|
السبت: 01/09/2007
ثمن الحرية
الخفي(2/1)
تأطير
عراقيل التعايش الاقتصادي
في
المجتمعات
الخارجة من الصراع
سفن م.
سبينجيمان
لكي تتخيل التعايش، فإن عليك أن تفترض وجود مهمة
صعبة وشديدة التعقيد ضمن الجهد المبذول لإعادة إعمار مجتمع مزّقته الحروب.
فالصراعات الداخلية ونتائجها تستمر لترسم طريقها عبر الكرة الأرضية، في أفريقيا،
والشرق الأوسط، والبلقان، وأمريكا اللاتينية، فيما تتحدي التعقيدات التي تواجه
إعادة الإعمار بعد الصراع، جميع العلماء والمهنيين العامين على السواء. ويقدم نص
كلمة «التعايش» نموذجاً لاستئناف حياة منتجة آمنة، ونظاماً اجتماعياً يمكن للأفراد
الذين انخرطوا في أعمال عدائية سابقة ضد بعضهم البعض أن يعيشوا ويعملوا معاً دون أن
يدمّر أحدهم الآخر. فالتعايش إذن هو الطريقة ألتي يجب أن تدار بشكل حذر من أجل تجنب
تجدد العداءات وفي بعض الأحوال، قد يصبح التعايش شكلاً لدولة مستقرة نسيباً ولكنها
غير مندمجة. أو في حالات أخرى، قد يحمل معه احتمالات تحقيق اندماج اجتماعي واقتصادي
أكثر عمقاً.
ويظهر هذا الفصل أن التفاعل الاقتصادي، بحد ذاته بين الخصوم والضحايا السابقين لا
يمكن أن يضمن حدوث التعايش كما انه لا يشكل شرطاً مسبقاً لحدوثه. وهذا الاستنتاج
مبنـيّ على تحليل وتوفيق لروايتين بديلتين حول طبيعة وأصل الصراع الداخلي المسلح
الذي يشمل، للأسباب هذه، الحروب الأهلية. وبسبب الافتقار لتصنيفات أفضل فقط أطلقت
على هذه المقاربات اسم النظريات الاقتصادية والسياسية. وهي ليست نظريات متضاربة
فكرياً ولا شاملة تبادلياً في عملها بل هي تميل إلى التفاعل مثل تفسيرات مسببة
معقدة. وتعتبر إسهاماتها النسبية ذات خصوصية عالية بحالة معينة. لذلك فإن جزءاً من
الهدف هو تطوير خريطة يمكن إدراكها للعوامل ذات الصلة بالموضوع ولتأثيرها المتوقع.
وكل نظرية تشير في النهاية إلى إستراتيجية للتعايش. ومع ذلك فإن معني التعايش يأخذ
معانٍ إضافية متميزة ضمن جميع الأحوال. في كل مقاربة من أجزائه الثلاثة الأولى، سوف
يجلب هذا الفصل الاهتمام إلى تأثير الحوافز الاقتصادية للعنف على توقعات التعايش
باستخدام حالة بلدة ميتروفيكا في مقاطعة كوسوفو بيوغوسلافيا، ومن ثم سوف نقوم
بتحديد إطار متعدد العوامل وثابت لتطويرهم وتقييم برامج التوظيف في مناطق ما بعد
الحرب.
الأصول السياسية للنزاع
تقدم الفرضية السياسية تفسيراً كلاسيكياً للحرب وللنزاع الأهلي، تقول فيه إن الحرب
هي استمرار للسياسة عبر استخدام وسائل إضافية. فالصراع السياسي يمكن أن يحدث عبر
تقسيمات إيديولوجية، وعرقية، وثقافية، ولغوية، ودينية، وطبقية، وإقليمية. وغالباً
ما يظهر هذا النزاع صوراً لأطراف متنافسة تحاول أن تسوّي نزاعاً معيناً، ولو حتى من
خلال العنف بدلاً من المساومة والتشاور. وفيما تشمل النزاعات السياسية عادةً مظالم
حول المساواة وحقوق الإنسان أو حق تقرير المصير، يُنظر إلى العنف على أنه غير
عقلاني، وغير منطقي وتمزيقي، وأنه انهيار للنظام الاجتماعي يتوجب حلـّه بسرعة عبر
انتقال سريع وفعال نحو السلم.
