الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»
الاثنين: 27/08/2007

فولتير عاشق الهند
Voltair's images of india

جيوتي موهان
ترجمة: رامي الجمل

تـُلقي هذه الدراسة الضوء على ما كان من تأثير الاستشراق، إبّان عصر التنوير، في رؤية فولتير للهند وحضارتها. لقد كان عصر التنوير بمثابة سعي وراء الكشف عن معارف جديدة أو مفقودة، وعن فهم جديد للثقافات والشعوب غير الأوروبية، ومحاولة لاقتفاء آثار انتشار المعرفة والحضارة منذ أقدم العصور حتى العصر الحديث. وبعبارة أخرى، لقد بزغت في عصر التنوير بوادر ما يمكن أن نطلق عليه «التاريخ العالمي» World History، ولعل كتابات فولتير عن الهند تعطي لنا مثلاً جلياً عن هذا المنحى الوليد في هذا العصر. فقد استقى فولتير جُلّ معارفه عن الهند من مصادر خارجية غير مباشرة، ومن أعمال كتاب آخرين، إلا أنه، وعلى الرغم من ذلك، حاول أن يرسم موقف الهند الحضاري العالمي على أساس مما قدمته إلى العالم من إسهام معرفي، وعلى أساس ما ارتآه في حضارة الهند من معين لدروسٍ ومبادئ أخلاقية قد ينهل منها الغرب بعد ذلك. لقد كان فولتير في طليعة الذين نظروا إلى أوروبا على أنها جزء صغير من المجتمع العالمي الكبير، ولأنه واحد من رواد الفلسفة في ذلك العصر، فقد كان له ذيوع وسط قاعدة عريضة من القراء تتأثر بما يكتب، وكما يقول أرونسون:
لا نحيد عن الحق كثيراً إذا ما قلنا إن تلك المغامرة الفكرية التي قام بها فولتير على ضفاف نهر الجانج الهندي، لم تكن بالنسبة له مراناً ذهنياً وحسب، بل كانت كتاباته عن الهند أولى تلك المحاولات الطفيفة لواحدٍ ممن يمثلون نموذج الأوروبي العظيم الذي لم ير في فكرتي التقدم والفعل غايتين في ذاتهما، فقد خلقت تلك الكتابات وعياً، لم يدم طويلاً، مفاده أن أوروبا، رغم ما لها من ثقة في الذات، وكبرياء، ما هي إلا جزء صغير من عالم أكبر.
وفي هذا السياق، نجد أن موقف فولتير من الهند قد تأثر بعوامل شتى، قد صبغت رؤيته للهند كما سنرى. فقد كانت حركة التنوير بالطبع من أكثر العوامل تأثيراًَ على رؤية تلك، بالإضافة إلى ما تبع هذه الحركة من ولع كبير بالشرق وغرائبه وأسراره المختلفة. ذلك الولع الذي أفضى في نهاية الأمر إلى ظهور تلك الحركة الفكرية الجديدة التي عرفت باسم (الاستشراق). وإذا ما أردنا تناول الاستشراق من خلال هذا الإطار، فلا مناص من النظر إليه من زاويتين مختلفتين. فيجب علينا أولاً فهم الاستشراق في زمن فولتير، أي إبّان القرن الثامن عشر. فاكتشاف الهنود كان مبعثاً لشعور جديد يحترم ويبجل كل ما هو هندي، لاسيما (نصوص الهند المفقودة)، وبالتالي رؤية حضارة الهند القديمة كواحدة من الثقافات الرفيعة الفوقية، التي يجب النظر إليها بعين الاهتمام من قبل العالم الغربي. ومن زاوية أخرى، فإن قُرّاء فولتير في القرن الواحد والعشرين لا يمكنهم الفكاك من أسر الرؤية السعيدية للاستشراق. فإدوارد سعيد، صاحب كتاب (الاستشراق)، هو الذي أسس للرأي القائل إن الشرق الذي خلقه المستشرقون الغربيون حديثاً تحت عباءة الاستعمار، ما هو إلا شرق خيالي، وكيان مُخَلَّق غير واقعي. وبقدر ما ينطبق هذا المعنى للاستشراق على فولتير، فإنه لمن المثير أن نعرف كيف استطاع فولتير أن يخلق صورة للهند من خلال قراءته لعدد من المصادر المنتقاة، وتركيزه على أوجه بعينها في الحضارة الهندية.
