الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»
الخميس: 30/08/2007

إرث في غاية الروعة
Sciences arabes un si bel heritage

إيمانويل مونيير
ترجمة: لينا بدر

منذ بداية القرن التاسع وتحت رعاية الخلفاء المتنورين، بلغت العبقرية العربية أوجها في مجال العلوم. الخوارزمي الذي استثمر إرث القدماء، أغنى الغرب بأدوات نهضة فكرية فعلية. عودة إلى ناقلي المعرفة المتنورين.
كان من بينهم ثلاثة أخوة يملكون بيتاً خاصاً: بنو موسى الذين كانوا أصحاب نفوذ في البلاط أيضاً، محمد وأحمد والحسن، يعملون معا ويوقعون على كم هائل من المؤلفات في الرياضيات والفلك والفيزياء.
أتاحت لهم ثروتهم ، أن يحاطوا بالمترجمين الموهوبين مثل ثابت بن قرة الذي أتى محمد يبحث عنه في مدينة حران في أعالي ما بين النهرين. ثم الاعتماد على قدراته اللغوية الخارقة في ترجمة آخر ثلاثة مؤلفات: «مخاريط أبولونيوس»، الكرة والدائرة لأرخميدس كذلك في إعادة ترجمة كتاب «العناصر» لإقليدس. لم يكن هذا الشغف بالعلوم القديمة وبالأخص الإغريقية مقتصراً على أبناء موسى بل ظهرت أولى الترجمات بشكل خجول أثناء حكم المنصور، ولكن منذ أن اعتلى حفيده المأمون العرش، اتخذت هذه الظاهرة اتساعاً لا مثيل له.
الخوارزمي أبو الجبر
يقلـّب الخوارزمي صفحات مخطوطة بنفسه، تتوقف أصابعه للحظات فوق هذا الورق الذي، لحسن الحظ حل محل لفائف البردي وجلود الرق. كان يفكر بأن انتشار العلوم يتعلق أحياناً بتفاصيل في غاية الدقة. كانت أطروحته في الرياضيات مهداة إلى الخليفة المأمون وعنوانها يخلو من الطرافة: «كتاب موجز عن الحساب بالإرجاع والنسبة»، يصف في المقدمة، هدفه من ضم، في مؤلف واحد، كل الأمور الأكثر فائدة والأكثر نبلا في الحساب التي يحتاجها الناس في الميراث والهبات والقسمة والأحكام، في تجارتهم وتسوياتهم، وفيما يتعلق بمسح الأراضي وحفر القنوات وبالهندسة وبكل الأشياء المتعلقة بفنونها وجوانبها. كل ما فيه فائدة إذن، فالخوارزمي ليس بغرّ فهو يعلم أنه للحصول على تمويل للعلم. كان عليه أن يقنع الأمراء أولاً بأنه سيعود عليهم بفوائد جمة.
لكن طموح الخوارزمي الحقيقي كان أكثر تجريدية مما هو مادي، فقد كان يريد أن يجمع في الكتاب نفسه مجموعة قوانين مدونة متباينة من تقنيات الحسابات واللوغاريتمات الموروثة عن المصريين والإغريق والبابليين ويعمل منها وحدة مترابطة ضرورية وكافية لحل كل المعادلات، أي ما يعادل كتاب عناصر إقليدس في الهندسة ولكن في الحساب. حدد في البداية هدف دارسته: الأعداد الصحيحة والأعداد الجذرية الموجبة «الجذر» والمربع. يقدم بعد ذلك المعادلات الست الأصولية التي احصاها. ثم يقدم طرق حل تسمح بالحصول على القيمة الموجبة للجذر لكل من المعادلات الست، وفي النهاية، يشرح كيفية تحويل مسألة ما إلى رياضيات كي يجعلها واحدة من المعادلات الست السابقة. بعد ذلك يستعرض كيفية توسيع بعض العمليات الحسابية البسيطة مثل الجمع والطرح والضرب لأهداف دراسته، أما بقية كتابه فهو يتناول الحلول العملية لمسائل المبادلات التجارية ومسح الأراضي وتوزيع الإرث.
