استعارة للوصف الفذ الذي حقّل الأنثروبولوجيا الدينية لمحمد أركون.
فالتاريخ فعل مزمّن محدد بالماضي، وما يجعله مستمرا ليس مادته وإنما
الإنسان الذي جبل على الشخصنة أو(الترخنة) وهو الكائن الوحيد (الإنسان)
الذي يعبد إبداعاته / بدعه/ نتاجاته كي يسقط عنها الزمن (التقادم)
ويكسبها الخلود، لذا عندما بدأت الحضارة التي ظهرت تجمع بين الفكر +
الفعل+ الإنجاز توقف التاريخ،في الوقت الذي استمر فيه الزمن، لذا تحولت
منجزات الحضارة سومرية /بابلية/آشورية، إلى أطلال،ولم يروض الزمن (يردعه)
إلا التكنولوجيا.
ويظل يلح تساؤل: ما الذي نستفيده ـ نحن في الأقل ـ من التاريخ؟ الفائدة
ليست بطريقة الدرس والوقوف أمام الماضي كتلاميذ، وإنما بالنظر إليه
كاجتماع أي كفعل لإنسان محكوم بزمن (حقبة /فترة/مرحلة) وألا نبدأ بفلسفة
الزمن التاريخي، أي الارتقاء به إلى المثالية وترحيل أخطائه وخطاياه إلى
الحاضر وبذلك لا تعود هذه الأخطاء والخطايا خاصة به إن لم يكن الحاضر
مسئولا عنها. فالماضي يخطأ والحاضر يحاسب ويعاقب الى حد التجريم والتخوين،
وهذا ما يراد وبدقة من وراء الاهتمام بفلسفة التاريخ، وهو توزيع آثام
الماضي وجلد للحاضر باسم تمرده, إن لم يكن خروجه على الماضي.
لذا فاننا يمكن أن نطرح وبشكل مراهقة علمية ولكنها متحدية: هل يستحق أن
ندرس التاريخ؟
وإطلاقا من مسؤولية استمرار الحوار في مشكلات لها أثرها في سلوك
مجتمعاتنا الحاضرة التي يمكن أن توصف بأنها مجتمعات محاولة(Attempting
societies) فان أهم ما يشغل هذه المجتمعات هي صلتها بالتاريخ وموقفها منه
، وذلك لافتقارها إلى الدقة في التزمين، وبالتالي مقدرتها على التحقيب
Kوبالأخص الفصل بين الماضي والحاضر، مما يجعل من حاضرها استنساخاً أو
أعادة إنتاج )مشوه( لماضيها.والخلل في هذه الإعادة أو الاستنساخ هو أن
التاريخ للقول ومنها(المقالة) والمنقول شفاهاً في الأغلب ثم تقييده في
الكتابة أي حبسه في قوالب التعبير الاتصال (تنميطه) إنما يفقده سمته
السيميولوجية(الرمزية/ الدلالية) وزمن حادثته التي صحبت ولادته ودخلت في
تحوله إلى فعل تزمن ليصبح تاريخاً.
فالتاريخ إذن يفتقر إلى الفينومينولوجيا (الظاهراتية) مما يجعل منه
تكويناً محنطاً، وهذا ما يحاول التاريخ تداركه عن طريق علم النفس
(Psychology) لتقريبه من النزعة الفردية، وعلم الاجتماع (Sociology)
لتقريبه من النزعة الجماعية،وذلك في محاولة لتحريك هذه المحنطات
التاريخية وإضفاء الطابع العملي /الأستعمالي عليها، وإلا فان علم
الآثار(Archaeology) هو أكثر موضوعية من التاريخ الذي يمكن أن يدرس
انثروبولوجيا.
تطبيق دراسة التاريخ كنهج:
وهذ ه محاولة بكل ما تحمله من هموم ونقائص المحاولة لتطبيق دراسة للتاريخ
كنهج (طريق) أحاول ان ادرس بها تاريخ العراق السومري/ البابلي إذ يمثل
السومريون (العروق) أوروك (URUK) أي الجذور والأصول التي بنت العراق، أما
البابليون والأكديون فإنهم يمثلون (الأعراق) أو من هاجر إلى ارض العراق
(SUMMERLAND) أي ارض سومر،أما البابليون فهم (أهل الطروء) والاختلاف بين
السومريون وأهل الطروء ومنهم البابليون أن السومريين إنما بنوا
مدنا(Cities) مما يؤكد أنهم العروق. أما أهل الطروء فإنهم بنوا ممالك
(Kingdoms) حاولوا أن يجمعوا فيها بين المدن وماحولها أو خارجها بشكل
مصطنع أطلق عليها تلفيقا اسم دول مادتها الأعراق. وهناك اتفاق بين
المختصين في التاريخ والاجتماع وعلماء الأجناس والثقافات أن المجتمعات
إنما وجدت قبل الممالك والدول، لذا فقد تزول الدول ولكن تبقى المجتمعات
لأن المجتمعات هي التي تبني دولها وليس العكس.