إن إعادة اكتشاف الهند إبّان القرن الثامن عشر جعلها جزءاً أساسياً من خطاب حركة التنوير في ذلك الوقت، كما أن الجزء الأكبر من أهمية الهند كان يتمثل بشكل غير مباشر، في كونها تحدياً لأصالة وعظمة جذور الحضارة الأوربية، أي التراث اليوناني ـ الروماني. ولقد كان تقويض المقولات الأساسية القائلة بعلو كعب التراث اليوناني ـ الروماني على غيره من الحضارات، هو المسعى الذي سعيت إليه واعتنقته جماعة الفلاسفة الفرنسيين(1)philosophes إبان القرن الثامن عشر. فقد آمن هؤلاء الفلاسفة بأن اكتشاف حضارات قديمة مثل حضارتي الصين والهند قد يعينهم على فهم الحضارات غير الغربية فهماً أفضل وأعمق، كما أن وجود حضارات سابقة على الحضارة اليونانية والرومانية دعم وجهة النظر القائلة أن العالم الغربي لا يمثل المجتمع المتقدم أو المتطور الأوحد. فقد أرتأت جماعة الفلاسفة أنه من الأهمية بمكان استكشاف حضارة الهند، ليكتشفوا عوامل التأثير والدروس التي قدمتها هذه الحضارة لليونان والرومان. وفي هذا الإطار، نجد أن استكشاف الحضارة الهندية ومحاولة الوقوف على أسرارها، كانا عملين جماعيين منظمين يهدفان الى وضع اللبنات الأولى في صرح التاريخ العالمي، الذي يسعى الى التأكيد على ما للثقافات والحضارات من روابط تربطها بعضها ببعض، وينأى عن إبراز السمات او الإنجازات الفردية للمجتمعات.
وعلى رأس جماعة الفلاسفة تلك يبرز فرنسوا ماري أروا، الذي عرفه الناس باسم فولتير (1694 ـ 1778)، والذي قد تأثر تأثراً كبيراً بما جمعه وسجله المستكشفون والرحالة الأوروبيون عن الهند إبان القرن الثامن عشر. ففي ذلك الوقت، كانت الانباء والمعلومات تتدفق عن الهند بشكل ملحوظ، ولكن بعد تهذيبها وتنقيتها مما قد يسيء إلى المجتمع الغربي، وذلك في روايات المبشرين، وكتب الرحلات، والترجمات المبكرة لما ظنه البعض نصوصاً هندية أصيلة. ولقد عد البعض تلك المعلومات اكتشافاً لثقافة عظيمة قد ينهل منها الغرب الكثير فيما يخص الدين والفلسفة. فقد أكد المستشرقون الأُول ان المنجز الثقافي والاجتماعي للهند القديمة هو حجر الزاوية للتقدم المستقبلي للحضارة الغربية. ويبدو أن فولتير، وهو واحد من كبار المفكرين في عصره، كان متأثراً بأعمال رواد الاستشراق هؤلاء من أمثال وليم جونز، ناثانيل هالهد، وهولويك، وقد جمع في مكتبته العديد من الأعمال التي تتناول الهند بالبحث والتحليل. وقد كان لاهتمامه بالهند صدى فيما ألفه، فأهم أعماله عن الهند Fragments sur quelques revolutions dans 1"lndes" and sur le mort du Comte de Lalli (شذرات عن بعض ثورات الهند، وعن وفاة الكونت دي لالي) الذي نشره كذيل او ملحق لمؤلفه الكبير Annales de l"Empire (حولیات الإمبراطورية)، وبالإضافة لذلك، نجد أن الهند قد ظهرت جلية في أعماله الأخرى، وفي محاضراته عن التاريخ القديم والحديث، وفي محاضراته الفلسفية، وأيضاً في مراسلاته لغيره من أعلام عصر التنوير الفرنسي. وعلى الرغم من أنه لم يسافر إلى الهند قط، إلا أنه قد عبّر عن رغبته الشديدة في القيام بهذه الرحلة في خطاب منه لبول دي شابونان في العام 1767م، ثم إنه يُكثر من الإشارة إلى الهند في أعماله الأوبرالية، ومسرحياته، التي أخرج عدداً منها في أجواءٍ وسياقات هندية.
