|
الاحد: 30/09/2007
انتكاسة العولمة
Sinking Globalization
سيناريو انهيار العولمة الحالية مقارنة مع انهيارها قبل 90 سنة
نيال فيرغسون
ترجمة: حسن بحري
هل يمكن أن تنهار العولمة؟ هذا الأمر مستبعد اليوم.
بيد أنه، وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة، صعق الناس عندما انهارت العولمة في
المرة السابقة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. كما اليوم، اتسمت تلك المرحلة
بتوسع إمبريالي زائد، تنافس بين قوى عظمى، تحالفات غير مستقرة، أنظمة مارقة،
وتنظيمات إرهابية، وعالم اليوم أفضل استعداداً لمواجهة نكبة كبيرة.
تدمير بالطوربيد
في شهر مايو قبل 90 سنة، أغرقت الغواصة الألمانية «يو ـ 20» باخرة «كنارد لوستانيا»
قبالة ساحل أيرلندا الجنوبي. وقضى في الحادثة 1200 شخص تقريباً، بينهم مائة وثمانية
وعشرون أمريكيا. تستعاد ذكرى هذه الحادثة في العادة للتدليل على مدى الضرر الذي
أصاب صورة ألمانيا الإمبريالية في الولايات المتحدة، كما أن غرق لوسيتانيا يرمز
أيضاً إلى نهاية حقبة العولمة الأولى.
شهد الاقتصاد العالمي منذ 1870م و حتى الحرب العالمية الأولى ازدهارا يشابه من
جوانب كثيرة حالة اليوم. بلغت مستويات حركة تنقل السلع، رأس المال، واليد العاملة،
أرقاما قياسية، كانت البواخر عبر البحار وخطوط التلغراف عبر الأطلسي مشغولة أكثر من
أي وقت مضى، مع تدفق رؤوس الأموال والمهاجرين إلى الغرب وتدفق السلع المصنعة اتجاه
الشرق حيث وصلت أرقام الصادرات من السلع ورؤوس الأموال نسبة إلى الإنتاج مستويات لم
تصلها حتى سنوات الثمانينات من القرن الماضي. وبلغ رقم الهجرة الإجمالي من أوروبا
ما بين العامين 1880م و1910م أكثر من 25 مليون إنسان، وتحدث الناس بنشوة مجازا عن
إلغاء المسافات.
بعدها جاءت الحرب المخيفة بين العامين 1914م و1918م لتوقف كل شيء وتغرق العولمة.
أرسلت هجمات الغواصات الألمانية حوالي 13 مليون طن من حمولات السفن إلى قيعان
المحيطات. انهارت التجارة العالمية، الاستثمارات والهجرة والأدهى من ذلك فشلت
محاولة إعادة إنعاش الاقتصاد العالمي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وتفكك
الاقتصاد العالمي فعليا مع موجة الكساد الكبير الذي تبعته حرب أخرى أشد ضراوة، حيث
اتجهت خلالها نسب مخيفة من الإنتاج إلى إعادة التدمير.
ربما يبدو من التشاؤم المبالغ به كثيراً أن نقلق من أن يتكرر هذا السيناريو ـ حيث
يمكن لعولمتنا أن تنهار كما انهارت عولمة أجدادنا. لكن يستحق الأمر أن نتذكر أنه
وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة التي صدرت في بدايات القرن العشرين حول العواقب
الكارثية التي يمكن أن تنتج عن حرب ممكنة بين القوى الأوروبية العظمى، فقد فوجئ
الكثير من البشر ـ ليس فقط من بين المستثمرين بل وشرائح حسنة الإطلاع بشكل عام ـ
باندلاع الحرب العالمية الأولى. فإمكانية انتكاسة العولمة حقيقية اليوم كما كانت في
العام 1915م.
عودة إلى المستقبل
تتشابه موجة العولمة الماضية مع الحالية من عدة أوجه. فقد تميزت بموجة التجارة
الحرة نسبيا، تقييدات محدودة على الهجرة وشبه انعدام للعوائق التنظيمية لحركة تدفق
رؤوس الأموال. كان التضخم منخفضا، وأحدثت موجة الابتكارات التكنولوجية ثورة في
قطاعات الطاقة والاتصالات، وللمرة الأولى يكتشف العالم مسرات الهاتف، الراديو،
محركات الاحتراق الداخلي والطرق المعبدة. كان اقتصاد الولايات المتحدة الأكبر في
العالم، وغدا تطور سوقه الداخلي الضخم المهماز الأساسي للابتكارات في عالم البزنس.
كانت الصين في طريق الانفتاح، وشكلت رافعة لكل التوقعات في الغرب، وكانت روسيا تشهد
موجة نمو سريعة.