والحروب بين الدول يُنظر إليها على أنها نتيجة لما يلي:
1. قيود معلوماتية تمنع الأطراف من وضع الخيارات التكتيكية والإستراتيجية الصحيحة.
2. مشاكل تتعلق بالالتزام.
3. عدم تجزئة القضايا التي تحول دون حدوث مفاوضات فعالة.
وهنا يتم تحدي التفسيرات البديلة التي تشمل إغراء الانخراط في حرب وقائية أو في
حروب ذات توقعات نفعية إيجابية، على الأقل نظرياً، بادعاء وجود بدائل تفاوضية دائماً.
وقد بني التحليل السياسي الكلاسيكي، بفضل إرثه الواقعي، على مبدأ الدولة الوطنية،
على أساس أنها اللاعب الموحّد والرئيسي في العلاقات الدولية، ويميل أنصار هذا الفرع
من علم الاجتماع للتركيز على التكلفة الإجمالية للحرب. وعلى هذا الأساس، فإن الحرب
غير كفوءة في جميع الظروف. إذ إنه بعيداً عن الإصابات العسكرية والمدنية والمباشرة
بما فيها القتلى والجرحى والمشرّدون، فإن البينة التحتية الاجتماعية والمادية للدول
المشتركة في الحرب تتعرض للدمار؛ كما تتزايد مشاعر عدم الثقة بين الدول وترتفع إلى
حدودها الأقصى؛ كذلك تتعطل التدفقات التجارية وتتمزق. ويزداد ضغط العمليات العسكرية
والتحالفات وإستراتيجيات التسلـّح على الموارد الوطنية وعلى السكان وتدخل مسألة
حماية الحقوق الإنسانية والمدنية في معاناة رهيبة.
وحتى الوقت الذي بدأت فيه الحروب الأهلية داخل الدول تتصاعد خلال عقد التسعينات من
القرن العشرين، ظلّ التحليل الاجتماعي يؤطر النزاعات السياسية وحلولها على أنها
مشاكل سياسية من القمة إلى القاعدة أو تراكمات تنطوي على تفسيرات جهازية أو مؤسسية
أو حكومية. وبذلك بقيت الجهود المبذولة لدراسة الحرب كعامل من عوامل الكراهية
العرقية تصبّ في هذا الإطار السياسي نفسه.
وتم التعامل مع الصراع العرقي على أنه مشكلة التزام من حيث أن الأقليات العرقية لا
تستطيع أن تثق بحكومة أغلبية مؤلفة من عرق مختلف من أجل أن تمنحهم حماية كافية.
خلال الحرب الباردة، استطاعت القوى العظمى، كطرف ثالث،أن تضمن الاتفاقيات السياسية
بين الأعراق المختلفة للسكان. ولكن في غياب نفوذ طرف ثالث يعمل لصالح الاستقرار
والتهدئة، أفلتت مشاعر عدم الثقة والكراهية من عقالها عبر الانقسامات العرقية وأدت
بالنتيجة إلى أحداث عنف في العقد الماضي لا يمكن وصفها. وفيما يمكن للكراهية
العرقية أن تؤدي إلى حدوث انهيارات اجتماعية وحروب، فإن العرقية بذاتها لا يمكنها
أن تقدم تفسيراً كافياً. إذ يتوجب على النموذج السياسي أن يفسّر لماذا تندلع الحروب
في بعض الحالات التي تنطوي على انقسامات عرقية ولماذا لا تندلع في حالات أخرى.
وينظر إلى العمل التعايشي على أنه أداة تسهيل لعقد وفاق بين القاعدة والقمة
واتفاقيات سياسية بعد أن يضع العنف المسلح أوزاره. إذ إن من المتوقع لإستراتيجيات
إعادة الإعمار أن تعوّض عن الحماية الخارجية الضعيفة وأن تخفف من التأثير المتواصل
للمستويات المرتفعة من عدم الثقة.