يتألف كتاب «شذرات عن الهند» من قسمين رئيسين، يتناول القسم الأول تاريخ النشاط الفرنسي في الهند حتى فقدان فرنسا لجميع الأقاليم الهندية التي كانت تقع تحت سيادتها أثناء حرب الأعوام السبعة، فيتناول تأسيس السيادة الفرنسية على هذه الأقاليم، والتوسع فيها، وما مرت به التجارة الفرنسية في الهند، وذلك منذ عهد فرنسوا مارتين حتى عهد الكونت دي لالي. أما القسم الآخر من «الشذرات» فيمثل خلاصه ما جمعه فولتير عن الهند عن طريق العديد من المقالات والمراسلات والاتصالات المتعلقة باكتشاف الديانة الهندوسية هناك. وقد ظهر اهتمامه الكبير بالهند فيما ضَمّنه من أبواب عن الديانة الفيدية، والبراهمة، وعن المغول في أعماله الكاملة.
لقد جمع فولتير هذه المادة الثرية من عدة مصادر ومشارب، منها القديم مثل ما ألـّفه الكـُتـّاب اليونانيون عن الهند من أمثال سترابو، وبليني (الذي وصف ما توصل إليه هنود القدماء من تقدم علمي)، ومنها الحديث مثل روايات ومؤلفات الرحالة في القرون الوسطى، وفي العصور القريبة من عصر فولتير نفسه، ومن هذه الأعمال نذكر ما ألفه فرنسوا بيرنييه، وجون بابتيست تافيرنيية، وروايات المبشرين الجزويت، التي جُمعت ونُشرت تحت عنوان Letters Edifiantes «رسائل تثقيفية»، وغيرها من أعمال معاصريه الذين كتبوا عن الهند بالإنجليزية والفرنسية، من أمثال هولويل، وهالهد، وأكسندر داو. وإذا حاولنا أن نشكل صورة تاريخية عن طبيعة المصادر التي استعان بها ليستقي معارفه عن الهند، سنجد في اختياره لهذه المصادر ما يثير الاهتمام، ويبعث على التفكر، لأنه من الظاهر أنه اعتمد على مصادر معينة دون غيرها. فنجده يعكف على أعمال المستشرقين، ويتجنب الرجوع إلى أعمال المبشرين إلا قليلا، على الرغم من أنها كانت متاحة له. فقد كان الغرض من رجوعه لأعمال المبشرين هو الاستدراك على ما فات ذكره في أعمال المستشرقين. ومن ناحية أخرى، نجد أن أعمال المبشرين كانت تنزع إلى التأكيد على ما ترزح فيه الهند من تخلف، وعلى ضرورة دخولها في الدين المسيحي؛ أما المستشرقون فقد كانوا بداية على طريق الاستشراق الذي سيمجد حضارة الهند ويُعلي من شأنها.
ونتيجة لذلك فإن المصادر التي اعتمد عليها فولتير ليكـوّن صورة عن الهند جعلته يرى المجتمع الهندي مجتمعاً راقياً متطوراً دون أن يخامره أي شك في صحة هذه الرؤية. لقد كوّن فولتير، اعتماداً على هذه المصادر، بشكل بارع، صورة للهند تحمل واحدة من غايات عصر التنوير، وهي غاية الأرض الفاضلة، التي تستحق أن يحذو مثالها الجميع. وسأشير إلى الأسلوب الذي اتبعه في تفسير هذه المصادر والاستعانة بها مرات عدة فيما بعد، لنقف على كيفية صياغته هذه الصورة البارعة عن هذا البلد.
يؤكد فولتير على قدم حضارة الهند، وذلك من خلال علومها، وفنونها، وآدابها القديمة، والتطور التدريجي لنظام الطبقات في هذه الحضارة. وقد توصل في معرض موازنته بين الحضارتين الهندية والصينية أن الحضارة الهندية أعرق وأقدم من الحضارة الصينية. فيقول:
ثمّ احتمال على أن البراهمة قد كان لهم وجود من قبل زمن الملوك الخمسة في الصين، وما يدعم هذا الاحتمال أن الآثار أكثر ندرة وقدماً في الصين هي الآثار الهندية، بينما لا نجد في الهند أثراً لأية آثار صينية.
