|
الاحد: 16/12/2007
دور التربية
والتعليم في عملية التحديث والتطوير
(دراسة في النموذج الياباني)
(1/2)
م. هادي مشعان ربيع(*)
(خاص للمعهد)
مدخل
تتناول هذه الوريقات موضوعا في غاية الأهمية، هو موضوع دور التربية
والتعليم في عملية التحديث والتطوير, فعلى الرغم من التجارب العديدة التي
خضناها(وما زلنا), ومع ما تم نقله من معارف وطرق وأساليب تعليم متنوعة،
وزيادة البحوث والدراسات, وانفتاحنا على الغرب منذ زمن بعيد, لكن إلى
اليوم لم نجن ثمار هذا الانفتاح وهذا التوجه, حيث ما تزال مجتمعاتنا
تعاني التخلف والتأخر في مختلف جوانب حياتها, في حين إن مجتمعات أخرى
شرقية كانت لها نفس ظروف مجتمعاتنا على الأقل من الناحية الجغرافية
والتاريخية والاقتصادية إلا أنها استطاعت أن تحقق ما عجزنا نحن أن نحققه
من تقدم وتطور وتحديث في كافة مجالات الحياة.
ولعل من أهم النماذج التي تبرز هنا للنظر فيها هو النموذج الياباني فقد
استطاعت اليابان من البروز كإحدى الدول الكبرى بعد تمكنها من انجاز قفزة
سريعة في مسار تطورها وتحقيق نهضة شاملة تناولت مختلف مرافق حياتها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, بعد أن كانت في التاريخ
قريبا وعلى وجه التحديد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر دولة متخلفة
في جميع النواحي, ثم راحت خطى التحديث تسير فيها سيرا حثيثا على اثر قيام
ثورة الميجي ومباشرتها في عملية التحديث الأمر الذي نقلها إلى مصاف الدول
العظمى, وقد تحققت عملية التحديث هذه بفعل تضافر العديد من العوامل كانت
التربية والتعليم من أهمها.
وتهدف هذه المقالة إلى تتبع حقيقة وضع التربية والتعليم في اليابان لنرى
كيف استطاعت أن تلعب هذا الدور المهم في تحديث المجتمع الياباني ونقلها
إلى دولة تتمتع بكل مقاييس الحضارة الحالية.
والاهم في دراسة النموذج الياباني هو فهم مفاتيح التقدم واستيعاب آليات
العمل، ووضع أيدينا على القوانين الأساسية لنجاح هذا النموذج، وهذا الفهم
هو الذي نحتاجه بشده في وطننا العربي, والعراق خاصة إننا نتطلع إلى
ارتياد أفق التقدم, والانتقال إلى مصاف الدول الأكثر تقدما.
المطلب الأول ـ جذور ما قبل النهضة:
من المعروف لدى دارسي الشؤون اليابانية أن اليابان كانت قبل عصر النهضة
محكومة من قبل أسرة إقطاعية تعرف باسم (أسرة توكوجاوا) التي تولت الحكم
في البلاد في عام 1603، وقامت بتأسيس نظام سياسي واجتماعي تحت واجهة
شكلية ضعيفة من إشراف الإمبراطور. ومن اجل الحفاظ على هذا النظام قامت
هذه الأسرة بتقسيم البلاد إلى عدد كبير من الإقطاعيات على رأس كل واحدة
منها اقطاعي كبير، واتباع سياسة عزلة عن العالم الخارجي استمرت إلى ما
يقارب 230 عاماً(1). وقد كان نظام التربية والتعليم في هذه الفترة ً
طبقيا, والتعليم كان موجهاً على أساس إعداد طبقة المحاربين (الساموراي
Samurai) التي كانت تشكل 2% فقط من جملة سكان اليابان، وذلك في سبيل
إعدادهم للعلم والقتال, وكان هذا النظام يؤكد على البناء الأخلاقي
للأفراد والإعداد المهني لهم.
