|
الخميس: 11/08/2007
قبل النبوّة ـ العزلة
المفكـّرة
د.
صائب عبد الحميد(*)
(خاص للمعهد)
لم تأت النبوة أحداً من الأنبياء الذين نعرفهم
قبل أن تكون له ممارسة جادة في الحياة، فريدة من نوعها، في الزمان والمكان،
تكسبه سموّاً روحياً وفكرياً، لا يميّزانه فقط على أهل بيئته، بل يؤهلانه للنظر
لا في حدود الحياة المنظورة فقط، بل في ما هو غير منظور فيها أيضاً، لا في حدود
التاريخ وحده، بل في ما وراء التاريخ، وغالباً ما يأتي هذا السمو والصفاء
الروحي التام عن طريق العزلة، التي قد تطول أو تقصر، لكنها العزلة ذات
المغزى،التي قد ينتخبها المرء، كما هو شأن زكريا ويحيى ومحمد (صلى الله عليه
وآله وسلم)، أو يضطرّ إليها، كما هو شأن إبراهيم وموسى(عليهما السلام).
ولكي تكون عزلة ذات مغزى،فهي منطوية على هدف أسمى وأبعد من حدود الشخص الممارس
لها وعلاقاته، فهي تبدأ دائماً بدوافع من محنة الإنسان والمجتمع في الحياة وفي
التاريخ، لتنتهي بما يفجر في المجتمع نفسه على الأقل روحاً جديداً خارقة القوة،
تكافح روحه القديمة المثقلة بركام الماضي.
فهي «عزلة» يلازمها «التفكير» الجاد، لتحقق «صفاء الروح» التام، يعقبها «ظهور»
جديد إلى المجتمع بروح مفعمة بالقوة والحيوية والفاعلية.
هذه الظاهرة التي توقف عندها أرنولد توينبي في سبره الواسع لتاريخ المجتمعات
المتحضرة، ليعدها واحداً من قوانين الانبعاث الحضاري في التاريخ.
فالاعتزال «يمكـّن الشخص المبدع من تحقيق القوى الكامنة في داخله، وهي القوى
التي كانت تظلّ نائمة خامدة لو لم ينطلق المبدع بعض الوقت من قيوده وأتعابه
الاجتماعية» وسواء كان هذا الأمر اختيارياً أو اضطرارياً «فإن الإعتزال يكون
فرصة، ولعله شرط لازم في تجلـّي الناسك المعتزل وتبدله. بيد أن التجلي أو
التحول إذا لازم العزلة فلا يمكن أن يحقق غرضاً، بل لا معنى له، فينبغي أن يكون
مقدمة إلى عودة الشخصية المتجلية إلى الوسط الاجتماعي الذي خرجت منه بالأصل..
فالرجوع أو العودة جوهر الحرية بأكملها، كما أنه العلـّة الغائية لها. ويظهر
هذا جلياً في (اسطورة) موسى، في صعوده جبل الطور، فقد ارتقى موسى الجبل ليتصل
بإلهه، بدعوة من الإله، وأن الدعوة وجهت لموسى وحده واُمر باقي الإسرائيليين
بالابتعاد عن المشهد، ومع ذلك كان غرض الاله من دعوة موسى إليه أن يرسله مرة
ثانية وهو يحمل شريعة جديدة ليبلغها إلى بقية الناس، لأنهم عاجزون عن الصعود
ليتسلموا الرسالة بأنفسهم»(1).
وأما عن دور «الاعتزال والظهور» في حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول:
«كان دخول محمد في رسالته الدينية الصرفة نتيجة لعودته إلى شؤون الحياة في بلاد
العرب بعد اعتزال جزئي» وقد «كانت ظاهرة ـ الاعتزال والظهور ـ مقدمة لانتقالين
جديدين، حاسمين دار حولهما تاريخ حياة محمد»(2) ويعني بها الانتقال الديني
والانتقال السياسي.
ويستعين توينبي هنا بنتائج دراسات برجسون الاجتماعية،التي تجعل الأفراد «الصوفيين
هم المتسامون فوق البشر، والذين يحققون عمل الخلق والإبداع» فهو، أي برجسون،
يجد جوهر العمل المبدع في تلك اللحظة السامية من التجربة الروحية الصوفية «لقد
أحسّ الصوفي العظيم
ـ أي الشخص المتسامي روحياً ـ بالحقيقة تسري فيه من منبعها كأنها القوة في حال
الفعل، وأن بغيته أو شوقه هو أن يكمل خلق النوع البشري بمساعدة الله.. ويكون
اتجاه (الصوفي) هو اتجاه قوة الحياة الدافعة نفسها، بل إنها تلك القوة نفسها
وقد هبطت بأكملها على صفوة من أفراد البشر، ممن تدفعهم الرغبة من بعد ذلك إلى
أن يتركوا طابعهم في البشر أجمعين، ويحوّلوا، بتناقض هم شاعرون به، نوعاً هو في
جوهره شيء مخلوق، إلى مجهود خالق، ويولـّدوا الحركة في شيء هو الوقوف في مفهومه»(3).
فإذا كان من اليسير أن تتصور أن ذلك (الصوفي العظيم) في حديث برجسون، هو النبيّ
المتسامي فوق البشر، فقد أصبح يسيراً أيضاً أن نفهم كيف يتأهل هذا الفرد
المتسامي لتلقي «قوة الحياة الدافعة» وهي تهبط إليه.
