الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 

فقه التحيّز

عبد الوهاب المسيري

تعريف التحيّز:
إن كلّ شيء، كلّ واقعة وحركة، لها بعد ثقافي وتعبّر عن نموذج معرفي وعن رؤية معرفية. والنموذج هو صورة عقلية مجرّدة ونمط تصوري وتمثيل رمزي للحقيقة وهو نتيجة عملية تجريد (تفكيك وتركيب) إذ يقول العقل بجمع بعض السمات من الواقع فيستبعد بعضها ويبقى بعضها الآخر، ثم يقول بترتيبها بحسب أهميتها ويركبها، بل وأحياناً يضخّمها بطريقة تجعل العلاقات تشكّل ما يتصوره العلاقات الجوهرية في الواقع، وتتفاوت درجات الاختزالية ويمكن للنموذج أن يكون اقتصادياً مادياً، ومن ثم يستبعد من حساباته العناصر غير الاقتصادية المادية. ويمكن أن يكون نموذجاً حضارياً، بمعني أن النموذج يصل إلى مجموعة العلاقات التي تشكل حضارة ما يعكس صورة ذهنية لمنتجاتها الحضارية.
ولكن لكل نموذج بعده المعرفي، أي أن خلق كلّ نموذج (وخلف عمليات الإبقاء والاستبعاد والتركيب والتضخيم) معاييره الداخلية التي تتكون من معقدات وفروض ومسلـّمات وإجابات عن أسئلة كلـّية ونهائية تشكّل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوده ببعده الغائي، وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد النموذج وضوابط السلوك، وحلال النموذج وحرامه، وما هو مطلق ونسبي من منظوره. فهي باختصار مسلـّمات النموذج الكلـّية والنهائية (ما الهدف من الوجود في الكون؟ هل الإنسان مادة وحسب، أم مادة وروح؟ أين يوجد مركز الكون: كامناً فيه أن مفارقاً له؟).
إن الإنسان يوجد في العالم يتلقّى كمّا هائلاً من الإشارات، وهو يتلقاها ويستجيب لها من خلال منظومة معرفية (واعية أو غير واعية)، كما يقول بعض الحداثيين لا يوجد شيء بريء (وهي في ذاتها استعارة لها تحيزاتها المقيتة، فهي تجعل العالم مدنسّاً تماماً بالخبرة وأن لا أمل في العودة للبراءة الأولى). هذا يعني أن كل الظواهر هي نتيجة اختيار ومن ثم فهي متحيزة. ولكن ما هو التحيّز؟
التحيّز في اللغة:
«التحيّز»، كما جاء في المعاجم اللغوية، هو الانضمام والموافقة في الرأي. وهو مصدر الفعل «تحيّز». ومع أن هذه الكلمة قد وردت في القرآن الكريم: (1)، (وقليل في معناها: منضمّاً إليها، أي إلى الفئة)، إلا أن المعاجم القديمية تجاهلت هذه الكلمة. وقد ذكر اللسان أن «تحيّز» جاءت على زنة «تـَفـَيْعَل» وأن «التحيّز» ميزانها «التفعيل» من «حاز» (ومعناها في نحو حاز الشيء يحوزه: قـَبـَضـَهُ ومَلـَكـَهُ واستبدًّ به، أو معناها: جمعت الشيء أو نحيته). وذكر اللسان أن التحوز والتحيّز والانحياز بمعني واحد. ومن بين معاجم القرن العشرين، انفرد وسيط المجتمع اللغوي بالقاهرة (ومعه الوجيز) يتصنيف كلمة «تحيّز» وأضافاً أن «عدم الانحياز» (من «انحاز»، وفي نحو «انحاز القوم»، بمعني: تركوا مركزهم إلى آخر) في الاصطلاح الحديث، بمعني: عدم الانظمام إلى فريق من الدول دون فريق.
وكما جاء في الوسيط، فقد استخدمت كلمة «التحيّز» في معني الانضمام والموافقة في الرأي، وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى.
