|
الاحد 20/01/2008
قراءة لحقائق التغيير في المجتمعات التقليدية
العراق وقضايا المرحلة الانتقالية
د. علي وتوت(*)
( خاص للمعهد )
الورقة في عنوانها ذاك، اقتضت وقفاتٍ أربع، هي:
الأولى: في التمهيد
استمر الفلاسفة، ومن بعدهم
السوسيولوجيون (علماء الاجتماع)، متمسكين لفترة طويلة بافتراض مؤداه أن (التغير
الاجتماعي Social Change) يخضع لنموذجٍ متميز، وأن جميع المجتمعات تتجه
بالضرورة نحو حالة مثالية. وبينما ينجم التغير بالنسبة لباحثين محدثين
بصورة رئيسة عن عوامل خارجية، فإن آخرين أكدوا أن العوامل الداخلية شرط
رئيس في حدوث عمليات التغير في المجتمع.
غير أن من المؤسف، أن نكتشف أن الرؤية الداخلية للتغير الاجتماعي لها في
حد ذاتها سحر لا يقاوم، هذا السحر ذو طابع ثقافي، أو آيديولوجي، أو ربما
في آنٍ معاً. لكن، وكما حدث في العراق، قد لا تكون هذه الرؤية دوماً
كافيةً لفرض التغيير وقيام واقع جديد، وإذا ما كانت القضية هكذا علمنا
مدى صعوبة تقبل التغير من الخارج، في مجتمعات تحسُّ دوماً بأنها مستهدفة
في أسس وجودها وثقافتها (دينها، ولغتها، وعاداتها وتقاليدها) !!
مع التأكيد بأن التغير في مجتمع العراق عادةً ما كان يتم بفعل عوامل
خارجية، وذلك منذ أن فتح الجزريون المسلمون أرض العراق قبل أكثر من أربعة
عشر قرن، وصولاً إلى دخول رياح الحداثة بفعل الكولينيالية الغربية
المباشرة، التي استولت على معظم أجزاء الشرق الأوسط بدايات القرن الماضي،
والتي نظمت وجودها فيما بعد بنظامٍ تعامل مع هذه المجتمعات في أرضه
بدونية، كقاصر لا يمكنها إدارة نفسها وحل مشاكلها ذاتياً، فكان نظام
الانتداب نظام (وصايةٍ) بالمعنى الفعلي للكلمة. لكنه لم يستهن عبثاً
بالإدارة العراقية في الدولة الحديثة التي أثبتت طوال عمرها، أنها ليست
على قدر المسؤلية، وليست بالكفاءة التي يتصورها البعض. فما بين
الاحتلالين (البريطاني والأمريكي) لم ينجح العراقيون في إدارة مجتمعهم
بشكل سوي.
وإذا ما كان العراق يعدُّ من المجتمعات النامية، فإن لظروفه الاستثنائية
لاشك، توصيف آخر، يتجاوز عمليات التغير التي تحدث في تلك المجتمعات بعامة.
إذ فرضت عمليات التغير القسرية بوجهها الخارجي ممثلة بالاحتلال الأمريكي
شروطها الخاصة، لكن النافذة، على مبدأ عملية التغير وآلياته، وبهذا
استوفى المجتمع في العراق صفة (الانتقالي)!!.
ولأن لكل ظاهرة اجتماعية جوانبها الإيجابية والسلبية، فلا شك أن عملية
التغير في بُعدها الانتقالي في العراق، ممثلةً بالحرب ونتيجتها الكارثية
ممثلةً بالاحتلال، تضم شيئاً من هذا وذاك، فما هي أهم قضايا المرحلة
الانتقالية التي عاشها المجتمع في العراق -ولا زال- ؟ وأين مكامن القوة
في عملية التغير والانتقال إلى الحداثة وأين نقاط الضعف ؟ وهل تتجه عملية
التغير نحو هدفٍ معين ؟ وما هو الشكل النهائي الذي يتشكل به ؟ وما الذي
يجب عمله لضبط عملية التغير الاجتماعي والتحكم فيها ؟ وأخيراً هل أن
قضايا المرحلة الانتقالية نالت حقها من الاهتمام والبحث والتحليل ؟
فضلاً عن إجابة هذه الأسئلة، سنحاول في الورقة الحالية طرح عددٍ من
القضايا الملحة التي تُثيرها عملية التحول والانتقال التي يعيشها المجتمع
في العراق بمختلف نواحيه وأوجهه. فالمجتمع في العراق، والذي أصابته
تحولات وانتقالات فجائية، حاول بعض أفراده وجماعاته، فضلاً عن إدارة هذا
التحول والانتقال ممثلةً بسلطة الاحتلال، اختزال تجارب مجتمعية امتدت
لعقود طويلة، بل لأكثر من قرن في بعض الأحيان، إلى أشهر قليلة !!! فكان
أن أصيب المجتمع بالعته والخبل... !!!