دمرت الحرب العالمية الأولى كل ذلك. شلت الأسواق العالمية وفصلت عن بعضها، أولاً
عبر الحرب الاقتصادية ومن ثم بمبدأ الحماية الاقتصادية الذي طبق بعد الحرب. ارتفعت
الأسعار وخرجت عن السيطرة، وعانت عدة اقتصاديات أساسية في العالم (من بينها
الاقتصاد الألماني) من حالة من التضخم المفرط مترافقا مع حالة من الانكماش الشديد
وكل ذلك في غضون عقد واحد. تلاشت الفتوحات التكنولوجية لبداية القرن: وصل الابتكار
إلى الحضيض، وأحبط ركود الاستهلاك عملية تطوير حتى التقنيات القائمة مثل السيارات.
وبعد حالة الترنح خلال الحرب، والتهيج المبالغ خلال أعوام العشرينيات، وحالة الوهن
الشديد التي تبعتها خلال الثلاثينيات في فترة الهمود الشديد ومرحلة الكساد، لم يعد
الاقتصاد الأمريكي هو المحرك الأساسي في العالم. رزحت الصين تحت حرب أهلية وتعرضت
لغزو خارجي، فتخلفت عن سداد ديونها وأصابت بالإحباط المتفائلين في الغرب. وعانت
روسيا من الثورة، والحرب الأهلية، والاستبداد والغزو الخارجي. كان رد هذين
العملاقين على هذه الأزمات عبر ارتداء درع اشتراكية الدولة المقيد. لم تكونا
وحيدتين في ذلك. ففي نهاية أعوام الأربعينيات، فرضت معظم الحكومات في العالم، ومن
ضمنها تلك الدول التي حافظت على الحرية السياسية فيها، قيودا على التجارة، والهجرة
والاستثمار كنتيجة طبيعية لما حدث. بعضها حقق الاكتفاء الذاتي، وهو حالة المجتمع
اللاعولمي في حالته المثالية. وبشكل واع أو غير واع، طبقت جميع الحكومات في وقت
السلم سياسات القيود الاقتصادية التي كانت قد فرضت ما بين 1914م و1918م.
لم تكن نهاية العولمة بعد 1914م أمراً غير متوقع. فلم تكن الأصوات لتي تنبأت خلال
العقد السابق لهذا التاريخ بأن الحرب ستكون حرباً عالمية فاصلة قليلة. ولقد كسب
كثير من الكتاب المشهورين حينها لقمة عيشهم عبر تنبؤاتهم بحرب أوروبية ضروس على
الأبواب. وكان دهاقنة الماركسية قد قالوا منذ زمن بانهيار الرأسمالية والإمبريالية.
ومن جانب آخر كان أنصار الداروينية الاجتماعية يتطلعون بفارغ الصبر إلى نشوب حريق
هائل يبيد الضعيف ويعزز من قوة القوي.
برغم ذلك أخذ معظم المستثمرين على حين غرة بالكامل عندما حدثت الأزمة. وقبل نهاية
الأسبوع الأخير من يوليو 1914م كان هناك اندفاع يائس طلباً للسيولة النقدية، حدث
ذلك بسرعة وبصورة مفاجئة وبمقاييس كبيرة بحيث توقفت خلال ما تبقى من العام أسواق
العملات الأساسية في العالم، من ضمنها أسواق نيويورك للعملات. وكما قال أحد
الاقتصاديين حينها، عرف المستثمرون والمؤسسات المالية ما معنى الحرب حقيقة. انخفض
مؤشر «دو جونز» الصناعي بحوالي 25 في المائة خلال الفترة الواقعة بين يناير 1910م
وديسمبر 1913م وبقي على تلك الحال خلال النصف الأول من 1914م.
وبالنسبة لأسواق السندات الأوروبية، والتي صمدت خلال أزمات 1900م، فقد انهارت هي
الأخرى في آخر لحظة مع انطفاء الأنوار فوق أوروبا بالكامل.
رصد بعض المؤرخين الاقتصاديين جذور نزع العولمة في العقود التي سبقت الحرب العالمية
الأولى. ويشيرون، كل حسب طريقته، إلى فرض الرسوم والقيود على الهجرة، والزيادة
البسيطة على مؤشر التضخم بدأت حوالي العام 1896م علاوة على الحساسية المزمنة
للاقتصاد الأمريكي اتجاه الأزمات المتعلقة بالبنوك. بالإضافة إلى هذه القائمة يمكن
أن نضيف أن الخشية كانت جلية من حدوث ثورات أخرى في روسيا والصين بعد ثورتيهما،
الأولى في العام 1905م في روسيا في العام 1911م في الصين.
ومكن الاضطراب هو أنه لا يمكن القول إن أيا من تلك المشاكل سببت هذا الحريق المدمر
الذي هو الحرب العالمية الأولى. وللتأكيد، تميز العالم قبل الحرب بجميع أشكال
المنافسة الاقتصادية، ليس أقلها بين الصناعيين البريطانيين والألمان ـ لكن ذلك لم
يكن كافيا للتسبب بكارثة، بل على العكس من ذلك فقد اتفق رجال الأعمال من الطرفين
على أن حربا كبيرة ستكون بمثابة كارثة اقتصادية وكانت هذه النقطة واضحة بحيث إن
الحرب اعتبرت مستحيلة الحدوث من قبل بعض المعلقين الميالين للتفاؤل ـ اعتبرت «وهما
كبيرا» حسب العبارة المشهورة للمؤلف نورمان أنجل. وحتى عندما اندلعت الحرب، تمسك
كثير من الناس بالوهم متفائلين أنها ستنتهي سريعاً، حيث قال عالم الاقتصاد جون
مينارد كينز: «لا يمكن لها أن تستمر لأكثر من عام ».
