|
|
 |
الحضارية
«دراسات الحضارة والنهضة» |
|
الأحد: 02/09/2007
ثمن الحرية الخفي(2/2)
تأطير عراقيل التعايش
الاقتصادي
في
الدول الخارجة من الصراع
سفن م.سبينجيمان
قضية ميتروفيكا
تمثل ميتروفيكا الواقعة في شمال كوسوفو، من ناحية واحدة على الأقل، تحدياً معقداً
لسياسة التعايش. والمدينة مقسمة بدقة بين خطوط الأعراق عبر نهر إيبار. ويهيمن الصرب
على القسم الشمالي من المدنية رغم كونه أكثر اختلاطاً بينما يضم القسم الجنوبي
غالبية سكان المدينة ويتألف معظم سكانه من العرقية الألبانية. وتعيش أعداد قليلة من
السكان من كل عرقية على جانب مقابل، فهناك منطقة صغيرة يعيش فيها الصرب قرب الكنيسة
الارثوذكسية الواقعة جنوب انهر إيبار، ويتمتع هؤلاء بحماية قوات كوسوفو التابعة
لحلف الناتو (KFOR). وتعاني ميتروفيكا من ارتفاع نسبة البطالة، والسبب الرئيسي هو
أن المستثمر المحلي الأكبر وهو شركة تريبكا الصناعية التعدينية قد توقفت عن العمل
منذ زمن. وليس مثيراً للدهشة أن يظهر اقتصاد ظلّ في مثل هذه الأوضاع، يلقى رعاية من
الجريمة المنظمة. بالمقارنة، نجد أن القسم الألباني من ميتروفيكا يتمتع باقتصاد
أكثر حيوية من وجود دكاكين للبيع وأعمال صغيرة، بينما تأثر الاقتصاد في القسم
الشمالي سلباً نتيجة العقوبات التي فـُرضت على صربيا. وتشمل بعض الصناعات الكبرى في
ميتروفيكا، صناعة الدقيق والخبز، والخدمات العامة والنقل العام.
ويظهر بوضوح في ميتروفيكا غياب الثقة بين السكان الألبان والصرب، وتسجّل أحياناً
حوادث عنف تندلع من حين لحين. وفي ظل غياب الحوافز السياسة والشعبية المطلوبة، فشلت
بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو (UNMIK) بإقامة مؤسسات فعالة متعددة الأعراق. لذلك ظل
الصرب يشعرون بعدم الثقة حيال وجود الأمم المتحدة، وقد قاموا بتشكيل بنية بلدية
موازية في شمال ميتروفيكا إضافة إلى قوة أمن محلية وغير رسمية، أطلق عليها اسم «حرّاس
الجسور». وتتألف من مجموعة الصرب يتراوح وصفهم بين قوات نصف أمنية إلى مجرد قطاع
طرق، ويرتدي هؤلاء ملابس موظفين تابعين لعدة مؤسسات صربية ويقومون بأعمال الدورية
في القسم الشمالي من جسور ميتروفيكا. كما يقومون بالحراسة ضد أي توغل للألبان
ويتلقون تمويلهم من النشاطات الإجرامية بما فيها أموال الخاوات المفروضة على
المصالح المحلية والمطاعم. وفي نفس الوقت، تمارس بلغراد سيطرة إدارية ملموسة على
هذا الجزء من المدينة، من خلال القضاء العدلي والتعليم والخدمات الصحية، إضافة إلى
الاتصالات ورواتب القطاع العام والضرائب ومدفوعات التقاعد. ومع ذلك بقيت الخدمات
العامة في شمال ميتروفيكا ضعيفة.