قواعد فقه التحيّز:
1 ـ القاعدة الأولى ـ أن التحيّز حتمي
أ ـ فالتحيّز مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، الذي لا يسجل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء بأمانة بالغة ودون اختيار أو إبداع، فهو ليس سلبيّاً وإنما فعال، ولذا فهو ـ كما أسلفنا ـ يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل، ويبقي بعضها الآخر، ويضخم بعض ما يتبقى، ويمنحه مركزية، ويعمش الباقي. والعملية الإدراكية هذه ليست عشوائية وإنما تتبع أنماطاً يمكن اكتشاف بعض جوانبها.
ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية نفسها، فلا توجد لغة إنسانية واحدة تحتوي على كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوناته، أي أنه لا بد من الاختيار. كما ثبت أن كلّ لغة مرتبطة إلى حد كبير ببيئتها الحضارية وأكثر كفاءة في التعبير عنها. وتختلف أشكال التعبير عنها. وتختلف أشكال التعبير عن الزمان من لغة لأخرى. كما أن المجاز جزء من نسيج اللغة (عين الماء ـ رجل الكرسي... إلخ). وقد لوحظ تداخل الدوال وتداخل المدلولات والثبات النسبي للدول(باعتبارها جزءاً من النسق اللغوي الثابت) والتغيير السريع لكثير من المدلولات بدرجة تفوق تغير الدوال. كل هذا يعني أن اللغة الإنسانية ليست أداة محايدة، مثل لغة الجبر والهندسة التي قد تصلح للتعبير عن عالم الأشياء المحايد ولكنها تخفق تماماً في الإفصاح عن أبسط العمليات الإنسانية، فاللغة الإنسانية أداة ثرية مركبة تحوي داخلها الكثير من الأسرار.
جـ ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التحيّز من صميم المعطي الإنسانية ومرتبطة بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها. فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرد والذاتية ومن ثم التحيّز. إذا ما حددنا الحضارة بأنها كل ما صنعته يد الإنسان (في مقابل ما يوجد جاهزاً في الطبيعية)، فإن الثقافي بالضرورة متحيز. بل أن ما يوجد في الطبيعة يجسد تحيّزا، إذ أن الإنسان هو الذي يجد الشيء الطبيعي حتى لو عثر عليه بالصدفة. وهذه ليست عملية عشوائية، وإنما هي نتيجة إدراك إنساني فعال، وحينما يجد الإنسان الشيء الطبيعي فإنه يسميه، أي يدخله شبكة الإدراك الإنساني، وينقله من عالم الطبيعة والأشياء إلى عالم الإنسان.
2 ـ القاعدة الثانية ـ أن التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس بنهائي
وهذه الحقيقة (حتميّة التحيّز وارتباطه بالإنساني والثقافي) لا تؤدي بالضرورة إلى الاكتئاب والحزن. فالتحيّز ليس بعيب ولا نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجَرَدَ التحيّز من معانية السلبية، ومن ثم توضع إشكالية التحيّز على مستوى مختلف تماماً. فبدلاً من أن أضع تحيزي في مقابل تحيزهم، يصبح التحيّز هو حتمية التفرد والاختيار الإنساني، وهذه مفارقة، ولكن هكذا حياة الإنسان. وهي مفارقة يمكن أن تشكل إطاراً لإنسانيتنا المشتركة المتنوعة لا الإنسانية الواحدة، وهذه السِّمة المزدوجة للتحيز هي تعبير عن تلك الثنائيات التي لا يمكن اختزالها أو تصفيتها أو تيسوتها (انظر:«لا اختزال ولا تصفية للثنائيات»). إن الإنسانية المشتركة هي الاستعداد الإنساني الكامن فينا كلنا والموجودة بالقوة (الفطرة).
