الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الأحد: 21/10/2007

الإصلاح والتطور

د. جميل قاسم

هل الإصلاح مذهب رجعة؟ هل هو اعتراض لعقول متخلفة ذات رؤية قروسطوية، مقابل النهضة التي تضمنت انعتاق الفكر، وحماية العلم، وتحرر الإنسان كما يقول نيتشه في كتابه «إنساني.. إنساني جداً»؟ هل هو على العكس إعادة تأسيس للوعي الديني وفق مقتضيات التطور من داخل؟ وما معنى عبارتا «تقدمي» و«رجعي»؟ هل يوجد تقدمية خطية، ورجعية قبلية؟ لا شك أن السؤال المعرفي، الابستمولوجي يطرح نفسه في كل تعريف، ولكن التعريف تحديد. هل كان ابن رشد أكثر تقدمية من المعتزلة؟ هل كان الحلاج حدسياً رجعياً بينما ابن الراوندي عقلياً تقدمياً؟ هل كانت مونتان تقدمياً نهضوياً بينما باسكال إصلاحياً متخلفاً؟ هل كان محمد عبده في الفكر العربي شيخاً إصلاحياً، بينما فرح انطون رائداً نهضوياً؟ وفي أي شرط تاريخي، أو تاريخاني نطرح هذه الأسئلة؟ وفي أي صعيد من أصعدة الكينونة؟ في أي بنية وسياق؟
الثابت أن تضافر شرطي الإصلاح والنهضة هو الذي مهد للحداثة الغربية في جدلية التطور، وعلى كل الأصعدة. والإصلاح كموقف ونظرة إلى الكون هو في الحقيقة أشمل من ربطه بالإجتهاد العقدي أو المذهبي. وتأكيد توما الأكويني على الطابع «الطبيعي» للدولة هو الذي مهّد إلى الفصل بين الدين والدولة، كما أدى «فصل المقال بين الحكمة والشريعة» عند إبن رشد إلى التأكيد على الطابع المزدوج للحقيقة المتطابقة ـ المختلفة في مذهب «الحقيقة المزدوجة» لدى أصار الرشيدية اللاتينية. كما أن ادراج الأخلاق اليونانية وسياسات أرسطو في الفلسفة اللاهوتية المدرسية هو الذي أدى إلى إدراج مفاهيم الحق والخير والجمال اليونانية في اللاهوت المسيحي. والإصلاح البروتستانتي قد عزز مع لوثر الفصل بين مملكة العالم ومملكة الله، قياساً على مبدأ الطبيعة المزدوجة للمسيح فعزّز بذلك مبدأ الاختيار وحرية الضمير.
في اعتراضه على التاريخ الغربي السائد يرى إتيان جيلسون «أن النهضة، كما تقدم لنا، ليست العصر الوسيط زائد «الإنسان» وإنما العصر الوسيط ناقص الله»(1).
لقد حاول ماكس فيبر في كتابه «الأخلاق البروتستانية، وروح الرأسمالية» أن يبيّن أثر التربية وبنية الوعي التي يرسخها المناخ الديني على تطور ونشوء عقلية اقتصادية، وهي، ههنا، دور الأخلاق البروتستانية في تطور المشروع الرأسمالي. وهو يرى، بالمحصلة أن القواعد الشكلية العقلية لبنية عقلية ما تؤدي إلى انبثاق عقلية تقنية وإدارية في المجال الإنتاجي الإقتصادي، أي أن بنية العقل الصورية تتضمن بنية تقنية في مجال القانون والإدارة والتخمين والمبادرة. من هنا، مثلاً يلاحظ أن الكاثوليكي، كان عادة، يتحلى بذهنية جبرية أكثر انفصالاً عن العالم من البوتستانتي القدري الأكثر إقبالاً على العالم، والأول يميل إلى الإكتفاء والزهد، بينما الثاني يميل إلى المغامرة والريادة. الكاثوليكي يرفض «المادية» باعتبارها نتيجة العلمنة وتزمين شئون الحياة، بينما البروتستانتي يسعى إلى الكسب المادي باعتباره شكلاً من أشكال الجدارة الطهرية، وتحقيق الذات الاجتماعية. وليس المذهب الأخلاقي في دين أو عقيدة دينية معينة هو الذي ينطوي على قدرات بسيكولوجية معينة، بل السلوك الأخلاقي الذي تتضمنه العقيدة الدينية، كالإئتمان، وإعلاء شأن العمل والمبادرة، والبحث المنهجي عن الكسب، والتقدير لعامل