ولعل ما يتوج النهج التاريخي العراقي/ الرافديني القديم ما كتبه (ساكز)
بعنوان (أفول بابل) (The greatness was Babylon) وهو يؤرخ للفترة الخاصة
ببلاد بابل وآشور عام(2000-1350) ق.م ٌٌٌٌ ففي نهاية الألف الثالث وبداية
القرن الثاني قبل الميلاد كانت هناك تحركات للأقوام السامية الغربية
باتجاه الشرق إلى أواسط بلاد مابين النهرين وبلاد بابل. وقد بدأ تغلغل
هذه الأقوام سلمياً في بلاد بابل وبشكل واسع منذ سلالة أور الثالثة كما
نستدل على ذلك من وجود أسماء سامية غربية في قوائم العاملين في المعابد.
واستمرت هذه التحركات لمدة تقرب من مائتي سنة وتركت آثاراً واضحة في
مختلف مظاهر المنطقة الحضارية السياسية منها والدينية والاجتماعية. وقد
استقر المهاجرون الجدد (الطارئون) أو كما يدعوهم العلماء المحدثون (الكنعانيون
الشرقيون أو الساميون الغربيون أو الآموريون) في عدد من المراكز الحضارية
القديمة (السومرية) حيث أسسوا ممالك تختلف في عدد من الأوجه عن دويلات
مدن المعابد السومرية السابقة وكذلك عن وحدة السومريين السياسية المستقلة
الأخيرة المتمثلة بأمبراطورية سلالة أور الثالثة . ولعل من أوجه الخلاف
الرئيسة هي فكرة نظام ملكية الأراضي، ففي نظام المجتمع السومري الأول
كانت معظم أراضي المدينة و(ليس جميعها) تابعة للإله المحلي، على حين كانت
معظم الأراضي وحسب الفكر السامي مملوكة من قبل العشائر (هاري ساكز 1966
أفول بابل،مترجم/ 1978). والنص السابق يمكن أن يفكك ويعامل وفق طريقتي
التي ألمحت إليها في بداية هذا البحث، أي كمنهج للتاريخ وليس درساً
تاريخياً لأن النص يستحضر القديم فهو ماض والدليل استحالة تكراره/
استنساخه في حاضر السلوك العراقي السياسي والاجتماعي في الحاضر.
أن ما جاء في النص إنما يمكن أن يهم وفق زمانه إلا انه نص له القدرة على
اختراق الزمن،لذا فاني ولأجل تصنيف النص وتحديثه و(ليس تكراره) يمكن أن
اطرح مفهوم المؤارخة (Inner history) أو التاريخية العابرة، لذا فانني لا
اريد إن أحول النص إلى درس تاريخي (مثالي) يزيد من حبنا وتمسكنا بالماضي
ويعمق فينا كرهنا ولا أحترامنا للحاضر،وإنما هي محاولة لوضع منهجية
مبتكرة للتعرف على مدى مؤارخة النص وقدرته على العبور، دون أن يعني ذلك
الحث على استنساخه ، فنحن نعيش في عصر بلاستيكي (plastic age) ترمى فيه
القناني القديمة لأنه لا يمكن أن تملأ ثانية رغم أن السائل جديد لأنها
صممت على أن تستعمل لمرة واحدة (disposal) وتطبيقا للمؤارخة،فان النص
السابق إنما يؤسس لأشكال من التعامل قد تبدو مغتربة عن سلوك العراقي
مجتمعا ودولة وفردا، منها أن عمر النص هو 5000 آلاف من السنين حفلت
بالعديد من التحولات في الأرض والإنسان والحياة والمجتمع ،وأهم مافي هذا
النهج /السلوك التاريخي هو أن تغلغل الساميين (المهاجرين) كان سلمياً
بعيداً عن الحروب والغزوات والفتوحات، فلم يكن هناك غزو أو قهر أو
استيلاء، لذا فان مفاهيم الغلبة والتغلب والمتغلبين لم تكن قد استعملت أو
دخلت القاموس الحضاري/ السياسي القديم ،مما أوجد نوعا من تقسيم العمل
الحضاري بين السومريين الذين ظلوا رجال الثقافة والعلوم والإدارة
والقانون والمعرفة، في حين مارس الساميّون (المهاجرون) الحكم مما كرس
وحدة البلاد (مابين النهرين)العراقية القديمة.
وقد دخل الساميّون عن طريق المعابد وهي الزقورات التي ابتكرها العقل/
السومري/ الرافديني/ العراقي/ القديم كمفردة حضارية تفوقت على مثيلاتها
من الشواخص المعمارية البارزة في الحضارات المجاورة: الهضبية والجبلية،
مثل هذه الزقورات أعادت تراتب الحياة والحركة حيث درّجت الفراغ بين الأرض
والسماء.ففي الطبقات الأقرب إلى الحياة المعاشة كان يتم الإشراف على
عمليات البيع والشراء وضبط التعامل الإنساني اليومي بأكمله. في حين كرست
الطبقات الأعلى من الزقورة التي قد تضم من (6 ـ 8) طبقات للآلهة التي
لابد من أن تنزل من الأعالي لكي تكون عونا للبشر في التغلب على مشكلاتهم.
