الحضارية «دراسات الادارة المعاصرة»

السبت: 25/10/2008

 

أزمة الديون الخارجية وعلاقتها بإستراتيجية التنمية
تقييم برامج الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية(2/2)

معيزي جزيرة(*)
الدكتورة: نادية شطاب(**)
(خاص للمعهد)

ب. أثر الديون الخارجية على التنمية:
مما لاشك فيه أن حالة التخلف والفقر والتبعية التي تعيشها الدول النامية اليوم هي وليدة الديون الخارجية، هذه الأخيرة فسحت المجال أمام المؤسسات المالية الدولية للسيطرة على اقتصادياتها ووضع اليد على مواردها وثرواتها على حساب السكان المحليين، وذلك من خلال علاقات التبادل التجاري اللامتكافئ و تبني برامج التعديل الهيكلي، فالأولوية في الوفاء بالمعايير الاقتصادية والمالية والسياسية لتسديد الديون، وفتح الحدود أمام الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، ويمكن توضيح العلاقة بين الديون التبعية والفقر من خلال الشكل التالي:
الشكل رقم (03): حلقة الديون الخارجية وعلاقاتها المتبادلة مع التخلف والفقر

من الشكل أعلا يتضح أن التخلف والفقر قرينين لبعضهما البعض ينتجان من التبعية هذه الأخيرة تزيد من حدة التخلف والفقر وينتج عناه الديون الخارجية، كما أن الفقر والتخلف هما حصيلتا الديون الخارجية التي بدورها عمقت من درجة التخلف والفقر وأدت إلى تفاقم درجة التبعية الشيء الذي يؤكد على أن هذه العناصر تؤثر وتتأثر ببعضها البعض.
وتبدو العلاقة واضحة بين الديون والتنمية البشرية فقد وصل المبلغ المسدد من قبل البلدان النامية لخدمة الديون إلى 382 مليار دولار عام 2001(22) ويحرم هذا المبلغ المرتفع جدا الدول النامية من ثروات ثمينة تساعدها على محاربة الفقر، فالميزانية المخصصة لصالح الخدمات الاجتماعية في الكامرون وساحل العاج هي 4%،11.4 % في حين وصلت خدمة ديونها إلى 36% و 35% على التوالي، وحسب الدراسة المعدة من طرف منظمة اليونيسيف و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فأن مجموع الديون الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء تستنزف حوالي 40% من الميزانية الوطنية في حين لا تحظى الخدمات الاجتماعية الأساسية إلا بنسبة 13% من الميزانية الوطنية والشكل التالي يوضح ذلك:
الشكل رقم 04: المبالغ المالية المخصصة لصالح الخدمات الاجتماعية الأساسية بتلك المخصصة لخدمة الديون في عينة من الدول النامية للفترة 1992-1997

المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على:
اريك توسان، داميان مبيه، مرجع سبق ذكره، ص41

