|
الاثنين: 17/12/2007
دور التربية
والتعليم في عملية التحديث والتطوير
(دراسة في النموذج الياباني)
(2/2)
م. هادي مشعان ربيع(*)
(خاص للمعهد)
المطلب الثالث ـ تطور نظام التعليم الياباني في
الفترة مابين الحربين
أصبح هدف سياسة التعليم في اليابان منذ عام 1921 (نهاية عهد ميجي وبداية
عهد تايشو) هو الاحتفاظ بالوضع الذي تحقق بالفعل بشأن المواظبة على
الدراسة وزيادة التطور بدلا من نشر وتشجيع الالتحاق بالمدارس. وبعد
انتهاء الحرب العالمية الأولى ونتيجة لنمو الإنتاج الصناعي تزايدت الحاجة
إلى الكهرباء ونشطت أعمال المواصلات وزاد الطلب على الأيدي العالمة
المتعلمة وجرى في هذه العملية تغير في العلاقة بين الصناعة والتعليم,حيث
أصبح التعليم تحت قيادة الصناعة بعد أن كان يتولى القيادة عليها من قبل,واخذ
الإقبال على التعليم الذي تصاعد بهذه الطريقة يمتد تدريجيا إلى معاهد
أعلى للتعليم مما دفع الدولة إلى القيام بإصدار قانون الجامعة في عام
1918 وزيادة عدد المعاهد القومية للتعليم العالي، الأمر الذي سبب ارتفاعا
شديدا في عدد الأشخاص المتعلمين تعليما عاليا في اليابان.
هذا التوسع غير المنظم أدى فيما بعد إلى الإخلال بالتوازن الذي كان قائما
مع احتياجات المجتمع, ولما كان هذا الأمر قد حدث في الوقت الذي نقص فيه
الطلب على العمال بسبب كساد الأعمال في العشرينات مما أدى بالتالي إلى
زيادة مزمنة في العرض بالنسبة للخريجين المتعلمين تعليما عاليا وفي الوقت
نفسه زادت نسبة الذين أتموا دراسات القانون والآداب والاقتصاد في الفترة
ما بين 1920-1930 بالنسبة لمجموع الخريجين من 55,8% إلى 71% (13).
هذا فضلا عن أن المجتمع الياباني بدأ يشهد منذ بداية العشرينات ظهور
نشاطات شيوعية وقوى سياسية. وقد أدت هذه التغيرات إلى اهتزاز نظام
التعليم الوطني الأمر الذي خلق مزاجا يميل إلى إصلاح التعليم مما أدى إلى
ظهور عدد من الأساتذة الجامعيين الذين يدعون للديمقراطية والاشتراكية
الذين كانوا يعملون منذ عهد ميجي كأجهزة بث مختصة للفكر الوطني. وقد أدى
ظهور الكساد العالمي عام (1929) إلى زيادة المطالبة بضرورة جعل التعليم
حرا بينما أخذت تنتشر حركات بين المتعلمين تقوم على التوعية الذاتية
باعتبارهم مشتغلين بالتربية(14).
وهكذا أصبح من المعترف به على نطاق واسع في الثلاثينات أن النظام
التعليمي الذي أقيم في الماضي يحوي مشكلات مختلفة, وكانت نتيجة لذلك أن
تقدمت الأوساط التعليمية بمشروعات لإصلاح النظام الدراسي, وقد تحول
إصلاح نظام التعليم إلى مسالة اجتماعية هامة.
ومع حلول الأربعينات أنشأت الحكومة وكالة التكنولوجيا في عام 1942
باعتبارها أول هيئة حكومية مستقلة للنهوض بالسياسات المتعلقة بالعلوم
والتكنولوجيا, ثم شكل بعد ذلك مجلس العلوم والتكنولوجيا في نفس العام
ليكون هيئة استشارية لمجلس الوزراء.
كما أنشأت وزارة التعليم العالي إدارة العلوم وشرعت في زيادة وتوسيع
المدارس وأقسام الجامعات الخاصة بتدريس العلوم والتعليم الفني. وهكذا
ورغم أن التعليم في زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية كان قد زاد
الاتجاهات الوطنية شدة فقد كان له أيضا طابع تقدمي باعتباره استمرار
لعملية إدخال الأساليب الحديثة التي بدأت خلال العهد الميجي.