لابد أن الخوارزمي كان فخوراً بعمله، ومن حقه أن يكون كذلك هو ومعاصروه أيضاً الذين لم يخطئوا الظن به أبداً. فقد جمع علماً كان مبعثراً وجعله نظرياً، وبهذا الشكل خلق مادة تعليمية جديدة اعتبرت فيما بعد جوهرة العلوم العربية الكبرى: الجبر. سوف يؤلف لاحقاً كتاباً موجزاً في التبسيط، كتاباً عن «الحساب الهندي» يشرح فيه أهمية نظام عددي مأخوذ عن العلوم الهندية. عشرة رموز بإمكانها «حسب المكان الذي يشغله كل منها» أن تمثل أي رقم. عشرة رموز سوف تنتشر في الإمبراطورية كلها والتي سيسميها الغرب في وقت لاحق الأرقام العربية.
المأمون يدفع الفلك إلى ترجمة رسالة بطليموس الإغريقي بعلم الفلك الشهيرة غير أن شهرة الخوارزمي في ذلك العصر لم تأت من علمه كعالم رياضيات إنما من معرفته بعلم الفلك، كما أن الخليفة المأمون كان قد أدخله إلى بيت الحكمة تحت هذا اللقلب. كان بيت الحكمة هذا مؤسسة رفيعة المستوى للعلوم في المملكة. ومثل كل فلكي، كان الخوارزمي يدير عملاً مملاً أساسه إعداد جداول في غاية الدقة عن مواقع نجوم السماء يوماً بيوم وتحديد الساعة التي ستلاقي الشمس خط الزوال في بغداد، أو للتنبؤ بملاقاة الكواكب. وما زاد في شهرته إنجازه لجدول يسمح بمعرفة زمن رؤية الهلال الأول في كل شهر، الهدف الأسمى في أرض الإسلام، فإذا كان لعلم الفلك المكانة الأكبر في بغداد، كذلك الدين أيضاً كان على نفس مستوى الأهمية، ذلك لأن ما يشغل المسلمون منذ بداية التقويم الهجري 622، ثلاث مسائل: ظهور الهلال، ومعرفة الأوقات الدقيقة للصلاة، وتحديد اتجاه مكة المكرمة. بالنسبة لموقع مكة، كانت هناك وسائل بدائية، لكن النتائج الملحوظة التي حصل عليها علماء الفلك في النصف الأول من القرن التاسع، منحتهم مكانة عظمية أغنتها ممارستهم لعلم التنجيم الذي كان منتشراً جداً آنذاك.
نحو العام 780م، منذ بداية العهد العباسي، بدأ العرب بتعلم مبادئ علم الفلك الهندي. تعلموا منه استخدام الجداول والمدلول الرياضي للجيب، ومن إيران، ورثوا التقويم الشمسي المنتظم في 12 شهراً كل منها 30 يوماً. تنتهي السنة بخمسة أيام باقية. لكن أساس علم الفلك العربي هو إغريقي ويحمل اسماً محدداً: كلود بطليموس من القرن الثاني في الإسكندرية،الذي جمع في مؤلف ضخم دعاه العرب الماجيستي، علم فلك الأقدمين حيث زوده بنتائجه الشخصية وبتحليله النظري، وفي العام 827، طلب الخليفة المأمون ترجمة جديدة إلى اللغة العربية لهذا المؤلف. حلت الترجمة الأخيرة محل سابقاتها ونقلت الأساسي بالعلم الإغريقي المتعلق بحركة النجوم بما أتاحت به وسائل الرياضيات لرسم الجداول.
وهكذا، كان الإغريق قد أدركوا أن بعض الكواكب، خلافا للنجوم، لا يبدو لها حركة دائرية واحدة حول أرضنا. في الواقع، كانت تلك الكواكب تبطئ، تبدو كأنها توقفت، ثم تعاود المسير في الاتجاه الآخر. كيف يمكن شرح هذه الظاهرة؟ كان بطليموس قد تخيل نظام حركتين دائرتين الأولى، خارجية مركزية، تجعل الكوكب يدور في دائرة كبرى متمركزة إلى جانب الأرض، والثانية تدويرية (يدور مركزها على محيط دائرة كبرى) هكذا يدور الكوكب على محيط دائرة صغيرة إضافية من تشكيل هاتين الحركتين اللتين قد تضاف إحداهما إلى الأخرى أو تؤخرها بحسب حركتهما إذا كانتا في الاتجاه عينه أو في اتجاهين مختلفين وقد اكتفى العرب في البداية بهذا التفسير.