ورغم أنه استعداد كامن مشترك إلا أنه حينما ينتقل من مرحلة الكمون إلى مرحلة التحقق والتعين والوجود بالفعل ، فإن ما يتحقق يختلف من فرد لآخر ومن شعب لآخر ومن حضارة لأخرى سواء في مضمونه أو شكله. ومن هنا الوحدة الكامنة، ومن هنا أيضاً التنوع الثري الحتمي الذي لا يجب الإنسانية المشتركة. فقد خلقنا الله كلـّنا على فطرة واحدة، ولكنه ـ عزّوجل ـ شاء ألا نكون شعباً واحداً، ولذا أصبح البشر شعوباً وقبائل، لكلّ اختياراته الخاصة به. ولكن هذا لا يعني بالضرورة التناحر ونفي الآخر ، إذ إن إمكانية من فضله علينا شاء أن يصبح الناس شعوباً قبائل لتتعارف وتتدافع. واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق هذا التوصل وعلى توصيل الحق والحقيقة والحقائق، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز،وعلى بناء نماذج معرفية قد تكون نتائج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها مع هذا تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. وقد كان أشرف المخلوقات، (صلى الله عليه وآله وسلـّم)، نبياً، عربياً، ولكنه بُعِثَ للناس أجمعين. وقد حذرنا عليه الصلاة والسلام من الخيلاء والتمركز الإثني والعرقي حول الذات، فلا فـَضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (وهذا منطق أخلاقي لا يمكن التفاوض بشأنه). ومع هذا فإن هوية العجمي مختلفة عن هوية العربي، وتحيزاتهما من ثم مختلفة، إلا أن ثمة مرجعية نهائية مشتركة بينهما (تماماً مثل إنسانيتنا المشتركة) وهي التقوى. وهذا ما ننهيه بأن التحيّز حتمي ولكن ليس نهائياً: حتمي فلا يمكن تجاوزه، وليس نهائياً، فهو ليس نهاية المطاف، فالنهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية التي تسبق أيًّ تنوع أو تحيز (2).
أنواع التحيّز:
والتحيّز أنواع:
1 ـ هناك التحيّز لما يراه الإنسان على أنه الحق، وهذا هو الالتزام. والإنسان المتحيز للحق والحقيقة يمكن أن يتحمس لهما وينفعل بهما، ولكنه على استعداد لأن يخضع ذاته وأحكامه للمنظومية القيمية وللحق الذي يقع خارجه. كما أنه على استعداد لأن يختبر ثمرة بحثه، فهو لا يعتقد أن أحكامه (المتحيزة) هي الحكم النهائي المطلق إذ أن أحكامه أولاً وأخيراً اجتهاد، وهو يدرك ذلك تماماً.
2 ـ وهناك التحيّز للباطل وهذا يأخذ أشكالاً مختلفة، فهناك التحيّز للذات حين يجعل الإنسان نفسه المرجعية الوحيدة المقبولة، ولذا تسقط فكرة الحق المتجاوز ولا يمكن محاكمة الإنسان من أي منظور. يرتبط بهذا فكرة التحيّز للقوة، فإن كان الإنسان منتصراً فإنه يفترض إرادته، أما إذا انهزم فإنه يتحول إلى واقعي (برغماتي) يرضي بأحكام الآخر ويخضع له دون إيمان بأن ما يقوله الآخر هو الحق، فالقوة هي المرجعية الوحيدة ( ولذا فهو في حالة تربّص دائمة في انتظار تغير موازين القوى لصالحه). ويرتبط بكل هذا التحيّز للسلطان، فهو تحيز يعبّر عن التخلـّي الكامل عن ذاتية الإنسان وعن اختياراته الحرة، بحيث يصبح السلطان هو المرجعية، وما يقول الجالس على الكرسي يصبح هو الحق، رغم إداركنا أنه ليس كذلك. وفي جميع الأحوال، من يتحيز للباطل ليس على استعداد أن يخضع ذاته وأحكامه لمنظومة قيمية أو مرجعية تقع خارجه، كما أن أحكامه لا تقبل الاستئناف فهي نهاية مطلقة.
3 ـ فهناك تحيز واع واضح، وآخر غير واع كامن. أما التحيّز الواعي فهو تحيز من يختار عقيدة بعينها (أيديولوجية) ثم ينظر للعالم من خلالها، ويقوم بعمليات دعاية وتعبئة في إطارها. أما التحيّز غير الواعي، فهو أن يستبطن الإنسان منظومة معرفية بكل أولوياتها وأطروحاتها، وينظر للعالم من خلالها دون أن يكون واعياً بذلك.
