الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 

العبرة أو إمكان الإفادة من التاريخ

د. صائب عبد الحميد(*)

يعد مفهوم «العبرة» الدعامة الأولى في الوعي التاريخي، فهي الفكرة الدالة على إدراك أن للتاريخ معنىً ما، وإدراك الصلة بين الماضي والحاضر، وإمكان الاستفادة من حوادث التاريخ وسيرورته، أي من تجارب الإنسانية المتعددة الأطوار، لأجل الحاضر والمستقبل.
فالعلاقة بين الماضي والحاضر، والحوار الدائر بينهما، إنما يتوقف بالدرجة الأولى على إدراك إمكان الاستفادة من الماضي، سلباً، أو إيجاباً، باجتناب ما جرّ الهلاك والخراب إلى الأمم، أو بتقصي ما كان أساساً في قيامها ورقيّها، أو بالاثنين معاً.(1)
وبدون هذا الوعي سيكون التاريخ فاقداً لمعناه، لكونه تراكماً عبثياً للحوادث، لا تعود المعرفة به بأية ثمرة، ولا يكون العمل التاريخي عندئذ سوى ضرباً من ضروب الأدب، يرقى أو يضمحل برقي الأدب واضمحلاله، وإنما يرقى منه أو يضمحل صورته الفنية كنتاج أدبي محض، لا يتعدى إلى شيء من شؤون الحياة الأخرى.
من هنا ذهبت المدرسة التاريخية الألمانية إلى جعل التاريخ واحداً من أقسام الأدب، عندما أنكرت إمكان الاستفادة منه، وجعلت منه تراكما لحوادث ووقائع لا يجمع بينها جامع، ولا يصل بينها رابط.
لقد أدرك المسلمون مفهوم العبرة من التاريخ قبل غيرهم، منذ نزل به القرآن الكريم بكثافة، ليجعل من تاريخ الإنسانية تراكما معرفياً، وليس تراكماً عبثياً لحوادث مجزأة. فتاريخ كل أمّة هو حصيلة تجاربها في حياتها، فهو إذن مجموعة تجارب خاضتها البشرية في عمرها الممتد، لتكون مصدراً من مصادر الغنى المعرفي المتنامي مع امتداد التاريخ، وليأتي إنسان القرن الثاني من عمر البشرية مزوداً بتجارب قرن مضى، ويولد إنسان القرن الحادي عشر من عمرها مزوداً بتجارب عشرة قرون خلت:
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الأَلْبَابِ)(1).
(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ)(2).
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)(3)؟
والعشرات من النصوص القرآنية المطابقة لهذا المعنى، والمحفزة لهذا الاتجاه من الوعي، والمبررة لهذا الاهتام الفائق بالقصص التاريخي، والمساحة القرآنية الكبيرة التي أُفرغت لأخبار أمم سلفت:
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا)(4).
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ)(5).
(ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)(6).
مادة تاريخية غنية بالتجارب، تتناول حقباً متلاحقة في التـاريخ، تشحذ الفكـرة: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(7)، وتحث على العبرة:
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الاَْلْبَابِ)، فالقانون الذي مضى حكمه عليهم سيمضي حكمه على من سيأتي بعدهم من الأمم، وإلى الأبد: )سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)(8).
(فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً)(9).
عناية قرآنية فائقة بهذا المفهوم إذن، فالمساحات القرآنية الكبيرة التي غطتها أخبار الأمم كانت دائماً تأتي مشفوعة بهذا التذكير والالفات. فالتاريخ ليس شيئاً ميتاً، بل هو وجود حي له امتداد مع الزمن. وهو ذو مغزى دائماً، فهو مصدر معرفي لا غنى عنه، فحتى البقايا والآثار التي تبدو قطعاً جامدة وهياكل هامدة إنما هي أشياء ناطقة بصمتها، مفعمة بالروح المتحرك الذي يضيف إلى الحياة معرفة وعبرة باستمرار: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ)(10).
الظهور المبكّر:
استلهم المسلمون الأوائل هذا المعنى، وأصبح لديهم واحداً من مقادح الفكر ومفاتح النظر، ولئن كانت «العبرة» في بعض أحاديثهم تدور مداراً محدوداً في حدود الذكرى الفردية لأجل التزود للدار الآخرة، فإن معناها العام وإطارها الواسع قد دخل أحاديث في غاية الأهمية، كاشفاً عن وعي معمق بشأنها الاجتماعي العام.