ولنتذكر مثلاً أن التغير جلب معه حرية واسعة جداً بمقابل قمع قل نظيره،
كان يسود هذه الأرض ويحكم سكنات أفرادها، وجلب معه ديمقراطية سياسية
شكلية في معظم تطبيقاتها، بمقابل مجتمع تعشعش فيه ثقافة الدكتاتورية
ومصادرة الآخر، في وجوده وبقاءه، وليس قمعه وتهميش رأيه فحسب، بشكلٍ راسخٍ
يصعب تغييره بسهولة. فهل كانت الديمقراطية العراقية في عهدها الأمريكي (منفلتةً)
كما وصفها باحث عراقي(1).
من أجل هذا وذاك سنعرض، ونحن نناقش إشكاليات التغير والانتقال والتحول،
لأنموذج يمكن أن يعبر عن واحدةٍ من القضايا الكبرى التي تواجه المجتمع في
العراق في تغيره وتحوله وانتقالاته، وتلك هي قضية ثقافة (العائلة)
العراقية، وإمكانية الانتقال بها لثقافة وقيم مجتمع الحداثة ممثلةً
بـ(الأسرة).
الثانية: تعريف المفاهيم
والمفاهيم التي وردت في عنوان الورقة (بشقيه الرئيس والثانوي) عدة، لكن
أهمها:
التغير الاجتماعي Social change
من الصعب تعريف التغير الاجتماعي لأن
كل شيء في حياتنا كما نعلم هو عرضة للتغير المستمر على الدوام. والاهتمام
بالتغير الاجتماعي قضيةٌ قديمة. فقد اهتم المفكرون والفلاسفة في مختلف
العهود برصد التحولات التي تطرأ في مجال الحياة الاجتماعية. فكتب عن هذا
فلاسفة الإغريق، ومن جاء بعدهم، ثم أتى دور مفكري عصر التنوير ومَنْ
بعدهم. ومثلت أعمال هؤلاء العلماء رصيداً للمتخصصين في مجال العلوم
الاجتماعية المعاصرين.
وتجدر الإشارة الى أن اصطلاح (التغير الاجتماعي) قد استخدم أول مرة
وبصورة عرضية في كتابات آدم سميث وعلى الأخص في كتابه المشهور (ثروة
الأمم) الذي نشر في القرن الثامن عشر، لكن لم ينتشر ويصبح واسع التداول
إلا بعد نشر عالم الاجتماع الأمريكي وليم أوجبرن W. Ogbern كتاباً يحمل
هذا العنوان في عام 1922(2).
ولن نحاول هنا الترويج لتعريفٍ دون سواه، لكننا نجد أن بعض التعاريف تصل
مبتغاها بشكلٍ أكثر دقة. هكذا يرى ولبرت مور W. Moore أن التغير
الاجتماعي هو التبدل في الأنساق الاجتماعية كأنماط الفعل الاجتماعي،
والتفاعل الاجتماعي بضمنها النتائج المترتبة في القواعد والقيم والناتج
الثقافي(3).
فيما يرى كنكزلي دافيز K. Davis أن التغير الاجتماعي يعني التبدل الحاصل
في التنظيم الاجتماعي والذي يجمع بين البناء والوظائف في المجتمع، ولكنه
يعد التغير الاجتماعي جزءاً من التغير الثقافي(4).