لكن الجدل ظل حول نقطة هامة، هل تدور الأرض حول نفسها؟ في القرن الخامس أكد بعض المفكرين ذلك، وأشتد الجدل لدرجة أنه طلب من البيروني الفلكي المهيب في آسيا الوسطى أن يعطي رأيه. حينئذ، لم يكن المعلم (كما كان معاصروه يدعونه) يعرف إلا بالاستنتاج، فهو يؤكد أن الفرضية مقنعة بشكل ممتاز ولا تخالف أي ظاهرة معروفة، ولكن حين تكون الأرض ثابتة تؤكد هذه الحقيقة أيضاً بما فيه الكفاية، وفي النهاية انحاز إلى صف الأقدمين، بطليموس أيضاً كان قد رفض في زمانه تلك الفكرة، مؤكداً أنه لو كانت الأرض تدور حول نفسها من الغرب إلى الشرق. فالعصافير التي تطير في الاتجاه نفسه ستبدو لنا ثابتة، وليست هذه هي الحال.
التحرر من أرسطو
صحيح أن فلكي عربي عارض فكرة أن حركة العصفور لا تخالف هذه الفرضية إذا اعتبرنا مسار طيرانه مركبا من حركتين متفرقتين: الأولى دائرية تتم في نفس اتجاه دوران الأرض، والثانية مستقيمة ربما.. ولكن للعصفور سرعتين، سرعته الخاصة وسرعة الأرض.غير أن حسابات البيروني حول هذه النقطة قطعية: سرعة دوران الأرض ـ فيما إذا كانت تدور ـ أكبر بكثير من سرعة الطير. ومن المنطقي ألا يتمكن الطير من جمع هاتين السرعتين. كوكبنا سيكون حينئذ ثابتاً بالفعل. فضـّل البيروني الحذر ألا يضع سلطة بطليموس موضع جدل، لكن آخرين غيره كانوا أقل إحراجاً، أولهم ابن الهيثم المولود في العام 965 في البصرة على شاطئ الخليج العربي. غادر مدينته مسقط رأسه بدعوة من خليفة مصر وأقام في القاهرة، حيث ذاع صيته في الرياضيات وعلم الفلك لدرجة كبيرة جداً. لم تكن أمثولة بطليموس تعجبه وكان يجاهر بذلك. كان يقينه ثابتاً: تلك الفكرة العتيقة للدوائر المركزية والدائرة التدويرية لا يمكن أن تكون موجودة فيزيائيا. اعتبر هذا النموذج ترقيعيا ينطبق مع المراقبة. ذلك أن ابن الهيثم يؤكد أن علم الفلك عليه أن يُكوّن نظرية ما يحدث فعلياً في السماء.
كانت أسباب رفضه فلسفية أكثر منها علمية، فقد كان ابن الهيثم يعيب على نموذج بطليموس ابتعاده عن مبادئ أرسطو الكبرى التي كانت تظلل المعرفة العربية، إلا أن ما بين بطليموس وأرسطو اختار ابن الهيثم الأكبر من بين الأقدمين. غير أنه لن يتوصل فيما بعد إلى إنشاء نظام يحترم مفاهيم الفيلسوف الأكثر تأثيراً. سيترك ابن الهيثم أثره الكبير في مادة تعليمية أخرى: علم البصريات. سوف تعلم رسالته حتى القرن الثامن عشر فهي ملخص أعمال أسلافه مع أبحاثه الخاصة حول قوس قزح والظلال والضوء والمرايا الدائرية والقطعية مختبراً بنفسه كل التجارب داخل غرفة مظلمة حين اقترح مفهوماً ثورياً عن الرؤية. فالعين لا تخلق الرؤية بإضاءتها للهدف كما كان يعتقد الإغريق. فكل ما تقوم به العين هو تلقي النور المنبعث من هذا الشيء، وفي الحقيقة، جزأ ابن الهيثم الشعاع الضوئي الذي يبدو للعين في غرفته المظلمة، واستنبط طريقة عقلية علمية، لا تقتصر على إنشاء نظريات تتطلب برهاناً بالعقل، كما فعل الإغريق، ولكن تقوم على ثلاث دعائم متساوية الأهمية: المراقبة، الاختبار والتحليل على قدم وساق. لم يتوقف العلماء العرب عن تطبيق الرياضيات والفيزياء المستندين إلى الأمثولة الإغريقية مثل ملخصات أرخميدس بالنسبة لعلم السكون كذلك رسائل أرسطو بالنسبة لعلم الحركة.
