الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 

 االثلاثاء: 15/01/2008

  

 تعارف الحضارات بين الشرق والغرب

الجذور وامكانات التحقق

علي عبود المحمداوي(*)

(خاص للمعهد)

يمكن ان يعد تعارف الحضارات مشروعا حضاريا، لاسيما وان جذوره متأصلة في الحضارة الاسلامية(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) فضلا عن راهنيته.. هكذا يرى زكي الميلاد وهو يتبنى اطروحة (تعارف الحضارات) بديلا عن (حوار الحضارات).
وقد لاحظ الميلاد أن نحت هذا المفهوم (تعارف الحضارات) وصياغته يعطي معنى قريبا من مفهوم التواصل عند هابرماس الألماني المعاصر، إذ إن فكرة التواصل عنده تقوم على تجاوز ما يصطلح عليه بفلسفة الذات، والعمل على الوصول إلى فلسفة الآخر، وهذا ما تسعى إليه مقولة التعارف أيضاً التي تتجاوز الذات أو فلسفة الذات إلى بناء الجسور والوصول إلى الآخر، من خلال بناء معرفة وتعارف، والفارق بين المفهومين أن التواصل عند هابرماس يرتبط بحقل المعرفة أو هكذا حاول ربطه، فتحددت علاقته بالعقل، أما التعارف فيرتبط بحقل الاجتماع، فتحددت علاقته بالمجتمع والجماعة والناس(1).
مابين التعارف Acquaintance و التواصل Communication:
في النص السابق حاول الميلاد ربط التعارف بمفهوم التواصل، والتواصل في جوهره يمثل وصف للعلاقة بين طرفين توصف بعدم الانقطاع وتنطلق من الاعتراف بوجود الآخر، و يهدف التواصل إلى الانتقال من المستوى الفردي إلى الجماعي من خلال خلق رمز أو علامة تشكل اللغة التي تمثل العلاقة أو المشترك بي الذات والآخر، والتي تعمم لاحقاً على أساس جعلها مشتركةً بين مجموعة من الأفراد(2)، وهذه اللغة المشتركة تصل إلى معنى التعرف والاعتراف بالآخر والتعامل معه على أساس ما يمتلكه الطرفان من مشتركات بلغة التقبل له وقبوله في منهجية التعارف المقصودة في البحث.
كما انه من خلال « التواصل يكتسب (الفرد) وعيه بذاته في سياق استبطانه تجارب الآخرين، والإفادة من سلوكيات ودروس الأفراد الذين يحتك بهم ويتفاعل معهم ».(3)وهذا نفسه ما يقصد من التعارف في كونه يهدف إلى الافادة من عملية التفاعل الحاصلة من خلال منهجية التعارف بين حضارتين أو أمتين أو مجموعة من الشعوب، إذ إن ذلك التعامل التعارفي سيمكن الطرفين من الافادة المتبادلة.
وكذلك فالتواصل يقتضي التعريف بالمجهول إذ يعد من أدوات التعريف فهو « يخبر المتلقي بشيء كان يجهله في السابق »(4)، وذلك ما يبتغيه تعارف الحضارات من كسر حواجز الجهل واللامعرفة بالآخر أو تصفية المعرفة المشوبة والمشوشة عن الآخر في (المتخيل الإسلامي والمتخيل الغربي)(5)، كما وان التواصل يتعامل مع « أزمة الكائن البشري في نظرته لذاته وللآخرين(6)»، وهذا يشارك تعارف الحضارات في كونه يهدف إلى معالجة النظرة إلى الآخر والى الذات من خلال تصحيح ما مكنون لدى الذاكرة الإسلامية أو الغربية تجاه الآخر وتصحيح سلوكية التعامل معه على أساس التعرف عليه والاعتراف به، وإذا كان التعارف منهجاً وأداة وغاية، من خلال المسيرة التعاملية بين الحضارات، فالتواصل يهدف كذلك أن يجمع بين كونه أداة لمخاطبة ومعرفة الآخر وبين كونه غاية ترتجى من التفاعل الحاصل بين الطرفين(7).
وإذا كان التواصل عند هابرماس هو «الفاعلية الوحيدة التي في إمكانها إعادة ربط الصلة بين أطراف هذا العالم المتقطع الأوصال»(8). فإن التعارف لايروم إلا جمع شتات التمزق الحضاري والذي يسير منذ فترة لايستهان بها نحو الصراعات والتمزقات إلى توحيد المتنوع الحضاري تحت عنوان يقبل الآخر دونما الغاء لذاته ويحافظ على هويته دون ان يفرضها، هذا هو تعارف الحضارات، كما وعدها البعض(9) بأنها السبيل إلى الخلاص بقوله: «أن مصلحتنا كعرب ومسلمين أن يسود فكر تعارف الحضارات من باب قوة العقلاء وليس من باب التخاذل»(10).
وإذا تأملنا هذا الاصطلاح (تعارف الحضارات) بطريقة معرفية فبالإمكان أن نكتشف قيمته الدلالية، التي منها:
أ ـ « الخروج من الإشكالية الثنائية التي كرست الطابع الجدلي والاحتجاجي بين مقولتي حوار الحضارات وصدام الحضارات، الإشكالية التي قد تضيق عمليات الفهم وتورث السجال.
ب ـ ان مفهوم تعارف الحضارات هو أوسع وأشمل وأعمق من مفهوم حوار الحضارات، وهو ينطلق من أرضية تكوين المعرفة والتأسيس عليها. فالتعارف هو الذي يحدد شكل العلاقات وحدودها ومستوياتها وآفاق تطوّرها.
ج ـ إن المشكلة بين الحضارات ليس في عدم الحوار فيما بينها، وإنما في عدم التعارف، والانقطاع عن تكوين هذه المعرفة، وسيادة الجهل أو الفهم المنقوص، أو الصورة النمطية والسطحية في المعرفة، لذلك فإن كل حضارة غالباً ما تصور مشكلاتها مع الحضارات الأخرى على أساس عدم المعرفة السليمة أو الصحيحة بها.
د ـ من الغايات الأساسية لحوار الحضارات الوصول إلى التعارف، أو إلى قدر معقول منه، أو تصحيح الصورة وإزالة عدم الثقة.. إلى غير ذلك من معاني ودلالات تكشف أن التعارف يمثل قيمة أكبر من الحوار »(11).
التعارف Acquaintance والحوار Dialogue:
(التداخل والتغاير في المفاهيم)