ويشير محمد عاطف غيث إلى أن التغير الاجتماعي هو نمط من العلاقات
الاجتماعية في وضع معين، يظهر خلال فترة محدودة من الزمن(5).
والتغير صفة أساسية من صفات المجتمع، وهو لا يخضع في العادة لإرادةٍ
معينة، بل إنه نتيجة لتيارات وعوامل ثقافية واقتصادية وسياسية، يتداخل
بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في الآخر. فما دام الإنسان كائناً اجتماعياً
فإن التغير الاجتماعي معناه، التغير الإنساني، وكل تغير في المجتمع ينعكس
على الإنسان بالضرورة(6).
المجتمع الانتقالي Transitional Society
هو المجتمع الذي يعيش تحولاً في
مؤسساته الاجتماعية من التقليد الى الحداثة، فيعيش أفراده وجماعاته
إشكاليات التقليد والابتكار، أو الأصالة والمعاصرة، في محاولةٍ منهم
لبناء تصورٍ أو صيغةٍ للاجتماع لها خصوصيتها. فالمجتمع الانتقالي يجد
صعوبةً في تطبيق الصيغ المنقولة من مجتمعات أخرى متقدمة على ظواهر
ومشكلاتٍ مجتمعية خاصةٍ به(7). لكنه بنفس الوقت لم يتوصل بعد لبناء
نموذجه المتوازن.
فالمجتمع الانتقالي يتميز بتعدد القطاعات الاقتصادية ذات الملكية
المختلفة، فهناك ملكية جماعية في القطاع التقليدي, وقطاع عام مملوك
للدولة, وهناك أيضاً ملكية فردية. كما يتميز بدرجات مختلفة للإنتاجية
بسبب تعدد مستوى التقنيات المستعملة في هذه القطاعات. ومن خصائص المجتمع
الانتقالي كذلك تعدد القيم والولاءات وأنماط السلوك التي تمتد من قيم
وولاءات، وأنماط سلوك حديثة إلى أخرى تقليدية. ومن الشائع أيضاً أن كل
انتقال في المجتمع يتميز بالعنف لأنه يتضمن إعادة توزيع للسلطة السياسية
وللثروة في آن واحد.
وفي المجتمع الانتقالي تضعف المؤسسية، وآليات الضبط الاجتماعي الرسمية،
وتتعدد القيم وتتمزق بين قيم جماعية تقليدية وقيم فردية. فتصير القيم
الجماعية والولاءات الأولية خاصة القبلية وعلاقات القرابة المتبقية من
المجتمع التقليدي دافعاً للفساد لمصلحة الفاسدين وأقاربهم وذويهم. وتخضع
العلاقات الاجتماعية في كثيرٍ من ملامحها للتنظيم التقليدي، إذ ترفض نخب
المجتمع التقليدي توزيع السلطات والمكانات بشكلها الحديث، لأنها تفقدها
ولا شك مكاناتها ومراكزها الاجتماعية.
غير أن أهم مظاهر التحول في المجتمع الانتقالي، هي التحول من السلطة
التقليدية إلى سلطة المكاتب (البيروقراطية) وخاصة المؤسسات التربوية
والقانونية والسياسية والاقتصادية، وحصول تغير في عدد ونوع القوى العاملة.
والتحول في البناء السكاني واتجاهاته، (بمعنى قلة نسبة الولادات بسبب
الاهتمام بالناحية الصحية والغذائية، ويحصل التأكيد على سياسة تنظيم
ميزانية الأسرة وتنظيم النسل). وكنتيجة لهذه التحولات تظهر جماعات
وتكتلات وأحزاب سياسية ونقابات مهنية عديدة ومنظمات اجتماعية تهتم
باحترام الفرد وتقدم الخدمات له(8).