اعتمد العرب بشكل خاص على فكرة أرسطو التي تقول إن كل جسم في حالة السكون في مكانه الطبيعي له قوتان، الثقيلة نحو الأرض، والخفيفة نحو الأعلى. وليس بالامكان إبعاد الجسم عن مكانه الطبيعي إلا بقوة خارجية سرعة حركتها تتناسب مع شدة هذه القوة، نتيجة منطقية.
جسم أثقل بثلاث مرات يحصل على سرعة أكبر بثلاث مرات وتبقى هذه القوة الخارجية تتعلق بالثابت: هكذا، حين ينطلق سهم يحافظ على السرعة نفسها على طول مساره، ويكون للوسط الخارجي دوره في ديمومة الحركة ومقاومتها.
غير أن هذه المفاهيم القديمة سوف تُدحض شيئاً فشيئاً، لكن التخلي عن تأثير أرسطوا بشكل نهائي لن يكون جلياً. إذا استثنينا الرياضيات لم تخرج العلوم العربية عن الإطار الإغريقي، وبالمقابل قام العرب بإحياء هذه العلوم الإغريقية مستعيدين خلال أربعة قرون من الحكم العباسي جوانب كاملة من المعارف الإنسانية، جمعوها وزادوا عليها وبهذا العمل قدموا للغرب الذي بدأت انطلاقته بصعوبة في القرن الثامن أدوات النهضة الفكرية.
مراقبون مهووسون
لم يرد التاريخ أن يستخلص من العلوم العربية سوى غزارة إنتاجها في الرياضيات وأحاط بجدار من الصمت النسبي العمل الهائل الذي أنجزوه في علم الفلك. صحيح أن المهام التي عزوها بأنفسهم لنظامهم الخاص ـ الوصف الدقيق للأشكال ـ أتاح للخيالات الفكرية الحيز القليل، إذ لم تكن مهمتهم الابتكار إنما مراقبة السماء وتوقع الحركات الدورية بأكبر دقة ممكنة. في الواقع، جمع العرب كمية ملحوظة من المقاييس والحسابات صفـّاها مرور الزمن قرنا بعد قرن. وبفضل وفرة الأجهزة التي لم يتوقفوا عن تطويرها، مثل الكرة ذات الحلقات لرصد الكواكب، قـُرص الزوال، قاعدة الزوايا القطرية، والإسطرلاب الذي يسمح بفضل مستويين متمفصلين (الأم والعنكبوت) إيجاد احداثيات الأجرام السماوية في ارتفاع مفترض. حركت أعمال القياس هذه طاقات هائلة في قلب المراصد المعروفة مثل مرصد «مراقا» المنشأ في القرن الثالث عشر في الشمال الغربي من إيران الحالية. صحيح أنه لم تصدر عنه أية نظرية كبرى، لكن علماء الفلك العرب تركوا كنزاً من الملاحظات حول مراقباتهم سوف تنهل منه أوروبا حين ستحقق بعد عدة قرون ثورتها الكوبرنيكية.
اللغة العربية لغة العلم
كانت اللغة العربية قبل الإسلام لغة محكية ومكتوبة من قِبَل التجمعات القاطنة في الهلال الخصيب، أتت اللغة العربية من الإغريقية والبهلوية المشتقة عن الفارسية والسريانية واستـُخدمت لاحقاً لنقل القرآن وفرضت نفسها كلغة ثقافية رسمية لكل المعاملات الإدارية في القرن الثامن وبأمر من الملك عبد الملك (685-705) حيث بدأ العلماء منذ ذلك الحين يكتبون رسائلهم باللغة العربية في كل البلاد الخاضعة للملكة. لغة للعلوم والفلسفة اغتنت باستعارات إغريقية وسريانية وسنسكريتية وفارسية كي تُشكـّل معجماً للمفردات لهذا الغرض انطلاقاً من الكلمات القديمة.

المصدر:مجلة الثقافة العالميةـ العدد:140.