أما أهم تدرجات (مصاطب) الزقورة، فقد كانت في الوسط منها حيث يتم لقاء
الحكام والآلهة وبذلك يجري تفويض هؤلاء الحكام(delegation of
responsibility) وبعدها يصعد الآلهة إلى مقاماتهم السماوية ويتفرغ الحكام
لممارسة مهامهم الأرضية. هذه الوظيفة الحضارية /الحياتية للزقورة بلغت
أوجها سامياً وليس سومرياً ببناء برج بابل (tower of Babylon) والذي
مازال يعرف بالبرج(bourge) والذي اشتقت منها برجوازية(bourgeoisie) أي
القاطنين قرب البرج أي المركز من ذوي الثراء والمنزلة الاجتماعية والذين
يعرفون بالطبقة الوسطى . وبرج بابل يمكن أن يكون سيد الزقورات في العالم
القديم وان يتفوق على غيره من الأبراج (الزقورات الصغيرة) في ارتفاعه ،
للتدليل على التفرد في الرقي الحضاري (الصاعد).
إذن فالعراقيون إنما أرادوا احتكار المسافة الصاعدة بأسرها وبذلك يتحولون
بالفعل إلى أنصاف آلهة ورواد للبشرية كلها.
إن الهجرة الى ارض سومر العراقية (الرافدينية) القديمة عن طريق أهم مفردة
حضارية (معمارية حاكمة هي الزقورة) المعبد, إنما وفر حالة من الانسجام (التوافق)
بينهم «... فمن الخطأ التحدث عن اندحار السومريين, فليس هناك ما يشير إلى
وجود شعور بالصراع القومي (الاقوامي) بين السومريين والساميين في العالم
القديم, وان الأحداث السياسية التي وقعت في تلك الفترة كانت من نتائج
وليست من أسباب التغيرات الاجتماعية والثقافية التي ظهرت جليا آنذاك
بالرغم من أنها كانت قد بدأت قبل ذلك بعشرات أو مئات من السنين» (المصدر
نفسه ص 78).
وهذا يدل على نحول يتناقض وكل مفهوماتنا وممارساتنا للصراع في الحاضر،
والتي يكون الصراع فيها سببا محركا للمتناقضات أي انه الجذر وليس الناتج
لها.
فهل كان العقل السومري (العراقي) الرافديني القديم ينفرد برؤيا لم نستطع
استيعابها حتى الحاضر، هي إن التصارع على الحدث لايمكن أن يكون افتراضيا
مما يؤجج دورة الفعل والفعل المضاد ويزيد من ضغط هذه الدورة (الملعونة)
على الإنسان والحياة والمجتمع, وإنما يجب أن يكون الصراع واقعيا يترتب
على النتائج فيعْمد إلى التعامل مع كل معضلة وفق حجمها وتأثيرها وقوة
ضغطها وبالذات إذا كانت اجتماعية خاصة بذوبان المهاجرين بالمجتمع السومري
(العراقي) وبالتالي تقبل ما يمكن أن ينقلوه من مفردات يمكن أن تتحول إلى
عمليات تقع في حدود الاجتماع والثقافة والتي كان السومريون قد تفوقوا
فيها إلى الحد الذي مكنهم من إطلاق ثقافة التسامح التي في المقدمة من
سماتها وسموها ما نسميه في الراهن: قبول الآخر وإشاعة التعددية في
التعامل؟ وبذلك يكون الساميون الذين هاجروا إلى ارض سومر العراقية
القديمة هم الذين نقلوا الصراع من النتائج إلى الأسباب لأنهم توجهوا إلى
بناء دولة /حكومة / سلطة، فقد سارعوا لتجاوز الخلافات دون انتظار ما
يساعد إلى تحولها إلى تناقضات في خطوة لوضع الممل (السامية) قبل المجتمع
(السومري). لذا فقد نقلوا المرجعية الحاكمة للإنسان والحياة من المجتمع
إلى الدولة وبذلك حفروا نهر الصعاب الذي مازلنا نحصد معاناته حتى الوقت
الحاضر.