والدليل الآخر الذي يسوقه للبرهنة على أقدمية الهند، هو مفهوم Shasta «الشاستا» واكتشاف كتاب Ezour-Vedam «إلايزور فيدام» الذي يدعم من خلال ما يحويه من أفكار لاهوتية فرضية أقدمية الحضارة الهندية على الحضارة الصينية. وبالمصادفة نجد أن فكرة الشاستا مستقاة من أعمال هولويل المستشرق، بينما نجد أن الإيزور فيدام واحد من الشروح التي وضعت على الفيدا، والذي اعتبرها فولتير من أقدم النصوص قاطبة.
لقد أثار قِدَم الحضارة الهندية في نفس فولتير شعوراً بأخلاقيات فريدة طالما فتش عنها، فهو يقول:
لا شك في أن هؤلاء البراهمة كانوا فلاسفة دون المستوى، ولاهوتيين بسطاء مثلهم في ذلك مثل الكلدانيين والفرس، وجميع الأمم التي تقع شرقي الصين. ولكن ما أسمى تلك الأخلاق التي يتحولون بها! فالحياة بالنسبة لهم ما هي إلا أيام معدودات من الموت، ينتقلون بعدها للعيش في معية الإله. ولا تقتصر معاملتهم العادلة على معاملتهم الآخرين، فقد كانوا ينظرون إلى أنفسهم بشكل صارم ومحدد. فالصمت، والزهد، والتأمل، ونبذ متاع الحياة كانت من واجباتهم الأساسية، وقد نهلوا الحكمة من حكماء الأمم الأخرى.
إن وصف البراهمة على هذا المنوال يتماهى مع ملامح فكرِ عصر التنوير، فهو وصف يرى في الزهد أمراً مستغرباً، ويُعلي من مبادئ ضبط النفس والاقتصاد في العيش. لقد بزغ البراهمة في ذلك الوقت كنقيض للإكليروس المسيحي الفاسد، وكتجسيد لحياة التقشف والتأمل. فالبراهمي وفقاً لهذه النظرة مَعينٌ حي للفلسفة الهندية القديمة. وقد سلـّم فولتير في محاولة بحثه عن حضارة أقدم من الحضارة اليونانية، وعن أثرٍ يقتفيه لمعرفة المنهل الذي استقت منه تلك الحضارة أفكارها اللاهوتية والفلسفية، سلـّم بأن هذه الرابطة أو الحلقة المفقودة لابد وأن تكون الهند. واعتماداً على كتابات يونانية قديمة عنها، وصف فولتير الشعب الهندي بأنه يتمتع برقة تقابلها فظاظة عند سكان أجناس الشمال. وبشكل عام، فإن قاطني الأجزاء الشرقية الجنوبية قد وهبتهم الطبيعة رقة في الطبع أكثر من قاطني النصف الغربي من هذا الكوكب، فالمناخ الذي يعيشون فيه يجعلهم نزّاعين إلى الزهد والابتعاد عن الخمر، واللحوم، والأطعمة التي تـُلهب الجسد حتى درجة الجنون. وعلى الرغم من أن رقتهم تلك ما يمتازون به من اعتدال يشوبهما جو من الخرافات، وثورات الأجانب وعنفهم؛ فإن جميع الرحالة والمسافرين إلى هذه البلاد يتفقون على أن هذا الشعب لا يحمل ما نحمله من وقاحة، وحدة في الطباع، مما كلف أهل الشمال الكثير حتى يستطيعوا التحكم في هذه الطباع.
وبما أن ثمه اختلافاً جسدياً كبيراً بيننا وبين سكان الهند الأصليين، فلابد من وجود اختلاف كبير فيما يتعلق بالأخلاق، وبشكل عام فإن مساوئهم ومثالبهم أقل عنفاً وضراوة منا.
