|
|
 |
الحضارية
«دراسات الحضارة والنهضة» |
|
السبت:
03/11/2007
إنهيار الحضارة
د. فيصل عباس
شهد النصف الأول من القرن العشرين، وعلى الأخص بعد سنة 1914م، ثورة في
الفكرة الأوروبي، ولقد حدثت ثورات فكرية من قبل. والعديد منها كان ثورات
عارمة كالثورة العلمية. وهناك أيضاً الثورة المسيحية التي حولت العالم
القديم وغيرت ملامحه، ولكن لم يحدث من قبل أن اندلعت ثورة بهذا الشمول
وبهذا التأثير البعيد، بمعنى أنها حطمت في وقت قصير نسبياً كل الأوثان
التي نصبت بعد جهد كبير لا بمعرفة القرون الوسطى فحسب، وإنما بيد العصور
الحديثة أيضاً، أنه الزمان الذي أفسح فيه نوع من العصرية الطريق في نهاية
الأمر لنوع آخر. لقد أحدثت الحقبة الحديثة التي أيدها في البداية محدثو
القرن السابع عشر، والتي أخرجت عصر التنوير أحدثت تغيرات عميقة في النظرة
العالمية.
صور «كولينجوود» Collinggwood الفكر التاريخي، لا على أنه قد بلغ سن
الرشد من الناحية المنهجية في القرن العشرين فحسب، وإنما على أنه حصل على
امتياز جديد، بل لعله اعتلى عرش العلوم، وبدا له.
«أنه قريباً بكل تأكيد ـ كأي شيء نتصور حدوثه في المستقبل ـ سيحقق الفكر
التاريخي، الذي تتزايد أهميته باطراد ـ وكان من المعالم البارزة في القرن
التاسع عشر ـ ازدياداً أكبر في أهمية وسرعة تقدمه خلال القرن العشرين.
ولربما كنا على حافة عصر ستتحقق فيه للتاريخ أهمية مماثلة للأهمية التي
حصلت عليها العلوم الطبيعية بين 1600م و1900م».
واتجه كولينجوود ذاته بكل ثقة قدماً لإحداث تقارب بين الفلسفة والتاريخ،
بل وحاول أن يضفي على الفلسفة في نهاية الأمر طابع التاريخ. وقال
كولينجوود: إن على الفلسفة أن تتنازل عن وهم إمكان قدرتها على تناول
أفكار ومشكلات أبدية، وأن تدرك أن «كل المسائل الميتافيزيقية مسائل
تاريخية»، وأنها لم تعد تزيد عن «افتراضات سابقة مطلقة». توضع في وقت ما،
وفي سياق ما، وتخضع للتغير بتغير العصور، كان كولينجوود متشككاً في
التقدم، ورأى أنه لو نظرنا إلى التقدم لا كمجرد احتمال، وإنما كواقعة
تاريخية فعلية يتبين لنا أنه رؤيا موهومة إلى حد كبير، من العسير التحقق
منها، لأنها تعتمد على منظور الرائي، والمؤرخ ضمناً، ومن جهة أخرى، كان «وايتهد»
مؤمناً أشد إيمان بليبرالية عهد الملكة فيكتوريا «والانسياق الوئيد
للبشرية تجاه التحضر»، ويتسم بطابعه الأخلاقي والفكري معاً.
وبالرغم من ذلك، رأى وجود دور رئيسي «للعقل» في التاريخ، وأدرك انتصار
الإقناع على القوة، والقدرة العظيمة للأفكار القائمة على المشاعر في تغير
بعض أحوال بعض العصور والارتقاء بالجوانب الإنسانية. واعتقد وايتهد في
وجود «دفقات» في التاريخ، كما يحدث في الطبيعة، وبذلك أمكن فهم أي شيء
فعلي بالرجوع إلى «حركة صيرورته، وتوقفها وتلاشيها، غير أن وايتهد قد فسر
الدفقات التاريخية أو الصيرورة تفسيراً متفاءلاً.
بطبيعة الحال، كان هذا ما حدث أيضاً في حالة الماركسيين الذين أحدثت
فلسفتهم المتفاءلة للتاريخ استهواء على نطاق واسع في عصر شعور بالعدمية.