وإمعانا في التأكيد على دور المملكة /الحكومة/ السلطة،فان المهاجرين
الساميين وبعد أن تم لهم تامين حضورهم في المجتمع جراء دخولهم في المعابد
(الزقورات) إنما تحولوا نحو ما يرفع من شأن الدولة والحط من مكانة
المجتمع ،إذ إن السومريين إنما اهتموا بالري (Irrigation) والسيطرة على
السدود والقنوات وذلك لتوثيق صلة الإنسان العراقي بأرضه إلى حد الارتباط
بين ارض(Earth) وبين عرض، وهذا ما مثلته عشتار (البابلية) فإنها جمعت بين
الحرب نهارا والحب ليلا بالضد من عشتاريم (الصورة /الكنعانية) التي ضحت
بالشيوخ والأطفال لكي تدعم الشباب /المحاربين لإنقاذ صور. وتوسيعا
للتمايز بين أسبقية المجتمع للدولة أو العكس والوظيفة المزدوجة لعشتار أو
اشتار كما ينطقها أهل اليمن (أكثر النجوم السماوية ضياءً وإشراقا ولمعانا)
والتي صيغ منها تعبير (star) والتي دخل الساميون عن طريقها الى الحضارة
السومرية/العراقية/ الرافدينية القديمة اذ إن أهم أبواب مدينة بابل
المتروبوليتانية بوابة عشتار (ishtargate) فان الساميين (الحاكمين) إنما
اهتموا ببناء القصور /القلاع (castle) وهي أبنية بجدران ضخمة وأبراج
عالية غايتها الدفاع، فأهملوا الري وقنواته وبذلك هدرت الثروة المائية
واكتفى الحاكمون الجدد الساميون بالقصور/ القلاع العالية الجدران
والأبراج لكي تدفع عنهم ما قد يعرض وجودهم للخطر، مما قوى الدولة/ السلطة/
الحكومة على حساب المجتمع الذي أضعف إلى حد التهميش وتراجعت المدن
السومرية التي تطورت واصلة إلى المدينة الدولة (City-state) وأبدلوها
بممالك.
وهو موروث تاريخي نقل الحلول لمشاكل الإنسان والحياة من المجتمع إلى
الدولة، والأخص الدولة(القوية) وقوة الدولة التي تمثل بسيطرتها/ تسلطها
المطلق مما يوجب عليها أن تمارس ثقافة الإلغاء والاستعلاء إلى حد تقسيم
المجتمع إلى طوائف وفئات تتفاوت أوزانها المادية والاعتبارية بمدى قربها
أو بعدها عن الدولة القائمة/ المتغلبة، فمن هم معها مؤثرون فاعلون ومن هم
ضدها أوليس معها فهم منسيون إن لم يكونوا مبعدين. أما الأرض فإنها سومرية
كانت في الأغلب تابعة للإله المحلي بالذات، أي أن ملكيتها عامة على عكس
التوجه (السامي) الذي ينظر إلى أن الأرض مملوكة للعشائر وبالتالي فان
ملكيتها تعود للدولة وحاكمها وبذلك تتحكم الدولة برقبة هذه الأرض مما
يمكنها من تفويض أو نزع ملكيتها.فالملكية سومريا هي للإله وهي مطلقة
بينما الملكية (ملكية الأرض) ساميا فإنها يمكن أن تُكسَب بمدى الولاء
للدولة وسلطتها والاغتناء عن طرقها وهي بدايات بما يعرف اليوم بالمال
السياسي، وهو المال الذي يمكن أن تشتري الدولة به شرعيتها. ولزيادة
التعريف بالعقلية السومرية/ العراقية/ الرافدينية القديمة، فان مدينة
نيبور /نفر (أواسط الفرات) إنما كانت حاضرة بلاد سومر كما يؤكد عالم
البابليات هاري ساكز: رئيس قسم اللغات السامية، الكلية الجامعة- كارديف.
ووضع نيبور/ نفر حاضرة (عاصمة سومر) كان متفوقاً لأنها كانت مدينة منزوعة
السلاح تخلو من قوى أمن وجيش، مفتوحة تجمع في تكوينها بين الأكاديميات
القانونية والعلمية التي تمارس دور الحاكم (Referee) وليس الحاكم
(Governor) وهي تضم المحكمة العليا(التميزية) إذ يتم إرسال قرارات محاكم
المدن لإبرامها أو نقضها ومن ثم إعادتها إلى محاكم المدن.في الوقت الذي
كانت تحفظ فيها كتب وسجلات سومر نفسها أي ان مكتبتها هي المكتبة الوطنية/
الرسمية (الأرشيف الحكومي) الخاص بإدارة الدولة.