وعند النظر إلى الوراء يمكن أن نتلمس خمسة عوامل ساهمت في حدوث هذا الانفجار
العالمي بين 1914م و1918م. السبب الأول كان التوسع الإمبريالي الزائد. مع العام
1914م ظهرت على الإمبراطورية البريطانية علامات «التيتان المنهك» حسب كلمات الشاعر
ماثيو آرنولد. فقد افتقدت لإرادة بناء جيش قادر على ردع ألمانيا عن البروز كمنافس
قوي للسيطرة على المسرح الأوروبي (إذا لم يكن على المسرح العالمي). وكشرطي دولي،
ذهب جل اهتمام المملكة المتحدة إلى تعهداتها في آسيا وإفريقيا، وأصبحت رقعة
عملياتها أكبر من قدرتها بكل بساطة.
كان التنافس بين القوى العظمى سببا رئيسيا آخر للكارثة. والمشكلة لم تكن التنافس
الإنجليزي ـ الألماني في عرض البحار بقدر ما كان التنافس الروسي ـ الألماني على
اليابسة حيث دفع بناء وتعزيز الجيش الروسي الجنرالات الألمان للاقتناع بخوض الحرب
في العام 1914م وعدم المجازفة بتأجيلها أكثر من ذلك.
العامل الحاسم الثالث كان منظومة التحالف غير المستقرة. كانت التحالفات كثيرة لكنها
ضعيفة. لم يثق الألمان بأن النمساويين سيقفون إلى جانبهم في الأزمات، وقلق الروس من
أن الفرنسيين يمكن أن يفقدوا أعصابهم ، وكان من المستحيل التنبؤ بأفعال المملكة
المتحدة لأن التحالفات مع فرنسا وروسيا لم تنص على أية اشتراطات واضحة بخصوص
احتمالية نشوب حرب في أوروبا. شجعت حالات عدم الأمان المرافقة على تبني دبلوماسية
المجازفات. في العام 1908م على سبيل المثال، أقدمت النمسا ـ هنغاريا بشكل مباغت بضم
البوسنة. بعدها بثلاث سنوات، أرسلت الحكومة الألمانية السفينة الحربية «بانثر» إلى
أغادير لتحدي مطالبا فرنسا بالهيمنة على المغرب.
وشكل وجود نظام حكم مارق يدعم الإرهاب المصدر الرابع لعدم الاستقرار، حيث بدأت
سلسلة الأحداث التي قادت إلى الحرب، كما يعلم جميع تلاميذ المدارس بعملية اغتيال
الأرشيدوق النمساوي فرانتز فيرناند في ساراييفو على يد الصربي غافريلو برينسيب من
البوسنة. كانت هناك علاقات واهية بين المنظمة التي ينتمي إليها القاتل وبين الحكومة
الصربية، والتي بدورها كانت قد جاءت إلى السلطة قبل وقت قصير عبر انقلاب دموي.
وأخيراً فإن ظهور تنظيم إرهابي ثوري يناصب الرأسمالية العداء قد حول الأزمة
العالمية إلى حركة مرتدة ضد اقتصاد السوق الحرة العالمي. فلقد وضع البلاشفة، الذين
برزوا عبر انشقاق العام 1903م في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، ووضعوا كل
أوراقهم كتنظيم متطرف لاستخدام العنف بهدف إحداث ثورة عالمية. وعبر إنهاك النظام
القيصري إلى نقطة الانهيار، منحت الحرب الفرصة للينين وزملائه الذين اغتنموا الفرصة
ولجأوا إلى أشد الممارسات الإرهابية قساوة لكسب الحرب الأهلية بعدها.
عالم متواز
لا يخفى على الدارس وجود خطوط اقتصادية متوازية واضحة بين عصر العولمة الأول وعصرها
الحالي. فاليوم كما في المرحلة السابقة لعام 1914م تتحدى نزعة الحماية الاقتصادية
أرثوذكسية التجارة الحرة بشكل دوري. ووفقا لمعايير المملكة المتحدة التي كانت سائدة
قبل 1914م فإن الاقتصاديات الرئيسية في العالم قد أصبحت اقتصاديات تعتمد مبدأ
الحماية الاقتصادية دون حياء عندما يتعلق الأمر بالزراعة. في السابق لم تكن المملكة
المتحدة تفرض أية رسوم على الواردات من السلع الزراعية، في حين تلجأ الولايات
المتحدة، والاتحاد الأوروبي واليابان الآن إلى استخدام الرسوم الجمركية وتقديم
أشكال الدعم الحكومي لحماية مزارعيها من التنافس الأجنبي.