أن ماركس قد بدأ مؤمناً بالحتمية الصارمة، ثم عدل عن رأيه عندما اتضح أن
العمال الصناعيين لم يتجهوا إلى التنمية التلقائية للوعي الاجتماعي
المنتظر منهم في وضعهم الاقتصادي، ولا يخفى أنه لكي تتحقق الأهداف
الضرورية للتاريخ (الثورة أولاً ثم المجتمع اللاطبقي فيما بعد) فلا بد أن
تخضع الكتل البشرية في كل مكان ـ بما في ذلك أولئك الذين يحيون في بلدان
متخلفة وتحت السيطرة الإمبريالية ـ لتوجيه نخبة من رجال الفكر ممن يعون
أهدافهم، ومن القادرين على الإفصاح عن ذلك، وتنظيم الكتل البشرية بطريقة
فعالة في آخر المطاف. وهكذا فقد ضم دور «الوعي» أو التغير المرغوب للمذهب
الماركسي الكلاسيكي إلى القوانين الضرورية والدفقات الاقتصادية
والتلقائية في التاريخ.
والنقطة الثانية الجديرة بالذكر أن كثيرين ممن اجتذبتهم الشيوعية في
أوروبا الغربية قد أدركوا المأساة الكامنة في التفسير الشيوعي للتاريخ.
وفضل الماركسيون الأوروبيون غالباً أن يروا انتصار العقل في التاريخ فقط،
ومن ناحية أخرى، فلقد رأى «جان بول سارتر» في أعقاب الحرب العالمية
الثانية، مظاهر الهلع والقلق في التاريخ، واحتج سارتر على فكرة الحتمية
التي تستبعد دور الاختيار الإنساني من تيار التاريخ. واعترض «ألبير كامي»
ـ على الحتمية الشيوعية (وسماها الإطلاقية التاريخية) ولكنه بالإضافة إلى
ذلك ومختلفاً عن سارتر، قد أحتج على أية «ثورة» بعد اعتقاده أنها ستزهق
أرواح العديد من البشر، وتضحي بالأبرياء والمذنبين سواء بسواء، وتهدد
الجميع في ناحية الحرية ونواحيهم الشخصية.
1- لم يكن الليبراليون والماركسيون هم الجماعات الوحيدة التي دعت إلى
التقدم إلى الأمام والارتفاع إلى أعلى في التاريخ. فهناك أيضاً
البيولوجيين المتفاءلين أو التطوريين، الذين نظروا إلى المدى البعيد، ولم
يكتفوا بما حدث من تقدم، ولكنهم تكهنوا بقدوم مستقبل رغيد للبشرية. وأنه
بعد كارثة الإنسان، فإن التطور قد انتقل من مرحلة بيولوجية صرفة إلى
مرحلة سيكولوجية، وانتهى إلى الوعي بنفسه واتجاهه، ومن ثم فإنه غدا قادراً
على توجيه مستقبله. وأن التطوير سيرتكن إلى حرية الاختيار عند الإنسان،
والاستخدام الذكي لقدراته.
لم يكن التفاؤل هو الشيء الجديد في فلسفة التاريخ، ولكن الأمر عكس ذلك.
إذ كان هذا الشيء الجديد هو التشاؤم أو الشك الذي اتجه أولاً إلى التساؤل
عن قيمة المعرفة التاريخية ذاتها؟ وهل تعد الدراسة الموضوعية للتاريخ
ممكنة، وهل يمثل التاريخ بالفعل عالماً موضوعياً يتألف من أحداث سابقة من
الميسور اكتشافها؟
وسارت الشكوك في معنى التاريخ موازية للشكوك في المعرفة التاريخية. وكان
المقصود بالمعنى هو القيم التي تكتشف في التاريخ، سواء كانت قومية أو
عالمية. والتاريخ كما هو موجه إلى هدف، أو متجه إلى اتجاه مرغوب، وبدا
التاريخ عند عدد متزايد من الناس إشكالياً كالإنسان (أو بسبب الإنسان).