وللتدليل على المكانة الفريدة /المتفوقة لنيبور/ نفر فإننا نرجع إلى عميد
السومريات العالم صموئيل نوح كريمر (Samuel Noah (1)krsamer) فقد ورد في
كتاب كريمر)المترجم) وفي الفصل الثامن (العدالة) الذي ثبت فيه ذكر أول
سابقة قانونية الآتي: ارتكبت جريمة في بلاد سومر في حدود (1850) ق.م
وملخص الحادثة أن ثلاثة رجال وهم: حلاق وبستاني وشخص ثالث لم تذكر مهنته
ـ قتلوا احد موظفي المعابد اسمه لو- انننا (LU- INANNAI) أخبر هؤلاء
الثلاثة زوجة القتيل المسماة نن- دادا(NIN- DADA)بمقتل زوجها.ولكن الغريب
أن الزوجة احتفظت بسر القتلة ولم تبلغ السلطات الرسمية بالأمر، بيد أن يد
العدالة كانت حتى في تلك الأزمان الموغلة في القدم مهيمنة مكينة وبخاصة
في بلاد سومر (المتمدنة)، فبلغ خبر الجريمة علم الملك (ور-ننورتا-UR-
NINURTA) وهو في عاصمته في مدينة (إيسن) فأحال القضية إلى مجمع المواطنين
في مدينة نفر وهو المجمع الذي كان محكمة للفصل في القضايا. وفي ذلك
المجمع نهض تسعة رجال ليقاضوا المتهمين وأبدى هؤلاء في نقاش القضية إن
الجريمة لم تقتصر على الرجال الثلاثة وهم القتلة الفاعلون، بل يلزم أيضا
مقاضاة الزوجة بسبب بقائها ساكتة كاتمة للأمر بعد أن علمت بالجريمة الأمر
الذي يجعلها شريكة في الجريمة.وقد وجد محضر هذه المحاكمة الخاصة بجريمة
القتل منقوشاً باللغة السومرية في لوح من الطين الذي كشف عنه في عام
(1950) في أثناء التنقيبات التي أجرتها البعثة المشتركة في المعهد الشرقي
لجامعة شيكاغو ومتحف بنسلفيينا(2) هذا النص لكريمرانما نستدل به على نضوج
الأداء المؤسسي لدولة المجتمع في سومر وفي الممارسة القضائية بالذات لما
سماه كريم (بلاد سومر المتمدنة) إذ إن القضاء والتقاضي وبالشكل الذي ورد
في النصوص التي أمكن الكشف عنها إنما يدل على فاعلية القانون والقضاء في
المجتمع السومري (في تلك الأزمان الموغلة في القدم) ليس لضبط المجتمع
وإما لتنظيمه. إن الجريمة التي وصلتنا في رقم طيني لم تقع في نفر ولكن ما
أن وصلت أسماع الملك، فإنها أحيلت إلى نفر وكانت إحالتها إلى (مجمع
المواطنين)وهي صورة قديمة وقديمة جداً لما يعرف حاضراً بالمحلفين
(juries) إذ يقرر هؤلاء وبعد أن تعرض القضية عليهم إدانة المتهم أو
براءته. قد سمي الرقيم هؤلاء المحلفين بأنهم مجموعة من المواطنين مما
يرفع من شأن الحاضرة نفر المدينة الرائدة المفتوحة التي تتمتع بمثل هذا
الانفراد في التعامل القضائي الذي يحول القضايا إليها ملك المدينة بذاته
ومن حاضرة مدينته.وبذلك يكون تفريغ مدينة بالكامل كي تنظر في مثل هذه
الصعوبات ـ قضائية وغيرها ـ تعزيزا لتمدن بلاد سومر،وهي سمة أفردت بها
سومر حضاريا قياسا بممارسات الحضارات المحيطة بها كالمصرية أو الكنعانية
أو الفينيقية بل حتى البعيدة في الصين والهند ووديانها التي ولدت فيها
أعظم وأقدم المدنيات في العالم، وهو سمو يقف نداً حتى بالنسبة لليهودية.
وليس من الصدف أن الحكم الذي توصلت إليه محكمة نفر السومرية في تلك
الأزمان الموغلة في القدم والذي جرم القتلة وبرأ الزوجة، وبعد عرضه على
الدكتور أوين.ج. روبرتس (owen-j-roberts)عميد كلية الحقوق/ جامعة
بسلفانيا وعضوالمحكمة العليا للولايات المتحدة في الأعوام من (1930-1945)
فكان جوابه ذا أهمية خاصة إذ أبان أن القضاة المحدثين يتفقون مع القضاة
السومريين القدماء، ويحكمون بالحكم نفسه واليك رأي القاضي روبرتس بالنص:
«إن تلك الزوجة لايمكن ان تعد شريكة في الجريمة بموجب أحكام قوانيننا،
فان من ينبغي أن يكون شريكا في الجرم ليس من علم بارتكاب الجريمة فقط بل
يجب أن يكون قد آوى القاتل أو أسعفه أو زين له أو ساعده»(3).
ومما يفرز مكانة كريمر نفسه في كتابه(الأساطير السومرية): «وفي خلال
المئة سنة الماضية تم اكتشاف ما يقرب من 5000 قطعة أدبية في التلال
السومرية القديمة ومنها ما يزيد على 2000 أي أكثر من ثلثي مصادرنا
المادية اكتشفت من قبل جامعة بنسلفانيا في التلال التي تغطي موقع (نفر)القديمة
وذلك خلال أربع حملات علمية مرهقة استمرت من عام 1889-1900 ولهذا فان هذه
الألواح والكسرات تمثل المصدر الرئيس لإعادة تركيب التآليف
السومرية.وتعتبر هذه التآليف نتاجاً أدبيا مكانة مرموقة بين ما ابتدعه
الإنسان المتمدن من نتاج ذهني وليس من العسير مقارنتها بالطرف الأدبية
الإغريقية والعبرانية القديمة، وهي كتلك الطرف تعكس الحياة الروحية
والثقافية لحضارة أخرى عرف عنها الشيء القليل،ومن الصعوبة جداً القول بان
إبراز أهمية هذه التآليف بالنسبة للتطور الروحي والثقافي في الشرق الأدنى
يعتبر مغالاة في التقدير.
