الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»
السبت: 04/08/2007

تطور مفهوم التنمية

الدكتور يوسف مكي

يمكن البحث عن الجذور الأولى لمفهوم التنمية في المحاولات المبكرة التي قام بها الإنسان الأول لمعرفة التغييرات التي تجري من حوله. لقد ارتبطت تلك الجذور بالمشاهدة الحية والتأمل في التغييرات التي تحدث في الموجودات كفصول السنة والنبات والإنسان والحيوان، حيث أوحت بأن هذا الكون في حركة مستمرة وتغير دائم. وكانت نتيجة تلك المشاهدات والتأملات بروز جدل فلسفي متواصل حول ماهية الأشياء وطبيعة المتغيرات التي تحدث فيها.
وكان لفلاسفة اليونان فضل السبق في إثارة هذا الجدل، ومن بين هؤلاء الفلاسفة كان هرقليطس(1) الذي اهتم في جانب كبير من فلسفته بقضايا التغيير مشيراً إلى أن الكون في حركة وتغير دائمين، وأن كل شيء مؤلف من متضادات ومتقابلات ، ولهذا فإنه خاضع للتوتر الداخلي، أي للصراع. وقد عرفت عنه مقولته الشهيرة «لا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين»(2). وهو بذلك يرفض أطروحة الفيلسوف اليوناني برمينس القائلة بأن كل شيء قد يكون، ولا محال للتغير، كما يتعارض مع فلسفة أفلاطون في اعتباره التغيير أمراً ظاهرياً، وأن الحقيقة لا يمكن معرفتها إلا من خلال الشكل أو الفكرة، وهما شيئان غير قابلان للتغيير لأننا بهما وحدهما نستطيع أن نميز الجديد والحقيقي عن غيره(3).
أما أرسطو فقد ناقش موضوع التغيير من جانب آخر، في كتابه طبيعة الدولة (The Nature of State) فقال بوجود نظام في الكائن العضوي يمكن انتقاله من مرحلة إلى آخرى، تبدأ بالولادة فالنمو فالنضج وأخيراً الاضمحلال، وكل مرحلة من مراحل النمو هذه تختزن في باطنها حافز نشوء المرحلة التي تليها(4).
وفي القرن الرابع عشر الميلادي برز الفيلسوف العربي عبد الرحمن بن خلدون ليعطي مفهوم التغيير الاجتماعي بعداً أكثر شمولية وعمقاً، مؤكداً على أن الظاهرة الاجتماعية لا تنشأ من فراغ؛ فلكي نفهم الظاهرة يجب علينا أن نعي البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، ولذلك عزا سلوك الناس وطريقة حياتهم إلى نوعية الوظائف التي يشغلونها في المجتمع، والتي تلبى عن طريقها حاجاتهم الأساسية، فتلك الوظائف وتلك الحاجات هي مبعث التحالفات والتعاون بين فئات المجتمع. وقد أوضح ذلك بدقة بقوله: «واعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو اختلاف نحلهم من المعاش، فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه وبسيط قبل الحاجي والكمالي. فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة، ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج فضلاتها. وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة، ولابد، إلى البدو لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح للحيوان وغير ذلك، فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمراً ضرورياً لهم، وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والسكن والدفاءة إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد للعجز عما وراء ذلك، ثم إذا اتسعت أموال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم مافوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة»(5).
يتضح من خلال هذه الجمل البسيطة والعميقة في آن واحد استخدام ابن خلدون المبكر للمنهج العلمي في التحليل والاستنتاج؛ فالطريقة التي يحياها الناس هي انعكاس للوظائف الاجتماعية التي يمارسونها، ووظيفة كسب القوت تحدد الموقع الاجتماعي للفرد.
أما الدولة فإنها تمر بدورات تاريخية وبمراحل، تشبه إلى حد كبير الدورة العضوية للكائن الحي. فكما أن الكائن الحي يمر بمراحل الطفولة والشباب والشيشوخة، فكذلك الدولة تمر في مراحلها المختلفة بهذه الدورات. وابن خلدون لا يكتفي في تحليله هذا بالوصول إلى هذه النتائج وتقديمها لنا في مصنف نظري بحت، بل يحاول بأسلوب نفاذ ورؤية ثاقبة سبر غور المجتمع وقراءة التاريخ عبر مراحله المختلفة ودراسة القوانين التي تتحكم في حركته، وإخضاع هذه القوانين للبحث العلمي والمعطيات الاجتماعية والتاريخية في عصره، ومن ثم استخلاص النتائج وتقديمها في إطار نظري عام كأداة من أدوات التحليل ودراسة التاريخ.