الوقت، والمنفعة المترتبة عليه، والدقة، كل هذه هي التي تحدد روح العقيدة أو المذهب وما تؤدي إليه من مفاعيل في الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية(2). وإذا أثــّر الفكر على الاقتصاد، والاقتصاد على الفكر، فإن هذا يؤكد جدلية التأثر البنيوي في علاقة الفكر بالواقع، والمادة بالوعي. وقد تركت الفكرة التطويرية في القرن التاسع عشر أثراً بارزاً على العلم والفكر والأديان وأسهمت في إخضاع الظواهر الفكرية إلى النسبية التطويرية، حتى تلك الظواهر التي تتميز ببنى تطورية ـ تزامنية، كالدين، والجماعات الأنتروبولوجية كالطائفة والقبيلة إلخ، وإذا أدت التطورية إلى بروز أنماط تطورية من الوعي الديني، مثلما أسهمت بنية الوعي البروتستانتي في التطور الرأسمالي في الغرب، فإنها أسهمت في الشرق العربي ببروز وعي ديني تطوري قامت على أسسه إشكالية الإصلاح.
الإسلام والتطورية Evolutionnisme
لقد برز الإصلاح الإسلامي إلى الوجود في حقبة تاريخية تميزت بالتعالق الكوني البنيوي في إطار الإدراج الرأسمالي للاجتماع العثماني، وما ترتب عليه من حركة تثاقف واستعارة فكرية. وإذا كان جمال الدين الأفغاني أول من نبّه الشرق إلى أهمية التراث الفلسفي الكلاسيكي العربي ـ الإسلامي بعد انقطاع دام حوالي ستة قرون من الإنحطاط الفكري [الإلهيات (الميتافيزيق)، المنطق، الطبيعيات، التاريخ] فإن محمد عبده أحد رواد حلقته الفكرية التي أحياها في مصر مدرساً للفلسفة ومحرضاً في السياسة من أجل النهضة واليقظة، سيمثل روحية الإصلاح الفكري في مصر والعالم العربي والإسلامي. وإذا كان الطهطاوي ـ حسب وصف المؤرخ ديزموند ستيوارت يمثل لحظة الطريحة في الثالوث الديالكتيكي الهيغلي، والنقيضة ويمثلها جمال الدين، فإن لحظة «الجميعة» التركيبية Synthese سيمثلها محمد عبده بجدارة. والجميعة التركيبية تقوم على التراسل مع الفكر الكلاسيكي، والتواصل مع الفكر الحديث. وإذا كان صديق محمد عبده ولفريد بلنط الكاثوليكي يتطلع إلى «مسيحية تطورية» في عصر احتلت فيه التطورية ناصية الثقافة الأوربية، فإن عبده سيتبنى بدوره الفكرة التطورية، ويحصر اهتمامه ونشاطيته في الدعوة إلى إسلام تطوري، أي إلى إسلام متوافق مع قانون التطور، ومع متطلبات الحياة الفكرية والمادية الحديثة.
إن تكوين محمد عبده المالكي، سينعكس بدوره على منهجه في التوليف الفكري بناء على «المصلحة»، أو«الاستصلاح». والتوليف، في أصله، منهج فكري يقوم على الجمع بين عناصر فقهية من مذاهب متفرقة في الفتوى الواحدة. كما إن الاستصلاح يقوم على بناء الأحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة، وهي المصالح التي لم يقيد اعتبارها بورود نص خاص بعينه، وإنما يقوم اعتبارها على ما جاء في الشريعة من أصول عامة وقواعد كلية، من شأنها أن تعتبر المصالح «مرسلة» أي مطلقة غير مقيدة بنص خاص. وبهذه الطريقة والمنهج أدرج عبده المفاهيم الحديثة في الفكر الإسلامي، فانقلب «الإستصلاح»عنده إلى «المصلحة» و«الشورى» إلى «الديمقراطية البرلمانية»، و«الإجماع» إلى الرأي العام. وفي تمييزه لما هو «جوهري» في الإسلام ميّز بين العبادات والمعاملات، مؤكداً أن المعاملات لم يحدد لها القرآن والحديث سوى مبادئ عامة، تاركاً للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة، وبما أن هذه القضايا تتغير (تتطور) وجب تطبيق المبادئ عليها.