ومن الجدير بالاهتمام، أن إعادة اكتشاف المعنى في التاريخ، لم يكن بأي
حال مقصوراً على المؤرخين أو على الفلاسفة والحق أنه من المستطاع القول
بأنها أصبحت تخص أكثر من ذلك الوجوديين والمسحيين والمشتغلين بالتحليل
النفسي. ومما له أهمية كبرى، أن ندرك أن أوروبا لم تعد تحتل الصدارة في
العالم التاريخي، وأنها على أي حال قد أضحت على حافة الانهيار الحضاري،
وبدأ هذا الانهيار من قرون مضت، وتضمنت الفكرة الأخيرة بالضرورة المحتومة
إعادة النظر في العصور التي انقسم إليها التاريخ تقليدياً واستحداث تصنيف
جديد للعصور، وإعادة كتابة التاريخ بالنسبة لباقي العالم. الحق أنه
بالإمكان الاهتداء إلى معارضي التاريخانية بوفرة في عشرينات القرن
العشرين، مثل الوجوديين، الذين اتجهوا بعقولهم إلى الحاضر والمستقبل،
ونسوا الاتجاه بعقولهم إلى الماضي، لأنهم ركزوا على «الحياة» والقرار
الشخصي، والكفاح لتعريف ماهية الإنسان وتاريخه، وما جرته في ذيولها من
شعور بالإحباط من الماضي، وما حدث فيه، ومن أفكاره، غير أن جذور هذا
الاتجاه تمتد إلى ما هو أعمق.
2ـ ونظر فرويد (1856م ـ 1939م) FREUD إلى الماضي نظرة تساؤل، وإن كان
الماضي لم يبد ميتاً على أي نحو في نظره. والواقع أنه كان مشغولاً
بالماضي، وبخاصة الماضي البدائي. وأدرك قوته وأثره على الحاضر، وهكذا
يكون فرويد قد عثر على معنى التاريخ، ولكنه ليس نفس المعنى الذي أدركه
المسيحيون والعقلانيون، أن فرويد مثل ممتاز لأولئك الذين رأو التاريخ
ممثلاً للحكم اللاعقل. وعلى أي حال، فإن المحليين النفسيين، ومعظمهم كان
مهتماً بالتاريخ، قد كانوا ضمن الممثلين الأساسيين للتاريخانية «اللاعقلانية».
وتأمل فرويد أيضاً الحرب، وكثيراً ما انتهى إلى نتائج لم تكن بعيدة
التشابه عن نظرته للدولة والأمم، فلقد حدثت حروب على الدوام، ويحتمل أن
تستمر في الحدوث، فلماذا هذا؟، أن هذا يرجع إلى السبب بعينه الذي جعل
الشيوعيين يبدون مخطئين لإلغائهم الملكية الفردية كعلاج لأمراض البشر،
لأن الطبيعة البشرية سفاحة في صميمها (وإن كانت هناك محبة أيضاً، وشيء من
العقلانية). وبمعنى ما، فمن المضلل القول بأن فرويد قد ظن أن نشوء الفرد
يكرر نشوء النوع، ورغم صحة هذا الحكم، فإن الأصح هو القول فيما يتعلق
بفرويد بأن الأحداث الجماعية أو التاريخ تعكس علم النفس الفردي(1). وأرجع
فرويد أصل الإنسان إلى حالة بدائية كانت الحرب تشب فيها بين الأخوة،
وتسفك فيها العشيرة دماء الأب، وما تبع ذلك من شعور بالذنب، والحاجة إلى
التفكير عنه. وفيما بعد ورغم «التقدم» في الحضارة، لم تتغير الطبيعة
البشرية كثيراً، وبخاصة في الكتل البشرية. وبعبارة أخرى، لقد اعتقد فرويد
أن التاريخ يمثل إسقاطاً للامعقولية الإنسان، إلى حد كبير، ولا تزيد
الحضارة ـ التي يعترف بأنها إنجاز عظيم ـ عن غلاف لامع رقيق، مقابل قدر
من الزهد والتسامي، الذي بدا ثمناً باهضاً للغاية، وفوق تحمل البناء
الغريزي للإنسان.. وفي فترات الحرب، حدث نكوص للكائنات البشرية بكل بساطة،
فارتدت إلى «الإنسان الأول الكامن في كل واحد منا»، ومن جهة أخرى، فإن «كارل
يونج» رأى تأثير التاريخ على الفرد، أو تأثير النشوء النوعي على نشوء
الفرد. وبالرغم من كل ذلك، فإن يونج لم يعتقد أكثر من فرويد في العقل
كعامل مسيطر على التاريخ. فعندما ينكر الإنسان طبيعته الانفعالية، كما
فعل مراراً في التاريخ، سيتعرض لاضطرابات نفسية عنيفة، أي إلى العصاب
الجماعي.