لم يحدث بعد رحيل ابن خلدون حتى البدايات الأولى لعصر النهضة والبعث في أوروبا أي تطور علمي يستحق الذكر فيما يتعلق بمفهوم التغيير الاجتماعي. إلا أن التطورات والثورات الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية اللاحقة التي ارتبطت بذلك العصر أدت إلى حدوث تغيرات جذرية وتطورات واسعة في مجال العلوم الإنسانية ومفاهيم التغيير الاجتماعي، فمن خلال الاكتشافات العلمية والجغرافية والثورات الاجتماعية، والجدل الفلسفي الذي بلغ ذروته في القرن الثامن عشر انبثقت نظريات التطور والتنمية والتقدم، وبرزت فلسفات جديدة شاملة للحياة والكون.
ولأن نظريات التنمية والتطورالحديثة التي تسود عالمنا اليوم ارتبطت، إلى حد كبير، بالنظريات والتصورات التي انبثقت عن تلك المرحلة، فإن من المهم المرور بأبرز الحوادث والتطورات والأفكار التي ارتبطت بعصر النهضة، والتي أدت نتائجها إلى تجذر مفهوم التغيير الاجتماعي وتطوره.
وعلى الرغم من أن أحداً لا يستطيع أن يحدد بدقة نهاية عصور الظلمة أو بداية عصر الانبعاث في أوروبا، إلا أنه يمكن القول إنه بفعل التراكم التاريخي وإشعاعات الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، فإن أوروبا، مع بداية القرن الثالث عشر، كانت تتململ في بطء في محاولة للاستيقاظ من نوم عميق. فقد سجلت لنا كتب التاريخ أن الامبراطور فريدريك الثاني أقام سوقاً للأدب والعلم والفلسفة في بلاطه بجزيرة صقلية قبل هذا القرن، وأنه كان يدعو إلى هذه السوق المشاهير من الفلاسفة العرب. وقد أسس مدرستين إحداهما للعلوم في نابولي، والثانية للطب في ساليرنو، ثم انبثق عن هاتين المدرستين جامعة في باريس جلعت من هذه المدينة قبلة طلاب العلم في أوروبا، ومن ثم انشق بعض الطلاب الإنكليز عن هذه الجامعة، فعادوا إلى بلادهم وأنشأوا جامعة خاصة بهم هي جامعة أكسفورد الشهيرة.
وفي القرن الثالث عشر شهدت أوروبا تطورات ملحوظة في مجال الأدب والفلسفة. فقد برز الفيلسوف الإنكليزي روجرز باكون الذي أنكر العقيدة القائلة بأن الأشياء وجدت كما هي قائمة، موضحاً أن للظواهرالطبيعية أسباباً يجب التفتيش عنها، فاتهم بالزندقة فاعتقلته السلطات الدينية السائدة آنذاك. وفي الحقبة نفسها نشر دانتي ملحمته الشهيرة الكوميديا الإلهية.
وعلى الصعيد السياسي، شهدت أنكلترا ثورة شعبية على نظام الحكم الإقطاعي، وأرغم الملك يوحنا في 1215م على توقيع الوثيقة العظمى التي اعترف بموجبها ببعض الحقوق للشعب. وفي العام نفسه، تم تشكيل مجلس ليشرف على الخزينة الملكية، فكان ذلك فاتحة عهد في بروز الأنظمة الدستورية البرلمانية التي تسود العالم الآن.