تجزئة المصالح الصربية
يتبنى السياسيون في بلغراد وجهات نظر متضاربة حول ميتروفيكا. فمن ناحية تجد هناك من
يعتبر شمال كوسوفو، جزءاً من صربيا ويدعو إلى فرض شكل من أشكال الانفصال الجغرافي
والعرقي عن المناطق التي يدريها الألبان. وهذه الفئة معنية بتقويض جهود بناء
المؤسسات التي تقوم بها بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو وقوات الناتو من أجل الحفاظ
على حجة أن السكان غير الألبان لا يتمتعون بحماية كافية في كوسوفو وهم لذلك مضطرون
للعيش في مجتمعات منفصلة. وفي نفس الوقت، أدى ضعف الاقتصاد في منطقة ميتروفيكا،
بالترافق مع عدم قدرة صربياً على تقديم دعم مالي إلى استمرار نزوح الصرب حتى من
المناطق التي بقيت تتمتع بأغلبية صربية.
من ناحية أخرى، يركز العديد من المراقبين في بلغراد اهتمامهم على مسألة الحكم
الذاتي وعلى مصالح الصرب الذين ما زالوا يعيشون وسط أكثر ألبانية وتتراوح خياراتهم
بين العيش في وسط من التعايش السلمي أو مغادرة كوسوفو كليةً. وهذه الفئة من الصرب
تنتقد بلغراد لموقفها المعادي لمصالح الصرب المتعلقة بالعملية الانتخابية، وكعائق
أمام الإدارة المركزية لكوسوفو.
وتميل مصالح الصرب القاطنين في شمال ميتروفيكا إلى الاختلاف عن الإدارة في بلغراد.
فقد أنشأ هؤلاء عدة هيئات حاكمة محلية وغير رسمية، بما فيها المجلس الوطني الصربي.
ويعمل الزعماء السياسيون الرئيسون ماركو جاكسيتش وميلان إيفانوفيتش ورئيس المجلس
الوطني الصربي أوليفر إيفانوفيتش كمجموعة استشارية شمالية لبعثة الأمم المتحدة في
كوسوفو، ولكن وفقاً لمجموعة حل الأزمات الدولية (ICG) فإن هؤلاء يرتبطون أيضاً
بمصالح الجريمة المنظمة التي يتولاها المتطرفون الصرب في ميتروفيكا، ويقومون بأعمال
تشمل تهريب السجائر وابتزاز الأموال. ويقف جاكستيش وميلان إيفانوفيتش موقف عدم رضا
من القسم الصغير في ميتروفيكا الذي يعيش تحت سيطرة الصرب ومن غياب الحكم الذاتي
الذي يجب أن تتمتع به ميتروفيكا الشمالية في مواجهة بلغراد. ويبدو أن طموحهما يمتد
إلى تقسيم شمال كوسوفو، وإقامة كانتونات في القسم الباقي.
وعلى الرغم من أن أوليفر إيفانوفيتش قد أبدى موقفاً أكثر تصالحية تجاه بعثة الأمم
المتحدة إلا أنه أبقى على علاقات قوية مع بلغراد مما يعزز احتمال ان يدعم ادعاء
الحكومة الصربية بكون كوسوفو جزءاً من صربيا. وقد انخرط أوليفر إيفانوفيتش في جدال
مفتوح وملتهب ضد الناتو ويبدو أنه يُحكم السيطرة على حراس الجسور. وقد وردت تقارير
تفيد بأن هذه المجموعة قد اعتدت على السكان الصرب الذين رفضوا التظاهر ضد الألبان.
المنظور الألباني
يشجب ألبان ميتروفيكا تخاذل بعثة الأمم المتحدة عن فرض حضور قوي لها في القسم
الشمالي. ويدّعون بأن إنشاء هيئات بلدية موازية في الجزء الصربي يمثل فشلاً من قبل
البعثة وقوات الناتو في حماية الحق الأخلاقي للألبان للعيش في مجتمع آمن منسجم.