إن هذه صورة لشعب مثالي، مثالبه قليلة، يتحلى برقة في الطبع، ويستأهل بالطبع المديح والتقريظ، وهنا نجد أن ما رآه فولتير رقة في الطبع، كان بالنسبة للمبشرين ضعفاً وتملقاً. وإذا نجد أن أعمالاً أخرى تصف الهنود بأوصاف مشينة مثل التراخي، والانغماس في الرذائل، والكسل الشديد، فإن فولتير يرى هذه الأمور من زاوية مختلفة؛ فهي عنده رقة، وزهد، ونزر يسير من المثالب والرذائل، إذا ما فاضلنا بين هذا الشعب وبين الأوربيين. وكما نرى فإن فولتير يركن في وصفه للهند على الروايات المذكورة في الكتابات اليونانية القديمة، التي تصف لنا الهند في أوجها التجاري، وتحكي لنا عن أهلها الدؤوبين. وعلى الرغم من معرفته ورجوعه لأعمال لاحقة مثل أعمال بيرنير وتافيزنير، نجد قد أغفل ذكر هذه المصادر، وأغفل كذلك ما وجهته هذه الأعمال من نقد للخرافات التي يؤمن بها عامة الشعب. وحتى لا يجانبنا الإنصاف، فقد حاول فولتير فيما ألفه عن الهند أن يفصل بين الملامح الفطرية المميّزة للشعب الهندي، وبين المؤثرات الخارجية التي غيرت من هذه الملامح. فنحن لا نجد في كتابات فولتير عن الهند ذلك الخطاب الذي يرمي الشعب الهندي بأوصاف الانحلال، والتراخي، والكسل، وهو ما شاع من خطاب في كتابات المبشرين ورواياتهم، بل نجده يرى أن الشرور والآفات المتفشية في المجتمع الهندي ليست من فطرته في شيء، بل هي شرور وآفات وافدة على هذا المجتمع من قِبل تلك الهجمات والغزوات الأجنبية التي تعاورته لسنين طوال.
نستطيع أن نرى في كتاب فولتير هذه تحولاً كبيراً وهاماً يميزه عن كتابات المستشرقين في زمنه. فجونز،وهالهد، وهولويل، وغيرهم من المستشرقين قد انكبوا بشكل أساسي على دراسة حضارة الهند القديمة، والنصوص السَنسِكريتية المزعومة للديانة الهندوسية، فقد كان عملهم منصباً بالأساس على دراسة الطبيعة النظرية الخالصة لهذه الحضارة القديمة، وعلى استرجاع تلك النصوص التي تمثل أحد أبهى عصور الهند التي بادت وولت. ولكننا نجد أن ما صدر من تعليقات وملاحظات عن فلاسفة ومفكرين آخرين في هذه الفترة من أمثال مونتسكيو، وديدِرو، لايخرج عن سياق الكلام النظري عن نصوص الهند القديمة. أما المبشرون اليسوعيون فقد كانت كتاباتهم عن الهند تنصب على خبراتهم مع الهندوس، وقد كان وصفهم للشعب الهندي يعج بالنعوت والأوصاف السلبية. ولعل أهم ما يميز ما قام به فولتير هو أنه استعار إعجاب المستشرقين وثنائهم على الإطار النظري للثقافة الهندية، وسخرهما لوصف الشعب الهندي وصفاً واقعياً. فقد كان عمله بعيداً عن تصوير ثقافة الهند بشكل مثالي، بل أراد بوصفه أن يصور الهند على ما هي عليه إبان القرن الثامن عشر. ولقد كان هذا بحق تحولاً بيّناً في النظر إلى الهند، فارقاً إياه عن كتابات وأعمال المستشرقين وغيرهم ممن كتبوا عنها، ذلك لأن ما يتمتع به الشعب الهندي من «لين ورقة» لم يحسبه فولتير «ضعفاً» كغيره؛ إلا أنه لاحظ، أن الهند قد احتله الكثيرون دون مقاومة تذكر. ولكنه أيضاً لم ينح منحى غيره في نعت الهنود بالوهن، والخنوع، اللذين يسببهما المناخ، ولم يرمهم بالتقلب والنزوع إلى خيانة الأمانة كما هو الحال في كتابات الرحالة الإنجليز. وعلى الرغم من تصويره الهند على أنها حضارة «عرقية»، فهو يعترف بأن هذه الحضارة أموراً ممجوجة، يأباها العقل وينفر منها، والعديد من الخرافات، والعادات الوحشية البربرية مثل عادة الساتي Sati، إلا أنه ذهب إلى التماس الأعذار لهذه المثالب عن طريق مقابلتها بمثيلاتها في حضارات قديمة أخرى يبجلها الغرب، وعن طريق محاولة إيجاد مسوغ يقبله المنطق لهذه العادات والممارسات، فهو يقول:
لأن الهنود شعب يشتغل بالتجارة والصناعة طيلة وقته، فقد كانوا بالضرورة خاضعين لشكل من أشكال القانون المنظم، ولأن الشعب الذي سافر إليه فيثاغورس ليطور من نفسه، لابد وأن يكون له ما يحميه من قوانين كلية شاملة، تلك القوانين التي لا تزدهر الفنون دونها أبداً. إلا أن الإنسانية، حتى وهي محكومة بأكثر القوانين عقلانية وعدلاً، دائماً ما تنزع إلى الانغماس في عادات تنافي العقل والفطرة. مثل تلك العادة المتعلقة بشرف المرأة وعقيدتها، تلك العادة التي تـُزين للنساء في الهند حرق أنفسهن وهن أحياء على جثث أزواجهن المتوفين، فعادة مثل تلك لم تزل في الهند منذ قديم الزمان، وهي قائمة سارية حتى الآن. كذلك فإن فلاسفتهم يلقون بأنفسهم وهم أحياء في محارق الجنازات في فورات من حماس أو طيش. ولعل محاولة التوفيق بين أفكار البراهمة الراقية عن الوجود الأسمى، وبين خرافاتهم وأساطيرهم الخيالية كانت ستتأبى على التحقيق لو لا أن التاريخ قد قدم لنا التناقضات نفسها عند اليونان والرومان.