فمن أين ابتدأ اعتزال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
كانت بدايات هذا الاعتزال مبكرة، منذ كان يجد أن شيئاً ما يصرفه عن الانخراط في
تقاليد المجتمع ومحاكاة عاداته غير السليمة(4)، فكان منذ ذلك الوقت يعيش
اعتزالاً جزئياً،وهذا الاعتزال الجزئي يحمل معه بالضرورة العديد من الملاحظات
والأسئلة المفعمة بالشكوك حول بنية المجتمع الفكرية والاجتماعية والسياسية. هذه
الملاحظات والأسئلة هي التي ستكون النواة الأولى لهموم أكثر عمقاً وأوسع دائرةً،
تدفعه من الداخل بقوة كبيرة نحو مزيد من الاعتزال يوفـّر عليه فرصاً أكبر للنظر،
ومزيداً من الصفاء والتسامي، الأمور التي ستكون شرطاً أكيداً في انطلاقته
اللاحقة صوب مجتمعه، من أجل التغيير وإعادة البناء. وباستثناء الاعتزال «المفكر»
الهادف،فإن الامور اللاحقة كلها غير مقصودة لحظة اختيار الاعتزال، وإنما هي
مترتبة عليه كونه اعتزالاً ذامغزى، من شخصية مبدعة، لمّأ يتدخل الوحي بعد في
كشف الطريق أمامها، وإلقاء الرسالة «قوة الحياة الدافعة» إليها.
فاختار أولاً الاعتزال في غار حراء شهر رمضان كله، كما كان يصنع المتحنـّثون من
قريش، ومنهم جده عبد المطلب(5).
هذا إضافة إلى اعتزاله الجزئي الذي تطور هو الآخر إلى دائرة أوسع، فظهرت له في
ذلك علامات السموّ الروحي، متمثلة في الرؤيا الصادقة «فكان لا يرى رؤيا، إلا
جاءت مثل فلق الصبح».
فتنامى اعتزاله ليتخذ شكلاً متصلاً تقريباً، فتخلـّى عن مزاولة التجارة، وتصدق
بمعظم ما رزقه الله من تلك التجارات، ثم توجه إلى الاعتزال(6)، فكان يتزود بما
يكفيه الايام والليالي العديدة، فيعتكف في غار حراء، ولا يعود إلى بيته إلا
ليتزود ثانيةً لمثلها(7)، ولا يمكننا أن نتوقع أن زاده ذاك كان شيئاً ما غير
الخبز والتمر والماء، وقال بعضهم: الكعك والزيت(8)، فهي وحدها الأطعمة التي
تصلح للبقاء لايام متعددة، وهي وحدها التي تفي بالغذاء، دون أن تبلغ به حد
الشبع الضارّ بصفاء الروح والفكر.
يقول ابن برهان الحلبي: كان تعبّده التفكـّر مع الانقطاع عن الناس، لأن في
الخلوة يخضع القلب، ويُنسَى المألوف من مخالطة أبناء الجنس المؤثرة في البنية
البشرية، ومن ثم قيل: الخلوة صفوة الصفوة(9).
وهكذا طبع الاعتزال حياته، وبلغ الصفاء والسمو فيه أعلى درجاته، ليكون مهيئاً
لتلقي الرسالة الكبرى التي يعود بها إلى مجتمعه أولاً، ثم الإنسانية بأسرها.
ولا تختلف النتيجة هنا بين مؤرخ ديني يرى أن هذا السبيل الذي سلكه محمد كان
تسديداً إليهاً جاء عن اختيار الله المسبق لشخص محمد (صلى الله عليه وآله
وسلم)، وبين مؤرخ علماني يرى أنه سلوك الشخص المبدع المتفرد على أبناء زمانه
ومكانه، إذ ينتهى كلاهما إلى أن هذا السلوك كان الطريق الذي أهـّله لتحميل هذه
الرسالة الكبرى ليعود بها إلى البشرية؛ داعياً، ومربياً، وقائداً.
الهوامش
ـــــــــــــ
(*) متخصص في فلسفة التاريخ، العراق.
(1) دي. سي. سمرفل، بحث في التاريخ، خلاصة الأجزاء الستة الأولى لتوينبي 1 :
321، ترجمة طه باقر، مطبعة وزارة المعارف، بغداد، 1955م، 1374هـ.
(2) المصدر نفسه 1 : 336، وليس مهماً بعد هذا أن نختلف مع توينبي في تحديد
تاريخ هذا الاعتزال وطبيعته أو دوافعه.
(3) المصدر نفسه 1 : 315.
(4) تقدمت أمثلته في الباب الأول تحت عنوان «سنون الشباب الأولى».
(5) أنساب الأشراف1 : 116.
(6)التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري : 156، وهو تفسير منسوب يتهم
راوياه بالوضع والغلو، وكل من الوضع والغلو بيّن لمن له معرفة بالتحقيق، وإنما
اعتمدنا منه ما هو موافق للثابت في السير، مما يمكن أن يكون منقولاً عن الإمام
الحسن العسكري.
(7) السيرة الحلبية 1 : 400.
(8) الطبقات الكبرى 1 : 194، عبد الرزاق، المصنف 5 : 321 – 322 / 9719، ابن
هشام، السيرة النبوية 1 : 216، أنساب الأشراف 1 : 116.
(9) السيرة الحلبية 1 : 402.
|