وعلى الرغم من أن الاهتمام الأكبر للتوكوجاوا في التربية كان لأبناء
المحاربين غير أنهم لم يهملوا عامة الشعب، بل كان لتعليم العامة تشجيعا
ودعما ماليا بهدف بناء شخصية الأفراد في ضوء المبادئ الكنفوشيوسية التي
ستزيد من تألق المجتمع وتنافسه. و كانوا يتلقون تعليمهم في أماكن خاصة
وهي (التراكويا) و(الجوجاكو) التي كانت منتشرة على نطاق واسع, حيث كانت
هناك نسبة عالية من أفراد الشعب الياباني يعرفون القراءة والكتابة في
نهاية عهد توكوجاوا وبداية عهد ميجي. وكان لدى الحكومة توكوجاوا في أيدو
(طوكيو الآن) معهد تعليمي عال تحت إشرافها المباشر, بينما كانت كل عشيرة
إقطاعية تتنافس في إنشاء مدرستها الخاصة في إقطاعيتها لتربية رجال أكفاء.
وهكذا تلقت طبقة (الساموراي) قدرا معينا من التدريب المنظم, وتضمنت
أشخاصا أكفاء في المبادئ الإدارية, والمالية, والتعليمية, والمجالات
الأخرى, فضلا عن أن هذه الطبقة كان لها موقف محافظ, وتعلق أهمية على
المحافظة على الأمن, كما كان لها موقف أخلاقي قوي, وتمنح المصالح العامة
الأولية على المصالح الخاصة. كذلك كانت تتمتع بالقدرة على التكيف بصورة
ايجابية مع أي حالة طارئة أو تغير في الموقف. وقد ورثت اليابان الحديثة
هذه الطبقة ـ أول من تلقى مستوى عال من التعليم ـ باعتبارها مستودعا من
ذوى المواهب.
وفي أدنى مستوى كانت هناك معاهد تعليمية أولية عديدة للجمهور مثل (التيراكويا)
و(الجوجاكو) (مدارس المناطق الإقطاعية) التي كانت منتشرة على نطاق واسع
جدا. وقد كفلت هذه المدارس تعليما أوليا في الكتاب والقراءة والحساب
لأبناء جزء من الجمهور من غير المحاربين, كما علمتهم القواعد الأخلاقية
الضرورية لحياة العامة في المجتمع الإقطاعي الصارم القيود في ذلك العصر،
وكانت كل (تيراكويا) تتكون من مدرس واحد، وحوالي 30 تلميذا، وتعتمد في
نفقاتها على رسوم التعليم الضئيلة التي تحصل من التلاميذ. وفي هذه الفترة
كانت المدارس التي تديرها العشائر الإقطاعية أو حكومة توكوجاوا شوجونيت
بصورة مباشرة قد بدأت بالفعل في إدخال العلوم الغربية، ولا سيما الطبية
والعسكرية، وقد اكتسب بعضها مستوى رفيعاً إلى حد ما في تعليم العلوم
الغربية, والتكنولوجيا والمحافظة عليها, ومن أمثلتها مدرسة الاجاكوجو (مدرسة
الطب) والكايسجو (مدرسة العلوم الغربية) التي كانت تحت الإدارة المباشرة
الحكومة توكوجاوا شوجونيت, وقد أعيد تنظيمها فيما بعد لتصبح جامعة طوكيو
الإمبراطورية(2).
ومع منتصف القرن التاسع عشر كان قد وصل عدد المدارس إلى ما يقارب (50000)
خمسين ألف مدرسة في مختلف أنحاء البلاد. ونتيجة لذلك وقبل عصر النهضة
بربع قرن كانت نسبة الذين تعلموا القراءة والكتابة واجتازوا مستوى الأمية
بمراحل متعددة تقدر ب43% بين الذكور, و10% بين الإناث من جميع فئات
السكان, وهي نسبة تتصاعد في مناطق المدن لتتراوح بين 75-80% من سكان
المراكز الحضرية. وقد وازنت وزامنت ظاهرة انتشار التعليم هذه في عصر ما
قبل النهضة ظاهرة تعليمية ثقافية مهمة أخرى وهي ظاهرة نشر الكتب وانتشار
عادة القراءة العامة بين عامة الناس في اليابان, حيث تشير إحصائية يعود
تاريخها إلى حوالي 1780 إلى ظهور 3000 مطبوع في كل عام وبأعداد تصل إلى
10000 نسخة للكتاب الواحد في بعض الأحيان, كما كانت هذه الكتب تباع بسعر
رخيص مع وجود مكتبات عامة للإعارة المجانية أو بسعر رمزي (وهذه النسب
تضاهي المستويات الأوربية في مجال النشر والقراءة في ذلك العصر إن لم
تتفوق عليها).