ولكن المرحلة الانتقالية التي يمر بها المجتمع في العراق، حيث تسود
الثقافات الفرعية والإسهال السياسي، والأزمة العميقة للهوية، لا يمكن أن
تجد نهايتها من دون النجاح في بناء ثقافة أخرى جديدة ومغايرة، قادرة على
التعامل مع قيم الحداثة والديمقراطية وإنجاز التنمية الاجتماعية بشكلٍ
فاعل، في ظل دولة مؤسسات حديثة ومجتمع يحترم القانون، يقيم أوده مواطنون
فاعلون وجماعات فاعلة. وهذا يتطلب تكاتفاً بين صانع القرار السياسي
والمثقف، منتج الثقافة والأفكار، والذي يلعب الدور الفاعل في تغيير
الثقافة التقليدية وتكييفها مع متغيرات السياسة والتقانة الحديثة.
الثقافة Culture
إن الاختلاف في تحديد مفهوم (الثقافة) عائد إلى تعدّد التخصصات المعرفيّة
التي بحثت هذا المفهوم، ولعل أقدم تعريفاتها، وأكثرها شيوعاً، التعريف
الذي وضعه الأنثروبولوجي الكبير إدوارد ب. تايلر E. B. (9)Taylor مشيراً
إلى أنها: (ذلك الكم المعقد من الذي يحتوي على المعلومات، والمعتقدات
والفنون والقيم والقوانين والعادات، وأية إمكانيات أو عادات يكتسبها
الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع). ولم تخرج معظم تعريفات الباحثين، في
مختلف العلوم، فيما بعد، عن تعريف تايلر ذاك.
غير أننا لم نجد تحديداً لمفهوم الثقافة أكثر توافقاً وصدقاً مع واقعها،
سوى تعريف أشاس مونتاجو A. Montagu لها بأنها (استجابة الإنسان لإشباع
حاجاته). فبينما تنتظم الحاجات الإنسانية في قائمة طويلة تبدأ بالحاجة
إلى الطعام والشراب والنوم والجنس، والحاجة إلى الأمن والطمأنينة و.. ما
إلى ذلك، مما وصفه إبراهام مازلو I. Maslow في هرمه الذائع(10).
فالثقافة هي الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان لإشباع تلك الحاجات ضمن
بيئته الاجتماعية. ويستطيع الإنسان بوعيه وقدرته وممارساته الاجتماعية
تعلم تلك الوسائل عمن سبقه، ونقلها إلى من يلحقه. وهذه الطرق أو النظم هي
ما يدعوها الأنثروبولوجيون بـ(النماذج الثقافية).
وتأسيساً على ذلك، يمكن القول أن ضرورة الثقافة لفهم الحادثات في أي
مجتمعٍ البشري، والتنبؤ بإمكانية وجودها أو حدوثها، لا تقل أهمية عن
ضرورة استخدام مبدأ (الجاذبية) لفهم أحداث العالم الطبيعي وإمكانية
التنبؤ بها(11).
فالثقافة تبين للناس طرق الحياة، وهي أعم مما تعلموه من بيوتهم أو
مدارسهم أو محيطهم. فالثقافة جزء من نسيج كل مجتمع. فهي تصقل الطريقة
التي تنفذ بها الأمور وتؤثر على فهمنا لأسباب القيام بها. وهي تشكل هويات
الأفراد ونوعهم الاجتماعي (الجندر) والعلاقات فيما بينهم، إذ تحدد طريقة
الحياة اليومية داخل العائلة والمجتمع بأكمله. وتؤثر الثقافة على الحاجات
الفردية والتفاعلات الاجتماعية، مثلما تؤثر في الاقتصاد والسياسة(12).
وهذا يعني أن الثقافة تقود الإنسان إلى القيم، حيث يمارس الاختيار ويعبر
عن نفسه بالطريقة التي يرغبها، وبالتالي يتعرف إلى ذاته، ويعيد النظر في
إنجازاته وسلوكياته. وعلى الرغم من ذلك، فإن أية ثقافة لا تؤلف نظاماً
مغلقاً، أو قوالب جامدة يجب أن يتطابق معها سلوك أعضاء المجتمع جميعهم،
فقد يختلف أفراد الثقافة الواحدة فيما يتبنّونه من قيم(13).
وتأسيساً على ما سبق، يمكن رصد ثلاث خصائص رئيسة تميز الثقافة، هي:
1) أنها اختراع إنساني، فهي ما يميز الإنسان عن الحيوان، فالأخير لا يملك
ثقافة، لأنه يعيش على الغريزة.