ولعل من أبلغ ما نجده في هذا الباب وأعمقه ما جاء في نصوص الإمام علي ووصاياه، وإذا كان الكثير من هذه النصوص يدور مدار اللفظ القرآني في الآيات سالفة الذكر، كقوله: «وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة، أين الفراعنة وأبناء الفراعنة، أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين وأطفؤوا سنن المرسلين، وأحيوا سنن الجبارين؟»(11) فإن مقاطع ونصوصاً أُخر كانت تكشف عن إدراك معمق لما أراده القرآن من وراء الإرجاع إلى أخبار الأمم، إدراك معمق بمغزى المعرفة بالتاريخ، بمعنى التاريخ وفحواه، فهو يواصل في النص نفسه: «ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العِبَر، وسمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق»(12). فأخبار الماضين مازالت صوراً شاخصة أمام البصائر، تحفّز العقول وتشحذ الأفكار، وما زالت حية تُسمِع صوتَها من خلال ما تركته من آثار لا تخفى في مصائر الشعوب.
تلك هي تجارب الأمم، وروح التاريخ الدافقة، وتلك هي واحدة من أبرز المعاني التي ركزها القرآن، والمعالم التي فتح عليها الآفاق.
ولم يقف إدراك أهمية التاريخ والغاية من المعرفة به عند هذا الحد لدى الجيل الأولى من أجيال الإسلام، بل مازلنا نجد عند الإمام علي، الذي عبر عن ذروة الوعي التاريخي، ما هو أكثر عمقاً، مما لا مزيد عليه في موضوعه. ذلك في تصويره لما تعطيه المعرفة بالتاريخ من عمر إضافي يمتد بالمرء ليوازي عمر البشرية كلها. فهو يقول في وصيته لولده الحسن: «إنّي وإن لم أكن عُمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرتُ في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عُمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمر نَخيلَه، وتوخّيت لك جميله..» (13).
الامتداد عند مسكويه:
هذا المعنى الذي أعاد مسكويه (المتوفى 421 ه‍ ـ 1039م) صياغته، وهو يصف المطّلع على تجارب الأمم السابقة «وكأنه قد عاش ذلك الزمان كله، وباشر تلك الأحوال بنفسه، واستقبل أموره استقبال الخَبِر وعرفها قبل وقوعها، فأعدّ لها أقرانها وقابلها بأشكالها...»(14). وأنشد هذا المعنى شعراً، فقال:
وإن تمنّيت عيش الدهر أجمعه** وأن تعاين ما ولّى من الحُقُبِ
فانظـر إلى سِيَر القـوم الذين مضـوا ** والـحظْ كتـابتهم من باطن الكتبِ(15).
السبق والأصالة:
ولسنا نبتغي دليلاً آخر فوق هذه المعرفة بفائدة التاريخ، على سعة وأصالة مفهوم العبرة، والاستفادة من تاريخ الأمم لدى المسلمين، هذه المعرفة التي سيوجزها مؤخراً (باسكال) وهو يعبّر عن التاريخ بـ«الحرب ضد النسيان» إذ يقول: «بالحرب ضد النسيان تستطيع السلالات المتتابعة أن تجتمع في رجل يتعلم باستمرار»(16).
بل المعنى نفسه وبألفاظ مشابهة تماماً يفيد به جوزف هورس، في قوله: «.. وإنّ ملاحظة أعمال الناس في الماضي تضيف خبرة إلى خبراتنا، وهكذا نعيش أعماراً كثيرة، إذ نحن نضيف إلى عمرنا أعمار من سبقنا من الناس»(17).
وبهذا المعنى أفاد بسمارك بقوله: «يزعم الحمقى أنهم إنّما يتعلمون من تجاربهم، أما أنا فقد وجدت من الأفضل أن أتعلّم من تجارب الآخرين»(18).
وهو النهج الذي يصفه ليدل هارت بأنه «الفرصة الذهبية السانحة التي تتيحها دراسة التاريخ على أوسع نطاق ممكن أو متاح أو متيسر، لأنها تؤدي إلى الإطلاع على التجربة الإنسانية الشاملة، الأطول عمراً، والأبعد امتداداً، والأعرض أفقاً، والأغنى تنوعاً وتعدداً واختلافاً من التجربة الفردية الأفقر والأقصر والأجدب والأضيق»(19).