وحتى أكثر التحاليل السياسية الدقيقة التي لا تضع في حساباتها الحوافز أو الخيارات
الفردية تشير إلى وجود أخطاء في أي مقاربة متشددة سياسياً بالنسبة إلى تطوير
السياسات. فالتقليد الرئيسي الذي يقع تحت النموذج السياسي أو «المظلمة» يتعلق بحرية
التصرف. فالأفراد الذين يعانون من التعديات على حقوق الإنسان قد يرغبون في رؤية
حكومتهم وقد أطيح بها. ولكن، وكما يفسّر بول كوليير، فهم يفضلون لو أن أحداً غيرهم
يقاتل نيابة عندهم. وفي نفس الوقت، ولأن احتمال نجاح أي تمرد يعتمد على حجمه، فإن
الناس يميلون إلى الانضمام إلى حركات التمرد الأكبر أكثر من الحركات الصغرى. كذلك،
يعمل زعماء المعارضة تحت ظل المستقبل ويدرك أتباعهم المحتملون أن الوعود التي
تـُعطى لهم قد يَصْعُبُ الوفاء بها. والتأثير الكلي لكل هذا الفعل الجماعي إضافة
إلى مشاكل التعاون، هو فشل معظم حركات التمرد ذات الدوافع السياسي من أن تكتسب
دافعاً كافياً يفسّر نشوب واستمرار الحروب الأهلية. فهذه القيود تعتبر أقل أهمية
خاصة عندما تضاف الحوافز الاقتصادية إلى التحليل.
الأصول الاقتصادية للنزاع
تزعم وجهة النظر المنافسة للفرضية السياسية أن تضمين الدوافع الاقتصادية يقدم
تفسيراً أكثر إقناعاً لنشوب الحروب الأهلية. وهذه النظرة تعروها غشاوة بسبب التركيز
الاختياري على العوامل السياسية، مثل الكراهية العرقية وانهيار المؤسسات. وبكلام
مبسّط، تبين الفرضية الاقتصادية أن بعض اللاعبين في مضمار النزاعات الأهلية يكتسبون
مصلحة اقتصادية في استمرارها. وفي مساق العولمة، وتحرير التجارة والدول المتشابكة،
يصبح النظر إلى الحرب والسلم لا كمراحل مميزة، بل كأفكار تقف في وضع نسبي لبعضها
البعض. واقتصاديات الحرب الإقليمية أو المحلية تكشف وجود قواسم مشتركة بينها وبين
كل من الاقتصاد العالمي واقتصاديات السلام والوطنية أو الإقليمية المتعلقة بها.
فاقتصاد الحرب، على سبيل المثال يمكن أن يعمل تحت حرمان فعال من العدالة الجنائية،
ولكنه يعتمد على مجموعات من الأنماط التجارية الموجودة من قبل وعلى العلاقات وعلى
البُنى المالية الدولية. وهذا الاعتماد الثنائي الأبعاد للاقتصاد العالمي يساعد على
تفسير كل من استمرارية النزاع وطبيعته المعتدلة نسبياً. فالحروب الأهلية نادراً ما
ترقى إلى مستوى العنف الذي يهدد الاقتصاديات ذاتها التي تقف وراءه. وباختصار تتحدى
الفرضية الاقتصادية استنتاجين مألوفين هما: أن النزاع له فقط عواقب سلبية وأن النصر
هو الهدف العام للمتحاربين.
وهذا التحليل ينتقل من تصوير الدول على أنها المشارك الرئيسي الأوحد في النزاعات
إلى مقاربة أكثر دقة تميّز الأفراد والجماعات التي تعمل تحت ظل الدولة.
وعندما أنهت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق بشكل فعّال، تحالفاتهما أو
علاقاتهما التوكيلية مع بعض الدول الضعيفة، ورثت هذه الدول مزيداً من الحرية
السياسية ولكنها أصبحت أقل حصانة من الناحية الاقتصادية. وقد شكـّل التغيير تحدياً
أمام هذه المحميات السابقة بأن وضعها أمام بدائل إما أن تتطور لتصبح دولاً قوية أو
أن تبقى ضعيفة. والقوة، ضمن هذا المعني، لا تعكس القدرة العسكرية ولكنها تضع مقياساً
لقدرة الحكومة على توفير خدماتها الحكومية من خلال بيروقراطية فعالة وبنية تحتية
وتمثيل منصف وفعال للسكان تحت حكم القضاء.