أدى التركيب الفكري التوليفي بين الفكر الإسلامي والتراث الليبرالي الإنساني، على قاعدة النزعة التطورية إلى نشوء مروحة من الأفكار الجديدة، والسلفية ـ الجديدة في الفكر العربي. ويتماشى هذا التطور مع حركة التحديث في هياكل المجتمع المصري، ومع تنامي الطبقة المتمدنة من السكان، وبروز أنتلجنتسيا حديثة في أوساط «الطبقة الثالثة» المترتبة على عملية التبنين الطبقي Structuration de classe (يطلق عبد الله العروي في «الإيديولوجية العربية المعاصرة» اسم التبنين أو الانبناء الطبقي على مجتمع يستعير عنصراً بنيوياً من مجتمع آخر. فترتسم بنية المجتمع الثاني في أفق المجتمع الذي يستعير، وهي ليست بالنسبة لهذا المجتمع لا داخلية كلياً، ولا خارجية (برانية) كلياً. إن نزوع مجتمع إلى تماثل تكوينه مع تكوين مجتمع آخر، و التبنين، يبقى عملية غير مكتملة، أو بمعنى آخر يخلق بنية هجينة ومتخارجة، ومقابل حلقة محمد عبده الفكرية الإصلاحية برزت إلى الوجود مدرسة ليبرالية أخرى تمحورت حول مجلتي «المقتطف» و«المقطـّم»، وفيما كانت حلقة الإصلاح تنادي بضرورة التأليف بين الفكر العربي ـ الإسلامي والفكر الحديث كان أنصار الحلقة الثانية يميلون إلى تأييد الغرب ونمط الحياة الأوربي بلا قيد ولا شرط، بناء على نتائج ـ وليس أسس ومبادئ ـ التطور الغربي.
المطلق والنسبي
إن مقدمات الفكر الإصطلاحي ستؤدي، من جهة ثانية، إلى نتائج متنوعة فكرية ومادية، فإصلاح التعليم في الأزهر يؤدي إلى نشوء الجامعة المصرية الحديثة، والدعوة إلى فصل المعاملات والعبادات تؤدي إلى بواكير فكر علماني إسلامي مع علي عبد الرازق. والتأكيد على «المصلحة» إلى بروز أطروحة ليبرالية حديثة بمعنى الكلمة تؤكد على المنفعة والحرية مع أحمد لطفي السيد. والتأليف «الليبرالي» بين الفكر الإسلامي والتراث الليبرالي المكتوب بلغة انطباعية عند رفاعة الطهطاوي يظهر إلى الوجود مع أحمد لطفي السيد بلغه حديثه. ورغم إصرار المفكر المصري الأرستقراطي على تعريب مفهوم «الليبرالية» بنفس العبارة التي أطلقها قبله الطهطاوي على هذا المذهب (الحريّون) فإنه سيعطي المفهوم نفس الدلالات الغربية. وبتأثره بجون ستيوارت ميل في مذهب المنفعة Utilitarism ونظريته في «الحرية» Liberalism سيصبح مذهب الحرية، عنده، أساساً لنظرية الدولة والحكم.
يرى السيد أن القاعدة في كل مذهب من مذاهب السياسة هي المنفعة، وأن منفعة الأفراد ومنفعة المجموع لا تكون إلا في حكم الأمة بمقتضى مبادئ الحرية، وذلك يقضي بألا تـُضحى حرية الفرد ومنفعته لحرية المجموع. ويرى السيد أن هذا المذهب، دون غيره ينبغي أن يكون أساساً للحكم (في مصر)، ولكن علاقة بين الفرد والمجتمع، أو بين الفرد والحكومة. والحرية برأي السيد هي حالة طبيعية، أما الدولة فلها وظائف محددة كالحفاظ على الأمن والعدل وحماية المجتمع. والوسيلة إلى إقامة مجتمع ليبرالي برأي السيد هي تكون أفراد ـ أحرار ولذلك يرى أن مذهب «الجماعيين» (الشيوعية) يحول دون تشكل الأفراد، وذلك لأن مشيئة الشعب فيه ليست مرجع الأمور، وهذا الأمر يعوق محاولة تكوين أفراد أحرار، مسؤولين، في وقت ما تزال فيه مصر أحوج إلى تكوين وتربية الفرد، كي يستكمل قسطه من القوة والتأكد، ومن ثمة تقرر الأجيال اللاحقة اختيارها الاشتراكي، أو غيره من أشكال الاختيار السياسي. وقد أدرك السيد، بفطنة، ما سيدركه الفكر النقدي في السبعينات من أهمية التأسيس البنيوي للحداثة على الأسس العقلانية لعصر الأنوار، قبل التأكيد على أية هوية ايديولوجية قبلية ومسبقة معطاة.