ولعل استمرار بعثة الأمم المتحدة في الإذعان للوضع القائم حالياً بالإضافة إلى
تعاملها المتباين مع الألبان من ناحية التفتيش عن الأسلحة ونزعها، يستمر في إثارة
النقمة والسخط بشكل ملموس. ففي إبريل/نيسان من عام 2002م، أصدرت القيادة الألبانية
لائحة من المطالب عبر تجمع بلدية ميتروفيكا الذي يسيطر عليها الألبان، شملت
المطالبة بحرية الحركة والأمن عبر المدينة، وعودة (الأشخاص المهجرين داخلياً) إلى
خمسة إحياء من القسم الشمالي، وممر يتيح حرية الحركة للألبان من مناطقهم حتى الجسر
الرئيسي إضافة إلى إقامة مستشفى مفتوح تـُشرف عليه الإدارة الدولية وعمل سريع من
أجل تفكيك عصابة حراسة الجسور. كذلك أبدى السياسيون الألبان قلقهم من الطبيعة
اللاشفافة التي تتسم بها عمليات بعثة الأمم المتحدة. فقد ظهرت إشاعات مفادها أن
البعثة وافقت على طلب الصرب بإقامة بلدية في شمال المدينة تتسم بطابع رسمي إضافة
إلى تقديم تنازلات للصرب بخصوص إطلاق سراح السجناء. ولأن ميتروفيكا تعتبر مؤشراً
رئيساً لمستقبل المقاطعة، فإن أي اعتراف بتقسيم المدينة سوف يؤدي إلى خلق بيئة
مناسبة لتقسيم إقليم كوسوفو الشمالي والذي سيقابل بدوره بردٍّ عنيف من قبل الألبان.
ولكن ألبان كوسوفو، مثلهم صرب كوسوفو أيضاً، لا يحملون رأياً موحداً، فقد قام
باجرام ريكسهيبي، رئيس وزراء كوسوفو الحالي ومحافظ ميتروفيكا سابقاً والمدعوم عن
عناصر جيش تحرير كوسوفو، بتوجيه اتهام حاد إلى أعمال المجتمع الدولي في ميتروفيكا
بعد حرب عام 1999 واصفاً جهود حفظ السلام بأنها حركة تبديلات سريعة في القمة تفتقر
إلى التنسيق، وتشير بإصبعها فقط بشكل متبادل عندما تقع المشاكل. ولكن رغم هذه
البلاغة السياسية، لا تبدو دوافع جيش تحرير كوسوفو السابق والجماعات التي جاءت بعده
لتتطابق بشكل لائق مع طموحات بعثة الأمم المتحدة وقوات الناتو من أجل بناء كوسوفو
مستقرة وموحـّدة. فبينما تعمل أغلبية الفئات المختلفة ضمن قوة حماية كوسوفو (KPC)
وهي القوة التي خلـّفت جيش تحرير كوسوفو KLA، والمسموح لها بالعمل، بقيت متروفيكا
تعيش في الحقبة التاريخية السابقة لجيش تحرير كوسوفو وبذلك وضعت نفسها إلى جانب
الاتجاه الذي يمثله هاشم تقي.
وقد برزت معارضة جيش تحرير كوسوفو لبعثة الأمم المتحدة وقوات ناتو، إلى السطح عندما
خرج هذا الجيش باستنتاج يقول إن اللاعبين الدوليين الذين تدخلوا في ساحة كوسوفو
ظلوا مصرّين على موقفهم من معارضة الاستقلال. وفي فبراير / شباط من عام 2000،
اصطدمت قوات حفظ السلام التابعة للناتو مع مقاتلين من العرق الألباني، وفي إبريل /
نيسان من السنة نفسها قاطع تقي المجلس الإداري المؤقت. وكان يـُنظر إلى قرار تقي من
قبل البعض على أنه رفض لمذكرة وشيكة الظهور، تعرض فيها الأمم المتحدة تقديم إجراءات
حماية خاصة إلى الصرب، وهي إجراء يؤشر إلى حدوث انفصال عرقي في كوسوفو. إلا أنه
كانت هناك تخمينات بأن حركة تقي عكست شعوره الشخصي بالإحباط من قوات التدخل، مما
منعه من تعزيز نفوذه والتحرك بكوسوفو نحو الاستقلال.