التعارف ليس غاية الحوار فقط بل هو وسيلته وأداته حيث به يتم الحوار وهو هدف الحوار، وذلك لان التعارف منهج وليس مفهوم صرف جامد، كما ويمكن التمييز بين التعارف والحوار من خلال عدة نقاط:
1 ـ دلالة)التعارف(على عمق ارتباط الصلات الإنسانية وتأسيسها على أساس المعرفة بالآخر وذلك أدق من دلالة (الحوار).
2 ـ (الحوار(لا يستلزم بالضرورة)التعارف(، في حين التعارف يفيد حصول (الحوار) وجدواه الفعلية.
3 ـ (الحوار) لا يلزم عنه المصير إلى غايات أعمق في العلاقات الإنسانية، إذ قد لا يتجاوز المستويات السطحية في تلك العلاقات، و كونه ينم عن الارتجال والعفوية في العامل، في حين (التعارف) منفتح على جل أو كل مستويات العلاقات الإنسانية،وهو منهج وعي ومعرفة بالآخر وهو منهج قصد وتأسيس لا يسير بالعفوية التي لا تؤدي الغرض منه وتنتج عن التعارف عدة نتائج لعل أهمها: التعاون والتآلف والإرشاد والاسترشاد.
1 ـ (التعارف) ومقتضياته دعوة للعودة إلى الفطرة البشرية واستجابة لمطلبها الأصيل الذي هو الاعتراف بالآخر ومحاولة التعايش السلمي معه وهو بذلك هدف نبيل يقتصر على جانب تطلعات التسامح وخير الجميع، و)الحوار(أداة معبرة عن الحق والباطل، وعن تطلعات الفطرة والعقل وحاجات الغرائز وهو بذلك أداة تقبل العمل على الوجهين (السلبي والايجابي) وممكن أن يحقق كلا الغايتين.
2 ـ (الحوار) قد ينقضي بانتهاء أسبابه وغاياته، أما)التعارف(فتثبت معه آثار التعرف والتعارف ويؤسس منه شكل العلاقة مع الآخر.
3 ـ (الحوار(يحمل رغبة ما في الاحتواء أو إقناع الآخر بما لديه والانطلاق من مبدأ التعريف بالذات، أما)التعارف(فيفيد حصول مستلزماته، وإن بقي كل في ساحة قناعاته واختياراته وينطلق التعارف من مبدأ التعرف على الموضوع (الآخر) وليس الذات.
4 ـ الانحياز للأخذ بالمصطلح القرآني (لتعارفوا) في آية التعارف(آية 13/ سورة الحجرات)(12).
التعارف كمرحلة وسيطة وانتقالية:
إن نظرية (تعارف الحضارات) هي أكثر من كونها مرحلة وسيطة أو انتقالية، فهي وسيطة بمعنى أن على أساسها تتحدد مستويات ودرجات واتجاهات العلاقات ونظام التواصلات بين الناس، وبين المجموعات البشرية، وبين الحضارات، وهكذا أنماط وأشكال وصور هذه العلاقات والتواصلات، كما أن التعارف له من الفاعلية ما بإمكانه أن يجنب الحضارات مصير الصدام، لأن الناس - كما قال الإمام علي عليه السلام - أعداء ما جهلوا.
ويعتقد بعض الاسلاميين من ذوي النزعة الاصلاحية مثل إدريس هاني و زكي الميلاد ان أطروحته تعارف الحضارات تستكمل الحضارات (اللاغربية)، أولاً وقبل كل شيء إمكاناتها، ومقوماتها الحضارية، حتى تكون مؤهلة لخوض حوار مع الغرب. وهنا تحديداً تأتي محاولة (تعارف الحضارات)، التي سعا هؤلاء إلى بلورتها، كمرحلة وسيطة وانتقالية ما بين الوضع الراهن وحوار الحضارات، ويرى إدريس هاني أن هذا الطرح بقدر ما يحمل في طياته من مضامين واقعية، فإنه يضع الإشكالية كلها على كاهل الحضارات الأخرى، نعم، لعل وضع الثقافات الأخرى، التي تمثل صوراً باهتة عن حضاراتها، غير مؤهلة لكي تسعى إلى تحقيق حلمها في ظل وضع عالمي تتحكم فيه إرادة رشحت لكبح جماح أي تطور يجري خارج ميدان اللعبة الاحتكارية الغربية، وإن حوار الحضارات، هي أطروحة ترجح مسؤولية الغرب، بما هو رائد التقدم الحضاري على النزول (إنسياً) إلى (الثقافات) الأخرى، في حين أن تعارف الحضارات هو ترجيح لمسؤولية الحضارات الأخرى على مسؤولية الغرب في حقيقة تعثر هذا الحوار.(13)
أهداف تعارف الحضارات:
ضبطاً لمسار التعارف يجب تحديد أهم تلك الأهداف والغايات التي يسعى لتحقيقها على وفق الرؤية الإسلامية القرآنية:

1 ـ التقارب والتسامح Tolerance:

 «فالتعارف الإيجابي هو الذي يبذل فيه كل طرف أقصى جهوده للتعرف على ما يقربه من الطرف أو الأطراف الأخرى التي تشاركه التطلع نفسه، فيبحث القائمون بالتعارف والتحاور في ثقافاتهم وحضاراتهم عما يقرب بينهم من الأشواق والآمال، والانجذاب نحو كل ما هو إنساني معبر عن جوهر الإنسان وفطرته... وقد ضرب الإسلام - عبر تواصل حضارته مع الحضارات الكبرى في العالم - المثل الرائع في تجسيد هذا الهدف النبيل، وبفضل الروح العالية من التسامح تجاوز عتبة التقارب إلى احتضان أكثر ما هو مفيد في الثقافات الأخرى، وتمثله بعدئذ حضارة خالدة أنارت العالم في قرون ظلامه».(14)

2 ـ التعايش السلمي Peaceful Coexistence:

من شأن الهدف السابق توفير الأجواء المناسبة لتعايش الحضارات في سلام وأمن. والحقيقة أن هذا الهدف يتطلب تعميقاً بالغاً لفلسفة وأفكار السلام، وتفكيراً جاداً للخروج بالمسألة من حسابات ومصالح السياسيين والعسكريين، وأصحاب المنفعة من صناعة التسليح، وخدام نظريات الحرب وتفجير بؤر التوتر في العالم، إلى ساحات التوعية العامة واصطناع جماعات الضغط من دعاة السلام العالمي العادل في كل حضارة بل في كل مجتمع، فتسود المجتمع الدولي ثقافة حضارية تمنح فكرة السلام صورتها الحقيقية، بأن تضمن وضعها في ذمة المبادئ، لا المصالح وحسابات مروجي الدمار ليثروا ويطغوا».(15)
3 ـ فك عقدة الهيمنة وتجاوز عقيدة الصراع:

 ما يزال الصراع هو المحرك الأساس لسياسة الغرب وكبرى اتجاهاته ومؤسساته في العلاقات الدولية والنظرة إلى الآخر، وأفضل نموذج له السياسة الأمريكية القائمة على ضرورة خلق العدو - وإن لم يوجد - لشحذ الوجدان الجماعي المستمر،الذي يسمح للفرد بنعمة الحرية الشخصية والحركة الاقتصادية، و الرفاه والعدل، مهدد دائماً بعدو ما يريد أن يقضي على ما يسمى (بنوعية حياتنا) Our Way Of Life أو أحياناً The American Way، والتهديدات الخارجية ومالها في دعم الهوية القومية الأمريكية وتوجيهها ضد الآخر العدو المفترض، هذا هو الثابت في سياسة الغرب وكثير من أسس اتجاهاته الفلسفية والفكرية، الامر الذي يتطلب لقاءات ومحاورات مستمرة بين النخب المفكرة لشتى الحضارات والمجتمعات المعاصرة، لمراجعة هذه المفاهيم التي أصبحت من المسلمات في المنظومات الفكرية الغربية، والتخلي عن نزعة الاستئثار بتحديد المفاهيم، كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتطور والتنمية وغيرها.(16)
4 ـ معرفة الآخر على حقيقته وتصحيح الصورة المسبقة عنه:

 فكثيراً ما رسمت الحضارات صوراً نمطية لغيرها من الحضارات، فلا تنظر إليها إلا من خلال تلك الصور، وتخضع حسابات التعامل معها لمقتضاها، صحيح أن البحوث الجادة المنصفة والحيادية كثيراً - أيضاً - ما تكشف عن حقيقة الصورة الحضارية الصحيحة لحضارة ما، لكن تبقى سلطة تأثير وتوجيه الصور النمطية ومن ثمة تحديد السلوكيات مسبقاً هي المهيمنة.
ومن النتائج المنتظرة لهذا السلوك الحضاري، أن يدفع إلى الأمام وبشكل إيجابي بعملية معالجة عقد الاستعلاء والحقد والتخلف واللاإنسانية، فمن مهام وأهداف التعارف الحضاري - إذن - التي ينبغي أن تكون محل عناية شديدة من جانب النخب المتعارفة والمتحاورة؛ الارتفاع بمستوى مجتمعات ما بعد الاستعمار المتخلفة إلى مستوى الحضارة، والارتفاع بمستوى الرجل المتحضر الملطخ بإثم الاستعمار إلى مستوى الإنسانية (كما دعا الى ذلك مالك بن بني) و يقول المفكر الغربي هارللد موللر: « ينبغي أن نزيد من معرفتنا بثقافات = حضارات أخرى، فالمعرفة حول الإسلام أو الهندوسية أو البوذية تساوي صفراً من ناحية عملية... فالآخر الذي يعرف المرء عنه شيئاً يصبح اقل غرابة »(17)، ومثل هذا النص ينفعنا في دعم الاستجابة لنظرية التعارف على مستوى الفكر الغربي وقبوله لهكذا مقولات.

5 ـ تشجيع فكرة الانتفاع المتبادل من خيرات الأرض من خلال فكرة التعاون:

 فالرؤية الإسلامية لهذا الهدف تنطلق من عقيدة أن الله تعالى لم يخلق الأرض لنتنازع عليها ونسفك الدماء، بل خلقها لنرتفق خيره ونشكره عليه، قال تعالى:) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (15: سورة الملك) وقد عبر الفقه الإسلامي المعاصر عن هذه الغاية السامية الرشيدة وهو يعرض أسس مبادئه وقيمه الإنسانية المقربة من أخيه الإنسان، فالتعارف؛ يجعل كل فريق ينتفع بخير ما عند الفريق الآخر، وتكون خيرات الأرض كلها لابن هذه الأرض وهو الإنسان، فإذا كانت الأرض مختلفة فيما تنتجه فالإنتاج كله للإنسانية كلها، ولا سبيل لذلك إلا بالتعاون والتعارف الإنساني، وإن مهام النخب المؤمنة بتعارف الحضارات أن تصب جهودها الفكرية والعلمية والإعلامية ـ وهي مجالات تحركاتها – من أجل ضخ دم القيم الإنسانية الحقيقية في جسم العلاقات الدولية وعلاقات الحضارات فيما بينها.