والتحيّز الواضح عادة ما يفصح عنه نفسه، كما هو الحال في (البروباجندة)، أي الدعاية الصريحة الرخيصة، فمتلقّي الدعاية السياسية الفاضحة يدرك مضمونها. أما التحيّز الكامن، فإن المتلقي له يتأثر به دون وعي من جانيه. ومع هذا، يمكن أن يتم توصيل التحيّز الواعي بطرق خفية، ودون وعي من جانب المتلقي، وهذا يظهر في الإعلانات التجارية حيث يدرك المعلنُ عن سلعةِ ما أنه لو ربط سلعته هذه بالدوافع الجنسية لدى الإنسان فإنه سيمكنه أن يزيد مبيعاته رغم عدم وجد أي علاقة بين السلعة والدفع الجنسي. وتظهر إعلانات ينظر أصحابها للإنسان باعتباره كائناً مادياً تحركه غزائزه وحسب (وكأنه كلب بافلوف)، ثم يتحركون في إطار هذا النموذج. ويمكن أن يحدث الشيء نفسه على المستوى السياسي والأخلاقي، فالأفلام الأمريكية تروج الكثير من القيم دون أن يدرك المتلقي أنه يُلقن من خلال الفيلم كثيراً من القيم التي تتحيز لها هوليوود، مثل المطاردة والعنف، وهي قيم تنبع من رؤية داروينية للواقع، والتي لو نقلت له بشكل مباشر لاشمأز منها، ولذا فهي تـُقدم له ( في أفلام توم وجيري وأفلام الكاوبوي، على سبيل المثال) وكأنها تسلية بريئة لا تجسد قيمة أو نموذجاً معرفياً وحشياً.
4 ـ ويمكن تصنيف التحيّز من ناحية حدّته، فميكن أن يكون التحيّز حاداً واضحاً، كما هو الحال في الأدب الواقعي الاشتراكي السوفياتي حيث كانت الطبقة العامة تحقق دائماً الانتصار، وكانت البورجوازية دائماً هابطة منحلة في طريقها إلى الاختفاء لتحل محلـّها القوى الصاعدة. ولكن هناك دائماً المثقف البورجوازي الواعي بقانون التاريخ الذي كان يدرك أن الطبقة العامة هي الطبقة الصاعدة، فينفض عن نفسه وعيه الطبقي القديم، ويربط مصيره بمصير الطبقة العاملة، ويصعد معها إلى أعلى ويسير معها في المسار التاريخي الصحيح. وتنتهي الرواية بالتحالف الحتمي الثوري بين العمال والفلاحين والمثقفين. ولكن ليس كل التحيّزات فاضلة بهذا الشكل. فيمكن للإنسان أن يتحيز لعقيدة معينة ويدافع عنها ولكنه يدرك أن ثمة مشاكل في عملية التطبيق.
وتختلف درجة التحيّز من ميدان لآخر ومن علم لآخر، ويعتمد ذلك على مدى ارتباط الميدان أو العلم بالهوية الثقافية والحضارية للجماعة. ولهذا نجد أن التحيّز يكون أقوى ما يكون عادة في ميادين العقائد الدينية والتقاليد والعلاقات الإنسانية، وما يعبر عنها من فنون وآداب وفكر وثقافة. أم الميادين التي تكون درجة تعرضها للتحيز متوسطة القوة فنجدها في التكنولوجيا والتنمية الصناعية، أما أقل اليادين تعرضاً للتحيز فهي العلوم البحتة مثل الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والتاريخ الطبيعي ومع هذا فهي تحوي قدراً من التحيّز.
5 ـ وهناك تحيّز داخل التحيّز، أي حين ينبني الباحثُ رؤية معينة محدودة من داخل نموذج معرفي متكامل تصبح تحيزاته أكثر اتساعاً. ويظهر التحيّز داخل التحيّز في عملية التركيز على أفكار بعينها دون غيرها داخل المنظومة موضع البحث. فنحن مثلاً، في العالم العربي، نركـّز على نظريات علم الاجتماع الفرنسي أو الإنكليزي دون نظريات علم الاجتماع الألماني، مع أن كل هذه النظريات تنتمي إلى تقاليد علم الاجتماع الغربي. أو أن يقوم باحث إسلامي بالتحيّز لإحدى أطروحات الفقه الإسلامي دون الأطروحات الأخرى، ودون الاحتكام للقيم الإسلامية (كما يحدث حينما يحرّم أحد الفقهاء شيئاً ما دون التوجه لكلـّية المنظومة المعرفية ودون معرفة كافية بموضوع البحث ودون أن يناقش آراء الفقهاء المخالفة لآرائه).