كما حاولت الحكومة اليابانية إصلاح نظامها التعليمي قبل دخولها الحرب مع
الصين سنة (1937) حيث تم إدخال بعض التغييرات إلى التعليم بناء على توصية
مقدمة من مجلس إصلاح التعليم سنة (1936). وكانت تهدف إلى إصلاح التربية
والتعليم على أساس النظام الوطني للدولة والروح الوطنية. وكانت الفكرة
العامة تستند إلى مبادئ العقيدة (الشنتوية). وكانت عقيدة تعبر عن عبادة
الأسلاف من الأباطرة وأسلاف الأسر، وهي كانت بمثابة الدين الرسمي للدولة,
وعليها سمي التعليم الأولي بـ (المدارس الوطنية) معتمدة على إعطاء تعليم
عادي بما يتفق مع المبادئ الأخلاقية الإمبراطورية. وقد أجريت بعض
الإصلاحات على التعليم قبل نشوب الحرب في (الباسفيك) سنة (1941) و دخول
اليابان في الحرب العالمية الثانية, وفي مقدمة تلك الإجراءات إنشاء مدرسة
عليا وجامعات للإناث.. وقد خفضت مدة الدراسة في المدارس التحضيرية العليا
والجامعات لإمداد الجبهة بالمقاتلين والعاملين, وكذلك توجه الطلبة إلى
المصانع والقرى الزراعية كعمال. ولكن مع بدأ الحرب توقف التعليم في جميع
المراحل عدا الابتدائية التي لم يتوقف فيها, إلا في أبريل 1945(15).
المطلب الرابع ـ النظام التعليمي في ظل الاحتلال
الأمريكي:
في 15 أغسطس 1945 قبلت اليابان إعلان بوتسدام, واستسلمت دون قيد أو شرط
لدول الحلفاء, ورغم أن اليابان من الناحية النظرية خضعت لحكم الحلفاء إلا
أنها من الناحية الفعلية كانت خاضعة لاحتلال أمريكي، وذلك لضآلة دور
الدول الأخرى.
وقد اتجه الجنرال الأمريكي ماك ارثر منذ بداية الاحتلال إلى محاولة إدخال
مجموعة من الإصلاحات على جميع جوانب المجتمع الياباني, وقد كان للتعليم
نصيب كبير منها.
وكان لزيارة البعثة التعليمية الأمريكية الأولى أهمية حاسمة في إقامة
النظام التعليمي الجديد, حيث زارت البعثة التي كانت تضم 27 خبيراً في
التعليم برئاسة الدكتور ج. د. س ستودارد اليابان في مارس 1946 بناء على
دعوة من القيادة العامة لقوات الاحتلال. وطالب التقرير الذي قدمته البعثة
ـ كما أعلن في أبريل من نفس العام ـ بإصلاح شامل للتعليم بما في ذلك
تحويل أهداف التعليم إلى أهداف ليبرالية وفردية، ومراجعة مكثفة للبرامج
التعليمية لتحقيق مثل هذا التغيير.
ومع أن التقرير لم يكن أكثر من (نصيحة) ليست لها أية قوة ملزمة, إلا أن
فكرة الإصلاح التي احتواها اختيرت بكليتها, وتضمنها نظام تعليم ديمقراطي
جديد عن طريق سلسلة من توصيات أصدرتها لجنة إصلاح التعليم التي شكلت في
مجلس الوزراء في أغسطس 1946.
وفي مارس 1947صدر القانون الأساسي للتعليم, وكانت الأفكار الأساسية
للنظام الجديد كما وردت في ديباجة القانون, هي كما يلي: (بعد إقرار
دستور اليابان, أظهرنا عزمنا على المساهمة في سلام العالم وخير البشرية
بإقامة دولة ديمقراطية وثقافية. وسوف يعتمد تحقيق هذا المثل الأعلى على
قوة التعليم أساسا. وسوف تحترم الكرامة الفردية, وتسعى لتنشئة أناس
يحبون الصدق والسلام, بينما سوف ينشر التعليم الذي يستهدف خلق ثقافة عامة
وغنية في الروح الفردية على أوسع نطاق. وإننا لهذا نصدر القانون وفقاً
لروح دستور اليابان, بقصد إيضاح هدف التعليم, وإنشاء أسس تعليمية لليابان
الجديدة).