كان لفرويد تصور دائري للتاريخ. إذ أثبتت الصراعات ذات الطبيعة الجنسية
العدوانية في الماضي البدائي، التي اعتقد أنها قد طرحت جانباً ونسيت،
أنها باقية، ولكنها كامنة، وتتبع في حركتها «إيقاعاً متذبذباً» أو ما
سماه نيتشه بالرجعي الأبدية، إن هذا عرض آخر لأزمة التاريخانية، أي إعادة
إحياء نظرية الدورات في التاريخ المتعارضة مع فكرة التقدم في خط مستقيم.
و«اشبنجلر» و«توينبي» هما أشهر المعروفين بين أولئك الذين وضعوا مثل هذه
النظريات.
3ـ ولم يدع «اشبنجلر» Spengler (1880م ـ 1936م) أنه متشاءم، إلا أنه رفض
على الفور فكرة التقدم على خط مستقيم (في التاريخ القديم والوسيط والحديث).
وتمشياً مع ما قاله اشبنجلر فإن لكل الحضارات العظمى في تاريخ العالم
روحاً متفردة ـ أو مصيراً، إلا أنها جميعاً تمر عبر مراحل متماثلة للحياة
والموت، على غرار ما يحدث للكائنات العضوية في عالم البيولوجيا أو ما
يجري في دورة فصول السنة، فالتاريخ لا معنى له، لأن كل الحضارات ينتهي
أجلها بالموت، غير تاركة أي ذرية، كما أنها فوق كل ذلك، ترتبط بعضها ببعض
بعلاقة نسبية من ناحية القيم، وكان توينبي قد تأثر باشبنجلر، ولاحظ أيضاً
وجود دورات في التاريخ وما تتضمنه من نشوء ونمو وتداعي وكتب يقول «الظاهر
كأن حركة الحضارات تتبع الحركة الدائرية، لأنها تعاود الظهور، بينما تتبع
حركة الدين خطاً صاعداً مفرداً مستمراً. وهكذا يكون توينبي قد استبقى
المعاني المطلقة، واعترف بوجود معنى جامع للتاريخ، بالتبعية(2).
لقد تعرض التقدم، الذي يتباهى به تاريخ أوروبا للإنقطاع أو الانكسار منذ
عهد النهضة، ومنذ عهد التنوير، أو فيما بعد. واستخدمت في وصف محنة أوروبا
ـ من قبيل الشعور بالقرف ـ كلمات وعبارات مثل «إزاحة الوهم» فقدان الطابع
الإنساني الذي أحدثته ضخامة الآلات، و«فقدان الروح» وانتشر على نطاق واسع
الكلام عن التدهور والنكسة في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته. وتعبر
هذه الأقوال، ربما أفضل من أي شيء آخر، عن الضيق من التاريخ الذي غلب على
الأوروبيين في القرن العشرين.
وعبر «اشبنجلر» عن هذه الروح المتشامخة في معنيين، المعنى الأول هو
الاستعاضة عما سماه النظرة «البطليموسية» بالنظرة «الكوبرنيقية» للتاريخ،
وهذا يعني عدم رؤية أوروبا كمركز لعالم التاريخ، وتدور حولها شتى
الحضارات الأخرى، «وإنما كمجرد حضارة من بين حضارات ثمان متمايزة، لا
واحدة منها تتميز بتفوقها فلقد حلقت بعضها في عصور مختلفة في سماء العلا
في التاريخ، وتفوقت على أوروبا(3). ورأى «اشبنجلر» وجوب الالتزام
بالاستقامة عند تدوين التاريخ أو كتابته حتى لا تعطى أوروبا أية مكانة
متميزة أو مرموقة في مقابل الحضارات العظمى في تاريخ العالم، وعبرت عن
المعنى الثاني لاشبنجلر عبارة أخرى هي «الانتقال من الحضارة إلى المدنية».
فلقد انتقلت الحضارة الفاوستية لأوروبا ـ التي كانت ما زالت في قمتها في
القرن الثامن عشر ـ إلى فصلها الشتوي أو ما يدعى بالمدنية» وتعبر الحضارة
عن الروح الخلاقة والتلقائية والروحانية، أما المدينة فتدل على شعور
العالم بالاجتهاد، وشدة التعقيد الذهني والروح الخاوية. ورمز المدنية هو
«الدولة ـ المدينة»، ويمثلها الاتجاه نحو الخارج أكثر من الاتجاه إلى
الداخل، فلقد وهبت المدينة نفسها لعبادة الفخامة، ووقعت في قبضة الآلات
ومنظمتها، ويتصف سكان الدولة ـ المدينة بأنهم كتل من البشر بلا جذور.