2) أنها تنتقل من جيل إلى جيل على شكل عادات وتقاليد ونظم وقوانين، وكل
جيل يضيف إليها نماذج جديدة، كما قد تنتقل من وسط اجتماعي إلى آخر.
3) أنها قابلة، ولو بصعوبة، للتعديل والتغيير. إذ يلجأ كل مجتمع وكل جيل
إلى تغيير نماذجه أو طرقه ووسائله لتلبية حاجات أفراده، وفق ما يتكيف مع
ظروفه البيئية(14).
الثالثة: في فهم عملية التغير... رؤية نظرية
هل يمكن الركون إلي التحليل السياسي في قراءة جميع الظواهر المتعلقة
بقضية ما، أم أن هناك مقتربات أخرى يمكن الإفادة منها لرصد الملامح
المختلفة والمتنوعة التي ترافق مختلف الظواهر، مع أهمية الأخذ بالاعتبار
أن التنافس يبدو جلياً وشديد الوضوح في مسار تحديد العلاقات القائمة بين
الرؤى والأطروحات التنظيرية في المجالات المختلفة.
إذ تمسك علماء الاجتماع لعقود طويلة بافتراض مؤداه أن (التغير الاجتماعي)
يخضع لنموذجٍ متميز، لا بل متفرد، كما هو الحال مع سان سيمون S. Simone
وأوغست كومت A. Comte وكارل ماركس K. Marx، والذين افترضوا أن جميع
المجتمعات تتجه بالضرورة نحو حالة مثالية، بفعل عامل محدد (كان متمثلاً
بالدين، كما هو الحال لدى فوستيل دي كولانج F. de Coulanges، وماكس فيبر
M. Weber، بصورةٍ أو بأخرى، أو تطور التجارة العالمية، كما هو الحال لدى
مونتسيكيو Montesquieu، أو الحتمية الاقتصادية كما هو الحال لدى ماركس)(15).
وبينما ينجم التغير بالنسبة لباحثين محدثين مثل نيسبت Nisbet بصورة رئيسة
عن عوامل خارجية، فيما رأى آخرون أن للعوامل الداخلية شرط رئيس في حدوث
عمليات التغير والتحول في المجتمع، وكما أبرزت ذلك أطروحة ماكس فيبر التي
تقول بأن الإصلاح البروتستانتي، بخلقه نمطاً أدبياً متفقاً مع تطور
الاستثمارات والتوفير التي تشكل شرطاً للتراكم الرأسمالي، قد لعب دوراً
حاسماً في تطور الرأسمالية(16).
وغالباً، وبشكلٍ عام، إذا ما قلبنا صفحات أي كتاب في سوسيولوجيا التغير
الاجتماعي (راجع ولبرت مور W. Moore، وغي روشيه G. Rosher مثلاً)، نجد
محاولات طموحة لوضع تنظيرات ذات طموح تعميمي. أحياناً تبحث هذه النظريات
عن أسباب التغير أو عوامله، وفي أحيانٍ أخرى تحاول وصف مراحله، بينما
تبحث تنظيرات أخرى في أشكال التغير(17).
إن الباحثين المحدثين في السوسيولوجيا يميلون بعامة، إلى رفض الفكرة التي
تقول بوجود سبب مهيمن للتغير الاجتماعي. ولكنهم يميلون بالمقابل إلى
الاعتراف بتعدد أنماط التغير، فبعض عمليات التغير تكون نابعة من الداخل،
أي تحددها عوامل داخلية لنسقٍ اجتماعي معين. وأخرى يكون مصدرها الخارج.
وعمليات أخرى تكون مختلطة، كما أن بعض عمليات التغير تسير في خط مستقيم،
في حين تسير أخرى في خطوط متعرجة، وبعض العمليات تكون متوقعة، بينما يصعب
توقع أخرى، بل إنها تكون مفاجئة لأنها تكون في بعض الأحيان، في مرحلة
معينة من تطورها(18).