وبدورهم، يقوم زعماء الدول الضعيفة بتقديم الحماية، والخدمات والامتيازات المحابية
على أسس تمييزية وشخصية مقابل كسب الولاء السياسي. ولأنـّه يتوجب عليهم السيطرة على
مصادر كافية من الدخل من أجل الحفاظ على قاعدة قوتهم، ينزع هؤلاء الزعماء إلى تجميع
الأموال الطائلة التي تخدمهم في إدامة وتوسيع الولاءات السياسية. وعادةً ما تشمل
مصادر هذه الأموال، كيانات اقتصادية رئيسية، مثل المصانع أو مصاهر المعادن والموارد
الطبيعية، التي يمكن حمايتها من خلال العنف اللامركزي وأيضاً من قبل المجتمع المدني
على العموم. ويؤدي تكرار الصفقات المباشرة والمحابية وعلاقات المحسوبية بين الزعماء
الحكوميين وبين أمراء الحرب إلى إزالة التمييز بين المداخيل الخاصة والحكومية
ويتسبب فعلاً بأن تقوم الدولة الضعيفة بفقدان ادعائها باحتكارها الشرعي لاستخدام
القوة.
ورغم أن حصيلة كل حالة تتشكل عبر سياقها الفردي، إلا أن عدة عوامل تدعم الجمود
السياسي للدول الضعيفة والطرق المؤدية للعنف الاقتصادي. أولاً: أن الدول الضعيفة
غالباً ما تكون غير قادرة على أن تنقل نفسها لتصبح دولاً قوية دون وجود اقتصاد وطني
يتمتع بالحيوية والقوة، ودون وجود قاعدة موارد هامة أو دعم خارجي ملموس. ثانياً:
لدى اختيارها تقوية الدولة، يتوجب على القيادة الحالية أن تتخلى عن السلطة لصالح
المؤسسات الإدارية والسياسية. فالدول القوية تحصل على تمويلها من خلال نظام ضريبي
فعّال، ويجبر السياسيين العاملين ضمن عالم حكومي واضح المعالم، بأن يقوموا بحماية
هذا العالم اللامركزي المنتج. كما أن الدولة القوية تعتمد على الشرعية لتحقيق
نفوذها السياسي وبذا تمنع الزعماء من ضمان ولاء الأفراد التابعين لهم عبر المحسوبية
كما تمنع ممارسة سيطرة شخصية غير مضبوطة على ممتلكات الدولة.
ويمكن العثور على معوقات إضافية لتطوير دولة قوية ضمن عدة سياقات. ولكن توقف الدعم
الخارجي ربما يشكل أكثر المحفـّزات الفردية أهمية. فعندما كان الغرب والكتلة
السوفياتية يقدمان الدعم لعدة بلدان أو يتعطفان مع فئات فيها، لم يوليا إلا القليل
من الانتباه إلى الطريقة التي تعامل فيها هذه الحكومات أو هذه الفئات المتمردة،
مواطني تلك البلدان. وإثر سحب الدعم السياسي راحت الولايات المتحدة تقدم دعماً
إنسانياً مشروطاً بتقدم الديمقراطية وتحسّن أوضاع حقوق الإنسان. ولكن، وخلافاً
للتوقعات، فقد ازدادت حدة العنف في الفترة التي تلب الحرب الباردة واتخذت على وجه
الخصوص شكل حروب أهلية داخلية. كذلك فـُتح الباب أمام عوامل أخرى أسهمت في تفاقم
الأوضاع بعد انسحاب الراعين الشرقيين والغربيين، ومنها تهريب المخدرات، وانتشار
الدعارة.
وتنطلق الطرق المؤدية إلى العنف الاقتصادي من مجموعة أوضاع متميزة. فالعديد من
الدول التي انخرطت في حروب أهلية، كان قد تم الاعتراف بسيادتها، حتى ولو كانت تفتقر
تماماً إلى القدرة على ممارسة مهامها وتقديم خدماتها الحكومية. ولعبت مسألة السيادة
دوراً محورياً في اجتذاب المصالح الدائمة للقوى العظمى. فهي سهّلت أولاً إقامة
علاقات تحالف إذ إن زعماء الدول الضعيفة الحليفة، بدورهم تمتعوا بحماية رسمية عبر
السيادة ولكنهم اعتمدوا على الدعم الخارجي بدلاً من تطوير واستخراج موارد بلادهم
العامة داخلياً. وثانياً: استطاعت معظم الدول التي كانت قد حصلت في السابق على دعم
القوى العظمى قبل عام 1991م، أن تحصل على بعض القدرات العسكرية. فقد قام كل من
الاتحاد السوفياتي سابقاً والولايات المتحدة بشحن كميات وفيرة من الأسلحة الخفيفة
والرخيصة الثمن إلى حلفائهم الحكوميين وغير الحكوميين، بالإضافة إلى توفير تدريب
تشغيلي لهم على هذه الأسلحة. وقد تسببت هذه الأسلحة بازدهار تجارة داخل الدول نفسها
ساعدت حتى تاريخ اليوم أسواق سلاح وربما أسواقاً خارجية أيضاً. كذلك تم إقامة بنىً
قيادية عسكرية بحيث أصبحت الحكومات تدار من قبل رجال أقوياء. وهو أمر متمّم وبشكل
ساخر لهذه الدول الضعيفة. واستطاع هؤلاء القادة العسكريون أن يكافئوا جنودهم من
خلال الحفاظ على بيئة تكسبهم حصانة فيما يتعلق بسرقة ونهب بعض الموارد العامة
والممتلكات الشخصية.