6 ـ احترام الخصوصيات الحضارية:

إن الفرق بين حضارة وأخرى هو ما تمتلكه من خصوصيات ومميزات فكرية وانتمائية، وهذه الخصوصيات يجب أن يستهدفها تعارف الحضارات بصورة إيجابية، والتعامل معها على أساس اعتبارها اجتهاداً إنسانياً لتطوير الإنسان، تكيفها كل حضارة مع ما تراه متناسباً مع أوضاعها وقيمها ومرحلتها الحضارية، فتستنفر قواها الإبداعية في هذا الجو المتفاعل حضارياً لتطوير نفسها داخل نسقها الحضاري، وبعيداً عن مضار العزلة والتقوقع، فتخرج الحضارة الإنسانية من الأحادية الحضارية وهيمنة - النموذج الأرقى) و(النمط المتطور الوحيد)، ويعرف العالم تجربة التعددية الحضارية التي تزدهر فيها قوى الإنسان وقدراته الإبداعية، وتتخاطب الحضارات والثقافات بلغة المنافسة الشريفة، يطوى معها منطق الصراع والصدام والغلبة المبيدة والتبعية الذليلة(18).
تعارف الحضارات من النظرية إلى التطبيق:
في سؤال أين يمكن أن تجد النظرية (تعارف الحضارات) نصيبها من التفعيل العملي و التطبيقي على ارض الواقع وفي صياغة أسس التعامل الحضاري والإنساني وكيف يمكن لها أن تعالج ما تهدف إليه بفكرة التعارف، و ماهي أدواتها للاتصال بالواقع الحقيقي للعالم والعلاقات التي تحكمه وكيف يمكن أن نجعل من تعارف الحضارات منهجاً عمليا في فكر وأسلوب ومنطلقات الحضارات وتعاملها مع الآخر، لكل ذلك يؤسس متبنواهذه الأطروحة إلى تقديم بعض الاقتراحات للانتقال بفكرة (تعارف الحضارات) من الإمكان إلى الفعل، آخذين بعين الاعتبار أننا جميعاً في حاجة إلى عمل دؤوب متواصل متطلع إلى المستقبل:
1- التربية والتعليم مطالبان - عالمياً - بأداء دور كبير ومستقبلي في إنشاء أجيال المستقبل متشبعة بروح التعارف والتسامح والتآلف بين الحضارات.
2- تفعيل المؤسسات الثقافية العالمية والإقليمية لتؤدي دورها في تنشيط وتطوير التعارف بين الحضارات، وهذا من خلال برامجها الثقافية ومنشوراتها وهيئاتها.
3- إنشاء منتدى فكري عالمي لتعارف الحضارات، مكون من النخب المؤمنة بالتعارف والداعية اليه، مستفيدا من كل أدوات تلاقح الافكار ونشرها.
4- الإفادة من التجارب السابقة في الميدان كتجربة المعهد الدولي لحوار الحضارات الذي أنشأه رجاء غارودي صاحب الدعوة الشجاعة لحوار الحضارات ومراكز الحوار بين الحضارات وعموم مراكز الدراسات المستقبلية لغرض التأسيس لرؤية مستقبلية تنقل التعارف الحضاري من النظرية إلى التطبيق. (19)
5- اضيف الى ذلك مهمة تأسيس مؤسسة للترجمة والطباعة والنشر تختص بمجال المعرفة الحضارية والتعارف بين الحضارات.
وتأسيس منتدى أو هيأة أو مركز يقوم بعملية التنسيق والدعم والتوجيه لفكرة التعارف يأخذ على عاتقه التخطيط والبحث والدراسة والتنفيذ لمشاريع من شأنها أن تصب في مصلحة تعارف الحضارات(20).
تعارف الحضارات وما يواجهه من عوائق أو دوافع:
نعتقد بأن هنالك عوائق وعقبات أخذت بالتمركز والتمحور في الجانب المقابل لنظريات الحوار والتعارف عموماً (وما يهمنا هو التعارف)، والعقبة الرئيسة المعاصرة اليوم(فضلاً عن عقبات عدم التعارف والاعتراف والمعرفة التي سبق وان ذكرناها انفاً)، عقبة العولمة والتي هي قضية مهمة جداً لا يمكن التغاضي عنها مثلت بجزء منها أو بأسلوب من منهجها تلك الوسيلة المدنية الإنسانية التي قدمت خدمة في تقريب بني البشر وخلق التواصل فما بينهم وتطويره عبر وسائل الاتصال وثورة المعلومات وهي من هذا الجانب تمثل الداعم الأساس لقضية تعارف الحضارات لأنها سهلت المهمة من خلال تطبيع سرعة الاتصال وسهولته وربطه للعالم واختراع اللغة الوسيطة الناقلة للمعلومة والتواصل لكنها من جانب آخر حينما مست الجانب الهوياتي أو جانب الانتماء الحضاري فإنها انقلبت (أي العولمة) إلى كونها أضخم وأقوى المعوقات والعقبات في سبيل وطريق التعارف الحضاري لأنها تهدده من الداخل (التركيب الحضاري = الهوية) وليس من الخارج كما في مكملات التعامل الحضاري عموما من معرفة واحترام واعتراف وتبادل، فإنها تعمد إلى البنية الداخلية للحضارات وأساس تنوعها وتعدد ثقافاتها، وهي إن هدفت إلى تعميم مبدأ حضاري أو ثقافي واحد، فهي بذلك تهدف إلى طمس الهويات الحضارية، والقضاء على التنوع الإنساني، وعليه تجعل الحديث عن حضارات متعددة شيء ليس في محله، فالتعارف بين تلك الحضارات قائم على أساس العلاقات بين الحضارات المتنوعة، ومع العولمة (بجانبها الأخير) لا وجود لهذا التنوع والتعددية الحضارية، معنى ذلك ان العولمة وآثارها السلبية، وما يجب الالتفات إليه في فكرة العولمة الحضارية أو المدنية، هو مكامن التهديد الذي تتعرض له نظريات التعامل الحضاري (المتسامح) من قبلها.
تدريسي في جامعة بغداد كلية الاداب.