إن رؤية عالم الاجتماع الكبير إميل دوركهايم E. Durkheim، لتفسير التغير
الاجتماعي، وانتقال المجتمعات الأوربية، وخاصة المجتمع الفرنسي، من
التقليدية الى الصناعية، لا يمكن تمثلّها في حالة العراق، فسيرورة هذا
الانتقال، حيث افتقد المجتمع الفرنسي انسجامه، لظهور بنيات اجتماعية
جديدة مرتبطة بـ(الفردانية)، بدلاً عن التضامن الاجتماعي التقليدي،
عائلياً كان أم عشائرياً، فقد كان تغيراً مستنداً إلى عوامل داخلية (زيادة
ديموغرافية كثافة وعدداً)، وتغيراً متوازناً، إلى حدٍّ كبير، في الوقت
عينه، فلم يترك آثاراً جانية مؤذية كثيرة.
فيما يمكن الاستناد لتفسير حالة التغير في العراق، إلى رؤية وليم أوغبيرن
W. Ogbern التي اعتمدها شيخنا الوردي، والمتمثلة بوصف ما يحدث من ارتباك
في عمليات التغير بأنه فجوة ثقافية Culture lag. هذه الرؤية يمكن تطبيقها
على حالة المجتمع في العراق، الذي يمر بحالة يمكن دعوتها سوسيولوجياً
بـ(الانتقالية).
ذلك أن المجتمع في العراق يشهد تحولات عميقة في بنيته التحتية (من
الدكتاتورية إلى الديمقراطية على المستوى السياسي، ومن الإنغلاق إلى
التواصل والانفتاح على العالم، ومن الواحدية إلى التعدد على مستوى الرؤى،
ومن التخلف على المستوى التقني إلى انتشار أحدث التقانة الموجودة في
العالم... وما إلى ذلك). هذه التحولات في المرحلة الانتقالية رافقتها
سلبيات كبرى، ومظاهر مغرقة في شذوذها تعمل على إفقاد المجتمع لتوازنه
التقليدي، والذي كان يضمن له قدراً كبيراً من التماسك بين مكوناته. فقد
اتجه بعض أفراد المجتمع وجماعاته، وبفعل حالة اللا توازن الى ممارسة بعض
السلوكيات الفردية والظواهر الاجتماعية غير السوية، كاللجوء الى العنف
وإنتاجه بصيغ تثير الاشمئزاز. فضلاً عن أن الظواهر المتطرفة تحمل بالفعل
في طياتها دلالاتها الخاصة، والتي تدل على أن المجتمع فقد توازنه
التقليدي، وأصبح يتجه نحو بناء توازن جديد.
هنا يمكن أن نشير إلى أنه بالرغم من هذه الظواهر الشاذة، فأفراد المجتمع
وجماعاته، لا شك يسيرون نحو الحداثة، ولابد من أن يدفعوا ضريبة هذا
التحول. إذ إن هناك تلازم سوسيولوجي بين جميع هذه الانتقالات، فهذا
التحول السوسيولوجي البنيوي ولدَّ استحقاقات لجماعات جديدة انبثقت بأعقاب
التغير، وأوجد مطامح ومطالب اجتماعية ملحة لتحقيق انتقالات تتماشى وهذا
الانتقال البنيوي. فمثلا تغير الوعي السياسي داخل المجتمع في العراق بشكلٍ
لافت، مقارنة مع ما كان عليه الوضع في السابق، فالمقولات التي كانت تشكل
الوعي السياسي في فترة الدكتاتورية ليست هي تلك التي تعبئ اليوم المجتمع
السياسي. حيث تمثل المجتمع، أو بعض فئاته في الأقل، وعياً سياسياً حديثاً،
فخاض في مطالب الديمقراطية بشكل أكثر واقعية بفعل ما خبره خلال سنوات
التغير الأربع، فالوعي بالمنظومة الحديثة للحقوق والمواطنة وبناء المجتمع
الحديث ودولة القانون، تشكل انتقالات نوعية مرتبطة بما نتجت عن التحول
السوسيولوجي الذي تمت الإشارة إليه سابقاً.