وأهم ما يمكن ملاحظته على التعليم في اليابان خلال هذه الفترة, أنه لم
يكن تعليماً نظريا أو نصياً وإنما كان أميل إلى النواحي التطبيقية
والمهنية بتأثير النزعة العلمية والنفعية للشعب الياباني, والتأثير
الأخلاقي للكونفوشيوسية والبوذية والقيم الصينية بعامة, والتي تركز على
السلوك العملي, والممارسة الفعلية أكثر مما تهتم بالتعاليم النظرية.
ومما يؤكد هذه الحقيقة عناوين كتب المطالعة اليابانية التي كانت تدرس
لتلاميذ المدارس في اليابان قبل عصر النهضة وقبل الثورة الصناعية بوقت
طويل, حيث أن هذه العناوين تؤكد لنا على عمق ذلك المنزع العلمي والمهني
في التقليد التربوي الياباني الذي استند إليه وواصله فيما بعد نظام
التربية اليابانية الحديثة(3). ومن هذه العناوين التي كانت
تدرس للتلاميذ مايلي:
ـ في مدارس المدن نجد كتب المطالعة التالية: كتاب القراءة
التجارية(1693)، كتاب التسوق التجاري(1772)، كتاب القراءة البحرية
والملاحية(1823)، كتاب المرابحة لصانع الألبسة (1825).
ـ وفي مدارس الأرياف نجد الكتب التالية: كتاب المطالعة الزراعية (1762)،
كتاب القراءة للمزارع (1766)، كتاب كيفية زيادة دخل المزارع (1811)، كتاب
الغلات الزراعية (1836).
وعلى الرغم من أن اليابان الإقطاعية قد عزلت نفسها خلال هذه الفترة عن
العالم الخارجي لقرنيين ونصف قبل النهضة لمنع مؤثرات التآكل الخارجي التي
بدأت تنخر المجتمعات الشرقية الأخرى, فإن حكام اليابان الإقطاعية كانوا
قد أظهروا في حقيقة سلوكهم اهتماماً بالعلوم التطبيقية الأوربية
والصناعات الحديثة, الحربية منها على وجه الخصوص، في البدء، ثم المدنية
منها بعد ذلك. و بدأو حركة ترجمة عن الهولنديين أولاً باعتبارهم أقل
الشعوب الأوربية اهتماماً بالتبشير المسيحي وبالسيطرة على اليابان. وقد
وصلت حركة الاهتمام بالمعارف الهولندية أوجها في نهاية القرن الثامن عشر
أي قبل بدء عصر الميجي بثلاثة أرباع القرن تقريباً. بل إن زوار اليابان
من الأوربيين قد لاحظوا منذ القرن السادس عشر فضولاً علميا يابانياً حياً
تجاه أسرار القوة في الحضارة الغربية لا يوازيه إلا حذرهم تجاه أطماعهم,
ومن هنا نحس المغزى العميق لمقولة الفيلسوف البريطاني برترنداسل «بأن
اليابان قبل نهضتها كانت متخلفة اقتصادياً ـ بالمعنى الحديث للاقتصاد ـ
لكنها لم تكن متخلفة ثقافياً»(4).