وإذا كان السبق في هذه الفكرة قد نُسب إلى المؤرخ اليوناني بوليبيوس (نحو 112 ق.م) عندما رجح هذا الأسلوب من أجل إصلاح الجماعة الإنسانية «لأننا إذا سلكناه فسنمتلك تصوراً أدق وأصوب للموقف السليم الذي ينبغي أن نتخذه، والقرار الحكيم الذي ينبغي أن نختاره، دون أن نتعرض إلى الأذى المباشر والضرر المحسوس»(20). إذا كان كذلك فالذي ينبغي تأكيده أن مفكري الإسلام قد توصلوا إليه من خلال وعيهم المستند إلى مصادرهم الخاصة وأولها القرآن الكريم، لا سيما في عهد الإمام علي، بل وحتى في عهد مسكويه، إذ لم يكن كتاب بوليبيوس في التاريخ معروفاً لديهم، ولا كان هو من الفلاسفة الذي حظوا باهتمام فلاسفة الإسلام في عهد ازدهار الفلسفة والترجمة. الأمر الذي يحفظ لهذه الفكرة عند المسلمين أصالتها، خصوصاً مع تركيز القرآن الكريم عليها، وظهورها بينهم في عهد مبكر جداً، وتداولها بين كبار المؤرخين عبر الأجيال.
تجدد الفكرة في أجيال لاحقة:
بعد مسكويه تحدث عن هذا المعنى ابن الأثير الجزري (555 ـ 630 هـ، 1160 ـ 1233 م) بشيء من الإسهاب وهو يحصي فوائد التاريخ: «فمنها أن الإنسان لإخفاء به أنه يحب البقاء ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فياليت شعري أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدمين؟ فإذا طالعها فكأنه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه حاضرهم».
ولم تقتصر فائدة المعاصرة والمحاضرة على إشباع نزعة حب البقاء، بل هي منهل «العبرة» ومصدر الاستفادة من تجارب الماضين «فإن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبح الأحدوثة وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال، استقبحوها، وأعرضوا عنها، واطّرحوها، وإذا رأوا سيرة الولاة العارفين وحسنها وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالهم درّت، استحسنوا ذلك ورغبوا فيه، وثابروا عليه، وتركوا ما ينافيه.
هذا سوى مايحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستضافوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن منها ـ أي فوائد التاريخ ـ غير هذا لكفى به فخراً».
ثم يعود ليركز ثمرة ذلك كله بالعبارة الوافية والكاشفة عن معرفة تامة بقيمة التاريخ، فيقول: «ومنها ـ فوائد التاريخ ـ ما يحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه عواقبها، وأنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلاً، ويصبح لأن يُقتدى به أهلاً..» (21).
فالفكرة في غاية الوضوح، والاستفادة من تجارب التاريخ جديرة في الاتجاهين، السلبي والايجابي، باجتناب الأخطاء التي جرت الخراب أو الفشل، وتقصّي السياسات والأساليب الصائبة التي كانت أسباباً للنجاح والقوة والمزيد من المكاسب.
وأيضاً فإن الفصل بين «العبرة» للدنيا، و«العبرة» للآخرة، هو الآخر في غاية الوضوح، فكل هذه فوائد دنيوية، فهي جزء من سياسات الاجتماع البشري ولوازمها، أما فوائده الأخروية فيفرد لها ابن الأثير عنواناً لاحقاً يتحدث فيه عن الاعتبار بتقلب الدنيا وتتابع نكباتها.. وأنها لم تُبق على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير..(22) إلى غير ذلك مما هو مفيد في التزود للدار الآخرة، من زهد وتعبّد وإنفاق ونحوه.
ومرة اُخرى تتجدد الفكرة ذاتها عند الصفدي (ت 764هـ، 1363م): فالمطّلع على أخبار من درج، ووقائع من غاب... يعود كأنه عاصر اولئك، وجلس معهم على الأسرّة، واتكأ بينهم على وسائد الأرائك.. ورآهم في معاركهم ينتشقون رياحين السيوف ويستظلون القنا الراعف..
مستشهداً بقول الأرّجاني (ت 544هـ، 1149م)(23):
إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ** توهمته قـد عاش في أول الدهر
مواصلاً: وربما أفاد التاريخ حزماً وعزماً، وموعظة وعلماً، وهمةً تُذهب هماً.. وحيلا تثار للأعادي من مكامن المكايد، وصبراً يبعثه التأسي بمن مضى:
(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ). فكم تشبث من وقف على التواريخ بأذيال معال تنوعت أجناسها... لأنه أخذ التجارب مجاناً ممن أنفق فيها عمره: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الأَلْبَابِ)(24).