الهوامش

ـــــ

(1) الميلاد، زكي: بحث (من حوار الحضارات إلى تعارف الحضارات)، زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 64.
(2) افايه، محمد نور الدين: المتخيل والتواصل – مفارقات العرب والغرب، دار المنتخب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1993، ص 193-164.
(3) المصدر السابق، ص 164.
(4) افايه، محمد نور الدين: المتخيل والتواصل – مفارقات العرب والغرب، ص 166.
(5)راجت مؤخرا الكتابات تحت هذين العنوانين (الغرب المتخيل و الاسلام المتخيل) ويقصد منهما ما يتخيله الاخر عن الاسلام او مايتخيله الاخر عن الغرب والمقصود في اغلب الكتابات هو سوء فهم احد الطرفين الغرب او الاسلام للاخر الغربي او الاسلامي، والذي يقتضي تشويه الصورة عنه وجعلها سوداوية.
(6) افايه، محمد نور الدين: المتخيل والتواصل – مفارقات العرب والغرب، ص 176.
(7) المصدر السابق والصفحة.
(8) جان مارك فيري: فلسفة التواصل، ترجمة وتقديم عمر مهيبل،(النص من مقدمة عمر مهيبل)،الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف والمركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الاولى 2006، ص 19.
(9) عمرو خالد: داعية مسلم.
(10) عمرو خالد: حوار بعنوان (التشريعات والقوانين العالمية لن تحول دون محاولات بث التصادم بين الحضارات)، صحيفة الراية القطرية، بمناسبة انعقاد اجتماع مجموعة تحالف الحضارات في قطر، نشر على موقع الراية الالكتروني: http://www.raya.com
(11) الميلاد، زكي: نحن والعالم، ص 64.
(12) مراح، محمد: (نحو رؤية إسلامية لتعارف الحضارات) زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 84-85.
(13) هاني، إدريس: بحث (الحلقة المفقودة ما قبل تعارف الحضارات)، زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 71.
(14) مراح، محمد: (نحو رؤية إسلامية لتعارف الحضارات) زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 92 -93.
(15) المصدر السابق: ص93.
(16) المصدر السابق والصفحة.
(17) موللر، هارلد:تعايش الثقافات - مشروع مضاد لهنتنغتون، ترجمة ابراهيم ابو هشهش، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، الطبعة الاولى، 2005، ص 321.
(18) مراح، محمد: (نحو رؤية إسلامية لتعارف الحضارات) زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 92-100. (تلخيص وقراءة في النصوص)
(19) زكي الميلاد وآخرون: تعارف الحضارات، ص 112-114.
(20) الباحث في صدد تأسيس وفتح (المنتدى العالمي لتعارف الحضارات) وسيسجل على انه منظمة غير حكومية بداية في العراق.