وقد استطاعت المعاهد التعليمية التي أنشأت خلال هذه الفترة من أن تطرح
عدداً من القيادات التي تميزت بأفكار ثورية وبمطامح جديدة وبمشاعر الولاء
للأمة وليس للمناطق الإقطاعية المحلية. وكان أبرز هذه القيادات تلك التي
ارتبطت بالمقاطعات الجنوبية الغربية التي قامت بثورة الميجي عام 1867.
المطلب الثاني ـ ثورة الميجي والنهضة التعليمية:
لعل من نافلة القول أن واحداً من أهم أسباب ثورة الميجي هو التهديد
الخارجي الذي بدأت تتعرض له اليابان حالها حال بقية دول المشرق في ذلك
الوقت(منتصف القرن التاسع عشر)، ومن أجل التصدي لهذا التهديد ومنعه من
احتلال البلاد رأى زعماء ثورة الميجي أن السبيل الوحيد لذلك هو تطوير
البلاد ونقلها إلى مصاف القوى العظمى، مما دفعهم إلى الشروع بعملية
التحديث. ففي نيسان 1868 قام الإمبراطور ميجي بإعلان العهد الإمبراطوري
الذي يطرح الفلسفة الجديدة لحكومة النهضة(5).
ويمكننا القول إن أسرع بند من بنود العهد الإمبراطوري في التنفيذ كان
البند الخامس وهو «جمع المعارف من شتى بقاع العالم» الذي وجد استعداداً
فطرياً لدى الشعب الياباني. وبما أن حكومة ميجي كانت قد ورثت عن النظام
السابق نظاماً تعليمياً لابأس به مما جعل من السهولة القيام بوضع أسس
التعليم من خلال الانطلاق من المدارس والمؤسسات والتقاليد التربوية التي
سبقت عصر النهضة مع تحديثها والارتقاء بها، فكان أول عمل قامت به الحكومة
الجديدة هو إعادة تنظيم مدارس التيراكويا لتصبح مدارس حديثة(6). وفي عام
1869 جمعت الحكومة عدة مؤسسات للتعليم العالي في جامعة واحدة هي جامعة
شاكهيكو. ثم صدر في عام 1872 القانون الأساسي للتعليم الذي لخص مبدأ
التعليم عند حكومة ميجي في الفلسفة التالية: «من الآن ينبغي أن ينتشر
التعليم بين الناس بصورة عامة: النبلاء، والمحاربين القدماء، والمزارعين،
والصناع والتجار، وكذلك النساء، وذلك حتى لا يكون هناك أسرة من الأميين
في القرى، ويجب أن يدرك الآباء هذه السياسة تماما ولا يتوانون في جعل
أطفالهم يتلقون التعليم»(7).
وهكذا جاء القانون الأساسي بنظام التعليم الإلزامي في المرحلة الابتدائية،
واقر نظام التعليم ذا الطريق الواحد من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة،
مما أدى بعد أربع سنوات فقط بدء تعليم أبناء الساموراي وأبناء الشعب معا،
وهو أمر جريء متقدم لا يمكن إدراكه في أوربا.
كما تم وضع خطة استهدفت بناء 54 ألف مدرسة ابتدائية،و 256 مدرسة متوسطة،
و8 جامعات. ثم إتباع المناهج والمفاهيم الغربية والقيام بإلغاء المدارس
الأجنبية لتكريس الطابع الوطني للتعليم(8). كما قامت الحكومة بإرسال
البعثات إلى الخارج التي اتسمت بالدقة الشديدة في اختيار أعضائها فكانوا
من ابرز النماذج الوطنية اليابانية في كل المجالات التي اختاروا لها.
وبعد عودة المبعوثين من البلاد الأجنبية إلى اليابان كان معظم الطلبة
المبعوثين قد بدؤوا يهبون أنفسهم في سبيل دفع خطى التحديث في كل نواحي
الحياة. كما استقدمت حكومة ميجي المدرسين الأجانب للعمل في المدارس
اليابانية، وقد وصل عددهم أواخر السبعينات القرن التاسع عشر أكثر من 5000
مدرس(9)، وبين عام 1880-1890 أصبحت اليابانية لغة التعليم العالي وحل
الأساتذة الجامعيون محل الأساتذة الأجانب في أغلب مجالات البحث والتدريس.