فالتاريخ تجارب قد يستفيدها الناظر فيها مجاناً، من أقوام سلفت، أنفقت فيها أعمارها، وذاقت حلوها ومرّها.
وتبقى العودة إلى القرآن في تأكيد هذه المعاني، أو في اقتناصها، تؤكد الأصالة، وتعطف على التراكم في هذا النوع من المعرفة الذي دخل في أغراض الشعر أيضاً.
التاريخ تحت عنوان العبرة
لقد كانت فكرة العبرة من التاريخ والاستفادة من التاريخ على درجة من الوضوح لدى المؤرخين المسلمين بحيث شكلت العناوين الرئيسية لتصانيف تاريخية عديدة، منها ما هو فائق الأهمية، لتترجم ظاهرة اعتماد هذا الاصطلاح أو ما يؤدي معناه عنواناً للمصنفات التاريخية عن كونه ـ معرفة المغزى ـ الأكثر أهمية في نظر المؤرخين، والأكثر اُلفة ليس بينهم فقط، بل بين قرّائهم من سائر الناس أيضاً.
ومن أشهر من وضع هذا المعنى عنواناً لكتابه في التاريخ:
1 ـ المسبّحي، محمد بن عبدالله (ت 420هـ، 1038 م)(25) في كتابه: «الأمثلة للدول المقبلة». فهو يقدم التاريخ على أنه أمثلة تستلهما الدول المقبلة.
2 ـ مسكويه، أحمد بن محمد بن يعقوب (ت 421هـ، 1039 م)(26) في كتابه: «تجارب الأمم» الذي قصر فيه التاريخ على «ما يستفاد منه تجربة في أمور لا تزال يتكرر مثلها».
3 ـ ابن منقذ، الأمير أسامة بن مرشد بن علي الكناني (ت484 ه‍، 1188م)(27) في كتابه: «كتاب الاعتبار» الذي دوّن فيه جملة من الأحداث الهامة في عصره، والتي رأى فيها دروساً للدول القادمة.
4 ـ البغدادي، موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف (ت 629 هـ، 1231 م)(28) في كتابه: «الإفادة والاعتبار بما في مصر من الآثار» فرغ منه سنة 603 هـ.
5 ـ ابن الأثير الحلبي، عماد الدين، إسماعيل بن أحمد بن سعيد (ت 699هـ،1299 م)(29) في كتابه: «عبرة أُولي الأبصار في ملوك الأمصار».
6 ـ الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت748هـ، 1374 م)(30) وهو صاحب (تاريخ الإسلام) و(سير أعلام النبلاء)، له أيضاً: «العِبَر في خبر من عَبر» ألحقه بتتمة مستقلة بعنوان «ذيل العبر في خبر من عبر».
7 ـ ابن حمزة الحسيني، محمد بن علي بن حسن (ت 765 هـ، 1364 م)(31) في كتابه: «عِبَر الأعصار وخبر الأمصار».
8 ـ اليافعي، عبدالله بن أسعد (ت768هـ، 1367 م)(32) في كتابه: «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يُعتبر من حوادث الزمان».
9 ـ ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت808هـ، 1406 م)(33) في كتابه «العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» وهو كتابه المعروف بتاريخ ابن خلدون.
فالتاريخ أمثال، والتاريخ تجارب، والتاريخ إفادة، وعِبَر، واعتبار.. وعليه فالتاريخ يكتب لأجل الحاضر، ولأجل المستقبل أيضاً، وليس من أجل التاريخ فقط.
من آثار هذه المعرفة في الفكر التاريخي
هذه المعرفة التاريخية، وهذا الحس التاريخي، سيكونان كفيلان إلى حدّ كبير في إيجاد المؤرّخ الذي يستطيع أن يخرج بنفسه من غمرة التاريخ وينظر إليه بتجرد، أو يكون قريباً من ذلك. لينئى بالتاريخ من المأزق الذي وضعته فيه المدرسة التاريخية في أوربا الحديثة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
وهذا من أهم ما يفسر وجهة النظر الإسلامية السباقة إلى التاريخ على أنه «علم» فتحدث المؤرخون عن «علم التاريخ» وفصّلوا الكلام في أغراضه وموضوعه ومسائله، وشروط المؤرخ:
فكتب البيروني المتوفى 440هـ، 1048م أمهات القضايا في النقد التاريخي ودواعي الكذب في التاريخ، في أسطر معدودة(34)، غير أنه جعل كتابه (الآثار الباقية عن القرون الخالية) كله ميدانا لتطبيقاتها بما لم يسبق له مثيل في النقد التاريخي والمقارنة.