على صعيد آخر، مهّدت أطروحة محمد عبده في الفصل النسبي بين المعاملات والعبادات إلى أطروحة تدعو إلى الفصل الواقعي للسلطة المدنية عن السلطة الدينية. ففي كتابه «الإسلام وأصول الحكم» يرى علي عبد الرازق أن الإسلام لا يملك نظاماً معيناً للحكومة، ولم يفرض على المسلمين نظاماً خاصاً، بل ترك مطلق الحرية لهم لتنظيم الدولة طبقاً للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، ومع مراعاة التطور الاجتماعي والزمني.
ويرى عبد الرزاق أن الخلافة ليست نظاماً دينياً، وأن النبي لم يكن ملكاً ولم يحاول قط أن ينشئ حكومة أو دولة، لأنه كان نبياً ولم يكن زعيماً سياسياً. وبناء على ذلك يدعو عبد الرازق إلى الغاء نظام الخلافة الذي يتعارض مع الإسلام كدين حر يلائم كل العصور والبيئات، ويشمل كل تطور في شكل الحكومة من الوجهة الفكرية أو العملية أو الاجتماعية أو التشريعية.
وأطروحة على عبد الرازق تجد أصولها في أفكار محمد عبده الإصلاحية، في معرض جدالاته مع المفكر النهضوي فرح أنطون، التي اعتبر فيها عدم جواز الخلط بين نظام الخلافة والنظام الثيوقراطي، باعتبار أن لا وجود لسلطة دينية في الإسلام. وكذلك دعوته إلى دين بدون وساطة، حيث لكل مسلم أن يأخذ عقيدته من كتاب الله وسنة نبيه بدون وساطة سلف أو خلف شريطة الإحاطة بقواعد النحو، والتاريخ وشيء من قواعد الناسخ والمنسوخ لتفسير وبيان الحديث. هذا ناهيك عن دعوته لاحترام حرية العقيدة(لا إكراه في الدين).
جدل الإصلاح
غير أن التوفيق له حدوده ومحدوديته. وقد تميّز التوفيق عند الإمام محمد عبده بنزعة محايرة تخلط بين اتجاهات شتى فقهية وكلامية وفلسفية.
وكما كان ابن رشد نقل مبدأ التوفيق الفقهي إلى مجال الفلسفة مع إنفتاح على علوم القدماء، استخدم محمد عبده التوفيق في العصر الحديث فشمل الفقه والفلسفة والكلام، مع انفتاح على الفكر الغربي الحديث. لكن إذا كان البعث الفلسفي بعد ستة قرون من الانحطاط الفكري هو أمر إيجابي بحد ذاته، فإن هذا لا يعني أن الجديد الإصلاحي يتميّز، ضرورة، بالجدة الأنطولوجية، ناهيك عن أن أطروحة التوفيق الرشدية لم تعد كافية بمقياس العصر. علماً بأن «رسالة التوحيد» المؤلف الرئيسي لعبده لا يصل إلى درجة التوفيق الرشدي. أن محمد عبده كان أقرب إلى إبن رشد العربي، في «التوفيق بين الحكمة والشريعة» فيما كان انطون أقرب إلى ابن رشد اللاتيني Averroes أي أقرب إلى الرشدية الحديثة التي تأسست على أفكار ابن رشد. وإذا كان فرح أنطون، بتأثير من أرنست رينان ينظر إلى الإسلام بناء على معطيات المنهج التاريخاني الفيلولوجي و«الكنيسة في رأسه» تماماً كرينان في دراساته عن «الإسلام والعلم» و«ابن رشد والرشدية» فإن محمد عبده كان من جهته «رشدياً مالكياً»، والحق أن آراءه لا تتعارض ليس مع أفكار إبن رشد الفقهية فحسب، لا بل، وبصورة خاصة، مع طريقة الأشعرية المتأخرين، كأبي بكر الباقلاني، والإمام الجويني، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والبيضاوي، وهي طريقة تقوم على إخضاع الأدلة العقلية للعقيدة، بناءً على قاعدة أن بطلان الدليل يؤدي ببطلان المدلول. وقد قبل هؤلاء بمقولات كلامية وفلسفية كالواجب والممكن، والجوهر والعرض، والقدم والحدوث، ونظرية الجزء الذي لا يتجزأ وحاججوا بها خصومهم في المنافحة عن السنة والعقيدة.