ومنذ أواسط عقد التسعينات، تم توثيق تورط جيش تحرير كوسوفو في الجريمة المنظمة
وخاصة تلك المتعلقة بتهريب المخدرات عبر أوروبا. فإثر انسحاب القوات الصربية من
كوسوفو في يونيو / حزيران من عام 1999م، وبدلاً من المشاركة في الفكرة الغربية
المنادية بكوسوفو ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، قام جيش تحرير كوسوفو بشكل منهجي
بطرد السكان من الصرب ومن غير الألبان خارجاً واستولى على الممتلكات والأعمال وصادر
الأموال وأرهب الألبان المعتدلين وخصومه السياسيين. وبعد مدة قصيرة من استبدال جيش
تحرير كوسوفو رسمياً بقوات حماية كوسوفو، أبلغت المجموعة الدولية لحل الأزمات أن
جيش تحرير كوسوفو.. وبجميع مظاهره وأشكاله يبقى عنصراً قوياً ونشطاً في معظم مناحي
كوسوفو. وبينما بقيت بعض فئات جيش التحرير السابق تعمل في العلن وعلى نفس الوتيرة
السابقة... غيـّّر آخرون من شكل تواجدهم، فقد أضيفت عناصر جديدة إلى الجيش؛ وتحوّل
آخرون إلى العمل السري. ووفقاً للأمم المتحدة فقد قام جيش تحرير كوسوفو باعتقال
وتعذيب وقتل مواطنين محليين، كما قام بتطبيق نشاطات قانونية دون تفويض شرعي، وأجبر
أصحاب الأعمال المحليين على دفع «ضرائب التحرير» كما قام بتهديد رجال الشرطة
التابعين للأمم المتحدة عندما حاولوا التدخل. وقد ذكرت صحيفة كوها ديتوري أن رجال
جيش تحرير كوسوفو تورطوا في أعمال غير قانونية، واستغلوا مواقعهم ونفوذهم لتحقيق
مكاسب شخصية كما تدخلوا في حياة المواطنين وفي التطور السياسي بشكل عام. ويبدو أن
حوادث أخرى مثل ابتزاز الأموال وجمع الضرائب والرسوم الجمركية بشكل غير قانوني وفرض
الأتاوات وأعمال الدعارة والفساد والرشوة، وقد أسهمت في الخروج باستنتاج واحد هو
«الحقيقة المرّة القائلة بأن مسؤولي الأمم المتحدة والناتو كانوا وما يزالون يجدون
أنفسهم متورطين ليس في عملية حفظ للسلام بل في عملية إدارة جيش تحرير كوسوفو».
الاستنتاج
بناء إطار سياسي تعددي الفئات
ركـّزت الدول المانحة على الصالح العام للمنطقة التي مزّقتها الحروب، ورغبت في
تقديم المعونات الإنسانية بشكل متساوٍ إلى فئات متناحرة وإلى مدنيين من الطرفين
أهلكهم القتال على السواء، وفي التركيز على الإصلاح وعلى إعادة إعمار البنية
التحتية بشكل عام. ولكن مقاربة إطلاق النار في عملية الإصلاح التي تنطوي على تقديم
المساعدة دون تمييز بالنسبة للمنطقة التي تتلقى المساعدة، يمكن أن تسبب من الضرر
أكثر مما تعطي من المنفعة. لذلك تضع سياسة التعايش تشديداً أكبر على التنمية
الاقتصادية وعلى التوظيف بدلاً من مجرد الإعالة فقط. ويتوجب عليها العمل في وقت
واحد على أصعدة مختلفة والاعتماد على عناصر سببية متعددة، تقع ضمن فئتين: تتكون
الأولى من أعمال تمتد من القمة إلى القاعدة وتهدف إلى تحطيم اقتصاد الحرب وبالتالي
كسر حلقة العنف. ومن أجل إنجاح هذا الأمر، يتوجب أن نقوم بخطوات تنزع حوافز
المنتفعين من إطالة أمد الحرب، سواء كان هؤلاء من الحكومة أم من المتمردين.
وتقود الثانية التحول المتعلق بالحوافز الممتدة من القاعدة إلى القمة والتي تقف
وراء قرارات السكان بمغادرة المنطقة أو بالبقاء فيها. ويجب على أي سياسة تعايش أن
تتعامل مع الكراهية العرقية كسبب محتمل وكنتيجة للعنف والتباين الاقتصادي، وما لم
يتقبل الإنسان حدوث ركود أو تراجع اقتصادي كمحصلة مسموح بها، فإن أي تقدم يتمثل في
دعم التنوع والتوسع الاقتصادي من الزراعة والصناعات الخفيفة إلى التصنيع والخدمات،
مثل التعليم والمال والمهن الأخرى يعتبر كافياً.