عوامل التغير:
يرجح الكثير من الباحثين في السوسيولوجيا عوامل مختلفة لعملية التغير
الاجتماعي، لكنهم يكادون يشتركون بهذه العوامل المدرجة في أدناه:
(1)البيئة المادية: وما تضمه من عوامل إيكولوجية وطبيعية وديموغرافية.
(2)العوامل السياسية الثقافية، وتعد الحرب من أهم هذه العوامل.
(3)العوامل الاقتصادية والتقانية(19).
في الخلاصة لا يمكن القول أن عوامل التغير الاجتماعي والثقافي يمكن
تعليلها بعامل (وحيد) أو (أساسي)، فالواقع يبين تساند عوامل عدة لإحداث
التغير، فتطور الاقتصاد وعملية التصنيع على سبيل المثال يحتاج إلى توافر
الأيدي العاملة (عامل ديموغرافي وثقافي) ويحتاج إلى توفر المواد الخام (طبيعي
وإيكولوجي)، وإلى توافر التقانة والإداريين الكفوئين والمخلصين
وآيديولوجيا دافعة وموجهة، بحيث تتفاعل هذه العوامل جميعاً وتتساند
لإحداث التغير.
الرابعة: الانتقال بثقافة التقليدية إلى الحداثة... حالة العراق
من الضروري تناول واقع المجتمع في العراق حاضراً بالتحليل، ذلك أن النظرة
التحليلية للواقع الاجتماعي تبدو المدخل لفهم المجتمع ومعرفة آليات تطوير
قدراته وتنميته بشكل سليم، وبما يتناسب ومتطلبات عالمنا المعاصر وثقافة
الحداثة فيه، على أن لا يتم تجاوز خصوصية المجتمع في العراق.. لأن
تجاوزها لا يمكننا من فهم المجتمع، ومن التحكم بالشروط الدقيقة للتغير
فيه.
ولما كانت الجماعة البشرية لا تبني كل يوم نسقاً مجتمعياً متكاملاً، فهي
إذ تفلح في بناء مثل هذا النسق عبر العقود، بل القرون، فإنه يبات يفعل
فعله ويقوم بدوره في تنظيم حياة الجماعة وتأمين حدً معقول من الطمأنينة
لأهلها، حتى تتمسك به وتحافظ عليه، وتحرص على حمايته من تقلبات الزمن،
ولذا فهي (محافظة). ومن هنا نفهم كل تلك الأمثلة التي ترد في دراسات
الأنثروبولوجيين، والتي يتبين منها (عناد) بعض الشعوب وتمسكها بتقنياتها
المخصوصة، مثلاً، رغم قناعة أفرادها أحياناً بأن تقنيات جيرانهم ربما
كانت أجدى وأفعل(20).
غير أن فقدان المجتمع في العراق لآليات التزامن بين مختلف جوانب التغير
المرعب الذي حدث على مستوى الواقع المعيوش (تقانياً وسياسياً مثلاً)، سبب
أزمات مركبة. إذ بمقابل عدم مواكبة التغير السياسي والتقاني الذي حدث في
العراق، من الناحية الثقافية والاجتماعية، أو ما دعاها وليم أوغبيرن W.
Ogbern بالفجوة الثقافية، والتي شكلت صدمةً لوعي الأفراد، لكنها لاشك
واقعةً ثابتة، ينبغي علينا عرضها هنا بدقة.
إن المكاسب الحضارية كلها مستوردة تقريباً، فإذا أردنا التغيير فلا بد أن
يكون التعامل مع تلك المكتسبات بثقافة تقترب من ثقافة بيئتها، أي لابد أن
نزيل مفهوم الخصوصية التي تشد الأفراد والجماعات في المجتمعات التقليدية
ومنها العراق إلى الوراء، لتملأ القدح بالممنوعات، فتجعله جداراً مسدوداًً
في وجه التغيير بلا هوادة أو تمييز... والسبب كما تعودنا هو (الخصوصية
الثقافية) التي أرجعتنا حقباً زمنية طويلة إلى الوراء وعاثت فينا فساداً
طال معه العلوم والفنون ووسائل العيش، فإذا قدر لنا التخلص من النظرة
القاصرة إلى الجهد الإنساني باعتباره كفراً أو انتهاكاً للقيم (المتخلفة)
أو تخريباً لـ(الخصوصية الثقافية) استطعنا أن نبدأ الخطوة الأولى،
للتعايش والتواصل مع الآخر في كل مكان.