في هذه الفترة يتقبل فولتير بعضاً من النقد الذي وجهه معاصروه من الكـُتـّاب للثقافة الهندية، لاسيما كتابات المبشرين. إلا أنه حاول أيضاً أن يخفف من وطأة جريمة الساتي الشنعاء، والتي روعت العالم الغربي، وجعلته يحط من منزلة الهند إلى أحط منازل الوحشية والتخلف. ولهذا فإن ذكره لعادة التضحية بالذات عند الفلاسفة والحكماء من الرجال، عقب ما ذكره عن الساتي لم يكن محض مصادفة. فعلى الرغم من نفوره منهما على السواء، فإن الإشارة إلى الرجال في عملية التضحية بالنفس كانت ترمي إلى محاربة الافتراض الشائع الذي يقول بوحشية وقسوة الحضارة الهندية إزاء نسائها، والساتي أنصع الأدلة على منزلة المرأة الدونية في هذه الحضارة. لقد كان لعبارة فولتير عن الحكماء والفلاسفة الذين يقومون بعمليات التضحية بالذات مغزيان، الأول يشير بوضوح إلى أن عملية التضحية بالنفس تلك لم تكن مقصورة على النساء وحدهن، بل كانت مباحة للفلاسفة والحكماء من الرجال الذين كانوا يحظون بمكانة رفيعة بين أقوامهم، أما المغزى الآخر فأراد به أن يساوي بين الساتي وما يقوم به الحكماء من تضحية بالذات، ليشير إلى الطبيعة الطوعية لهذين الضربين من الموت، وليُسكت الألسنة التي تصف الساتي على أنه انتحار غير إرادي (أي القتل) تـُجبر فيه المرأة من قِبل عائلتها على الإتيان به. ولعل العبارة الأخيرة في هذه الفترة تمثل دفاعاً مؤثراً عن عادات الشعب الهندي، فهو عندما يشير إلى سطوة الخرافات والأساطير وانتشارها عند اليونان والرومان، يريد أن يضع الحضارة الهندية على قدم المساواة مع تلك الحضارات الغربية القديمة، مشيراً إلى أنه لا يمكن للمرء أن يحظ من عظمة الهند بناءً على نقد يمكن توجيهه أيضاً لتلك الحضارات التي هي مهد الحضارة الغربية.
واستكمالاً لمحاولاته الدفاع عن الشعب الهندي، وعاداته، وخرافاته، والفساد الديني الذي يُتهمون به، قسّم فولتير الشعب الهندي إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى هي فئة البراهمة العلماء، حفظة أسرار العلوم القديمة، والفئة الثانية هي فئة أهل الحكم والسلطان، أما الفئة الثالثة فهي الفئة التي تضم جموع الناس من العاملين والكادحين.
فالبراهمي العالم يمثل حامي الديانة الهندية القديمة والوصي عليها، تلك الديانة التي تولدت من فكرة آرية نبيلة، تبشر بإله واحد أحد، ونسق أخلاقي يصلح أن يطبق حتى على واقعنا المعاصر، وكما يقول فولتير:
لأن الهند توفر احتياجات العالم أجمع، ولا تعتمد على أحد في شيء تريده، فلابد أنها كانت، لهذا السبب، أقدم البلاد حضارة، ولابد أنها بالضرورة ظهرت عندها أقدم أشكال العبادة، فثمة احتمال كبير في أن ديانة الهند كانت ولفترة زمنية طويلة هي ديانة الحكم الصيني، وكانت تتكون في تلك المرحلة من عبادة خالصة غير منمقة لإله هو الوجود الأسمى دون أن يشوبها أية خرافات أو أي شكل من أشكال التعصب.