وعلم التوحيد عند عبده هو علم يبحث عن وجود الله وصفاته، والوحي، والقرآن، وبعثة الرسل، باعتبار حكم العقل ومماثلته للشرع أو النقل. والعقل عند عبده لا يستقل بالوصول إلى الحقيقة بدون السمع، وتصديق الرسالة له أسبقية على تصديق العقل المحض.
وفي الموضوعات التقليدية التي تناولها علم الكلام الإسلامي نجد الإمام عبده يتبنى الخلاصات الأشعرية ـ الجديدة لها. ففي مسألة الاختيار مثلاً يتبنى موقف الجويني القائل بأن العبد يكسب بإرادته ما هو وسيلة لسعادته (نظرية الكسب الأشعرية). الأفعال عند الجويني تتحصل عن الكسب والاختيار معاً وهي الطريقة الوسطية التي حسم فيها المتأخرون الخلاف بين الأشعرية في نظرية الكسب والمعتزلة في نظرية الاختيار. ومفهوم عبده للسببية أقرب إلى مفهوم العادة الأشعري منه إلى مفهوم السببية الرشدي. والأولى كما نعلم تقوم على الاتفاق بينما تقوم الأخرى على التلازم والضرورة. ويعرّف عبده السبب بأنه منشأ الإيجاد ومعطي الوجود، أو العلة الفاعلة، لكنه يضيف بأنه قد يكون «المعّد» أو «شرط الإيجاد»، وهو بهذا المعنى قد يحتاج إليه في الابتداء ويستغني عنه في البقاء.. وهو يفرق بين توقف الممكن على شيء واستفادة الوجود من شيء. إذ التوقف قد يكون على وجود ثم عدم (كالبنـّاء شرط وجود البيت الذي ينعدم بعد وفاة البنـّاء، أو كتوقف الخطوة الثانية على الأولى، باعتبار أن الأولى ليست واجبة الوجود للثانية وإلا وجب وجودها معها، مع أن الثانية لا توجد إلا إذا انعدمت الأولى.. ومن الواضح أن الأمثلة المعطاة تنفي التلازم الضروري بين الأسباب والمسببات. وجذر هذا التعارض المنطقي يعود إلى نظرية الجواز التي تبناها محمد عبده بدوره. وكان أبو المعالي الجويني قد صاغ في رسالته «النظامية» نظرية للجواز تقوم على مقدمتين: إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه (أصغر مما هو أو أكبر مما هو، أو بشكل غير الشكل الذي هو عليه إلخ..)، والمقدمة الثانية، أن الجائز محدث وله محدث. والمعروف أن إبن رشد قد رد على الجويني في هاتين المسألتين في «مناهج الأدلة»، فرد على المسألة الأولى بالقول أن المصنوع لا يقوم على عكس غايته الواجبة والضرورية له. أما المسألة الثانية وهي القائلة أن الجائز محدث، فقد اعتبرها ابن رشد مقدمة غير بينة بنفسها، واستشهد بموقف أفلاطون في أن يكون الجائز أزلياً وهي نظرية الحدوث الأزلي أو الدائم التي تبناها الفيلسوف. والممكن عند عبده يحتاج إلى السبب في وجوده كما يحتاج إليه في البقاء، باعتبار أن ذات الممكن لا تقتضي الوجود ولا يرجح لها الوجود عن العدم إلا السبب الخارجي الوجودي، لأنه لازم من لوازم ماهية الإمكان لا يفارقها وليس للممكن حالة يقتضي فيها الوجود لذاته، فيكون في جميع أحواله محتاجاً إلى مرجّح الوجود عن العدم، ولا فرق بين الابتداء والبقاء(3). والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب، إذ ليس وراء الممكن إلا المستحيل، وهو واجب الوجود للممكنات الموجودة أو المحدثة.