فهل يمكن مؤارخة مدينة نفر/ نيبور بأحد المدن العراقية التي قد تقترب
منها ،بما فيها بغداد؟ إن مثل هذه المؤارخة بين المدن السومرية/ البابلية
ومدن العراق في الوقت الراهن بل مدن المنطقة بكاملها يصعب الإقرار بها،
لأن الميزان الحضاري إنما يميل بالضد منا فان تصنيف مدننا (مدن الشرق
بأسره)إنما تقع في خانة ما يسمى بالمدن ما قبل الصناعية (reindustrialize
cities)وهذا يعني أن مدينتنا زراعية(city agro-) لأنها تعتد في اقتصادها
على الزراعة مما يضعها تحت رحمة الظروف الطبيعية ويحول دون مستقبل مضمون
للمدينة، مما يبقيها في حدود البلدة (Town) دون أن يرتقي بها إلى مستوى
المدينة (city) والوصول بها الى المستوى المتروبوليتاني والميكابوليتاني،
ويمثل هذا المستوى الاقتصادي / الاجتماعي الديموغرافي /الثقافي الذي تصنف
به مدننا في الحاضر. إن الوصول بالمدينة إلى مستوى نيبور/ نفر يكاد يكون
صعبا وبالأخص إذا قرن ذلك بفتح المدينة وإبعاد العسكر عنها وتقديم
الأكاديميات على المؤسسات الإنتاجية والادارية والخدمية فيها بعيدا عن
الفساد والعنف والإرهاب.
وتوسيعا لمفهوم الممارسة أو المدارسة التاريخية وفتح مجال التعابر بين
الحقب/ الازمان/ الأجيال مما يرقى الى مستوى المؤارخة، ما ورد في الرقم
الرافدينية القديمة من أن المجتمع (الناس) آنذاك إنما انقسموا إلى ثلاث
فئات/ شرائح/ مراتب/ طبقات،تتضمن: الأحرار، وبعيدا منهم العبيد، في الوقت
الذي بزغت فيه مرتبة جديدة احتلت وسط الهرم الاجتماعي أطلق عليها تسمية
مشكينو(mish Kino) أو المسكينو، وهي ليست بالضرورة الصورة القديمة/
التاريخية لما يسمى حاضرا (المساكين) في ثقافتنا الاجتماعية السائدة رغم
أنهم ليسوا بعيدين عنها.
وديموغرافيا فان من يبقى/ يقطن الأرض يعبد فيها (abode) ليس هم الأحرار
لأن الأرض عندهم وسيلة لتحقيق المكانة لذا فقد يتركون أرضهم ليتحولوا إلى
ملاك غائبين. أما العبيد فالأرض لهم وسيلة مثلهم مثل الأحرار فهم يرتزقون
منها وقد يغادروها إذا شحت عليهم مواردها. أما المشكينو/ المسكينو فهم
الباقون في الأرض لأنها الغاية لهم فهم من يسكن الأرض ومنها اشتقت كلمة (مسكان)
الفرنسية.
وقد اتسعت هذه الطبقة من المشكينو أيام حمورابي وربما كان ذلك احد دوافع
تحويله الأعراف العشائرية إلى قوانين (شريعة) نظرا لتداخل هذه الأعراف في
الوسط المشكيني مما يؤدي إلى تقاطعها وإشاعة نوع من الانقلاب الأعرافي.
لذا فقد سماهم حمو رابي: (ذوي الروؤس السود) لتداخل تواجدهم ، وصور نفسه/
ذاته بأنه كالشمس أراد لها أن تطلع على ذوي الروؤس السود .وبمؤارخة أو
مدارسة أعمق فان السواد أطلق على ريف العراق، وبذلك يتميز العراق بأنه
يضم احد اكبر أرياف العالم الذي يمتد من واسط ليغطي جنوب الدلتا
الرافدينية وما يتبعها من اهوار بابلية وسومرية.