ولأن البراهمة هم المسؤولون عن الأفكار اللاهوتية، فكان من الطبيعي أن يصيروا هم أنفسهم الفلاسفة والعلماء. فعلى أيدي هؤلاء البراهمة تعلم الغرب علوم الفلك، والفلسفة، وعلم الحساب، والشطرنج، وماهية التقويم الشمسي، ومفهوم دائرة البروج. لقد كتب فولتير:
إن اليونانيين، قبل حكم الإسكندر، قد سافروا إلى الهند طلباً للعلم، فهناك ألف بيلباي الشهير، منذ ما يقرب من 2300 عام تقريباً، تلك القصص الأخلاقية المشهورة التي ترجمت إلى معظم لغات العالم.
وقد حاول فولتير في حوار من نسج مخيلته بين أحد اليسوعيين وواحد من البراهمة أن يظهر أثر الهند وما حققته في مجال الفلك، مؤكداً على فكرة حتمية الأحداث. فقد ذهب البراهمي في هذا الحوار إلى أن وفاة الملوك، والحروب في القارة الأوروبية، والأوضاع السياسية الراهنة كلها تعتمد على مواقع النجوم. وفي معرض وصفه لرحلات فيثاغورس إلى الهند، ومؤلفات أريان، وسترابو، وبليني، التي تشهد لما حازته الهند من تقدم علمي وتقني، يخلص فولتير إلى أن البراهمة كانوا مفكرين عظماء بحق، إلا أن ما يدعو إلى السخرية في هذا المقام، هو أن هذه المنجزات العلمية ذاتها، بما فيها من نظام متقدم للفلك، كان يُنظر إليها إبان القرنين التاسع عشر والعشرين على أنها دلائل على مجتمع جَمُدَ على الإيمان بالخرافات، وعلى الاعتقاد بتكهنات النجوم أكثر من الاعتماد على الواقع.
هكذا نجد في معظم ما كتبه فولتير عن الهند سمة الانتقائية واضحة جلية في اختياره للمصادر التي يستقي منها معلوماته، ففي معرض وصفه عظمة الهند، وإنجازها نجده يعتمد فقط على النصوص اليونانية. إلا أنه عقب حديثه عن عظم المنجز الحضاري للبراهمة القدامى، نجده يتحسر على ما اعترى هذه الديانة السامية من انحطاط وتردٍ في زمنه. كذلك فإن العلوم والفنون قد طالها ما طال الديانة من تخلف، وأصبح البراهمة على ضربين: ضرب يعمل على قهر العامة، مستغلين ما يؤمنون به من خرافات، وضرب آخر آثر السلامة، واتجه إلى حياة الزهد والعزلة، والتأمل في فلاسفتهم الكبار. لقد عوّل فولتير على روايات رحّالة القرون الوسطى في وصف هذا الجانب من الهند، إلا أنه ألمح إلى أن الغزو الإسلامي لهذا البلد قد يكون مسؤولاً عما أصابها من انحطاط، ولهذا فهو يكرس للفكرة القائلة إن عصر الحكم الإسلامي كان عصراً من عصور الظلام في تاريخ الهند، وأن غزو المسلمين لهذه البلاد هو الذي تسبب في إفساد العقلية الهندية النقية.