واليوم لا أحد يثق بمقدار استقرار النظام النقدي العالمي، لكنّ هناك أمراً واحداً
مؤكداً: هذا النظام لا يتمتع بأي درجة من الاستقرار أكبر من استقراره في الفترة
السابقة للحرب العالمية الأولى. وبرغم أن الذهب لم يعد هو أساس النظام النقدي، إلا
أن أسعار الصرف مثبتة عند نسب محددة، تماماً كما كان عليه الحال في العام 1914م. في
أوروبا، ثمة اتحاد نقدي ـ بشكل أساسي منطقه المارك الألماني. وفي آسيا الشرقية،
يعتمد معيار القياس على الدولار. وفي الحالين كلا النظامين يعتمد على عملات تصدر
دون تغطية. وعلى خلاف ما كان قبل 1914م، فإن الدائرة الضيقة في البنك المركزي في
نيويورك والبنك المركزي في فرانكفورت تحددان مقدار العملة المطبوعة وهما يقومان
بذلك وفقا لمزيج غير واضح من القواعد والاعتبارات الاستنسابية.
اليوم، لا تبدي الابتكارات التكنولوجية أية علامة من علامات التباطؤ. ومن
الكمبيوترات المصغرة بحجم رأس الدبوس وصولا إلى الطائرات فائقة السرعة القادرة على
قطع المحيط الأطلسي في غضون ساعة واحدة، لا يبدو أن هناك حدوداً لعبقرية الإنسان في
حال توافرت له التمويلات الكافية للبحث والتطوير. هذا هو الخبر الطيب. لكن الخبر
السيئ هو أن هذه التقنية ذاتها تساعد أيضاً أعداء العولمة. قبل 1914م، كان
الإرهابيون ينفذون عملياتهم الدموية بمسدسات «براونينغ وقنابل بدائية». هذه الأيام،
مدينة كاملة يمكن أن تزال بالكامل بقنبلة نووية واحدة.
اليوم، كما كان الحال قبل 1914م، الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر في العالم، لكنه
اليوم أكبر أهمية بكثير كسوق لبقية العالم مما كان وقتها. وعلى الرغم من أن
الولايات المتحدة تتمتع بتأثير عظيم كونها «المستهلك الأول في السلسلة» لكن هذا
الدور يعتمد على إرادة الأجانب بتمويل العجز المتزايد في الحساب الجاري لديها. هناك
نسبة متزايدة من الأمريكيين تعتبر نفسها «ناجية» بالمعنى الإنجيلي، ولكن بالمعنى
الاقتصادي فهي أقل ادخارا. توقف معدل التوفيرات الشخصية عند الأمريكيين عند 0.2% من
الدخل الفردي المتاح في سبتمبر لعام 2004م، مقارنة بـ 7.7% منذ أقل من خمس عشرة سنة.
وسواء فيما يتعلق الأمر بتمويل الاستثمارات الداخلية (في نهاية أعوام التسعينيات)
أو الاقتراض الحكومي (بعد العام 2000م) فإن الولايات المتحدة أصبحت تعتمد وبشكل
متزايد على الاقتراض الخارجي. ومع ازدياد العجز في الحساب الجاري (وصل الآن إلى
عتبة 6% من إجمالي حجم الإنتاج الداخلي) فإن صافي الأموال القادمة من الخارج في
أمريكا ارتفع بشكل حاد ليصل إلى 25% من إجمالي الناتج المحلي. والآن فإن نصف الدين
الفيدرالي العائد للجمهور في أيد أجنبية، فقد بلغ مجموع ما تملكه الصين، هونغ كونغ،
اليابان، سنغافورة، كوريا الجنوبية وتايوان مجتمعة في شهر أغسطس من 2004م، مبلغ 1.1
تريليون دولار في الخزينة الأمريكية بزيادة مقدارها 22% على ما كانت عليه نهاية
2003م، حيث جاء قسم كبير من هذه الزيادة نتيجة للمشتريات الضخمة للسلطات المالية
الشرق آسيوية وذلك بهدف منع تقييم عملاتها نسبة إلى الدولار.
يشكل هذا العجز الفرق الأكبر بين العولمة الماضية والعولمة الحاضرة. منذ مائة سنة
خلت، كان المسيطر العالمي، المملكة المتحدة ، مصدراً هاماً لرؤوس الأموال، حيث كانت
تقوم بتوريد نسبة عالية من مدخراتها إلى خلف البحار لتمويل عمليات بناء البنى
التحتية مثل السكك والحديدية والمرافئ في الأمريكيتين، وآسيا، وأستراليا و إفريقيا.
أما اليوم، تلعب وريثتها كإمبراطورية أنغلوفونية الدور المعاكس تماما، حيث تقف
الولايات المتحدة كمدين عالمي بدل أن تكون دائنا عالميا، حيث تمتص حوالي ثلاثة
أرباح مدخرات بقية العالم الفائضة.