وعندما ألغت الحكومة نظام الحكم الإقطاعي (داجوكان) في عام 1885 والذي
كان سائدا منذ العهد الميجي وأنشأت نظام مجلس الوزراء لأول مرة, وكان هذا
يعني من حيث الشكل ظهور حكومة دستورية حديثة, ويمثل تحولا إلى نظام إداري
لدولة عصرية حديثة, تم تعيين آرينوري موري أول وزير للتعليم في النظام
الجديد.
ما أن تولى موري منصبه حتى شرع في إصلاح النظام الدراسي, فأصدر (تشريع
الجامعة الإمبراطورية), وتبعه (قانون مدارس المعلمين), فـ (قانون المدارس
الابتدائية), وبعده (قانون المدارس المتوسطة) على التوالي. وعلى أساس تلك
القوانين أكملت تشكيلات الأنظمة الخاصة بالمدارس الثانوية والمهنية بين
عامي 1892, 1906. وبهذا المعنى نقل الإصلاح التعليمي ـ الذي قام به وزير
التعليم موري ـ التعليم الياباني الذي كان حتى ذلك لحين يقف في «المرحلة
الإعدادية للانطلاق» إلى عهد «الانطلاق» بسرعة بالغة.
وكانت رؤية موري عن التعليم تقوم وفقاً لبيانه التالي: «إن اليابان في ظل
خط لا ينقطع ومستمر للأبد من الأباطرة, كالسماء والأرض, وبقدرتها
المتفوقة, لم تخضع قط من قبل الإذلال بوساطة أية دولة أجنبية، فضلا عن
روح الدفاع عن البلاد لدى الشعب، وما يتسم به من إخلاص وولاء متوارث من
الأجداد يجري غرسه ودعمه باطراد, ولم تشبه أية شائبة)(10). على الأعمدة
الثلاثة التالية:
1- التعليم لإثراء وتقوية الدولة.
2- التعليم للتثقيف بقصد تغيير العقلية القديمة.
3- التعليم للمحافظة على نظام الدولة الوطني التقليدي لليابان.
وهكذا كانت رؤية موري عن التعليم تمثل «توحيدا» لهذه الأعمدة الثلاثة,
وكانت خطته لإقامة نظام تعليمي جديد لترجمة هذه الرؤية إلى واقع, تقوم
على تمييز دقيق بين (المساعي الأكاديمية), و (التعليم) فالمساعي
الأكاديمية - كما يرى موري ـ تختلف عن التعليم, و(الجامعات الإمبراطورية)
هي مكان المساعي التعليمية, بينما المدارس المتوسطة والابتدائية هي مكان
للتعليم.
وهدف المساعي الأكاديمية هو (الغوص في أعماق حقيقة الأشياء) أو (رعاية
الأشخاص الذين سوف يمارسون مهنا عملية)، وعلى العكس فإن التعليم كان
يستهدف تدريب الناس حتى يفهم كل فرد تماما واجبه كمواطن ياباني, ويمارس
ويطبق مبادئ الأخلاق، ويصبح أهلا للتمتع بالرفاهية. وقد أدت رؤية موري
هذه فيما بعد إلى إنشاء التشكيل المزدوج من التعليم الذي كان قائما في
اليابان قبل الحرب, بمعنى أنه في سنوات التعليم الإلزامي الثلاث أو
الأربع, التي تقتصر على تعليم الكتابة والقراءة والحساب مع الاهتمام
البالغ بالأخلاق, كانت الأولوية تعطى للتعليم الأخلاقي(لإعداد رعايا)
يابانيين يكتسبون أخلاقيات نظام الأسرة, والتعهد بالولاء للدولة والأسرة
والمجتمع. ومن ناحية أخرى،كانت (الجامعات الإمبراطورية) تقف على قمة
النظام التعليمي وتحتكر العلوم، وتتبنى بصورة ايجابية حضارة الغرب
الحديثة، وإنشاء صفوة مختارة للقيام بأعمال التكنولوجيا الحديثة والتنظيم
الإداري.