ووفق هذا القانون التعليمي الجديد، أجريت العديد من التغيرات في النظام
التعليمي ليصبح مماثلا لنظام التعليم الأمريكي، فقد زيدت فترة التعليم
المجاني والإجباري من ستة أعوام إلى تسعة أعوام. واستبدل النظام التعليمي
السابق بنظام جديد هو الابتدائي- المتوسط - العالي- الجامعة، إي النظام
الذي يقابله بالسنوات "ستة ابتدائي، ثلاثة متوسط، ثلاثة عالي، أربعة
جامعة". كما تم توزيع سلطات الإشراف على التعليم على الإدارات المنتخبة،
واعتبار التعليم مشتركا بهدف توفير الفرص المتساوية والتطور المتساوي
لكلا الجنسين، وفرض عقد الامتحانات للقبول في الجامعة، وتنقيح الكتب
المدرسية للقضاء على التطرف في الوطنية.
كما نص هذا القانون على أجراء إصلاح حاسم للتعليم العالي, حيث كانت
الفكرة المسيطرة الكامنة في التعليم العالي قبل الحرب هي مبدأ الصفوة,
لتخريج من يتولون استخدام الأساليب الحديثة في اليابان بصورة فعالة, وكان
على قمة هذا النظام (المنهج الدراسي) للمضي من المدارس العليا إلى
الجامعات الإمبراطورية, بينما كانت المعاهد التعليمية المختلفة,
كالكليات الوطنية والعامة, والجامعات الخاصة, والمدارس المهنية, ومدارس
تدريب المعلمين, تشكل نظاما معقدا للتعليم العالي. وكانت هناك فجوات بين
تلك المدارس فيما يتعلق بالظروف المادية ومعايير العاملين بها, وما ينجم
عن ذلك من فروق في المنزلة الاجتماعية, والتفرقة القانونية أيضاً ـ أي
أنها شكلت " تسلسلا هرميا" متميزاً مما أثار تنافساً شرساً بين خريجي تلك
المدارس الثانوية الراغبين في دخول امتحانات الالتحاق بمعاهد أعلى.
وقد طبق النظام المدرسي الجديد تدريجيا, فطبق نظام المدارس الثانوية
الأدنى الجديدة في عام 1947 ونظام المدارس الثانوي الأعلى الجديدة في
1948 ونظام الجامعات الجديد في 1949, بيد أنه كان لا بد من التغلب على
صعوبات بالغة بسبب الضيق المالي في أعقاب هزيمة اليابان في الحرب,
والدمار الذي أصاب المرافق التعليمية في زمن الحرب نتيجة للغارات الجوية.
ولكن على عكس المدارس الثانوية الأعلى الجديدة, والجامعات التي أنشئت
بإعادة تنظيم وضم المدارس القائمة فعلا, كان لابد من إنشاء كل المرافق ـ
بما في ذلك أبنية المدارس ـ بالنسبة للمدارس الثانوية الأدنى الجديدة.
وقد تطلب ذلك قدراً كبيرا من الجهد والتضحية من جانب سلطات المدينة
والبلدية والقرية. ولكن نظام التعليم الديمقراطي الجديد (ذا الاتجاه
الواحد) للجماهير فتح فرصاً تعليمية أكثر اتساعاً, ورسخت جذوره تدريجا
بمساعدة الشعب الذي ثابر على التعليم رغم الاضطرابات الاجتماعية في
السنوات التالية مباشرة للحرب.
وقد بلغت نسبة المواظبة بالمدارس الثانوية الأدنى 99% بعد افتتاحها
مباشرة في 1947, وفي نفس الوقت بلغت نسبة الذين التحقوا بالمدارس
الثانوية الأعلى من جملة خريجي المدارس الثانوية الأدنى 43% منذ أوائل
1950 (17).
إصلاحات أخرى في النظام التعليمي: كما كانت هناك إصلاحات أخرى هامة في
النظام التعليمي الجديد, وهي إنكار تبعية التعليم للحكومة, ومن أجل إنهاء
مثل تلك المركزية والسيطرة البيروقراطية على التعليم وتنفيذ ديمقراطية
الإدارة التعليمية, وتحقيق جعل التعليم حقا للشعب, كان لا غنى عن إضعاف
سلطة وزارة التعليم, ونقل جانب كبير منها للحكومات المحلية, وبذلك ينشأ
نظام جديد للإدارة التعليمية يكون مسئولاً مباشراً أمام الشعب. وقد ظهر
هذا النوع الجديد من الإدارة التعليمية في قانون لجنة التعليم في يوليو
1948, والقانون الخاص بإنشاء وزارة التعليم في يناير 1949 ونتج عن ذلك أن
جانباً كبيراً من الوظيفة الإدارية, بما في ذلك اختيار الكتب المدرسية
وتعيينات هيئات التدريس, قد عهد به للجان التعليم المنتخبة بالاقتراع
الشعبي, بينما تغير دور وزارة التعليم بصورة حاسمة من الإشراف والسيطرة
وإصدار التعليمات كما كان الحال قبلا, إلى التوجيه والنصح للجان التعليم,
والمنشآت التعليمية, والأبحاث والخدمات المختلفة.