انعكست طريقة محمد عبده وأفكاره على جيل من المفكرين، وأدت إلى بروز اتجاهين رئيسيين الأول اتجاه عقلي سلفي، والثاني اتجاه عقلاني حديث وإذا تمثل الاتجاه العقلاني بأفكار وأطروحات أحمد لطفي السيد، وعلي عبد الرازق فإن الاتجاه العقلي السلفي سيتمثل بمدرسة سلفية ـ جديدة تخلط بين أنصبة الفكر دون الاحتفاء بأي نصاب معرفي ـ أو نطولوجي فيه.
وتستمر أفكار محمد عبده، مع مصطفى عبد الرزاق صاحب كتاب التمهيد وتتميّز أطروحته بنفس النزعة المحايرة (بالراء) التوفيقية. وفي كتابه المذكور يرى عبد الرازق (وهو الأخ الأكبر لعلي عبد الرازق) أن نشأة النظر والتفكير الفلسفي عند المسلمين كانت، بداية، انطلاقاً من نشأته بالاجتهاد بواسطة الرأي، وحتى تقنينه في نسق من أساليب «البحث العلمي» له أصوله وقواعده في «الرسالة» الشافعية (علم الأصول). ومظاهر هذا التفكير في الرسالة تكمن في نظر عبد الرازق في سرد المباحث وترتيب أبوابها نسقاً مقرراً في ذهن مؤلفها، وهو ما قد يختل إطراده أحياناً ويخفي وجه التتابع فيه، ويعرض له الاستطراد، ويلحقه الغموض، ولكنه على ذلك كله يشكل بداية قوية للتأليف العلمي المنظم.
وبداية التفكير الفلسفي تظهر في الرسالة، في رأي عبد الرازق من ناحية العناية بضبط الفروع والجزئيات بقواعد كليّة، وفي الاتجاه المنطقي إلى وضع الحدود والتعاريف أولاً، ومنها أسلوب الحوار «المُشع بصور المنطق» (الاستدلال) وذلك رغم اعتماده على النقل والأمور الشرعية الخالصة. ومنها أيضاً «الإيماء» إلى مباحث من علم الأصول كالإلهيات، أو علم الكلام، كالبحث في العلم، والظاهر والباطن، والاجتهاد، وعلل الأحكام، وترتيب الأصول والفرضية الأولية التي ينطلق منها عبد الرازق أن علم أصول الفقه أو الفلسفة الفقهية، هو أقل نواحي التفكير تأثراً بالعناصر الأجنبية الدخيلة (اليونانية وغيرها) وهو نمط من التفكير يتفق مع «طبيعة» العرب العملية، البعيدة عن مباحث ما وراء الطبيعة المجردة، وهو أقرب إلى مفهوم الحكمة منه إلى الفلسفة كبحث في الموجودات كموجودات..(4).
والأطروحة هذه، بطابعها التصنيفي وموقفها الماهوي من الفكر تجد تطويرها «المنطقي» في أطروحة علي سامي النشار المناوئة للفلسفة والمنطق!