وفضلا عن ذلك فإن هدف الجامعات التي أريد أن تكون (أماكن للغوص إلى أعماق
حقيقة الأشياء) كان محدودا في الإطار الذي وضعته الحكومة، وهو: «تدريس
العلوم والتكنولوجيا التي تشبع احتياجات الدولة, وتدريس العلوم
والتكنولوجيا دراسة عميقة» (المادة الأولى من قانون الجامعة الإمبراطورية).
وبهذه الصورة كان التعليم الياباني ـ من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة
ـ مشبعا بمبادئ ذات صبغة وطنية.
ومن أجل إدارة هذا النظام التعليمي ذي (التشكيل المزدوج) كان موري يعلق
أهمية بالغة على عنصرين: التعليم في مدارس المعلمين, ونظام التدريس
لإعداد الصفوة المختارة.
وكان لمدارس المعلمين نظام فريد جدا يختلف عن المعاهد الأخرى, فقد كان
هذا النظام يتسم على سبيل المثال بما يلي:
1- برنامج دراسة صارم النظام يقول في جانب منه «لا يسمح لطلبة مدارس
المعلمين باختيار موضوعات الدراسة وفقاً لرغباتهم: لأنهم سيكونون مدرسين
للأطفال مستقبلا».
2- كان الالتحاق بها مقصوراً على أصحاب الطلبات التي يوصى بها رؤساء (
جون ـ كر)(الوحدات الإقليمية الإدارية).
3- التزام الخريجين بالخدمة في مناصب تدريس معينة مقابل نظام المنح
الدراسية. وكان أغلب الطلبة يأتون من بيوت فلاحين من الطبقتين الوسطى
والدنيا, واتسم التعليم الذي كان يتلقاه هؤلاء الطلبة القادمون من مناطق
ريفية في مدارس المعلمين بالنظام الأبوي, وكانوا يعودون بعد ذلك للعمل
كمدرسين في مدارس قائمة في مناطق ريفية, وبوساطة هؤلاء المدرسين نشأ
إحساس وطني بالوحدة.
وأما فيما يتعلق بالمدارس المخصصة لرعاية وتنشئة الصفوة، فإنه لم يوجد
نظام دراسي موحد لهذا الغرض في اليابان إلا في عام 1886. وحدث تأخير بصفة
خاصة قي إيجاد طريق ثابت لربط التعليم الثانوي بالتعليم العالي. فحتى ذلك
الحين كانت المدارس المتوسطة العادية تقام كيفما اتفق, وكانت تختلف في
نوعياتها اختلافا واسعا، غير أن موري جعل نظام المدارس المتوسط العادية (مختارا)
وذلك بالسماح بوجود مدرسة واحدة فقط في كل مقاطعة، فضلا عن أنه أنشأ
مدارس متوسطة أعلى (أصبحت فيما بعد مدارس عليا) في سبع مناطق لاستيعاب
خريجي المدارس المتوسطة العادية لإعداد التعليم الجامعي، وبهذا أوجد
طريقا لإرسالهم إلى المدارس الإمبراطورية ذات التعليم الأعلى. وفي تلك
الأيام كانت الجامعات الإمبراطورية هي المؤسسات الوحيدة التي تكفل منهاجا
دراسيا موحدا للتعليم العالي, بعد أن كانت عناصره مبعثرة فيما سبق (كانت
الجامعات الإمبراطورية تضم خمسة أقسام هي: القانون، الطب، الآداب،
الهندسة،والزراعة). وقد جعلتها الدولة الأداة العليا لتدريب الصفوة لضمان
وضع ممتاز لهم باعتبارهم أدوات لإعداد البيروقراطيين.
وبهذه الوسيلة أنشئ نظام دراسي للتقدم من المدارس المتوسطة الى مدارس
العليا, ومنها إلى الجامعات الإمبراطورية باعتباره (منهاجا للصفوة) ثم
أصبح طريقا (سلاليا) في نظام التعليم الياباني. وأدى ذلك إلى إقامة بنيان
فريد في نوعه, منحت فيه معاهد وطنية وأهلية للتعليم العالي ومدارس خاصة
أخرى وضعا (مقابلا).