وساورت «ماكس فيبر»، شكوكاً مماثلة عن التاريخ الأوروبي الحديث. واكتشف
تفرد أوروبا باتباع العقلانية، وهذا ما لم يحدث في أية حضارة أخرى.
واختلف فيبر عن اشبنجلر، لأنه كان شديد الإيمان بالتفكير، والسلوك
العقلاني. فهذان العاملان وحدهما يمنحان الإنسان الحقيقة والحرية. ومع
هذا فإن للترشيد العقلاني جانباً آخر له آثار مرغوبة بدرجة أقل، يعني
التحرر من الإيمان بالسحر، والروح البيروقراطية. والتحرر من الإيمان
بالسحر قد سلب الإنسان آلهته، وأدى إلى فوضى من القيم وشعور بالإحباط،
وبالتعاسة بالتبعية، وللروح البيروقراطية أيضاً مزاياها، فهي تعني اتباع
الحساب في تصريف أمور الخلق أي بلا نظر إلى الأشخاص ومحو المجتمع الحق.
وتوسع آخر في هذه المعاني، وبروح أكثر تشاؤمية، إذ ركز المسيحيون على
مسألة السحر والخزعبلات والاضطراب الروحي، واتجه الاتجاه نفسه بعض
المحللين النفسانيين، والنقطة التي اعتمدوا عليها بسيطة للغاية، يعني،
وكما قال آلبرت اشفايتسر أن الحضارة تعتمد على النظرة إلى العالم أو
النظرة الجامعة، ومن ثم فقد أرجع التدهور في الحضارة في أوروبا أولياً
إلى الابتعاد عن العقائد الدينية والأخلاقية منذ عصر التنوير. ولم ينسب
ذلك إلى فشل رجال السياسة أو حتى إلى الحرب العالمية، التي لم تكن أكثر
من عرض من الأعراض، وتعرض «يونج» Young لنفس النقطة، وفي رأيه أن السر
الكامن وراء متاعب الحضارة الأوروبية والأوروبيين هو الموت ابتداء من موت
نموذج الله ورموزه الدينية التقليدية، والذي بدأ بالهجوم النقدي في عصر
التنوير، ومن ثم تسبب الفراغ الناجم عن ذلك في دكّ صرح القيم السائدة في
أوروبا وقلبها رأساً على عقب. وطبقاً لما تقوله نظرية يونج، فن المجتمع
لا يؤدي عمله على خير وجه إلا إذا زود الأفراد المنتمين إليه بالرموز (وبالمعاني
بالتبعية) وتتحقق هذه الغاية عن طريق الإيمان، في هذه الحالة فقد يكون
بوسع الطاقة النفسية أن تتحول إلى الخارج. وتنتج أنظمة ومؤسسات اجتماعية
خلاقة.
4ـ وركز الفيلسوف الوجودي «كارل ياسبرز» (1883م ـ 1969م) Jaspers أكثر من
ذلك على الآثار المترتبة على الإدارة «وجهاز الحكم»، وبالإضافة إلى عالم
التكنولوجيا. فالجهاز الذي خلقه الإنسان لراحته ومنفعته. انتهى الأمر بأن
أصبح مسيطراً عليه، وهبط بالإنسان من مرتبة الفرد إلى مرتبة«المقولة» أو
الوظيفة. ولم تكن الآلات وحدها هي التي قلبت الموائد على أسيادها في
العصور الحديثة، وإنما شاركت في ذلك أيضاً «الكتل البشرية». فأوروبا في
العصر الحالي ـ وهي من نتاج الثورة الليبرالية والثورة الصناعية في القرن
التاسع عشر ـ هي أول حقبة في التاريخ لا تعترف بأي شيء في الماضي كمعيار.
وفي حوزة أوروبا الآن معرفة أوفر وقوة أضخم من أي عالم سلف: «إن أوروبا
اليوم تسير في نفس الطريق الذي اتبعه أسوأ عالم في التاريخ أنها بكل
بساطة سائرة في طريق الانحراف. ولقد برزت الآلات وكتل البشر «وفك السحر»
في المنجزات الكثيرة التي عكفت على تحليل سر «انحلال الغرب المعاصر».