6 ـ وهناك العكس أيضاً، أي أن يتحيز البحث لعدد من الأفكار تنتمي إلى أنساق معرفية مختلفة متناقضة ولكنه يتبناها كلـّها دون تمييز أو تفريق بسبب غياب الرؤية المعرفية العميقة. فيمكن لكاتب عربي أن يتبني آراء عصر الاستنارة الداعية للعقل والباعثة على التفاؤل، ويكتب في الوقت ذاته شعراً حديثاً متشائماً يؤكد لا عقلانية الواقع وعبثيته وعدم جدوى استخدام العقل. ويمكن لكاتب غربي أن يعجب بالرؤية الدينية الإسلامية والهندوكية والكونفوشيوسية باعتبارها كلـّها رؤى شرقية.
7 ـ هناك تحيز جزئي وآخر كلّي، والتحيّز لعنصر واحد أو لشيء ما، كما يحدث حينما يعجب كاتب غربي بكاتب أو طراز شرقي فلا يتبني الرؤية الكلية لحضارة هذا الكاتب أو ذلك الطراز وإنما يتبني تلك العناصر التي تروق له والتي يمكنه استيعابه في رؤيته الكون.
ومن أطرف الأمثلة على ذلك آرثر فيتز جيرالد، مترجم رباعيات عمر الخيام إلى الإنكليزية في القرن التاسع عشر، فقد انتقى من الحضارة الفارسية الإسلامية ما يتفق مع رؤيته كفنان من العصر الفكتوري. وقد وجد ضالـّته في شعر هذا الشاعر الفارسي الذي كان يشعر بإحساس عميق بالغربة من الكون. ويمكن أن نضرب مثلاً آخر ببعض الشعراء العرب الذين أعجبوا بشكسبير فترجموا بعض مسرحياته وقصائده وأخذوا من شكسبير ما يروق لهم دون رؤيته للكون. أما التحيّز الكلـّي فهو تحيز لمنظومة ما بكل تشابكاتها وتضميناتها.
ويمكننا القول أن النوع الجزئي من التحيّز هو تحيز الشخص الواثق من نفسه ذي الهوية الواضحة الذي يدور في إطار رؤيته ويقف على أرضيتها، وله تحيزاته المحددة، ثم ينتظر إلى العالم ويأخذ منه ما يريد. فهو يمسك بالميزان ولا يخاف أن يستورد الأفكار والأشياء من الخارج ولكنه يزن ما يستورده بميزانه، ويعيد صياغته بما يتفق مع معاييره، أي أن هذا الشخص ليس ضد الوافد، وليس ضد الاستفادة من الآخر، وليس ضد الانفتاح عليه، ولكنه ضد أن يضع أحدُهم ميزاناً مستورداً في يده ليزن به الأشياء، وضد أن يتحدث عن نفسه بضمير الغائب، وضد إغلاق باب الاجتهاد بالنسبة للآخر. فهو مجتهد يتحرك في إطار النسق المفتوح أو الفضفاض لا النسق المغلق المصمت، ويستند إلى أرضية الذات العقائدية الفكرية والحاضرية ولا يستسلم أبداً إلى ما سماه أحد العلماء الغربيين «إمبريالية المقولات»، أي أن تستورد من الآخر لا بعض آرائه إسهاماته وإبداعاته وحسب، وإنما مقولاته التحليلية الأساسية ذاتها ورؤية للكون، فتزن الأمور بميزان الآخر. والاجتهاد النابع من الذات والذي يستند إليها يتنافي مع الرؤية العلمية، فالعلم الطبيعي لا يتعامل مع الكليات أو المطلقات أو الغائيات (الميزان)، وإنما يتعامل مع الجزئيات والإجراءات (الموزون)، ويترك القيمة والصدق والغاية للإنسان يحددها كيفما تملي عليه معتقداته، أما الذين يصرّون على الاستسلام تماماً للآخر، فإنهم يصرون في الواقع الأمر على استيراد اختيارات الآخرين ورؤاهم ومقولاتهم التحليلية، وليس هناك في العلم الطبيعي ما يحث على ذلك أو يمنعه.