وكتب ابن فندق (القرن السادس) عن «علم التاريخ» وطرق المعرفة التاريخية(35).
وتحدث أحمد بن قاضي شهبة (ت851هـ، 1457م) عن «علم التاريخ، وفوائده، وإرشاد القرآن إليه»(36).
وكتب الكافيجي (ت 879هـ، 1474م) «المختصر في علم التاريخ»(37) وهو أول كتاب يحمل «علم التاريخ» عنواناً له، ولم تعرف سائر الأمم كتاباً يحمل مثل هذا العنوان قبله. وقد تحدث فيه عن مبادئ علم التاريخ وشروط المؤرخ، وأصول علم التاريخ، ومسائله.
ثم دافع السخاوي(ت 902ه‍، 1497م) عن«علم التاريخ» أتم دفاع حتى وقته(38).
أما ابن خلدون (ت808هـ، 1406م) وحديثه الدقيق عن علم التاريخ وتطبيقاته، في «المقدمة»(39). فقد غلبت شهرته شهرة هؤلاء جميعاً.
وهكذا اكتملت شروط المعرفة التي حقّ لمؤرخي الإسلام أن يمسكوا منها بقصب السبق، فهي لم تنشأ بينهم صدفة، ولم تكن مجرد إشارة أو خطرة من أحدهم، بل كانت رؤى ذات وضوح كاف، وترابط علمي، وتواصل عبر أجيال المؤرخين. كما أنها لم تكن مقتبسة من أحد سبقهم إليها، إلا أنها كانت مستلهمة من القرآن الكريم في العشرات من آياته التي تقدم ذكر بعضها آنفاً، ومن التراكم المعرفي عبر أجيال عهود النهضة الإسلامية.
ولكونها مستلهمة من القرآن لم تكن حكراً على المؤرخين، بل شاركهم المفسرون ذلك وهم يتعاملون مع ذلك العدد الكبير من الآيات القرآنية في الموضوع، فأدركوا ما أدركه أولئك المؤرخون مع انغماسهم الكامل في النص القرآني. كان ذلك ظاهراً حتى عند مفسري القرن الأول من الهجرة، ويمكن الاكتفـاء بنموذج واحد نكتشف فيه كلاماً في غاية الدقة، فمع قــوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)(40)، ينقل الطبري والطبرسي(41)، عن الحسن البصري وقتادة ومجاهد وابن إسحاق ما خلاصته وبلفظه: «قد خلت من قبلكم سنن من الله في الأمم السالفة إذا كذّبوا رسله وجحدوا نبوّتهم، بالاستئصال وتبقية آثارهم في الديار، للاعتبار والاتعاظ... فسيروا في الأرض فانظروا، أي تعرّفوا أخبار المكذبين وما نزل بهم لتتعظوا بذلك وتنتهوا عن مثل ما فعلوه، ولا تسلكوا في التكذيب والإنكار طريقتهم، فيحلّ بكم من العذاب ما حلّ بهم».
فكون القرآن هو المصدر الأول لهذه الفكرة بيّن إذن، كما هو بيّن كذلك أن مفهوم العبرة الذي ينقل الإنسان إلى تجارب الماضين قد فتح الباب أمام ما هو أكثر عمقاً في الوعي التاريخي، أمام التعرف على «قوانين» تحكم سير التاريخ، وهي فكرة أخرى مستلهمة بشكل مباشر من القرآن
أيضاً، هذه الفكرة التي ستشهد لدى المؤرخين تطوراً ملحوظاً في وقت مبكر نسبياً.


الهوامش:
ـــــــ
(*) أستاذ تاريخ ـ العراق.
(1) سورة يوسف: 111.
(2) سورة الروم: 42.
(3) سورة يوسف: 109، سورة محمد: 10.
(4) الأعراف: 101.
(5) سورة طه: 99.
(6) سورة هود: 100.
(7) سورة الأعراف: 176.
(8) سورة الأحزاب: 62.
(9) سورة فاطر: 43.
(10) سورة الفجر: 6 ـ 10.