وكان من خصائص هذا النظام التعليمي لرعاية الصفوة, أن الجميع كانوا
يتعلمون أولا في المدارس الابتدائية لكي يصبحوا (مواطنين مخلصين) ويلي
ذلك استيعابهم في مدارس أعلى, وفقاً لدرجة (الكفاءة). وجعل هذا من الممكن
أن يؤخذ لخدمة الحكومة ـ من مستودع كبير للمواهب ـ أولئك الذي يعتبرون
ملائمين للدولة, مع تصنيف المجتمع إلى طبقات وفقاً لدرجة الدراسة, ليكون
أقرب إلى مجتمع يقوم على الكفاءة.
وبهذه الطريقة انطلق التعليم الياباني بمقتضى نظام قادر باستمرار على
إخراج أولئك (القادة المؤهلين) للتأثير على فكر المجتمع, ككبار المسئولين
في الوظائف المدنية, والمديرين في المشروعات التجارية, والعلماء
المتخصصين في العلوم, والجماهير من ذوي الاستعداد الطيب لخدمة الدولة
بأمانة ودأب وفقاً لقدراتهم (11).
ونتيجة لهذه الجهود التي بذلتها الحكومة شهد التعليم تطوراً كبيراً، وقد
بلغ عدد المتعلمين تعليماً ابتدائياً رقمه القياس 100% في عام 1910 (12).
وقد لعب توسيع التعليم دوراً بارزاً في إيجاد الظروف الضرورية للتطور
الصناعي وخلق المناخ المناسب بين أفراد الشعب كي يتقبلوا بسهولة العلم
والتكنولوجيا في هذا الوقت، كما كان مجالاً بارزاً للتوفيق بين التقليدية
والحداثة وأدى إلى تنشئة جيل جديد يغلب عليه طابع التوفيق بين العلوم
الغربية التي استوعبها والقيم الروحية التي بشر بها منذ طفولته المبكرة.
المراجع
ــــ
(*) كلية التربية ـ قسم التربية وعلم النفس، جامعة الأنبار.
1 - Malcolm D.Keenedy, Ahistory of Japan, London, weldenfeld and
Nicolson, 1963, PP.27-42. 2- أدوين رايشاور، اليابانيون، الكويت، سلسلة
عالم المعرفة(136)، 1989، ص99-104.
3- د. محمد جابر الأنصاري، جذور التربية اليابانية وخصائصها المميزة "مع
مقارنتها ببعض البدايات العربية في التربية"- مدخل لدراسة مقارنة، مجلة
رسالة الخليج العربي، العدد 21، السنة السابعة،1987، ص38.
4 - د. محمد جابر الأنصاري، مرجع سابق, ص 39.
5- تشسترابين، الشرق الأقصى، القاهرة، دار مصر للطباعة، 1958، ص 100-101.
6 - أنطوان زحلان، ود. تاسوكوهوري،" التعليم والتنمية"، ص105؛ سيد ياسين،
العرب واليابان، عمان، منتدى الفكر العربي، 1992.
7- محسن خضر، عناصر التحديث في التجربة اليابانية، مجلة أفاق عربية،
السنة الثالثة عشر، آذار 1988، ص101.
7- أنطوان زحلان، ود.تاسوكوهوري، مرجع سابق، ص108.
8- محسن خضر، مرجع سابق، ص101.
9- د. محمد جابر الأنصاري، مرجع سابق, ص39.
10- محسن خضر، مرجع سابق، ص101 .
11- د. محمد جابر الأنصاري، العالم والعرب سنة 2000، بيروت، دار الآداب،
ط1، 1988، ص113.
12- د. عبدا لغفار رشاد، العلاقات الأمريكية اليابانية بين المنافسة
والتبعية، مجلة السياسة الدولية، العدد 69، يوليو (تموز) 1982،ص12.
|