8 ـ من أهم التحيّزات الجديدة التي ليس لها نظير في الحضارة السابقة ما نسميه «تحيز واقعنا المادي ضدنا»، فالاستعمار الغربي قد دخل بلادنا وهدم منازلنا التي تعبر عن هويتنا، ثم بنى مدناً تعبر عن منظومته القديمة بتخطيطها الذي يعبر عن منظومتنا القيمية، ثم بنى مدناً تعبر عن منظومته القيمية مثل السرعة والكفاءة والتنافس. فالشوارع وسعة حتى يمكن للسيارات الكثيرة أن تسير فيها بسرعة، وهو ما يعني أن السيارة مسألة يفترض وجودها كمعطي حسي ضروري ونهائي، بينما كان من الممكن أن نبني مدناً تفترض أن المشاة أكثر من راكبي السيارات، وأن راكبي الاتوبيسات أهم من راكبي السيارات الخاصة. كما أن المدينة الحديثة بشوارعها الفسيحة تجسد رؤية في الإدارة تنطلق من الإيمان بضرورة وجود مركز إداري قوي (دولة قومية مركزية) تتبعه كل الأطراف ـ لذا كانت الشوارع الفسيحة في المدن الأوروبية الجديدة في القرن السابع عشر تسمى باللاتينية « فيا ميليتارس Via militares»، أي الطريق الحربية، إذ أنها كانت تيّسر وصول القوات الحكومية إلى كل السكان فتقوم بقمعهم وترشيدهم بما يتفق مع الصالح العالم، أي مصلحة الدولة العليا. هذا على عكس الطرقات الضيقة التي تسمح بمرور البشر ولا تسمح بمرور السيارات والقوات العسكرية. وقد بنيت المنازل بمواد تفترض أن تكييف الهواء مسألة ضرورية، وتتم بطريقة تسمح بدخول أكبر قسط من الشمس في بلادنا الحارة، وقد نشأ عن ذلك الحاجة لكم هائل من السلع أصبحت من «ضروريات» الحياة العصرية. فلو ترك الإنسان سيارته ضاع وقته وضاعت حياته، ولو قرر الاستغناء عن جهاز التكييف تصبب عرقاً وقلـّت إنتاجيته. وقد بيّنت إحدى الدراسات أن يوم العمل نفسه، الذي استوردناه من الغرب، يصلح لبلادهم أساساً، أما بالنسبة لبلادنا فيوم العمل المناسب يبدأ صلاة الفجر وينتهي عند وقت الظهيرة على أن يستأنف الناس حياتهم الاجتماعية بعد العصر ويناموا بعد صلاة العشاء. ولابد من أن ندرس مدى إمكانية وجدوى تينّي يوم العمل المقترح، وكمية الطاقة التي ستوفر أو الراحة النفسية التي سنتمتع بها حينما يتفق الإيقاع الإنساني مع الإيقاع الكوني (يخبرني كثير من أصدقائي الأجانب أنهم عادة يستيقظون مع الفجر ثم يعودون للنوم بعد ذلك). ونحن لا نعرف النتيجة مسبقاً، ولكن الموضوع لابد وأن يبحث إذ يجب ألا نتقبل الواقع المستورد والمتحيز ضدنا. وبهذه الطريقة، قد نحرر الذات من التبعية للآخر وقد يتدفق الإبداع.
آليات تجاوز التحيّز
بعد أن عرَّفنا أشكال التحيّز وأكثر أنواع التحيّز شيوعاً (التحيّز للنموذج الحضاري والمعرفي الغربي الحديث وما يفترع عنه من تحيزات)، ويمكننا الآن أن نحاول تحديد بعض آليات تجاوز التحيّز.