وهذا الريف المشكيني/ العراقي/ الرافديني/ بأصوله الحضارية/ التاريخية
الموغلة في القدم احد أهم مصانع الأحداث التاريخية والحوادث الاجتماعية
التي صاغت المقومات التكوينية الأساس (Proto-type) للشخصية العراقية. إن
الجواهري الكبير كان دقيقا عندما ربط بين الضجة والإصلاح ومن سماهم
بالخوارج الذين يضعون التاريخ : «ضج الجنوب فقيل صنع خوارج» إذ إن اغلب
حركات الاحتجاج والرفض والتمرد إنما تجد أصولا لها في هذا الريف العراقي
فهي امتداد للعروق الرافدينية القديمة (الوركاء اسمها)(5) وهي الأقرب
للعروق ، وفي الوركاء قام ما نسميه في لغة السياسة المعاصرة بنظام
المجلسين (bicameralcongrss) شيوخ ونواب.لقد وجدت مثل هذه المخترعات في
بناء المؤسسات التشريعية في سومر (وسط مستنقعات السهول الرسوبية وحر
الصحاري القائض ـ أول اجتماع لهيئة تشريعية كان بمثابة هجين جمع بين حالة
لديموقراطية أولية (Protodemocracy) من جانب ومجلس قبلي تقليدي (Tradiionaltrbalcomeil)
من جانب آخر، وهو ما حفظه لنا بفضل الاختراع السومري الأثر:(لكتابة)..لقد
تكاثفت الخبرة الرافدينية بفضل خلطة ذكية بين التوسع العسكري والتعاون/
التدعيم الثقافي (cultural cooperation) والخبرة المكتسبة عمليا من
المران والتمرس الطويلين(6) . وقد المح احد الكتاب المحدثين إلى مثل هذه
المؤارخة (التعابر التاريخي) فقد استعرض تاريخ العراق (ارض سومر البابلية)
منطلقا من آلية تبريرية تجمع بين التوحد والتفكك تبطنها موجات من الغزو
وهجرات ديموغرافية واسعة، ومفهوم (غزوة/ هجرة) مفهوم قلق إذ تتم الغزوات
في فترات القوة/ الضعف أي إنها سياسية الطابع أما الهجرات فإنها تحدث في
فترات الجدب/ الرخاء والازدهار فإنها حضارية الطابع وهو تدليل للاختلاف
بين العقلية السومرية الرافدينية/ العراقية القديمة وعقلية أهل الطروء،
فما يعده أهل العراق الرافد يني القديم هجرة يعده أهل الطروء غزوة.
والدمج بين الغزوات والهجرات خلط وقع به الكاتب المحدث وبرره بإطلاق آلية
مفتعلة عليه تمثلت بالتوحد والتفكك. ويضيف هذا الكاتب المحدث قائلا :(..
وأعيدت إلى بابل زعامتها لفترة الى ان عاد العراق عرضة لفتوحات الفرس
فالمقدونيين والبيزنطيين وغيرهم ثم جاء الفتح الإسلامي (غزوة وهجرة)
وابرز مراحله معركة القادسية (637) م التي طردت الفرس من بلاد مابين
النهرين غير أن معركة صفين التي تلتها أعطت العراق شخصية سياسية متمايزة
طائفيا من خلال تمركز الخوارج والشيعة فيه من خلال التمرد المستمر ذي
الطبيعة الاجتماعية أحيانا للموالي. غير أن العراق عاد فأصبح مركز
السلطنة بعد749 م وإعلان أبي العباس نفسه خليفة وانتقال عاصمة الدولة
الإسلامية إلى بغداد بعد ذلك بسنوات)(7). والنص على حداثته وحذلقته بائس
لأنه خلط بين الغزوة والهجرة وبين العقلية العراقية الرافدينية القديمة (السومرية/
أهل السواد) وبين عقلية أهل الطروء. فهناك تداخل في ذهن هذا الكاتب (المعاصر)
لأنه لم يستطع فهم كيف يمكن أن تحدث ـ وفي العراق نفسه ـ معركتان تحملان
كماً مختلفا من التاريخ فعلا واتجاها؟ القادسية وصفين،ولماذا أعطت صفين
شخصية متميزة طائفياً من خلال تمركز الخوارج والشيعة فيه إلى الحد الذي
يتحول فيه الكاتب نفسه إلى قناعة تقرب من الاتهام هي أن دعاة إنشاء دولة
العراق الحديثة (قد يجدون لها جذورا عميقة في سومر والأكاديين والبابليين
والعراق المتمرد على معاوية والخلافة العباسية)(8). فهل هذا تمرد؟ وهل
الثورة على الحاكم خروج على مألوف الطاعة وخنوع الرعية؟ وبالأخص إذا كان
الحاكم مستبدا؟ والمؤارخة ـ بتعابرها التاريخي ـ تؤكد ان القادسية هي تحد
لحاكم مستعبد أي ثورة ضد الاستعباد (ظلم الخارج/ الآخر).
أما صفين فإنها تدليل على سلوكية عراقية لها جذورها في ارض العراق وسواده
بالذات، وطبقته المشكينية سواء أكانت خارجية أم شيعية لايمكن أن ترتبط ـ
بالتمرد والطائفية ـ وهي توصيفات سياسية مصنوعة ـ كما يراها الكاتب
المعاصر وإنما هي تحركات لمكونات فاعلة في التركيبة الأساس للمجتمع
العراقي وبالأخص عندما يلتقي التاريخ ثانية بالأرض فتفيض الكأس
الرافدينية بالدم بدل الماء. وقد اختلف مع الكاتب المعاصر في إطلاقه صفة
(العراقويون) على من يريد أن يتمسك بالأرض العراقية لأنه يرى ان العراق (السياسي)كيان
مصطنع لابد من أن يتم وفق اتفاقات إقليمية ودولية قد تلون مكونات الداخل
إلى حد الانقسام. ويغفل الكاتب المعاصر مفهوم المؤارخة والتعابر التاريخي
والتأكيد على أن القول الفصل في مصائر الشعوب الحضارية (القديمة) إنما
يرجع إلى مجتمعاتها وليس إلى دولها، فما زال تأثير سومر قويا والأرض
مازالت تسمى ارض سومر ولا باس من العودة إلى الجذور القديمة لأنها تكون
المرجعية الأساس التي ينطوي تحتها الحاضر. وبذلك يمكن إعادة ترتيب
الحادثات (حوادث وأفعال ومواقف) ضمن حدود هذه المظلة الحضارية التي تكون
فيها البصرة جنوبا لأرض تمتد إلى الموصل والموصل شمالا لأرض تصعد إلى
البصرة. فهناك عراقيون أرضهم تاريخهم وتاريخهم أرضهم لذا فليسوا هم
عراقويون مدعون.