هل لهذا الفرق أهمية؟ يقول البعض لا أهمية له ـ وإنه لا يعكس سوى أن بقيه العالم
يرغب في تملك جزء من النشاط الاقتصادي الأمريكي، سواء كملاك لسندات مالية عالية
الأمان أو طباعة لصادرات منخفضة الأسعار. ويرى الاقتصادي هارفرد ريتشارد كوبر الوضع
على الشكل التالي: «على فرض أن الاقتصاد الأمريكي ينحو لنسبة زيادة تصل إلى 5%
سنويا، فإن العجز المثبت في الحساب الجاري 500 مليار دولار في العام سوف يترجم إلى
ديون خارجية لـ 46% من مجموع الناتج المحلي بعد 15 سنة، لكن عندها سوف يتناقص «الدين
الخارجي الأمريكي حتما».
جيد، لكن ماذا سيحدث في حال كان هذا الافتراض خاطئاً؟ بحسب تقديرات مجموعة HSBC فإن
العجز الحالي في الحساب الجاري يمكن أن يبلغ في نهاية العقد الحالي 8%من مجموع
الناتج المحلي. وهذا من شـأنه أن يدفع صافي الالتزامات المالية الخارجية للولايات
المتحدة لتصل إلى 90% من مجموع الناتج المحلي. كانت الديون الخارجية للمملكة
المتحدة أقل من نصف هذه النسبة عندما خاضت الحرب العالمية الثانية. لكن نتيجة للحرب،
فإن أرصدة الاسترليني «المملوكة من قبل بقية العالم نتيجة ذلك قد كانت أحد أسباب
انخفاض قيمة الباوند وفقده لمكانته كعملة احتياطية».
إن عملية تخفيض أسعار صرف الدولار الأمريكي نسبة إلى العملات الآسيوية يمكن ألا
يقلق معظم الأمريكيين، لأن جميع ديونهم محددة بالدولار، لكن أثر ذلك في آسيا سيكون
عميقاً، فالآسيويون الذين يملكون أصولهم بالدولار سيعانون من ضياع هائل في رأس
المال نسبة إلى عملاتهم الخاصة، وسيفقد المصدرون الآسيويون بعض مميزاتهم التنافسية
في السوق الأمريكية. وبحسب مايكل موسا من معهد الاقتصاديات الدولية فإن تخفيضا في
العجز الأمريكي بمقدار يصل إلى 2% من مجمل الناتج المحلي خلال السنوات القليلة
القادمة سيتطلب انخفاضا في قيمة الدولار بمقدار 20%. ويقدر الاقتصاديان موريس أو
بستفلد وكيني روغوف أن انخفاض قيمة الدولار في هذه الحالة يمكن أن يصل إلى 40%. وفي
هذا الصدد أشارت جامعة كاليفورنيا في بيركليز براد دو لونغ إلى أنه: «إذا قرر السوق
الخاص ـ الذي يعرف بأن هناك احتمالاً كبيراً بأن قيمة الدولار ستنخفض قيمته ذات يوم
ـ بأن هذا اليوم قد جاء وأن الدولار أخذ ينخفض الآن عندها لن تستطيع جميع البنوك
المركزية الآسيوية في جميع أنحاء العالم مجتمعة أن توقفه».
ربما كان هذا اليوم يقترب بسرعة. وبحسب كلمات رئيس مجلس الاحتياط الأمريكي السيد
ألان غرينسبان في شهر نوفمبر الماضي، يجب أن يكون هناك حد «لرغبة المستثمرين بإضافة
المطالبات بالدولار إلى سنداتهم» وأن«التمويل المستمر حتى لمبالغ العجز الحالي في
الحساب الجاري سوف يزيد دون أدنى شك، عند نقطة ما في المستقبل، عن حصص المطالبات
الدولارية في سندات المستثمر إلى مستويات من شأنها أن تؤدي إلى مقدار غير قابل من
خطر التركيز».
إن الآثار الداخلية لانهيار الدولار سوف تنعكس بشكل عميق على الشريحة المتزايدة من
الأمريكيين التي ترزح تحت ديون عقارية متزايدة والتي سوف تواجه ارتفاعا في معدلات
الفائدة. وتعتبر الزيادة في حصة الديون العقارية متغيرة الضريبة من حجم الدين
الإجمالي للعائلة الأمريكية في نظر البعض مؤشراً على أن السوق العقارية الأمريكية
تزداد تعقيدا. لكن ذلك يزيد أيضاً من حساسية عائلات أمريكية كثيرة اتجاه الزيادات
في الضرائب. أيضاً لدى الحكومة الفيدرالية دين كبير متغير الضريبة، إذا ما أخذنا في
الاعتبار الاستحقاقات القصيرة جدا لنسبة كبيرة من الصكوك والكمبيالات.