أولاً: إدراك حتمية التحيّز
بدأنا فقه التحيّز بتأكيد القاعدة الأولى، وهي حتمية التحيّز، ويمكن القول إن إدراك هذه الحقيقة هو ذاته أول خطوة لتجاوزه. بل إننا نذهب إلى أن النظريات التي تنكر وجود التحيّز هي ذاتها متحيزة لرؤية محددة، فهي ترى الواقع (الطبيعة والإنسان) باعتباره كياناً مادياً بسيطاً قابلاً للتفسير في كلـّيته من خلال قوانين الطبيعة العامة الصارمة التي تسري على كلّ الكائنات والمخلوقات في كلّ زمان ومكان. وهي نظريات ترى أن العقل الإنساني هو جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة الطبيعية، كيان سلبي غير فعال، ليس له استقلال عن القوانين الطبيعية وعن الواحدية المادية التي تسود العالم، وترى أن علاقة هذا العقل البسيط بالواقع البسيط علاقة بسيطة آلية.
ولكن ثمة مفهوماً آخر للإنسان والعقل، وهو أن العقل قاصرٌ ولكنه فعّال، ولا ينظر إلى الواقع فيسجله بموضوعية متلقية بلهاء وإنما يواجه الواقع المتنوع المركب فيبقى ويستبعد ويجرد ويفكك ويركب ويصحح ويضخم ويهمش، ويصوغ نماذج معرفية، ويدرك العالم من خلالها، ولذا فهو يحقق قدراً من الاستقلال للإنسان عن القوانين الطبيعية. وهذا يعني إمكانية تفاوت الإدراك عمقاً وتسطيحاً، واختلافه من شخص لآخر إنما هو باختلاف التجربة النفسية والحضارية للمدرك، إذ أن أداة الإدراك ليست أداة سلبية وبسيطة وإنما هي أداة إنسانية مركـّبة فعالة، وما بين تركيبية العالم وفعالية العقل البشري، يصبح التحيّز حتمياً.
إن الإيمان بالتحيّز هو رفض لفكرة بساطة الواقع ولآلية الإدراك وسلبيته ولفكرة القانون العام، وهو تأكيد بأن عقل الإنسان مبدع وفعال، وأن دوافعه مركبة، وهو دفاع عن مركزية الإنسان ضد الفلسفات المادية الطويلة التي لا ترضى إلاّ بوحدة الطبيعية وواحديتها، ولا تقنع إلاّ بعالم أملس، يشبه الحالة الرحمية أو المحيطية قبل أن يولد الإنسان أو ينضج ليصبح بشراً سوياً.
وليس هناك جديد فيما نقول، فعلوم الإنسان على مستوى الممارسة، مهما بلغت من تجرد، تحوي تحيزات أصحابها الفلسفية، وهذه حقيقة معروفة بالنسبة للعلوم الاجتماعية ومقبولة بالنسبة لغالبية العاملين في هذا الحقل (ولكن هناك دائماً المتطرفون من السلوكيين وغيرهم ممن سقطوا تماماً في حمأة المادة وقوانين الحركة). ولكننا نرى أن هذه الحقيقة تسري أيضاً على العلوم الطبيعية، فثمة صياغات فلسفية (عقائدية) كامنة وراء التجارب الطبيعية، ووراء طريقة تصنيف وتفسير نتائجها. هذه العقائد ترتبط تماماً بالقوانين العلمية رغم عدم وجود رابطة مادية ضرورية بين الواحد والآخر، فإن نظر عالم في حركة النواة ووجد أنها تتحرك خارج أي نمط معروف لديه، فبوسعه أن يقول: «العقل الإنساني محدود رغم فعاليته، فهو غير قادر على الإحاطة بكل شيء في الكون». وقد شاعت المقولة الأولى، بسبب النموذج المادي الإلحادي الكامن وراء العلم الغربي، مع أن المقولة الثانية ذات مقدرة تفسيرية عالية. بل إنها أكثر عملية لأنها تترك باب الاجتهاد مفتوحاً، كما أنها لا تدعي أن الإنسان قد أجرى كل التجارب المطلوبة لرصد الحركة النواة في الماضي والحاضر والمستقبل، وأن أدوات القياس الموجودة الآن لدى الإنسان هي أحسن الأدوات الممكنة، وهذا ما تدعيه المقولة العلمية الغيبية الأولى.