على المستوى الأكبر: تحطيم اقتصاد الحرب
يمكن لحلقة العنف الاقتصادي المستمر أن تنهار في حالتين: الإرهاق الاقتصادي وتقلص
الحوافز. أولاً، يجب أن يصل السكان إلى حد الإرهاق الاقتصادي الشديد بحيث لا
يستطيعون دعم المزيد من الاستيلاء على أموالهم بالعنف من قبل الحكومة أو من قبل
المتمردين. فمن ناحية يمكن لمجرد تسريب أي نوع من المساعدة الاقتصادية أن يسهم في
استقرار منطقة شهدت نزاعاً سابقاً، لأنه حتى سرقة البضائع يمكن أن تؤدي إلى تخفيض
أسعار السوق وتخفيف مستويات العنف. ولكن إذا لم يحصل هناك تغيير جوهري في الدوافع
أو في القيادات فإن النتيجة ستكون سلاماً مسلحاً يحتفظ فيه أمراء الحرب والحكومة
بمناطق نفوذهم مع تقييد النزاع المباشر من أجل اجتذاب المساعدات الخارجية. وعندما
يتوقف تدفق المساعدات في نهاية الأمر أو يتقلص، تعود الأوضاع بسرعة إلى ما كانت
عليه. فمشاريع التعايش التي تعزز من القدرة الاقتصادية للمجتمع المدني عبر تطوير
الأعمال الصغيرة وتبادلات السوق، والزراعة والتوظيف، دون إزاحة الدوافع البنيوية
العليا للعنف، يمكن بالنتيجة أن تعزز بدلاً من أن تخفف احتمالات استمرارية الحرب
الأهلية.
من ناحية أخرى، يستدعي التحول إلى دولة قوية، خيارات صعبة ومكلـّفة من أجل تخفيف
حوافز العنف الاقتصادي. ففي الحالات التي تنطوي على وجود نزاع طويل الأمد ومربح،
يصبح من غير المحتمل إقناع المنتفعين الرئيسيين بتسليم سلطتهم العسكرية مقابل مناصب
مدفوعة الرواتب في بيروقراطية الدولة، كما أن الأمر لا يبدو واضحاً إذا كان بإمكان
هؤلاء الأفراد أن يعملوا بكفاءة كممثلين في مثل تلك المؤسسات دون الرجوع إلى
عاداتهم السابقة أو إعادة الممتلكات التي استولوا عليها بالتوازي مع جهود المصالحة
مع المجتمع المدني. لذلك فإن أي سياسة تعايش ناجحة لا يمكنها أن تلغي من حسابها
استبدال أمراء الحرب والأفراد الحاكمين قسرياً، خاصة أن بعض هؤلاء قد يكونون قد
تلقوا الدعم في السابق من دول ظلت تتدخل في الوضع. ومع استبدال هؤلاء الحكام
بسياسيين منتخبين وممثلين، يتوجب إزالة مظاهر تجارة السلاح واقتنائه، وتهريب
المخدرات وغيرها من وسائل تمويل العنف. وسوف يساعد استبدال القيادات على كسر حلقة
الكراهية العرقية التي عملت كغطاء رئيسي للعنف الاقتصادي الممتد من القمة إلى
القاعدة. ولكن بناء المؤسسات وتطبيق حكم القانون هي مشاريع معقدة مكلفة يجب أن يتم
توقيتها والعمل فيها بحذر. على الرغم من أن الدوافع الإيجابية يمكن أن يتم توليدها
عبر إيجاد مراكز خدمة مدنية داخل الإدارات المحلية والإقليمية المؤقتة، جيدة الأجر
ويسهل الوصول إليها، إلا أن أي مماطلة في تأسيس الدولة القوية، تتزامن مع وجود
تسريب في شحنات الأسلحة أو غيرها من البضائع المحظورة، قد تتسبب في تشجيع انبعاث
حكم أمراء الحرب من جديد.