كما شهد القرن نفسه قيام الرحالة ماركو بولو، وهو من البندقية، برحلة حول الأرض بغية الوصول إلى الصين. وقد دامت تلك الرحلة عشرين عاماً زار خلالها الصين ومنغوليا، وعاد بعدها إلى بلاده ليسجل ملاحظاته عن تلك الزيارة. وقد فتحت تلك الرحلة المجال للتنافس على البحار بين البرتغال وإسبانيا في محاولات لاكتشاف أجزاء وثروات أخرى من هذا العالم. ففي عام 1492م، اتجه كريستوفر كولمبوس نحو الغرب على أمل الوصول إلى الهند، ولكنه بدلاً من ذلك اكتشف أرضاً جديدة هي قارة أمريكا، محققاً بذلك إنجازاً كبيراً، في تاريخ البشرية أثر بشكل حاسم على التطورات اللاحقة التي حدثت في ما بعد في أوروبا وفي العالم أجمع.
وبعد ثمانية أعوام كان رحالة آخر هو فاسكو دي غاما يتجه عام 1498م للقيام بمغامرة اكتشاف أخرى مدعوماً من حكومة البرتغال. وفي عام 1519م، كان مغامر آخر، برتغالي يتجه بدعم من حكومة أسبانيا إلى أمريكا الجنوبية، فيصل إلى البرازيل، ومن ثم يكتشف أرخبيل الفيليبين.
ومن جانب آخر، كانت القارة الأوروبية تشهد حركة واسعة للإصلاح الديني قادها راهب كائوليكي هو مارتن لوثر الذي بلغ من جرأته أن هاجم الكنيسة في بيانه الذي أصدره عام 1517م، مصوراً رجالها باللصوص، داعياً إلى الثورة عليهم والعودة إلى تعاليم المسيح الصادقة. وكان جون كالفن في فرنسا يقود هو الآخر حركة مماثلة لحركة لوثر.
كما كان العالم الإيطالي غاليليو يؤكد من جديد نظرية كوبرنيكوس في دوران الأرض حول الشمس، ويقدم على صنع أول منظار فلكي، فيتعرض للإرهاب والقمع من قبل المؤسسة اللاهوتية.
وفي عام 1648م، كانت البورجوازية الصاعدة تحث خطاها في انكلترا مسارعة إلى الانقضاض على نظام الإقطاع السائد، فتستولي على السلطة يقودها في ذلك أوليفر كرومويل، معبرة بهذه الثورة عن استيائها البالغ جراء الضرائب الباهظة التي فرضتها الحكومة على الشعب. وقد شارك في تلك الثورة الأشراف والبارونات وأصحاب الأملاك والتجار الذين كانوا في المقدمة من الحركة البروتستانتية، رافضين بقوة فكرة الحق الإلهي للملك ومعززين روح الوثيقة والتمرد في الشعب، فكانت نتيجة هذه الثورة إعلان الجمهورية عام 1648م، ومحاكمة الملك شارل الأول بتهمة الخيانة العظمى، وإعدامه بقطع رأسه 1649م. وعلى الرغم من أن النظام الجمهوري قد أطيح به في انكلترا بعد فترة وجيزة من ذلك التاريخ، وأعيدت الملكية، إلا أن المكتسبات التي حققتها الطبقة البورجوازية لنفسها بقيت على ما هي عليه، فقد حددت السلطات الرئيسية للملك والحكومة وأصبح كلاهما خاضعاً للدستور.
وفي عام 1777م اخترع جيمس وات المحرك البخاري، فاستبدلت المراكب الشراعية بالمراكب البخارية، فسهلت الأسفار والتجارة عبر البحار، وتحول العلم من الميدان الروحي إلى الميدان العملي والصناعي.
وأثناء ذلك كانت حركة فكرية واجتماعية واسعة تأخذ بالتكون في فرنسا. ففي منتصف القرن التاسع عشر برز باسكال وديكارت، وهما فيلسوفان مثاليان ربطا الوجود بالفكرة، فقد عرف عن ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكر إذا أنا موجود». كما جاء في الحقبة ذاتها فرانسيس بيكون الذي أكد من جديد أن الأشياء والظواهر الطبيعية ليست ذات كينونة مقررة ومستقلة، بل ناتجة عن أشياء يجب البحث عنها.