الهوامش
ــــــ
(*)
استاذ علم الاجتماع المساعد، جامعة القادسية، العراق.
(1) الخيون، رشيد: فقدان العراقي حق العيش على أرضه خلق إشكالية في
الهوية العراقية، موقع صحيفة الصباح،
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=copy&sid=23055
(2) التير، مصطفى عمر: التعليم والتغير الاجتماعي تأثير متبادل، حالة
المجتمع الليبي،
http://www.libyaforum.org/index.php?option=com_content&task=view&id=466&Itemid=243
(3 ) Sill, L. D., International Encylopedia of social sciences, N. Y.,
MaCmillan and free press, No. 14, 1968, p. 366
(4) Davis, K.., Human society, N. Y., MaCmillan Company, 1944, p. 622
(5) غيث، محمد عاطف: علم الاجتماع، النظم والتغير والمشاكل، الجزء
الثاني، الإسكندرية، دار المعارف، 1967، ص 191قبيسي، حسن: المتن والهامش
(تمارين على الكتابة الناسوتية) بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص
(37-38).
(6) إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية، (تصدير ومراجعة)، القاهرة،
الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص 165.
(7) بتصرف عن (السامرائي، متعب مناف جاسم: تاريخ الفكر الاجتماعي،
بغداد، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، محاضرات ألقيت على
طلبة الماجستير، 1997، ص 8).
(8 ) الهاشمي، حميد: المجتمع الانتقالي، نحو توصيف سوسيولوجي للحال
العراقي اليوم، الحوار المتمدن، العدد (1614)، في 17/7/2006،
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=70195
(9) إدوارد بونت تايلور (1832-1917) عالم إنسان بريطاني أصبح أستاذاً
لعلم الإنسان في جامعة أكسفورد منذ عام 1896 وظل بها حتى تقاعده في عام
1913. أسهم إسهاماً كبيراً في دراسة الثقافة وكان أحد رواد الاتجاه
التطوري، وفي تطوير الدراسات المقارنة للأديان، وقال بالنظرية
البايولوجية. (أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية، مجلة
الأنثروبولوجيا، دورية، العدد الثاني/ فبراير 2002)
(10) إبراهام مازلو I. Maslow وضع ترسيمةً هرمية للحاجات الإنسانية،
تبدأ بالحاجات البايولوجية والفيزيولوجية التي تشكل أسفل قاعدة الهرم،
لكن الحاجات لاشك تتصاعد لتصل إلى أخرى ذات طبيعة إنسانية محض، مثل حاجات
الأمن والأمان، والحاجات الاجتماعية، والحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى
تحقيق الذات. على أن العلاقة بين المستيين البايولوجي والإنساني علاقة
جدلية هرمية، فلابد أن تشبع الحاجات في المستوى الأدنى من الهرم لينتقل
الفرد إلى المستوى الأعلى (ملاحظة للباحث).
(11) عيسى الشماس: الأنثروبولوجيا الثقافية، الشخصية الحضارية،
http://mostakbaliat.com/link105.html.
(12) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: توجهات الجندر (النوع الاجتماعي)
في النزاعات والحالات ما بعد النزاعات، www.acdi-cida.gc.ca/equality.
(13) عيسى الشماس: المصدر السابق .
(14) إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية، (تصدير ومراجعة)، القاهرة،
الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص 200.
(15) نفسه.
(16) نفسه.
(17 ) بودون، ريمون وفرانسوا بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ت:
سليم حداد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ب. ت.، ص
(167-168).
(18) نفسه، ص 168.
(19) غيدنز، انتوني: المصدر السابق، ص104 .
(20) قبيسي، حسن: المتن والهامش (تمارين على الكتابة الناسوتية) بيروت،
المركز الثقافي العربي، 1997، ص (37-38).
|