يعني هذا الواقع ضرائب أعلى يمكن أن تصيب بشكل سريع على العجز ذاته، مؤدية إلى حدوث
دورة تفاعلات خطرة. وبالطبع فإن ضرائب أعلى تعني على الأرجح نموا أبطأ وبالتالي
انخفاضا في العوائد الضريبية. بإيجاز، إن المنظومة النقدية العالمية غير المغطاة هي
منظومة خطرة ترجح ولادة أزمة كبيرة.
يكمن السبب الآخر للقلق في هشاشة المنظومة المالية الصينية، فمن المستبعد أن يتجنب
هذا العملاق الآسيوي أزمة من ذلك النوع الذي ضرب العمالقة الآسيويين الآخرين في
الماضي. ولتصور أبعاد الخطر، لنتخيل النظام البنكي الصيني الداخلي القائم وفق النمط
السوفييتي وسوق الأسهم الداخلي السقيم: فكيف يمكن لنمو تصنيعي بهذه السرعة أن يعتمد
على مؤسسات مالية على هذه الدرجة من عدم الكفاءة؟
كانت العولمة قبل 1914م حساسة بشكل لافت للانتقال العالمي للأزمات، وهو ما يسميه
الاقتصاديون بـ «العدوى»، وهذا هو حال العولمة اليوم. وكما أشار آندرو لارج من بنك
إنجلترا في نوفمبر الفائت فإن «البحث عن العوائد» في مناخ يتسم بمعدلات فوائد
منخفضة يشجع المستثمرين، البنوك وصناديق التمويل الهامشية على الالتقاء في
استراتيجيات تجارية متماثلة، دافعاً إلى «أفق تطور أسواق أحادية الاتجاه وإلى تبخر
سيولة السوق كرد على الصدمة».
أشباح من الماضي
كما توحي المقارنات الاقتصادية مع 1914م، فإن العولمة اليوم تكشف على الأقل عن بعض
مؤشرات تدل على العودة إلى الوراء. وتزداد هذه المخاطر عندما يتمعن المرء في الوضع
السياسي القائم، والذي يتسم بالشروخات الخمسة ذاتها التي كانت في النظام الدولي قبل
1914م: توسع إمبريالي زائد، وتنافس بين قوى عظمى، ومنظومة تحالفات غير مستقرة،
وأنظمة مارقة تدعم الإرهاب وظهور منظمة إرهابية ثورية تناصب الرأسمالية العداء.
إن الولايات المتحدة ـ إمبريالية في كل شيء ما عدا الاسم ـ في حالة توسع زائد. ليس
العجز في حسابها الجاري ضخما وفي حالة تزايد فقط، بل إن العجز المالي الذي يكمن
خلفه هو أيضاً سيقفز عاليا مع وصول مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى سن
التقاعد وشروعهم بطلب الإعانات الاجتماعية الطبية. وحسب خطة مكتب الموازنة التابع
للكونغرس فإنه في بحر العقود الأربعة القادمة سيرتفع الإنفاق على الإعانات
الاجتماعية، والمساعدات والعناية الطبية بحيث يستهلك ما يصل إلى 12% على الأقل
زيادة من مجمل الناتج الإجمالي سنويا. كما يقدر هذا المكتب أن التكاليف الانتقالية
لتنفيذ خطة الرئيس جورج دبليو بوش لإصلاح الإعانات الاجتماعية، في حال طبقت، يمكن
أن تخلق نقصا في الموازنة يصل إلى 2% من مجمل الناتج الإجمالي في السنة ولمدة عشر
سنوات. في حال أضفنا ذلك كله إلى التبعات المالية لجعل التخفيضات الضريبية التي
أدخلها الرئيس في فترة حكمه الأولى تخفيضات دائمة سيكون من الصعب تخيل الطريقة التي
سيتبعها هذا البلد للحؤول دون موجة عالية متنامية من العجز المالي.
تعاني الولايات المتحدة أيضاً من عجز في عدد القوات: 500 ألف عسكري هو العدد الأقصى
الذي تستطيع واشنطن نشره وراء البحار، وهذا الرقم ببساطة غير كاف لكسب جميع الحروب
الصغيرة الناشبة حاليا أو تلك التي يمكن أن تنشب. فمن بين عدد القوات الأمريكية
المنتشرة حاليا في العراق والبالغ عددها 137 ألفا هناك 43% منها سحب من الاحتياط أو
قوات الحرس القومي. وللمحافظة على الوجود الأمريكي في العراق، يتوسع الجيش دورات
الخدمة والتدريب ويزيد من فترات الاحتفاظ بالأطقم. مثل هذه الإجراءات تؤثر بالتأكيد
على معدلات التجنيد.