ويتطلب الانتقال من دولة ضعيفة إلى دولة قوية، دفعاً قوياً من الدعم والمساعدات،
ومن تطوير البُنى التحتية والخبرات التقنية. وتـُظهر التطورات التي حصلت في
ميتروفيكا أن تقديم المساعدات عبر المجتمع الدولي يمكن أن يضيف درجة أخرى من عدم
الثقة بين الشعب وربما يخلق عدواً مشتركاً، من منظور أمراء الحرب المتنافسين وأصحاب
النفوذ. وتكتمل الأزمة حين ندرك أن أي تطوير اقتصادي شامل لا يمكن أين يتم دون حل
المسألة السياسية الجوهرية وهي وضع كوسوفو. فمناصب الخدمة المدنية، على سبيل
المثال، لا يمكن أن تخصص بإنصاف حتى يتم الاتفاق على الترتيبات التي ستحكم الحياة
اليومية في مجتمع مختلط الأعراق، وتتعلق هذه الترتيبات بالتمثيل المتناسب،
والمساواة العددية أو العمل الإيجابي. كذلك، سوف يتردد كبار المستثمرين الأجانب في
دخول المنطقة حتى يتم وضع نظام مشابه لنظام دستوري، قادر على ضمان حكم القانون.
وهذه الخطوة بدورها تعتمد على حل مسألة وضع المنطقة.
ومع ذلك، يمكن الوصول إلى مقاربة مؤقتة قابلة للتطبيق. وتقوم هذه المقاربة على
تطبيق برنامج توظيف على مستوى القاعدة، خفيف التجهيز لدرجة تكفي تقديم حوافز تكفي
لبقاء الإنسان في منطقته. وعلى الرغم من أن مثل هذا البرنامج يظل بعيداً لعدة خطوات
عن الاندماج السياسي، إلا أنه يمكنه إيجاد مساحة أولية لالتقاط الأنفاس بعد حلقات
متكررة من العنف والاستغلال. ويجب أن يركـّز هذا البرنامج على المشاريع الفردية أو
الصناعة الخفيفة، أو المهارات الصناعية والفنية أو الفرص الزراعية من أجل تجنب
المشاكل المفرّقة التي قد تنشأ عن تركيز الوظائف بأيدي كبار أصحاب الأعمال الذين
كانوا سابقاً تحت سيطرة مجموعة عرقية واحدة. بهذه الطريقة، يدعم برنامج التنمية
أيضاً تشكيل قاعدة أنصار شاملة من قلب المنطقة يمكنها تحديد المستقبل السياسي
للمنطقة، بدلاً من السماح للمنتفعين من استمرار عدم الاستقرار باختطاف هذه المسألة
وتوقيتها. وكشرط جوهري مسبق لنجاح برنامج اقتصادي يتوجب رفع الحصانة عن مرتكبي
العنف وعدم تركهم يفلتون دون عقاب، ويجب أن يتزامن هذا مع إزالة المقتنيات المسروقة
من المنطقة واجتذاب أموال الحماية. وهذا الشرط بدوره يتطلب إنشاء قوة شرطة مؤقتة
فعالة وتعاون الدول المجاورة في فرض وتطبيق العقوبات المتعلقة بأعمال الإجرام. أما
البرنامج الأكثر طموحاً والذي سيكون أساسياً لتنمية اقتصادية طويلة الأمد، فيتضمن
مع ذلك تطوير نظام فعال لقانون العقار والملكية الشخصية. وبذا يستطيع حكم القانون،
ضمن تلك المقاربة، أن يحل محل القوة العسكرية كطريقة أساسية لحماية الملكية، كما
سيسمح للمالكين بأن يفعّلوا موجوداتهم في الأسواق الرئيسة وبأن يبنوا الثروة
الشخصية والوطنية.