وإذا كان عبد الرازق يعتبر أن ثمة أصالة فكرية ما لفلاسفة الإسلام، فإن تلميذه النشار سيعتبرهم دوائر منفصلة عن تيار «الفكر الإسلامي الأصيل» لا تمثل المجتمع الإسلامي في شيء! أما الفلسفة الإسلامية الحقيقة فيرى النشار أنها تتمثل في كتابات علماء أصول الدين، وعلماء أصول الفقه. وفي كتابه «مناهج البحث عند مفكري الإسلام» تصل أطروحة ابن تيمية المناوئة للمنطق الأرسطي إلى غايتها وذروتها المعاصرة، إذ يلتقي المفكر الإسلامي، ليس مع ابن تيمية في مناوءة الفلسفة والمنطق فحسب، بل ومع الاستشراق التقليدي في رد قصور العقلية الساميّة (إسلامية كانت أم يهودية) إلى «استعداد فطري طبيعي لإنتاج أمر واحد في دائرة واحدة(5). وهذا المنتج هو «التوحيد». ويرى أن العقلية الساميّة لم تستطع أن تنتج على مدار التاريخ غير هذه الفكرة وحدها، وأن هذه الفكرة لم تنشأ لدى هذه العقلية تبعاً لتفكير طويل واستدلال منظم وانتقال عقلي من حالة إلى أخرى، وإنما انبعثت فيها نتيجة لعوامل واستعدادات في صميم الجنس نفسه، والاستعداد الجنسي المزعوم يعتبره النشار خاصة يدعوها «غريزة التوحيد». والنظرية هذه تعتبر الإسلام وضعاً من أوضاع الحياة العملية وليس بحثاً في الموجود كموجود. والنشار يرى أن المنطق الأرسطي يعبر أدق تعبير عن الروح اليونانية في نظرتها إلى الكون وفي إقامة مذاهبها في الوجود، بعكس «الروح الإسلامية» التي تستمد مقوماتها من بيئة مخالفة و«جنس» مخالف وتطور حضاري مغاير. وهي ـ في رأيه ـ روح تنأى أشد النأي عن النظر في العوالم اليونانية الفكرية من «ميتافيزيقيا وفيزيقيا» و غيرهما. ويعتبر النشار، إذن، أن مفكري الإسلام (الشافعي وابن تيمية وبعض المتكلمين) قد رفضوا المنطق اليوناني لأنه يقوم على خصائص اللغة اليونانية. وأما من وجهة عملية فقد رفض المنطق الأرسطي لأنه يقوم على قوانين صناعية في الحد والاستدلال، وهي قوانين كلية، بينما يتجه الإسلام إلى الحاجات العملية المتغيرة، و«الجانب الإنشائي» في نقد المنطق الأرسطي يجده النشار في المنهج التجريبي الاستقرائي الإسلامي، فيما يقوم المنطق اليوناني على المنهج الاستدلالي La methode deductive الذي يمثل روح الحضارة اليونانية. ولا ريب، أن نقد النشار للمنطق الأرسطي ليس جديداً، ولا هو حكراً عليه وعلى المسلمين. وقد تجاوزت التجريبية الأوروبية، مع فرانسيس بيكون أورغانون أرسطو، كما أن الأوربيين أنفسهم بدأوا انطلاقاً من عصر النهضة بنقد الأرسطية والعودة إلى التراث التجريبي اليوناني الماقبل ارسطي والماقبل سقراطي. وإذا كانت علوم الألسنيات الحديثة تربط بين اللغة والفكر، فليس ذلك بناء على نقض المنطق وإنما بناء على نقد أم نقض مبادئ الهوية، والتناقض، والثالث المرفوع، باعتبار الدلالة مفتوحة على أفق التأويل السيميولوجي، على اللامفكر فيه، وهذا ما يسبغ على الهوية سمة التعدد والاختلاف اللامتناهي، دون الإقرار بأصل جوهري، بدئي للهوية.
ومن تلامذه مصطفى عبد الرازق المتأخرين نجد ـ مع ذلك ـ ثلة من رواد الفلسفة العربية المعاصرة، كالشيخ عبد الهادي أبو ريدة جامع «رسائل الكندي» والمفكر الرشدي محمود قاسم. إلا أن أبرزهم من أصحاب المقالات الفلسفية هما عبد الرحمن بدوي صاحب «الزمان الوجودي» وهو من دعاة الفلسفة الوجودية المؤكدة على أسبقية الوجود على الماهية، والحرية الفردية، والزمانية باعتبارها المقوم الحقيقي والأساسي للوجود. وعثمان أمين صاحب الفلسفة «الجوانية»، وهي نظرة فلسفية لا تخلوا من الأصالة، مع أن المفكر المصري يقدمها في كتابه الذي يحمل عنوان فلسفته (الجوانية : أصول عقيدة وفلسفة ثورة) بصورة مفككة. وتعود هذه الفلسفة في أصولها إلى البرغسونية التي تميّز فيه الأنانية بين «أنا» حقيقية عميقة، وأنا سطحية، والفعل المتميز للأنا العميقة لا يمكن تفسيره بأية سببية باعتبار السبب عامل تبادلي، بينما في الفعل الكلي تكون الأنا الكليّة أنا واحدة لا تفسر إلا بنوع من العليّة الدينامية، وهي عليّة بدون ضرورة، تقوم على التعاطف والتضامن في علاقة الأنا مع فعلها.