كما منح المدرسين حرية تنظيم اتحادهم الذي كان محرماً عليهم في الماضي
بعد أن اكتسبوا مجالاً واسعاً من الحرية في التعليم اليومي, وبدأت حركات
عديدة لتشكيل اتحاد للمدرسين منذ ديسمبر 1945 بعد انتهاء الحرب مباشرة.
مما أدى في النهاية بعد محاولات شاقة مختلفة إلى إنشاء اتحاد المدرسين
اليابانيين في يونيو 1947, وهكذا ظهر إلى الوجود لأول مرة تنظيم يضم
الغالبية العظمى من المدرسين في كافة أنحاء البلاد. وفي غمرة المتاعب
الاقتصادية التي أعقبت هزيمة اليابان للحرب, كان اتحاد معلمي اليابان
أقرب في طبيعته إلى " نقابة عمال" لحماية أرزاق المعلمين منه إلى رابطة
للعاملين في المهنة. ولكن في السنوات التالية زاد الاتحاد من دعم شخصيته
واشترك بنفسه في عملية تقرير سياسات التعليم بعد الحرب, باعتباره جماعة
ضغط سياسية قوية تعارض وزارة التعليم(18).
ولعل من أهم الأمور التي ساعدت على نجاح هذه الإصلاحات هو تعاون الشعب
الياباني وحكومته، الأمر الذي ساهم في خلق مجتمع ياباني جديد يقوم على
مبادئ الديمقراطية والسلام العالمي.
المطلب الخامس ـ النظام التعليمي الياباني بعد
الاستقلال:
وجدت الحكومة اليابانية في التغيرات التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في
النظام التعليمي ما يخدم عملية تحديث البلاد، لذلك لم تحاول إلغاءها حتى
بعد انتهاء الاحتلال عام 1952، ولكنها سعت في الوقت ذاته إلى تطوير
نظامها التعليمي بما يتلاءم وطبيعة التطورات الجديدة.
وكان من بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليابانية بعد الاستقلال
لتطوير النظام التعليمي, هو إعادة نظام التعليم المركزي العالي إلى وزارة
التعليم. ثم القيام بإصدار القانونين الخاصين بالتعليم في عام 1954
اللذين يكفلان الحياد السياسي للتعليم. وتحويل عضوية لجان التعليم من
الانتخاب العلني إلى نظام التعيين من قبل المحافظين ورؤساء البلديات عام
1956. وتطبيق نظام التقدير وفقا للأداء بالنسبة للمدرسين عام 1957.
وتشديد نظام منح التراخيص للكتب المدرسية. ودعم طابع (المنهاج الدراسي)
باعتباره خطوطا توجيهية لدى تخطيط أي برنامج دراسي. كما قامت بإنشاء عدد
من المدارس الحرفية العليا لمدة خمس سنوات في عام 1961 تضم تعليماً
ثانوياً أعلى، وجامعة.
ولاشك أن النظام التعليمي ومن خلال الجهود التي بذلتها الحكومة اليابانية
في مجالاته هو الذي جعل اليابانيين يتميزون برغبتهم الشديدة في تحصيل
أفضل مستوى ممكن من التعليم. وتشير الإحصاءات الى أن عدد الذين يتلقون
التعليم في جميع المراحل وصل إلى (27.5) مليون في عام 1980(19).
وهذا التعليم الرسمي المعزز بتعليم أخر في البيت والمدارس الخاصة (جوكو)
هو الذي جعل الطلبة اليابانيين يظهرون قدرة على الاستيعاب تفوق قدرة
غيرهم من طلبة الدول. وقد شكلت الإعداد الكبيرة من المتعلمين تعليماً
عالياً الذين تخرجوا من النظام الدراسي عاملا هاما أتاح لليابان إمكانية
تحقيق التحديث بسرعة كبيرة وذلك بفضل العلاقة المتداخلة بين التحصيل
العلمي والتعيين بوظائف الهيئات الحكومية وشركات الأعمال، فالتعيين يتم
عادة عن طريق امتحانات تكون الدراسة الجامعية هي الأساس بالنسبة لها،
لذلك نلاحظ أن اكبر عدد من القيادات اليابانية التي تحتل أعلى المناصب في
كافة المجالات هي من خريجي معظم الجامعات اليابانية ومن الذين استطاعوا
الالتحاق بهذه الجامعات نتيجة حصولهم على درجات مرتفعة في امتحانات
الالتحاق بها لتفوقهم العلمي طوال مراحل تعليمهم المختلفة، وهكذا أصبح
التعليم بالنسبة للفرد في اليابان هو الذي يحدد وظيفته ومركزه الاجتماعي.