وما يتوقع مستقبلاً يختلف باختلاف الموقف الذي يتخذه الفرد من النقاش
الكبير الذي عاد للحياة الآن في قضايا الحتمية، أو المصير، والحرية، وكان
اشبنجلر من أنصار الحتمية. وقال أنه حتى الآن كان كل إنسان حراً في أن
يأمل ما يريد فيما يختص بالمستقبل. أما الآن، وبعد أن عرفت الحقائق، فإنه
قد أصبح لزاماً على كل فرد أن يخبر نفسه بما حدث وما سوف يحدث «وبضرورة
المصير التي لا تتبدل».
«للأوروبيين، الذين وضعهم المصير في هذه الحضارة، وفي هذه اللحظة من
ارتقائها.. فلقد وضع لنا اتجاهاً، هو من صنع إرادتنا وملزم لنا في الوقت
نفسه، في نطاق حدد ضيقة.. فليس لدينا حرية بلوغ هذه الغاية أو تلك.. وما
لدينا هو حرية القيام بما هو ضروري أو عدم القيام بأي شيء.. وستنفذ
المهمة التي وضعتها الضرورة التاريخية بمعرفة لفرد، أو ضده»(4).
ورغم أن اشبنجلر لم يعرف بالتشاؤم، إلا أنه لم يكتف بالقول بتقديم أوروبا
بالفعل في مرحلة المدنية، التي تجتازها، وقال أن مصير حضارتها كمصير
الحضارات الأخرى كاليونانية والمصرية إلى زوال، أي يجب أن تموت آخر الأمر،
وتموت بلا ذرية. ولقد أصبح من الشائع التحدث عن التاريخ بلغة التشاؤم،
أما عن التاريخ في جملته أو عن بعض مواضع منه، وعلى أنه يخضع لقوى لا
شخصية، ولا يتوقع له في أفضل الأحوال غير مستقبل موضع شك، ودعا حتى
المسيحيون إلى حتمية الأوضاع المتداعية المرذولة، لأنهم رأوا العالم قد
استرسل في الوقوع في الخطيئة واستسلم لإبليس، أما المستقبل فبلا أمل، ما
لم يتدخل الله بمعجزة يبطل بها مفعول الزمان وأثاره السيئة.
وهب الإنسانيون والوجوديون ضد المصير، ودافعوا عن الحرية في التاريخ.
وكتب توينبي يقول: لا يبدوا أن هناك أي سبب يحول دون مواجهة التحديات
المثالية (في التاريخ) باستجابات متعاقبة ظافرة إلى ما لا نهاية. فليست
أوروبا خاضعة لحكم محتوم عليها ـ ولكنها لما زالت تتمتع بحريتها، قادرة
على التجريب، وعلى تخليص نفسها من موقف، لا بد من الاعتراف بأنه موقف
خطير.
5ـ على أن «توينبي» (1889م ـ 1975م) Toynbee قد اتجه إلى النظر إلى
التاريخ لا على أنه مجرد إستجابة إنسان للتحديات المتعاقبة، بل كميدان
للفعل الهادف الذي تمليه قوة أعظم من القوة الإنسانية، وتتكشف في تاريخ
العالم في ارتفاع الكنائس العالمية من رماد الحضارات المائتة. غير أن
المصير Destin عند «مالرو» كان يظهر كشعور ينتاب الإنسان، أكثر منه
قانوناً موضوعياً للتاريخ، وقال مالرو «إن الوعي الذي لدينا عن المصير،
ويتماثل في عمقه هو ومعنى المصير في الشرق. إنما هو شبح القرن
العشرين(5). وغلبت فكرة المصير على العالم الأوروبي بعد موت فكرة المطلق
والقيم المطلقة، التي ارتبطت في ذهن العالم الأوروبي بنهوض البورجوازية،
أي أول عشيرة بلا قيم.
ومنذ ذلك الحين اختفى العلو من الحضارة، كما اختفت الأهداف السامية، ولم
يبق لها غير الواقع التي توجهها. وتزايد شعور الإنسان بأن زمام حياته ليس
ملك يديه، ولكنه مسيّر بشيء لا يدري ما هو، ومع هذا فإن الإنسان لديه
حرية إخضاع المصير، كما بين التاريخ ومن هنا فبوسع الإنسان الخلاق إعادة
الكرة وأن يقوم مرة أخرى بتزويد المادة بحياة جديدة، وطبع صور جديدة
ومثمرة عليها، وكان هذا نفس ما فعله اليونانيون، وكان هذا هو رأي
الوجوديين على وجه التقريب، فقد تركوا بالمثل المستقبل مفتوحاً، بينما
نظروا في الوقت نفسه للتاريخ على أنه مأساة.