على المستوى الأصغر: تنمية الكرامة، والاكتفاء، والتسامح
تتنوع مصادر الكراهية على مستوى الفرد، فالكراهية يمكن أن تبنى عبر الهيمنة
السياسية والقمع، وعبر التباينات الاقتصادية بين المجموعات العرقية، وعبر تلقين
المبادئ الدينية والسياسية من القمة إلى القاعدة أو عبر الروايات المتناقلة بين
الأجيال أو العزلة الاجتماعية أو كما هو الحال بين القوات الصربية والألبانية في
ميتروفيكا، عبر أعمال عنف ارتكبها أفراد من مجموعة ضد مواطنيهم. وعلى الرغم من أن
إعادة إحياء الفرص الاقتصادية لا تحمل توقعاً بإزالة مشاعر الكراهية بشكل عام، إلا
أنها تبقى أداة لإعادة تركيز طاقات السكان باتجاه تحقيق أهداف إيجابية تعزز بدورها
من كرامة الفرد وقدرته على تقرير مصيره وحكم نفسه بنفسه، كما يبين شيغاس وغانسون في
الفصل الرابع.
وحتى عندما تبدأ سياسة التعايش بإزالة أول مجموعة من الحوافز التي تشجع على استمرار
العنف وأكثرها مباشرةً، يبقى هناك احتمال وارد باستمرار الكراهية والعداء، خاصة إذا
كان الوضع يحمل في طيّاته تاريخاً من النزاع الطويل. في الأساس، قد يختار المواطنون
ببساطة أن يغادروا المنطقة حتى لو كانت الأجواء المحيطة بهم، كما هو الحال في شمال
ميتروفيكا، تخضع لسيطرة عرقية مماثلة لعرقيتهم. فالكثير يعتمد على الوضع الاقتصادي
العام الذي تلا فترة النزاع. ومع ذلك، يمكن لسياسة التعايش أن تصبح أكثر من وسيلة
أساسية للبقاء: إذ يتوجب عليها أن تقدم فرصة لكسب العيش على مستوى يعطي دافعاً
كافياً لقيام الفرد بمبادرة جديدة أو مشروع ما. بالنسبة لبعض السكان، فهذا يعني
وظيفة أفضل من مجرد الزراعة من أجل البقاء، وبالنسبة للبعض الآخر، فقد يتطلب هذا
شجاعة للعمل إلى جانب أفراد من الأعراق الأخرى. ويمكن أن تتم السيطرة على الحقد
والخوف إلى حد ما عندما يعمل أفراد ينتمون إلى عرقيات مختلفة ويتفاعلون مع بعضهم
البعض داخل أماكن عملهم. وفي المدن أو البلدات الأقل اختلاطاً بين العرقيات، يمكن
للطموحات أن تصبح أقل تواضعاً بسبب قلة حدة التفاعل. وفي مثل هذه الأماكن يمكن
تحقيق نجاح مبكر عبر إعادة إحياء التدفقات التجارية بين القرى والبلدات من خلال
إنشاء سوق أسبوعي عام.
وعبر قنوات نفسية مشابهة، تربط الوظيفة أو العمل بمشاعر الكرامة والإحساس بقيمة
النفس، يمكن للتباين الاقتصادي المنهجي أن يطيل أمد الكراهية والعنف، كما أن
المساعدات الاقتصادية نفسها يمكن أن تفاقم أو تفوّض التباينات التي وُجدت سابقاً،
خاصة إذا اتخذت هذه المساعدات شكل مشاريع توظيف، واستطاعت تعديل مستويات المداخيل
والمنزلة الاجتماعية بشكل ملموس. لذلك يجب التعامل مع المنظور المحلي للمساواة
والإنصاف بحذر عبر شقــّين لا يتقاطعان بالضرورة: المحاربون السابقون وضحايا العنف
من المدنيين من ناحية، والأغلبيات والأقليات العرقية من ناحية أخرى. ويجب إيلاء
اهتمام خاص للمعاملة المنصفة وغير المتحيزة في الحصول على المناصب العامة، وهياكل
الرواتب ومراكز الإشراف وفرص تحسين الوضع. كذلك يجب عدم التمييز في مسائل مثل منح
عقود العمل والاستثمار، ومتطلبات التراخيص الانتقالية، وضرائب الدخل
والأعمال،وغيرها من الوسائل التنظيمية والقانونية، سواء شمل الأمر ظاهر الأشياء أو
تطبيقها. وسوف تتمكن المراقبة الدقيقة المترافقة مع المرونة في التعديل من تحديد
مسألة النجاح أو الفشل.