وعلاوة على ذلك تعاني الولايات المتحدة من عجز في درجة الانتباه، فالعراق ليس حربا
كبيرة جدا، وفقا لما كتبه أحد جنود المارينز إلى ذويه في أمريكا، «مقارنة بحروب
الماضي، هذه حرب تافهة. نحن لا نقف على خطوط مفتوحة ـ نواجه البنادق الآلية
الألمانية كما فعل المارينز في بيلو وود أو نحاول النزول إلى الشاطئ في مياه عميقة
في تاراوي. نحن لا نواجه قطعانا من الرجال يصرخون كما كان في محمية تشوسلن المتجمدة
في كوريا أو كمائن الفيتكونغ الذكية. إننا نتعامل مع طلقات متفرقة ومتفجرات بدائية».
كان هذا الجندي محقا، حرب العراق أكثر شبها بحرب كولونيالية من الحروب التي دخلتها
بريطانيا منذ مائة عام خلت. إنها خطرة ـ فكاتب هذه الرسالة قتل بعد ثلاثة أسابيع من
كتابتها ـ لكنها ليست حرب فيتنام أو كوريا، وأقل بكثير مما جرى في الباسيفيك خلال
الحرب العالمية الثانية. مع ذلك فإن حرب العراق تحولت إلى حالة غير شعبية بشكل سريع،
بعد عدد قليل من الضحايا. وبحسب استطلاعات كثيرة، فإن أقل من نصف الأمريكيين
يؤيدونها. وفعليا لا يبدو أن أحداً يريد مواجهة واقع أن وجود الولايات المتحدة يمكن
أن يستمر لعشر سنوات أو أكثر لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي هناك.
من ثم هناك المشكلة الثانية: التنافس بين القوى العظمى. صحيح أنه ليس لدى الصين أي
دافع واضح للدخول في حرب مع الولايات المتحدة، لكن مطامح الصين بخصوص تايوان لن
تختفي فقط لأن بكين تملك كدسة من صكوك الخزينة الأمريكية، بل على العكس من ذلك،
يمكن أن تحاول الصين، في حال حدوث أزمة اقتصادية فيها، لعب الورقة القومية عبر
التهديد بالاستيلاء على ولايتها الضالة. هي لدى أمريكا فعلا الإرادة لدخول حرب ضد
الصين من أجل تايوان، كما كانت تعهدت بفعل ذلك في الماضي؟ وماذا سيحدث إذا قررت
السلطات الصينية إبراز عضلاتها الاقتصادية الجديدة عبر إغراق السندات الأمريكية في
السوق العالمية؟ بالنسبة للمؤرخين فإن تايوان تماثل بلجيكا في الماضي: بلد غير مهم
في الظاهر تتقاتل الإمبراطوريات عليه بين بعضها حتى الموت. وهنا يجب ألا ننسى
النظام الآسيوي المارق الأشد خطورة، كوريا الشمالية، التي تشبه إلى حد ما صربيا
قبيل 1914م، لكن بأسلحة نووية.
أما بالنسبة لأوروبا، فعلينا ألا نستهين بتوسع «فجوة الأطلسي» دبلوماسيا في الفترة
الأخيرة وما تتركه من تبدلات عميقة في أوروبا بدلا من التغييرات في السياسة
الخارجية الأمريكية. فالتصلب الاقتصادي والشيخوخة الاجتماعية يعنيان أن أوروبا
متجهة إلى حالة ركود إنّ لم تكن حالة انحطاط. خلال ذلك، فإن هجرة المسلمين وآفاق
دخول تركيا الاتحاد الأوروبي سوف يغير طابع أوروبا ذاته. والانقسام بين الأمريكيين
والأوروبيين حول المسائل الشرق أوسطية يزداد اتساعا ـ على سبيل المثال ترفض
الولايات المتحدة المحاولة الأوروبية لاحتواء طموحات إيران النووية بالوسائل
الدبلوماسية وتضغط عوضا عن ذلك باتجاه اتخاذ إجراءات عسكرية مضادة.
تشكل هذه التنافسات أحد أسباب عدم استقرار منظومة التحالف في العالم اليوم (وفي هذه
هي المشكلة الثالثة)، فهدف الناتو لم يعد واضحا. هل هو مجرد ناد لا علاقة له بما
يجري يجمع المنتصرين في الحرب الباردة، وتلقى الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد
السوفييتي سابقا التشجيع بالانضمام إليه لأسباب رمزية بشكل أساسي؟ وهل الانقسام حول
العراق قد حوله إلى حلف مهمل؟ أقل ما يمكن القول إن «تحالف الراغبين» بديل هزيل له.
ليس بالضرورة أن تكون أية مشكلة من بين هذه المشاكل مهلكة لولا وجود وجهي التشابه
الرابع والخامس بين 1914م واليوم: وجود أنظمة مارقة تدعم الإرهاب ومنظمات ثورية
إرهابية. وأنه من الخطأ البالغ الاعتقاد بأن القاعدة عبارة عن «فاشية إسلامية» (كما
أطلق الصحفي كريتوفر هيتشنز وكثير آخرون عليها بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م)،
فأعضاء القاعدة يشبهون أكثر «بلاشفة إسلاميين» كرسوا أنفسهم للثورة وإعادة ترتيب
العالم على قواعد معادية للرأسمالية.