فعند «ياسبرز» مثلاً كانت قوة جهاز الحياة واضحة تماماً، وستتوافر
السعادة الحقة للناس، إذا استطاعوا أن يكونوا أسياداً لهذا الجهاز، وكل
ما أصر عليه هو القول: «بأنه من الميسور «لأي إرادة واعية» أن تفعل ما هو
موجب من خلال العقل الثقافي والتعلم، ولكن هذا سيتحقق بصفة أساسية إذا
تسنى للإنسان إعادة اكتشاف وجوده الحق، لقد كانت هذه إحدى السمات
الأساسية لفلسفة التاريخ في أوروبا في القرن العشرين، وحل محل الثقة في
التقدم مستقبلاً شعور بالاكتئاب. أو أمل متواضع عوضاً عن ذلك. يعني أن
النصف الثاني من القرن سيشهد مصيراً مأسوياً مماثلاً لما يحدث «لشخوص
الدراما اليونانية» ولو قدر للحضارة الأوروبية أن تبقى، فإن عليها أن
تبحث عن جذور جديدة ومحور جديد للحياة الخلاقة: «فلقد تشتت الأحوال، ولم
يعد المحور قادراً على الصمود»، فلقد ولى عهد التقاليد التي وحدت يوماً
الحضارة الكبرى. واتجه ياسبرز إلى ما هو أعمق. إذ رأى أن إعادة بناء
الحضارة لن يتحقق إلا إذا استطاع الإنسان ـ أو الإنسان الفرد ـ اكتشاف
ذاتيته، وبذلك يتوافر له المنظور والقدرة على مقاومة سيطرة «الجهاز».
فلقد أخطأت العلوم الاجتماعية عندما نظرت إلى الإنسان على أنه موضوع أو
غاية، أو نتيجة بالمقدور جمع بيانات عنها، بقصد تغير الإنسان اعتماداً
على أنظمة ومؤسسات.
«فمن الممكن أن تستخدم أعظم المؤسسات أكثر المكتسبات الموثوق منها
للمعرفة وأعظم التقنيات تأثيراً على أنحاء متضاربة. ولكن تكون مجدية، إلا
إذا استطاعت الكائنات البشرية تحقيقها في واقع مؤثر وذي قيمة».
وهكذا، وفي نهاية المطاف، يتركز الأمل في النهوض العام ـ في رأي ياسبرز ـ
لا على أصحاب الخبرة بل على «الوجود الإنساني ذاته». والعمل على اتساع
أفقه بالعودة إلى الميتافيزيقا و«الترانسندتالية» ولم يتفرد ياسبرز
بالقول بأنه لو أريدت عودة الحضارة إلى طابعها الخلاق ثانية، فيتعين على
نحو ما إعادة ربط الصيرورة (الممثلة في الجهاز أو الشعور بالعجز
والاضطراب أو القدر، أو غير ذلك) مرة أخرى بالكينونة.
الهوامش
ـــــ
(1) قال فرويد هذا الرأي صراحة في سيرته الذاتية بتاريخ 1925م فقد كتب
يقول: « أدركت على نحو واضح للغاية أن أحداث التاريخ الإنساني.. لا تزيد
عن كونها انعكاسات للصراعات الدينامية بين الذات والأنا والذات العليا،
وهي الصراعات التي يدرسها التحليل النفسي في الفرد، إنها نفس الحالات
المتكررة على مسرح أوسع».
(2) علم الدين نيقين، فلسفة التاريخ عند تويبني، الهيئة المصرية، 1991م.
(3) بدوي عبد الرحمن، اشبنجلر، دارالقلم، بيروت، 1982م، فصل الثورة
الكوبرنيقية.
(4) بدوي عبد الرحمن، اشبنجلر، مرجع السابق: 77 وما بعدها.
(5)Les Voix du Silence – Andre malraux ، باريس، 1951م : 628-629.
الفلسفة والإنسان، دار الفكر العربي، بيروت
|
|
|