وفي بيئة تستطيع فيها القيادات العسكرية والأفراد المتناحرون أن يغتنموا فرصاً
واسعة لتجميع الثروات على المدى القصير، وخاصة من خلال مكاسب تهريب المخدرات أو
استخراج الموارد، تتقلص الحوافز أمام النظام لاستبدال وتعويض ما لا توفره قوة
التمثيل الشرعية والإدارة البيروقراطية الحكومية بالقوة العسكرية والمحسوبية. وفي
مثل هذا الظروف، تكون المحصلة الأكثر احتمالاً هي العنف الاقتصادي.
درجات العنف، حكومات الظل، والانفلات
يميز ديفيد كين بين العنف الاقتصادي من القمة إلى القاعدة وبين ذلك الذي
يظهر من القاعدة إلى القمة: فالحكومات الضعيفة تتورط في عنف يمتد من القمة إلى
القاعدة من أجل تعزيز مواردها أو مجالات نفوذها أو من أجل تأخير ظهور الديمقراطية.
ولعل التحريض على النزاع العرقي كغطاء لأعمال القمع والحفاظ على الذات لا يعتبر
أمراً غير مألوف في هذا السياق؛ ومثله كذلك تشجيع العنف عبر ادعاء وجود أعداء
مزعومين. والزعماء الحكوميون، وكذلك الجماعات المتمردة ممن ينخرطون في أعمال عنف
تمتد من القمة إلى القاعدة ينتفعون من الاختباء خلف ما يمسى غالباً بحرب مزعومة أو
مفبركة تؤمن لهم تبريراً علنياً للانتهاكات التي يمارسونها ضد حقوق الإنسان. وهناك
سبعة ظروف تسهل حدوث هذه العنف:
- وجود دولة ضعيفة.
- وجود حركات تمرد لا تملك دعماً مالياً خارجياً ملموساً.
- وجود نظام غير ديمقراطي وغير شمولي تحت التهديد.
- وجود أزمة اقتصادية.
- وجود انقسامات عرقية عبر الحدود الطبقية.
- وجود مواد خام ذات قيمة.
- وجود صراع طويل الأمد.
ولعل احتمال انخراط نظام ما في العنف الاقتصادي يزيد من وجود مجموعات من هذه الظروف،
خاصة عندما تتعرض حكومة دولة ضعيفة للتهديد من قبل تمرد ما، دون أن تملك موارد
كافية مباشرة تحت يدها تمكـّنها من الدفاع عن نفسها. والعامل السابع المتعلق بطول
أمد الصراع يقدم عدة افتراضات هامة، أولاً: هو يحدد درجة إشراك الأجيال الحالية
والمستقبلية من المواطنين في تقبـّل الانقسامات العرقية على أنها مصدر مزعوم للحرب
الأهلية. كذلك يتيح طول أمد الصراع المجال أمام اقتصاديات الحرب لأن تهمد وتصبح غير
فعالة. فكلما طال أمد الصراع كلما انتشر إحلال مصادر بديلة للدخل من قبل اقتصاد
الحرب. فالحكومات والمتمردون على السواء سيجدون سهولة أكبر في ألحاق مجندين جدد
بقواتهم المسلحة مع تفاقم الكراهية بين الأعراق ومع تقلص فرص الأعمال التجارية
والزراعية التي يواجهها المجتمع المدني في ظل هذه الظروف.