وكما كان حال البلاشفة في العام 1914م، يشكل المتطرفون الإسلاميون الآن خلية تحت
الأرض، تكافح لأكثر من توجيه لكمة قوية للعدو. لكن ماذا لو تمكنوا من السيطرة على
دولة غنية، بالطريقة التي فعلها لينين، تروتسكي ورفاقهما عام 1917م؟ من الجانب
الآخر، بعد الذي حدث في طهران 1979م، لا نستطيع أن نستبعد ثورة إسلامية ثانية(..).
لكن هل أسامة بن لادن هو فعليا لينين اليوم؟ المقارنة ليست متكلفة كما تبدو للوهلة
الأولى (فلاديمر أوليانوف من النبلاء بالوراثة وجاء من عائلة ثرية). في إعلان موجه
إلى العالم قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، أعلن بن لادن أن هدف
«سياسته استنزاف أمريكا إلى نقطة الإفلاس». كما أوضح: «أنفقت القاعدة 500 ألف دولار
على (هجمات 11 سبتمبر) في حين فقدت أمريكا، في الحادث وما ترتب عليه، أكثر من 500
مليار دولار وفقا لأدنى التقديرات. مما يعني أن كل دولار أنفقته القاعدة هزم مليون
دولار بعون الله». وتابع بن لادن متحدثا حول «العجز الاقتصادي (الأمريكي) مقدرا أن
الإجمالي يتجاوز التريليون دولار» ليصل إلى دعابة غريبة عليه.
إن من يقول أن القاعدة ربحت الجولة ضد الإدارة في البيت الأبيض أو أن الإدارة قد
خسرت في هذه الحرب لن يكون دقيقا، لأنه عند التمحيص في النتائج لا يمكن القول إن
القاعدة هي العامل الوحيد في تحقيق هذه المكاسب المدهشة. بالأحرى فإن سياسة البيت
الأبيض التي تتطلب فتح جبهات الحرب لاستمرار تشغيل شركاتهم المختلفة ـ سواء تلك
العاملة في ميدان السلاح أو النفط أو إعادة البناء ـ قد ساعدت القاعدة في تحقيق هذه
النتائج المذهلة.
ثمة نقطتان في ملحوظة بن لادن الساخرة جديرتان بالملاحظة: الأولى التوكيد الماركسي
الكلاسيكي بأن وراء الحرب في العراق أطماعا اقتصادية رأسمالية. والثانية، وهي لسوء
الحظ دقيقة، بأن بن لادن حصل على المساعدة في «استنزاف أمريكا إلى نقطة الإفلاس»
عبر السياسة المالية لإدارة بوش.
النهاية.. متى؟
سيناريو يوم القيامة جدير بالتصديق. لكن هل هذا السيناريو محتمل؟ الشيء الصعب ـ
وشبه المستحيل تقريباً ـ هو التنبؤ بالتغيير الكبير، كذلك كان التحدي الذي واجهه
المستثمرون زمن عصر العولمة الأولى. عرفوا أن حربا عالمية في الأفق، وعرفوا أن لمثل
هذه الحرب عواقب مالية مدمرة (رغم أن القليل منهم توقع المدار الذي حصل)، لكن لم
يكن من سبيل لديهم ليعرفوا متى ستحدث بالضبط.
المشكلة ذاتها موجودة اليوم. جميعنا يعلم أنه من المرجح حدوث 11 سبتمبر آخر أكثر
هولا، وهذا في الواقع هو هدف بن لادن المؤكد. جميعنا يعرف ـ أو عليه أن يعرف ـ أن
أزمة حول تايوان من شأنها أن تحدث موجة ارتدادية تعصف بالنظام الدولي، بل ويمكن أن
تؤدي إلى حرب بين قوى عظمى (..) جميعنا يعرف أن تفجير عبوة نووية في لندن من شأنه
أن يقزم اغتيال الأرشيدوق فرديناند كعمل إرهابي.
لكن ماذا بوسعنا أن نفعل فعليا اتجاه مثل هذه الطوارئ، إذا كنا لا نستطيع تماما كما
في حالة تسونامي الذي ضرب آسيا، حتى أن نقول ولو بشكل تقريبي متى يمكن أن يحدث مثل
هذا الطارئ؟ هذه ليست دعوة لاغتنام الفرصة لتصفية استثماراتنا والنزول إلى ملاجئ
تحت الأرض، ذلك المبالغ به كثيرا، حتى ولو كانت المعركة الفاصلة يمكن أن تقع غدا.
في مواجهة ذلك نحن لسنا أفضل استعداداً لمواجهة السيناريو الأسوأ مما كان عليه حال
المستفيدين من العولمة السابقة قبل 90 سنة. كما كان الركاب الذين صعدوا لوسيتانيا،
نعلم جميعنا أننا من الممكن أن نغرق، ومن ذلك نبحر.
المصدر:مجلة الثقافة
العالمية، العدد:135
|