ويتطلب وجود الكراهية المستمرة والعداء وضع سياسات أمنية فعالة وذات أسس مرتبطة
بالمجتمع، لأن تكرار أحداث العنف ضد المدنيين مهما صغرت، يؤدي إلى تقويض جهود
التعايش بقدر ما يرفع من وتيرة القمع من القمة إلى القاعدة. ويتوجب على القوى
الأمنية أن تكون قادرة على مواجهة سيناريوهات الأحداث المختلفة، خاصة في الفترة
التي تلي انتهاء أحداث العنف الرئيسة، وتشمل هذه السيناريوهات أو الاعتداءات في
أماكن العمل نفسها أو داخل طرق التنقل عبر المناطق المعادية عرقياً.
في الوقت نفسه، قد يشكل النجاح في نزع الأسلحة والمصالحة بشأن قضايا سلب الممتلكات
شروطاً مسبقة لقبول المحاربين السابقين ودمجهم في الاقتصاد المحلي. وتعتمد أهمية
هذا الموضوع جزئياً على عدد المحاربين السابقين المنوي دمجهم. فبعد نزاع طويل، يمكن
أن تكون أغلبية القوى العامة، عبارة عن جنود سابقين أو رجال عصابات سابقين، في حين
تجد مقابل ذلك أغلبية من المدنيين الذين سقطوا ضحايا للعنف الاقتصادي.
حتى سياسة التعايش المتواضعة أو الأولية يجب أن تكون مرنة ومتقدمة بما فيه الكفاية
كي تستطيع دعم قيام تحولات لاحقة. وبشكل خاص، يعتمد النمو الاقتصادي المتواصل على
درجة التعليم المتوفرة أمام الأجيال الحاضرة والمستقبلية. فالاقتصاديات القوية، على
سبيل المثال تتميز بوجود علاقات واسعة ومتحركة بين المؤسسات الثانوية السابقة وبين
الصناعات. ويمكن لسياسة التعايش أن تبدأ بوضع أرضية المراحل اللاحقة من التنمية عبر
تشجيع الأطراف على صياغة مجموعة أدلة وإرشادات للاعتراف المتبادل بالشهادات المهنية
من مختلف الجامعات الموجودة في المناطق أو في البلدات المجاورة، وكذلك تقديم
البعثات الخارجية وبرامج التبادل المهنية من أجل تمكين المهنيين الشباب القادمين من
مختلف الخلفيات العرقية، من العودة وممارسة مهنهم في مناطق النزاع السابقة. أما
المشاريع الأكثر خصوصية والتي تسعى إلى استكشاف التفاعلات التي يمكن إدراكها في مثل
هذه الأحوال، مثل الفرق الطبية المشتركة من مختلف الأعراق، فلم تعط بعد نتائج
مباشرة في مواجهة التعصب والعداء العميق الجذور. ولكن المساعدة الخارجية المخطط لها
جيداً يمكن أن تحدث تحولاً في البيئة الاقتصادية والأمنية يشكل فترة راحة أساسية من
القمع والعنف. وفي الوقت نفسه، إذا استطاع الإنسان تقبـّل حقيقة أن التحول الصحيح
داخل أي مجتمع مزّقته الحروب يجب أن ينطلق من داخله، فإن الجهود التي تبذل لإشراك
المثقفين الذي بدأوا يظهرون داخل هذا المجتمع، في مواجهة التحديات داخل موطنهم، سوف
تهيئ أوضاعاً أفضل للتفاهم المتبادل، ومستويات أعلى من التسامح والتحمل إضافة إلى
تطوير منظور مشترك للمستقبل.
المصدر: تخيّل التعايش
معاً (تجديد الإنسانية بعد الصراع الإثني العنيف) تحرير: أنطونيا تشايز ومارثا
ميناو، ترجمة: فؤاد السروجي الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى، 2006م.
|
|
|