وبالإضافة إلى تحديد الظروف التي تسهّل نشوب العنف الاقتصادي من القمة إلى القاعدة،
يعرض كين نماذج متعددة من الاستيلاء باستخدام العنف على الموارد والممتلكات. وهذه
النماذج تشمل النهب، ودفع الخاوات، والسيطرة الاحتكارية على التجارة، وتسهيل
استغلال العمالة، والادعاء المباشر بتملك الأراضي، وانتزاع المنافع من المساعدة
الخارجية والاستحواذ على المكتسبات المؤسسية لصالح العسكر. وعلى نمط مشابه، يميز
كوليير أربع مجموعات من الفرص المتاحة لتحقيق المكاسب خلال الحروب الأهلية، أولها
أن الحروب الأهلية تقلل من القدرة على التنبؤ بالسلوكيات الاجتماعية مجبرة الأهالي
على التشكيك في المستقبل بشدة. وثانيها، أن التصرفات الإجرامية سوف تتفاقم مع تحول
الموارد باتجاه الإنفاق العسكري وبعيداً عن قوى الشرطة المدنية وغيرها من أدوات
تنفيذ القانون وكنتيجة لذلك، سوف يحاول المجرمون نقل مقتنياتهم أو مكتسباتهم من
البلاد مما قد يتسبب في تآكل قاعدة الموارد التي تموّل الجيوش والفئات المتمردة،
وهذا بدوره يفاقم الضغط الاقتصادي على شبكات التجارة وعلى السكان المدنيين. وثالثها
يتعلق بتخريب فعالية السوق. فالصراعات العنيفة تؤدي إلى تناقض المنافسة التجارية مع
ارتفاع تكلفة الحصول على المعلومات. وفي نفس الوقت، يزداد نمو النشاطات الاحتكارية
وغيرها من التشوهات، وخاصة تلك النشاطات ذات الصلة بتصدير الموارد الطبيعية. وأخيراً،
تزداد عمليات فرص الخاوات والسلب في قطاع التجارة وسط بيئة تتميز بتقوّض التدقيق إن
لم يكن الإفلات من العقوبات. وفي نهاية الأمر، سوف يدفع مثل هذا الوضع إلى بروز
ظاهرة «Sobel» حيث يعمل جنود الحكومة كمتمردين في الليل ويسطون على ممتلكات الدولة
والمجتمع المدني.
أما العنف الممتد من القاعدة إلى القمة فهو نتيجة لرد فعل معين يقوم به الأفراد في
وجه شحّ الموارد الاقتصادية، والتشكيك وانعدام الأمن. وهو ردّ مشروط، جزئياً، ببعض
العناصر ذاتها التي تسهّل نشوب العنف من القمة إلى القاعدة. فالصراع طويل الأمد،
على سبيل المثال، يمكن أن يتسبب بشكل خاص بإشعال فتيل النزاع من القاعدة إلى القمة.
إذ إن الشباب في مناطق النزاع يميلون إلى حمل السلاح كجزء من القوات الحكومية أو
الجماعات المتمردة المسلحة عند انعدام وجود توقعات لبدائل اقتصادية أو تقلصها. ولعل
المشاركة في النزاع المسلح لا تشكل طريقاً نحو أمان أفضل وحكم ذاتي فحسب، بل تقدم
أيضاً أفضل ضمان للبقاء اقتصادياً وسط حركة الحروب الأهلية. كما أنها ومع تزايد
عمليات الاستيلاء المسلح من قبل المحاربين على موارد البلاد، تضع السكان المدنيين
تحت ضغط متزايد مما قد يضطر الأفراد إلى حمل السلاح والدفاع عن أنفسهم.
هنالك ثلاثة عوامل إضافية تشجع على العنف الممتد من القاعدة إلى القمة.
1- الانعزال الاجتماعي والاقتصادي الملموس.
2- الافتقار إلى وجود منظمات ثورية قوية.
3- عدم معاقبة أو محاسبة مرتكبي الجرائم المسلحة. والتمرد الذي ينطوي على العنف ضد
جماعات عرقية معينة يمكن أن يُكافأ بمكتسبات اقتصادية أو بزيادة نفوذ أو بفرصة
لاستثارة مشاعر الغضب أو الكراهية ضد أفراد الأعراق الأخرى. ولعل مشكلة التحرك
الجماعي، التي، ووفقاً لكوليير، تفسّر غياب حركات تمرد قوية ومدفوعة سياسياً، يمكن
أن تؤدي إلى الخيار الإستراتيجي بمهاجمة الأفراد المدنيين بدلاً من النظام نفسه.