(11) نهج البلاغة / الخطبة 182، ص 263، بتحقيق الدكتور صبحي الصالح، مؤسسة دار الهجرة، قم، ط 5، غرر الحكم / الحكمة 1026.
(12) غرر الحِكَم / الحكمة 1026.
(13) نهج البلاغة ـ قسم الكلمات / الكلمة 31.
(14) ياقوت الحمَوي / معجم الأدباء 2: 5.
(15) ياقوت الحمَوي / معجم الأدباء 2: 5.
(16) قاسم يرنگ / التاريخ ومنهج البحث التاريخي: 14.
(17) جوزف هورس / قيمة التاريخ: 13.
(18) ليدل هارت / التاريخ فكراً استراتيجياً: 74، تقديم وتعريب حازم طالب مشتاق، ط 1، بغداد 1988 م.
(19) ليدل هارت، المصدر نفسه: 75.
(20) المصدر نفسه: 75.
(21) الكامل في التاريخ 1: 9 ـ 10، تحقيق أبي الفداء عبدالله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415 هـ، 1995م، وعنه السخاوي / الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: 23 ـ 24.
(22) الكامل في التاريخ 1: 10 ـ 11.
(23) هو أبو بكر، أحمد بن محمد بن الحسين، كان قاضياً بتستر، وهو شاعر في شعره رقة وحكمة. ]الاعلام 1: 215[.
(24) الصفدي / الوافي بالوفيات1: 4 ـ 5، باعتناء هلموت ريتر، 1381هـ، 1962م.
(25) وفيات الأعيان 2: 653، سير أعلام النبلاء 17: 361، الوافي بالوفيات 4: 7، النجوم الزاهرة 4: 271، الأعلام 6: 259، أعيان الشيعة 3: 234، معجم مؤرخي الشيعة (لصاحب هذه الدراسة) ـ الترجمة 1246.
(26) معجم الأدباء 5: 17، الوافي بالوفيات 8: 109، تتمة يتيمة الدهر: 96، البارون كارادوفو / مفكّروا الاسلام: 105، أبو القاسم إمامي/ مقدمة تجارب الأمم، طهران 1987م، صائب عبد الحميد / علم التاريخ ومناهج المؤرخين: 263.
(27) وفيات الأعيان 1: 195، سير أعلام النبلاء 21: 165، الوافي بالوفيات 8: 378، شذرات الذهب 4: 277، الاعلام 1: 291.
(28) سير أعلام النبلاء 22: 320، فوات الوفيات 2: 16، طبقات الشافعية، للسبكي5: 132، شذرات الذهب 5: 132، الاعلام 4: 61.
(29) ذيل كشف الظنون 4: 91، الاعلام:1.
(30) مقدمة سير أعلام النبلاء 1: 79، 80، كشف الظنون: 1123، ذيل كشف الظنون 4: 91.
(31) كشف الظنون: 1122، الاعلام 6: 286.
(32) الدرر الكامنة 2: 247، شذرات الذهب 6: 210، طبقات الشافعية 6: 103، الاعلام 4: 72.
(33) تاريخ ابن خلدون (العبر..) 7: 503، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 4: 414، الضوء اللامع 4: 145، الاعلام 3: 330.
(34) البيروني / الآثار الباقية عن القرون الخالية: 5، 20، تحقيق پرويز أذكائي، سازمان چاپ و انتشارات وزارة فرهنك وارشاد اسلامي، طهران، 1380 هجري شمسي.
(35) ابن فندق / تاريخ بيهق ـ بالفارسية ـ: 7 ـ 8.
(36) تاريخ ابن قاضي شهبة / المجلد الثاني ـ الجز الأول من المخطوط: 107، طبعة المعهد العالمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1994م، تحقيق عدنان درويش.
(37) نشر بعضه فرانز روزنثال / علم التاريخ عند المسلمين: 325 ـ 370.
(38) السخاوي / الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، مطبعة الشرقي، 1349 هـ.
(39) مقدمة ابن خلدون: 3 ـ 34، انتشارات استقلال، مطبعة أمير، ط 4، بالاوفست على طبعة دار إحياء التراث العربي، ط 4.
(40) سورة آل عمران 3 / 137 ـ 138.
(41) الطبري / جامع البيان عن تأويل آي القرآن 4: 126 ـ 127، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1421، الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن م 1 ـ ج2: 841 ـ 842، دار المعرفة، ط1، 1406.