وبعد أن يستعرض الكاتب المعاصر السلوكيات السياسية في العراق الحديث
وبالأخص منذ الفترات الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والبدايات
المبكرة لتشكيل كيان سياسي في العراق وهو يميل إلى النظر إلى الوضع
العراقي بعيون إقليمية أو دولية تجعله يقفز على العديد من الخصوصيات
العراقية التي ضاعت أو نحيت بفعل تأثير السياسات الخارجية الاستعمارية
عليها ومدى الصدمة التي شعر بها سكان (الوطن العربي الشرق أوسطي) بأنهم
ضحايا لعبة دولية (مؤامرة) يمكن أن يكون القصد منها حرف اهتماماتهم عن
المشتركات التي تجعل منهم أمما وليس دولا. لقد طغى تشكيل الدولة على بناء
الأمة واستسلمت العديد من النخب المفكرة للقدر وعدت نفسها ضحية مؤامرة
كبرى لا قبل لها على مجابهتها مما ادخل مثل هذه النخب ـ ومنها العراقية ـ
في تيه تلاه طريق مسدود ليتعاقب عليهم ليل من ألازمات ونهار من
العقبات.في وسط هذا الظلام والإظلام يحاول كاتبنا المعاصر إنارة الشمعة
التالية مدللا على خصوصية العراقي (السياسي) دون أن يرتقي به إلى مستوى
تقدم قرار المجتمع العراقي على الكيان السياسي المصطنع (الدولة/ السلطة)
فيقول:(إن مدى قبول العراقيين للكيان الذي يجمعهم كان اكبر مما اعتقده
الوحدويون ، بل إن العراقيين بدوا مستعدين للتمييز بين مشاريع حزب
الاستقلال أو جماعة الأهالي كما يبرز ضمنا في وثبة 1948 وانتفاضة1952 على
الرغم من أن بعض المؤرخين خلط بين تأثير الانتفاضة وبين اتجاهها الوحدوي
المزعوم. لهذا استطاع قاسم والموجة الوحدوية في عزها أن يطرد عبد السلام
عارف (القومي) من السلطة وان يقمع تمرد الموصل (العروبي) بالتحالف مع
الحزب الشيوعي كما مع رموز مهمة من العمل الوطني ضد النظام الملكي من دون
أن يرفضه العراق تلقائيا.ولم يتزعزع هذا القبول فعلا مع سقوط النظام (الانعزالي)
فلا الأخوان عارف ولا حزب البعث استطاعوا أن يخطوا خطوة واحدة في اتجاه
وحدوي عربي ، فلم تدم الموجة الوحدوية مع سوريا إلا شهرا واحدا عام1979،
كما لم يدخل العراق (أو انه لم يُدخَل) إلى مجلس التعاون الخليجي، لا بل
انه يمكن القول بان كل اتفاق مع الأقلية الكردية المتمردة كان يتم لمصلحة
تثبيت دعائم الكيان العراقي إذ تضطر السلطة إلى إعادة تأكيد تمسكها
بالوحدة الوطنية العراقية. زد على ذلك اندلاع الحرب مع إيران واقل ما
يقال عنها أنها لم تؤد إلى صعود تيار عربي قومي مؤيد للموقف العراقي، ولا
أنها على عكس التوقعات الإيرانية أدت إلى حركات انفصال حقيقية في الأوساط
الشعبية مما يهدد وحدة الكيان بصورة ملموسة. وقد تكون أحدى نتائج الحرب
إن هي لم تنته بانتصار ساحق لأحد الطرفين مزيدا من تقوية شرعية الدولة
العراقية(9).
الهوامش
ــــــ
(*) مفكر وباحث اكاديمي، أستاذ في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية.
(1) كريمر من ألواح سومر 1956 ت،طه باقر ص. 123-124.
(2) قدمه إلى العربية علم من أعلام الفكر ألآثاري العراقي: طه باقر.
(3) (المصدر نفسه ص126-127)
(4) كريمر/لاساطير السومرية، ترجمة يوسف داوود عبد القادر (1971):20 .
(5) برودي/ العراق الجديد /2003.
(6) المصدر نفسه/43.
(7) غسان سلامة (1999) المجتمع والدولة في المشرق العربي :30.
(8) المصدر نفسه/31.
(9) المصدر نفسه/39.
|
|
|