وعلى أساس هذا التمييز بين الأنا الجوانية والأنا السطحية يفسر برغسون مشكلة الحرية: إن إنيتنا متصلة بالمكان، والمكان هو مجال الحتمية، ولذلك فإنيتنا السطحية مجبرة، مقيدة بينما إنيتنا العميقة تنساب في ديمومة خالصة لا شأن لها بالمكان. وهي إنية حرة، ولذلك فنحن أحرار بمقدار ما نكون كذلك بذواتنا العميقة، وبمقدار ما يحمل الفعل طابع شخصيتنا. والحرية، عند برغسون، هي تحقق الذات، وهي الفعل المطابق بهذه الذات، ولهذا فإن كل تعريف للحرية قاصر عن الحقيقة.
والجوانية عند عثمان أمين هي فلسفة يريد لها المفكر أن تكون عقيدة مفتوحة، تتجه إلى «المعنى» و«القصد» و«الفهم» و«التعاطف» دون الركون إلى «مذهب» معين. وهي فلسفة تقدم «الذات» على «الموضوع»، والإنسان على الأشياء، والرويّة على المعاينة، وعلى التمييز بين الداخل والخارج، بين الكيف والكم، بين بصر العقل وبصر العين.
والجوانية عند أمين تغلب الماهية على الوجود، ولكن ليس الماهية «الموضوعية» الأفلاطونية أو الهيغلية، وإنما الماهية المتقومة، «المباشرة» كما هي عند برغسون. ويعتبر أن ماهية الإنسان أو طبيعته لا تعرف لنا عن طريق ما حققه بالفعل في وجوده «المعيّن» (أو الوجود هنا والآن Dasein) كما عند هيدغر، وإنما تعرف بما لم يحققه بعد وبما قد لا يحققه ابداً، والإمكانيات اللامحققة هي «حقيقية» الإنسان، باعتبار أن الحقيقة هي عبارة عما هو وراء التحقق. وعلى هذا يرى المفكر أنه ينبغي الثورة على المفهوم التقليدي للحقيقة. فبدلاً من أن يكون مفهومها هو «مطابقة ما بالأذهان لما بالأعيان» كما هو شانها عند الحسيين والوضعيين أو «مطابقة ما بالأعيان لما بالأذهان»كما هو الحال عند النقديين والمثاليين، يصبح ما يجاوز كل مطابقة بين الفكر والوجود أو ما بين الأذهان والأعيان. والجوانية عند أمين تعتبر العقل والحدس متكاملين، وكذلك العلم والفلسفة، فالحقيقة يدركها العقل تجزئة وتبعيضاً بينما يدركها الحس إحاطة وإجمالاً(6).
يلاحظ جاك بيرك في كتابه «العرب: بين الأمس والغد» أن التقاليد مهما بلغت من تهرئها لا تتخلى أبداً عن ذاتها. و«البعث» أو «التجديد» يتحدد منها بقدر ما يرفضها. وفي نهاية المطاف فإن الروح الحديثة التي تحمل تبعة التحرر تتضافر مع الأفكار القديمة التي تدعو إلى التحرر وتستثير الثورة وتغذيها..
 

الهوامش
ـــــ
(1) Etien Gilson. Humanisme et Renaissance, Ed. J. Vrin. Paris 1983. P. 28.
(2) انظر: ماكس فيبر. الأخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية. ترجمة محمد علي مقلد. مركز الإنماء القومي.
(3) انظر «رسالة التوحيد»، دار إحياء العلوم، بيروت، 1979م : 55 - 56.
(4) مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1378هـ / 1966م : 245.
(5) الدكتور علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1945م : 2.
(6) الدكتور عثمان أمين، الجوانية، دار القلم، بيروت، 1964م (فصل ملامح الفلسفة الجوانية).
المصدر: مقدمة نقد الفكر العربي من الماهية إلى الوجود دار ومكتب الهلال، بيروت 2003م