والإفلات من العقوبة في حال ارتكاب الجرائم يمكن أن ينبع بدوره من غياب القدرة على
تطبيق القوانين من القمة إلى القاعدة، ربما بسبب غياب التدريب أو الموارد أو تحويل
مكتسبات الموارد إلى القوات العسكرية. وعلى النقيض من ذلك، وعند مستوى القاعدة إلى
القمة تميل مسألة الإفلات من العقوبة لتعكس الافتقار إلى الالتزام الإيديولوجي
والتماسك بالنسبة لحركات التمرد. ويتوجب على المعارضة التي تحركها الإيديولوجيا،
ومن أجل أن تجتذب العدد الكافي من الأتباع، أن تبقى شرعية في أعين الجماهير. ولذلك
يتوجب عليها أن تعاقب أو تمنع جميع أشكال انتهاكات حقوق الإنسان التي تسعى هي إلى
إزالتها على المستوى الحكومي. ولكن عندما ينهار مثل هذا النظام فإن العنف الاقتصادي
من القاعدة إلى القمة يصبح المحصلة المتوقعة للأمور، خاصة عندما يلاقي تشجيعاً من
السلطة الحاكمة عبر التمييز في القمع والطرد أو في تقليص قاعدة الموارد لدى الحركات
المتمردة.
وتعرض الفرضية الاقتصادية المكملات الرئيسة لدوافع العنف على المستويات الممتدة من
القمة إلى القاعدة ومن القاعدة إلى القمة. فالدول الضعيفة وحركات المعارضة
الإيديولوجية القوية، واجهت بعضها البعض خلال الحرب الباردة، مدعومة بالسلاح والمال
من حلفائها من القوى العظمى. ومع انهيار القواعد الإستراتيجية والإيديولوجية لهذه
المنظومة، أدى الفراغ الناتج في السلطة إضافة إلى تراجع الدعم الاقتصادي الخارجي
إلى فتح المجال أمام فرص تحقيق الثروات الفردية وعلى مستوى النخبة التي تمت تغذيتها
في مرحلة ما بين الحرب والسلم. وتهدد الحرب بشكل عام وجود هذه النخبة عند كلا
الطرفين – داخل الحكومة وأوساط حركات التمرد- بينما يفشل السلام الشامل في المحافظة
على الحصانة المطلوبة من العقوبات، وفي إيجاد الغطاء لحرب تفتح المجال أمام تعطيل
حقوق الإنسان.
لذلك، تعتمد فترة الحرب الأهلية المدفوعة اقتصادياً، وبشكل جزئي، على مستوى التضارب
بين الحكومة وبين قوات التمرد. وإذا قامت الأطراف بتبني وجهة نظر طويلة الأمد حول
المكاسب المتدفقة عليهم نتيجة استغلالهم للمدنيين، فإن الفرضية الاقتصادية تبين
أنهم سوف يسعون للحفاظ على مستوى متوازن من العنف. وفي المقابل، إذا ارتفعت نسبة
الشك في المستقبل لدى المشاركين في النزاع، فإن التنافس حول الاستيلاء على المكاسب
الاقتصادية والرغبة في احتلال أراضٍ أخرى أو ادعاء ملكيتها سوف ترفع من وتيرة العنف.
وهذه الحركة تظهر نفسها على مستويين: إذ يتوجب على حكام الظل أن يسيطروا على
الانفلات وعلى انتزاع منافع الدولة الغائبة من أجل منع أي خسارة قد تلحق بنفوذهم
الشخصي لصالح أمراء الحرب. وعلى نقيض ذلك، وفي المناطق التي لا ترغب الدولة تقديم
خدماتها الحكومية أو لا تستطيع ذلك، فإن المتنفذين يستطيعون إدارة وتدبير الشؤون
الاقتصادية والأمنية عن طريق العنف وقد يحصلون على مكاسب سياسية خلال تلك العملية.
المصدر:
تخيّل التعايش معاً (تجديد
الإنسانية بعد الصراع الإثني العنيف) تحرير: أنطونيا تشايز ومارثا ميناو، ترجمة:
فؤاد السروجي الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى، 2006م.
|