نستطيع هنا أن نرى دفاع فولتير عن الهند وعن الشعب الهندي، فالحضارة الهندية القديمة كانت حضارة سامية تؤمن بديانة توحيدية خالية من أي كدر أو شوب. إلا أن الهند المعاصرة (لزمن فولتير) قد تردت في مهاوي الفساد والانحطاط، مبتعدة عن تلك المثال العريق المجيد. ففي هذه الفقرات نجد تحولاً في توجه فولتير؛ فهو يقبل ما ألقاه المبشرون على الهند من تـُهم الشرك، فضلاً عن تهمة الوثنية؛ إل أنه أكد أن هذه الأوضاع تمثل ظاهرة محدثة، وحال من الفساد ألمَّ بالعقلية الهندية الصافية النقية عبر قرون عديدة من الغزو والاستعمار، استطاع خلالها المستعمر إفساد ما كان للهند من فكر أصيل وعريق، فهو يقول عنهم:
كان البراهمة حكاماً مسالمين لشعب يتسم بالفطنة ورقة الطبع، وكانوا في الوقت ذاته سَدَنة الديانة وحفظتها، تلك الديانة الفطرية العقلانية، المبنية على فكر عام (مستقيم).. لقد آل حكم البراهمة للهند إلى زوال قبل زمن الإسكندر الأكبر بزمن طويل.. ولكن حتى إبّان أفولهم، نجدهم يقيمون الحجج الدامغة على ما كان لهم من فضائل قد يتوهمها البعض أشكالاً من التعصب والتطرف. فقد استمروا في عرفانهم بإله واحدٍ متعالٍ، في خضم تلك الآلهة الثانوية التي تبنتها خرافات العوام في الهند بأسرها، فسترابو يصرح بأن البراهمة يؤمنون بإله واحد.. فالأعوام السبعة التي كان البراهمي يقضيها في الطلب والمجاهدة، والصمت الذي يلتزمون به خلال هذه المدة، كانت شعائر متبعة حتى زمن سترابو. بالإضافة لذلك، نجد أن ما كانوا يمارسونه في فترة الرهبنة من تبتل، وامتناع عن الزواج، وامتناع عن أكل لحوم الحيوانات الداجنة، وغيرها، مازال متبعاً حتى الآن دون خرق أو مساس.. لقد آمن البراهمة بإله واحدٍ، خالق، حافظ، منتقم، كما آمنوا بحتمية سقوط الإنسان في نهاية الأمر، ولقد كان لهذه الآراء ذيوع في الزمن القديم.. ويُجمع كل من أبوليوس، وكوينوس كورتيس، وكليمنت الإسكندراني،وفيلوستراطوس، وفورفوريوس الصوري، وبالاديو على الثناء على ما للبراهمة من اعتدال، وضبط النفس، واقتصاد في المعيشة، وعلى حياة الاعتزال والتوبة، وعلى ما نذروه على أنفسهم من حياة على شظف العيش، وازدراء لمتاع الدنيا الزائل.. وإن إيمانهم بإله واحد لا شريك له ـ الذي طالما قدره الفلاسفة على اختلاف مشاربهم ـ مازال قائماً حتى الآن وسط هذا الزخم من الآلهة والمعبودات المنتشرة في بلدهم، ورغم ما يغشى العوام من شطط الخرافات.
ففي هذه الفقرة وغيرها من الفقرات المكرسة لوصف البراهمة يعطي لنا فولتير صورة شديدة التناقض لتلك الصورة التي أعطاها المبشرون الجزويت عن البراهمة، فقد رموهم بتهم مزرية: فالبراهمة، في نظر الجزويت، يعبدون آلاف الآلهة، ويؤمنون بكل خرافة على وجه الأرض، ويمارسون كل أشكال الشطط الديني. لقد استمسك البراهمة حتى إبّان أفولهم وذهاب صولتهم ودولتهم، بمعتقداتهم الأخلاقية الرفيعة، ونأوا بأنفسهم عن إتباع دين العامة ومعتقداتهم التي ترتكز على قاعدة قوامها الوثنية، والشرك، والإيمان بالخرافات.
لقد كانت معاول النقد التي أعملها مفكرو عصر التنوير في بنية الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، هي التي دفعت فولتير إلى الاهتمام بالبراهمة ومجدهم القديم، وديانتهم الراقية. فقد حاول عن طريق وصف معتقدهم التوحيدي، والتأكيد على أقدمية ديانتهم وعراقتها، أن يقدم البراهين على أن تعاليم الكنيسة وفكرها اللاهوتي لها أصول هندية، فهو يؤكد في مراسلاته على أثر الهند في حضارة اليونان، على عراقة الحضارة الهندية وقدمها، كما يؤكد على التشابه القائم بين اللغة السنسكريتية واللغات الهندية ـ الأوروبية، وكذلك على التشابه بين العديد من العادات الهندية والشعائر الكاثوليكية؛ وبالطبع الخلوص من هذا كله إلى التأكيد على أصالة الديانة الهندية التي، حسب ما يرى هو، كانت الأساس الذي قامت عليه المسيحية. وبما أن الحضارة الهندية أسبق من الحضارة الصينية، فإن ذلك يعني أن الهند هي التي أمدت الصين بمفهوم التوحيد، كذلك فإن فكرة الإله الواح