وإدراك حتمية التحيّز يعني أن كل سلوك إنساني )أو مصطلح( يعبر عن نموذج معرفي كامن، وأنه لا يمكن للإنسان فهم تضمينات ما يرى بعد إلا بعد اكتشاف النموذج الكامن والذي يحوي الأسس الفلسفية والمعرفية التي يستند إليها هذا السلوك )أو مصطلح(.
ومن السمات الواضحة للمقولات التحليلية الغربية أنها تظل على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا تصل أبداً إلى المستوى المعرفي الذي يتعامل مع المسلمات الكامنة في الفكر والتي تشكل إجابة على الأسئلة النهائية التي تواجه الإنسان في الكون.
وقد تجاهل الخطاب التحليلي الغربي هذا البعد تماماً، وأصبحت تطرح القضية على شكل: كيف نحقق التنمية؟ كيف نحقق التقدم؟ كيف يمكن تحقيق التوازن في البناء السياسي؟ وهي كلها أسئلة تتضمن نماذج معرفية ) عادية مادية( لا تفصح عن وجهها. بينما لو تعمق الخطاب التحليلي ووصل إلى المستوى المعرفي، وبدأنا نسأل عن هدف، لا تضح النموذج، ولأصبح السؤال: ما هو الهدف من التنمية؟ ما هي صورة الإنسان المثلي التي يحاول يصل إليها المجتمع؟ وما هي الغاية من التقدم؟ هل التقدم له فعالية على كل من المستوى المادي وحسب؟ وسنكتشف أن معظم مشاريع التنمية تنبع من نموذج اقتصادي مادي ساذج يتجاهل تركيبية الإنسان.
واكتشاف النموذج الكامن لا يمكن أن تكون عملية فردية، فهي عملية جماعية متكاملة تتم على عدة مستويات من خلال الرصد والتصنيف والنقد التراكمي حتى تتحدد الأنماط العامة الجديدة التي يتم مراكمة المعلومات في إطارها والتي تكشف تحيزات النموذج الآخر.
ويرتبط البعد المعرفي بالبعد الديني هو شكل من أشكال البعد المعرفي إذ إنه ينصرف إلى بعض الأسئلة النهائية مثل رؤية الإنسان للكون ولنفسه والهدف من وجوده. ولذا لابد من فحص العلاقات الضمنية والصريحة بين المفاهيم العلمية والعقائد السائدة والمسلمات الكامنة فيها (3).
ثانياً: ضرورة النقد الكلي
يجب ألا يقف جهدنا النظري لاكتشاف التحيّز عند المستوى الجزئي أو التطبيقي، بل يجب أن ينصرف إلى مجمل البناء النظري الغربي. فالتوقف عند المستوى الجزئي أو التطبيقي، مع بقاء البناء على حالة، قد يؤدي إلى عملية ترقيع وتلفيق هويتنا دون أن نكتسب هوية جديدة. والترقيع هو استعارة لمفهوم من هنا ومفهوم من هناك بحث تطبق الرؤية الغربية في مجال ولا تطبق في مجال آخر. وتأخذ عملية الترقيع أحياناً شكل استخدام المفاهيم والمنطلقات الغربية مع تغيير مدلولاتها، ويصاحب هذا أحياناً محاولة إثبات أن كل مفهوم من هذه المفاهيم له أصل في تراثنا يبرر الأخذ به، وهي عملية تغريب بأثر رجعي، فهذا الأمر يؤدي إلى العودة إلى استخدام النماذج الغربية الكلية وإن تغيرت الأسماء والمصطلحات وحيثيات القبول.
وعمليات الترقيع تصدر في واقع الأمر عن الإيمان بأن الرؤية الغربية هي رؤية طبيعية وعالمية ونهائية، وكل ما هو مطلوب هو زخرفتها وربما إعادة ترتيبها. أما النظرة الشاملة والأعمق، فهي تصدرعن الإيمان بأنه لا يوجد مسار طبيعي وعالمي وحتمي واحد، وأن هناك إمكانية لمسار وتوصل إلى نموذج آخر يستند إلى منطلقات أخرى ويدور في أطر مختلفة.


الهوامش
ـــــــــــــ
(1) سورة أنفال : 16.
(2) انظر :«آليات تجاوز التحيّز» و «النموذج البديل».
(3) انظر «نسبية الغرب وضرورة الانفتاح على العالم».