كذلك لتزايد أعداد العاملين من ذوي المهارات الفنية والمهنية بعد أن
توفرت لهم فرص تعليمية في ظل النظام الجديد. ومما يؤكد هذه الحقيقة هو أن
اليابان تتقدم على الصعيد العالمي في نسبة العلماء والمهندسين، ففيها
(60,000) لكل مليون نسمة.
وينخرط نحو (800,000) ياباني في مؤسسات البحث والتطوير، وهذا العدد أكبر
منه في بريطانيا وفرنسا والمانيا معاً (20). هذا بالإضافة إلى زيادة
النفقات على التعليم سواء من حيث نسبتها إلى الدخل القومي والنفقات
العامة, أو من حيث مقارنتها مع نسب الإنفاق في بعض الدول الصناعة
المتقدمة، فبينما بقيت هذه النسب متقاربة إلى حد ما خلال الفترة التي
سبقت عام 1950 أصبحت بعد ذلك أعلى نسبة إنفاق على التعليم من بين هذه
الدول. حيث وصلت في عام 1991 إلى أكثر من 8,2 تريليون ين ياباني من
الإنفاق الحكومي والخاص(21).
الخلاصة:
من خلال ما تقدم يظهر لنا بوضوح أن النظام التعليمي الياباني استطاع أن
يؤدي دورا كبيرا في تحقيق عملية التحديث اليابانية، بل كان واحدا من
العوامل المهمة التي وقفت خلف نجاح هذه العملية واستمرارها حتى وقتنا
الحاضر. ولعل من بين أهم الأمور الجوهرية التي مكنت هذا النظام التعليمي
من ممارسة هذا الدور يرجع إلى انطلاقته منذ بدء نهضته الحديثة من جذوره
ومؤسساته وتقاليده المتأصلة والقائمة بالفعل،قبل عصر النهضة مع تطويرها
عن طريق الإصلاحات العديدة والمستمرة فيه.
كما أن هذا النظام كان باستمرار يستمد أهم مقوماته من طبيعة مجتمعه وروح
أمته واحتياجات وطنه، ولم يكن انعكاسا لنماذج تربوية مهما كانت متقدمة أو
مبهرة إلا فيما يتعلق بالتقنيات والوسائل العلمية التي هي عامل مشترك بين
جميع الأمم التي نجحت اليابان في استنباتها على أرضها بعد تحييدها
وتجريدها من انحيازاتها القيمة، وعدم استيرادها مع خلفياتها الأيديولوجية
كما حدث في مجتمعات شرقية أخرى، كما أن اليابان لم تؤخذ ببريق الدراسات
النظرية الغربية من فلسفات وحقوق وإنسانيات وانصرفت إلى تأسيس قاعدتها
العلمية والتقنية الصناعية، وما زال التعليم المهني مقدما على النظري.
ونقطة القوة الأساسية في النظام التربوي الياباني ليست جامعاته وإنما
معاهده التقنية المتوسطة التي تمثل العمود الفقري.
والممارسة العلمية التدريبية هي أهم وأبرز واجبات الياباني منذ طفولته
وحتى آخر أيام وظيفته.
المراجع
ــــ
(*) كلية التربية-قسم التربية وعلم النفس، جامعة الأنبار.
13-Makoto Aso & Ikuo Amano, Education and Japan’s Modernization,
Tokyo, the Japan Times, Ltd, 1983.p.66.
14- Ibid.P.64.
16- Makoto Aso & Ikuoamano, Op.Cit., pp.71-72.
17- أدوين رايشاور، مرجع سابق، ص 64.
18- روبرت ليستيما، مرجع سابق، ص 26.
19- علي عبد الهادي سالم الدليمي، التكنولوجيا ودورها في التنمية
الصناعية في الوطن العربي جامعة بغداد، كلية الإدارة والاقتصاد، رسالة
ماجستير غير منشورة، 1986، ص139.
20- سعيد رشيد عبد النبي، التجربة اليابانية في التنمية، جامعة بغداد،
كلية العلوم السياسية، رسالة دكتوراه غير منشورة، 1992، ص78.
21- بول كنيدي، الاستعداد للقرن الحادي والعشرين، عمان، دار الشروق للنشر
والتوزيع، 1993،ص188.
|