وكانت الأوضاع الاجتماعية في معظم أجزاء أوروبا آنذاك لا تزال تسير على قاعدة الحق الإلهي، حيث كان الشعب ضحية لظلم الملك والسلطة الإكليركية وقوة الإقطاع، مما دفع بمفكر مثل مونتسكيو إلى الاهتمام بالبحوث الحقوقية والموضوعية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث جعل من كتابه «روح القانون» (The Spirit of Law) مرجعاً هاماً في أصول التشريع، كما دفع ذلك بمفكر فرنسي آخر هو جان جاك روسو إلى إصدار كتاب «العقد الاجتماعي» الذي نادى فيه بضرورة التغيير والثورة، مبيناً أن العلاقات بين الحاكم والمحكوم يجب أن تكون على أساس تعاقد موضوعي بين المواطن والحاكم، وحين يرفض الحاكم الاستجابة إلى تحقيق هذا النوع من العلاقة بينه وبين الشعب، وحين تسود القسوة والبطش من قبل الحكام، فإن الشعب مطالب بالثورة والتحطيم الكامل للنظام الاجتماعي القائم، باعتبار أنها الطريق الوحيد لتحرير الإنسان(6).
وفي تلك الحقبة أيضاً، تألق نجم أديب وفيلسوف آخر هو فولتير (1694م – 1788م) الذي لم يكتف بالنضال بقلمه ضد السلطة الجائرة، بل ساهم بشكل مباشر في تحريض الجماهير وتعبئتها مهاجماً الكنيسة، ومعلناً حرباً لا هوادة فيها ضد التصلب الديني، وساخراً من ممارسات الملوك والحكام؛ مما عرضة للاعتقال مرات عديدة، وإلى مطاردة السطلة له طيلة حياته.
لقد وجدت فلسفة مونتسكيو وأفكار هيغو وتحريض فولتير في فرنسا أرضاً خصبة وبيئة ملائمة للدعوة للتغيير، فوضعت بذورها فيها داعية إلى التمرد والثورة، وكانت الطبقة البورجوازية الصاعدة تعزز من قوتها، وتتوسع في مؤسساتها وتنظيماتها رافعة شعار الحرية والإخاء والمساواة، باذلة الوعود بخلق مجتمع سعيد وغد مشرق لكل البشر، حتى إذا حل الرابع عشر من تموز / يوليو 1789م، انقضت الآلاف الغاضبة من الجياع والمسحوقين من أبناء الشعب الفرنسي على سجن الباستيل، رمز الطغيان الملكي ومعتقل المناضلين ورجال الفكر، فكان أن انتصرت الثورة البورجوازية على الإقطاع والحكم المطلق، وقضي على سلطة الكنيسة، وأعلنت الجمهورية، وأقرت الحريات السياسية والدستور، وتم إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت تحت المقصلة.
وبانتصار الثورة الفرنسية تحددت بشكل أوسع المفاهيم الليبرالية؛ فالأمة وحدها هي مصدر السلطات، والناس يولدون أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات. وأقرت حقوق الأفراد في الاعتقاد الديني، وحرية الكلام والتعبير والاجتماعات والكتابة، وأن الملكية الفردية مقدسة لا يجوز انتزاعها إلا إذا قضت المصلحة العامة، ولقاء تعويضات مالية.
وهكذا وصلت الطبقة البورجوازية إلى السلطة في كل من بريطانيا وفرنسا، وكانت أمريكا الشمالية قد استطاعت انتزاع استقلالها من انكلترا مكونة دولة جديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية قبل اندلاع الثورة الفرنسية بفترة وجيزة (1776م)، مؤكدة على نفس المبادئ التي بشر بها روسو وفولوتير ومونتسكيو. فقد أكدت البنود الرئيسية للدستور الأمريكي في معظمها المبادئ والأهداف التي حملتها وعبرت عنها الثورة الفرنسية في ما بعد.
وكما طرحت المتغيرات الرئيسية التي حدثت أثناء الحضارة اليونانية تساؤلات وجدلاً فلسفياً حول كنه الوجود وتفسير الظواهر والمتغيرات التي تجري في الكون، فإن الانتصارات العلمية، والاكتشافات الجغرافية، والثورات الاجتماعية قد ساهمت هي الآخرى مجتمعة في طرح موضوع التغيير الاجتماعي بحدة أكثر، وبطروحات متباينة ومتناقضة.
فقد وجد الفيلسوف الألماني ليبنيز (Leibniz) أن التقدم الإنساني يتم وفق مراحل ضرورية، وأن الطبيعة لا تقفز فوق تلك المراحل أبداً، وجاء بعده إيمانويل كانت معتبراً أن التاريخ الإنساني يسير بثبات ولكن ببطء إلى الأمام.
وكانت المهمة الأساسية للطبقة البورجوازية الصاعدة بعد وصولها للسلطة، هي إحكام قبضتها على المجتمع الجديد الذي ربط مصيره بها، وتعميم مناهجها وعقائدها الفلسفية والاقتصادية. وجاء آدم سميث (1723م – 1790م) بكتابه «ثروة الشعوب» (The Wealth of Nations) ليحدد إطار الفلسفة الاقتصادية لمنهج هذه الطبقة معتبراً أن الوسيلة الأساسية لزيادة الإنتاج تكمن في تقسيم العمل استخدام الآلات الميكانيكية، إلا أن تحقيق درجة عليا من التخصص هي رهن باتساع السوق، وذلك لأن المقادير الكبيرة من مادة منتجة لا يمكن بيعها في مجتمع صغير أو صبغة محدودة.
وجاء كتاب «أصل الأنواع» (1859م) لشارلز داروين ليشكل قفزة نوعية في مفهوم التطور، فقد كشفت نظرية النشوء والارتقاء مجموعة من الحقائق أهمها أن التغيرات التي تحدث في الكائن العضوي هي جزء من الطبيعة، وأنها موجهة نحو غائية محددة ومتأصلة، بمعنى أنها موجودة في رحم المرحلة السابقة عليها ومتواصلة، ومستمرة، وهي أيضاً ضرورة لتحسين النوع الخاص، وأنها تحمل في ذاتها نقيضها.
وهكذا فقد أدى انتصار الثورة البورجوازية إلى حدوث تطورات هامة على صعيد العلوم والفلسفة. وقد أكدت هذه التطورات، بما لا يقبل شكاً أو جدلاً أن التطور الإنساني إذا ما أتيح له عمل سياسي فإنه يستطيع الكشف بقوة أكبر عن القناع الذي يحجب قوانين الطبيعة، كما كشفت أيضاً عن أن المعرفة هي سبيل الإنسان الوحيد للتحرر من الخوف. وقد عجلت هذه الإنجازات في بلورة فكر عام اهتم بدراسة تطور المجتمعات والقوانين والعوامل التي تحكم مسيرة هذا التطور. وقد برز فلاسفة استطاعوا من خلال دراستهم العميقة للتاريخ، واستعانتهم بالمعطيات العلمية، وعلى الأخص تلك التي ارتبطت بعصرهم، ويأتي في مقدمتها اكتشاف الخلية الحية، وتولد الطاقة، ونظرية النشوء والارتقاء، وقانون الجاذبية، أن يقدموا لنا نظريات متكاملة
ما زالت حتى يومنا هذا مثارخلاف وجدل عنيفين، بل إن تلك النظريات مثلت، ولا تزال، الأساس الأيديولوجي ودليل العمل للنظامين الاشتراكي والرأسمالي، السائدين في المجتمعات المتقدمة.


الهوامش
ــــــــــــ
(1) فيلسوف يوناني سابق على أرسطو.
(2) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة،2 مج، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984م، ج 2 : 533 – 537.
(3) James A. Bill and Robert L. Hardgrave, Jr., Comparative Politics: The Quest for Theory(Washington, DC: University Press Of America, 1981), p. 49.
(4) المصدر نفسه : 45.
(5) أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1982 : 210 – 211.
(6) يلتقي جان جاك روسو في رؤيته هذه مع فلسفة جان لوك (1632م – 1704م)؛ فقد قال لوك أيضاً إن قيام الدولة يجب أن يكون ناتج عقد اجتماعي وضعي يلتزم به الحاكم والمحكوم، واعتبر مهمة التصدي للدولة في حالة عدم وفائها بعقدها واجباً مع الجمهور على الأفراد وليس حقاً لهم فعلاً.
المصدر: في الوحدة والتداعي دراسة في أسباب تعثر مشاريع النهضة العربية مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، أيلول / سبتمبر 2003م