وتشير دراسة قامت بها مؤسسة «ديفالوبمنت» الأمريكية حول تمويل الصندوق لـ38 دولة في العقدين الأخيرين، إذ أن معظم الدول شهدت ارتفاعا في معدلات البطالة وانخفاض في الأجور، وتراجع المساواة في التوزيع الدخول، وازدياد الفقر وخفض الإنفاق الاجتماعي مقابل ارتفاع خدمات الدين، وبالتالي قد غيرت هذه البرامج خريطة الطبقات الاجتماعية
المحور الثاني: تقييم برامج الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية
شهد الاقتصاد العالمي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة أثرت بشكل واضح على نمط التمويل الدولي في أعقاب تفجر أزمة المديونية الخارجية في الدول النامية والانكماش المفاجئ والكبير في حجم القروض التجارية، إزاء هذه الأحداث بدا يتبلور لدى المؤسسات المالية الدولية اتجاه جديد لتدبير الأزمة عن طريق ما سمي ببرامج الإصلاح الاقتصادي التي توجت بصدور وفاق واشنطن سنة1989 بهدف مساعدة الدول النامية لإجراء تحولات في اقتصادها وهكذا أصبحت الإصلاحات الاقتصادية السمة الغالبة على جهود واستراتيجيات التنمية.
الإطار العام لبرامج الإصلاح الاقتصادي: تعاني معظم الدول النامية من مشاكل اقتصادية جمة أهمها انخفاض معدلات النمو الاقتصادي بسب تدهور المساعدات الإنمائية، انتشار البطالة وارتفاع الديون وخدماتها وعدم القدرة على تسديد أقساطها، ولتخطي هذه العقبة لجأت هذه الدول إلى تبني برامج الإصلاح الاقتصادي كخطوة أولية لتأهيل اقتصادياتها وتسهيل اندماجها في الاقتصاد العالمي والاستفادة من بعض مكاسبه في ضوء توجيهات ووصاية الثنائية الدولية.
1.1. مفهوم سياسات الإصلاح الاقتصادي: يمكن تعريف برامج الإصلاح الاقتصادي (التثبيت والتعديل الهيكلي) بأنها: «تلك الحزمة من القواعد و الأدوات والإجراءات والتدابير التي تتبعها الحكومة في دولة معينة تعاني من اختلال التوازن الداخلي والخارجي، وتكون مهمة هذه الحزمة من السياسات أن تعمل في مجموعها على تثبيت الاقتصاد وإحداث تصحيحات هيكلية لتحقيق أهداف معينة تصب في إعادة التوازن الداخلي والخارجي خلال فترة زمنية معينة»(23).
هذه الحزمة من الأدوات والوسائل تتمثل في الوصايا العشر التي تضمنها وفاق واشنطن والمتمثلة أساسا في(24):
1. سياسات الترشيد المالي الموجهة نحو تقليص عجز الموازنة وتخفيض الإنفاق العام وتشجيع الدول الانسحاب منها.
2. إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
3. الإصلاح الضريبي.
4. إصلاح نظام الصرف.
5. تأمين حقوق الملكية.
6. دمقرطة المؤسسات السياسية وتفكيك البيروقراطية الإدارية.
7. تحرير التجارة الخارجية.
8. خوصصة القطاع العام.
9. تشجيع الاستثمار الأجنبي.
10. التحرير المالي.
2.1. الفرق بين سياسات التثبيت والتعديل الهيكلي(25): تجدر الإشارة إلى أن سياسات التثبيت الاقتصادي تتصدى إلى علاج المشاكل الاقتصادية قصيرة الأجل (مشكلة التضخم، عجز الحساب الجاري) ويتم التركيز فيها على سياسات جانب الطلب الكلي والتي تحتوي على كافة الإجراءات والتدابير النقدية والمالية التي تندرج في الإطار التقليدي للسياسة الاقتصادية الكلية، وتتم تحت مراقبة صندوق النقد الدولي.
أما سياسات التعديل الهيكلي فتتم تحت اشراف البنك الدولي وتنصرف إلى معالجة الاختلالات التي تعترض مواصلة النمو في الأجل الطويل كالرقابة والقيود السعرية وتتولى سياسات جانب العرض التصدي لهذه الاختلالات، وهي بهذا المعنى تتضمن كافة الإجراءات التي تساهم في زيادة معدلات الادخار والتراكم الرأسمالي الثابت وتعظيم الاستثمار في رأس المال البشري من خلال توسيع وتطوير نطاق برامج التعليم والتدريب والتطور التكنولوجي.
3.1. منهج المؤسسات المالية الدولية في الإصلاح الاقتصادي: كما هو معلوم فبرامج الإصلاح الاقتصادي وصفة تفرضها الثنائية النقدية الدولية على الدول التي تعاني من اختلالات اقتصادية ومالية ضمن مرجعية نظرية متعددة الجوانب والأبعاد يمكن تفسريها على النحو التالي:
أ.النظرية النقدية: تقوم هذه النظرية على أساس الربط بين العجز في ميزان المدفوعات وسياسة خلق النقود، ويمكن توضيح ذلك من خلال العلاقة التالية:

تقوم النظرية النقدية على أساس أنه كلما زادت الكتلة النقدية كلما أدى ذلك إلى نقص في الموجودات الخارجية للبلد، كما أنه يمكن توازن ميزان المدفوعات طالما إن البلد يواصل الاستفادة من تدفقات صافية من رؤوس الأموال المتوسطة وطويلة الأجل، ولا يمكنه مواجهة مشكل التمويل في الأجل الطويل إلا من خلال ميزان جاري موجب، وفي الحالة العكسية يكون لزاما عليه استعمال احتياطاته من الصرف وتبني إجراءات التعديل والحل حسب هذه النظرية هو امتصاص الفائض الهائل في كمية النقود «عجز ناتج عن تضخم الكتلة النقدية».
ب.نظرية الامتصاص:تنطلق هذه النظرية من فرضية أن العجز الخارجي راجع إلى فائض في الطلب العام الذي يمكن تفسيره بالعلاقة التالية:
لدينا:Y :الدخل،M:الواردات، X:الصادرات، C: الاستهلاك، I: الاستثمار، A: الطلب الداخلي، CA:رصيد الميزان التجاري.


إذا كانت النفقات أكير من الإيرادات فهناك عجز في ميزانية الدولة ولسد هذا العجز تقوم الدولة بالاقتراض داخليا وخارجيا،وأن التوسع غير المراقب للقروض يؤدي إلى اختلال رصيد ميزانية الدولة ومنه ترتفع مديونيتها الخارجية «عجز ناتج عن ضعف الادخار المحلي».
ج.النظرية البنيوية(26):على خلاف النظريتين السابقتين ترى هذه النظرية أن العجز الخارجي يعود إلى جانب العرض العام الذي تتحكم فيه عوامل خارجية، التي يمكن حصرها في عاملين أساسيين هما:
- تدهور معدلات التبادل: يتعلق بشروط التبادل اللامتكافئ بين الدول المتقدمة والنامية بحيث تنخفض قيمة صادرات أمام ارتفاع قيمة الواردات المشكلة أساسا من السلع المصنعة ومواد التجهيز.
- ارتفاع خدمة الدين: يتم تفسيرها بالارتفاع في سعر العملة التي تتم بها الديون وانعكاسه على معدلات الفائدة في الأسواق المالية الدولية بما يفيد تضخم خدمة الدين الخارجي.
4.1.قياس فعالية برامج الإصلاح الاقتصادي(27): في ظل الاتفاق العام حول محتويات سياسات التعديل الهيكلي فأن قياس فعالية هذه البرامج تتم من خلال أربعة مناهج هي:
أ.منهج ما قبل وبعد: يستند إلى مقارنة عدة مستويات ودلالات الأداء الاقتصادي قبل وبعد تبني سياسات التعديل، توضح هذه الطريقة محاسن البساطة، لكن خطأها الأساسي هو كيفية عقلنه «كل الأشياء متساوية»، أي أنها تختص بمجموعة من النتائج في تطبيق البرنامج بدون الأخذ بعين الاعتبار لتأثير عوامل أخرى، وعليه فتقديرات هذا المنهج غير دقيقة وغير نمطية وتتغير من فترة لأخرى.
ب. منهج مع أو بغير: ينطلق هذا المنهج من فكرة مقارنة الأداء الاقتصادي للدول الخاضعة لبرنامج التعديل مع تلك المنجزة من طرف دول أخرى لا تطبق هذه البرامج، كما يتم تركيز التحليل على حقيقة التشابه بين الاقتصاديات المرسومة، وبالتالي تعكس الاختلافات المحصل عليها بين الدول المطبقة لبرامج التعديل وغير مطبقة له آثار التعديل الهيكلي.
لكن جوهر المشكلة أنه من الصعب إيجاد مجموعتين متجانستين تماما وتختلفان في تطبيق البرنامج من عدمه، كما يعاني هذا المنهج من سوء الاختيار بحيث يكون تقييم أثار البرنامج متحيزا.
ج. منهج التقييم المعمم: دفعت النقائص في المنهجين السابقين إلى تطوير هذا المنهج، ويستند إلى مقارنة الأداء الاقتصادي للدول الخاضعة للبرنامج والدول التي لا تطبق هذه البرامج مع الاعتراف بعدم عشوائية اختيار العينة ويتم تحديد الاختلاف بين المجموعتين، ولتطبيق هذا المنهج يتم التعرف على الشروط الأولية للمجموعتين وكذلك تحديد العلاقة التي تربط الأهداف الاقتصادية مع أدوات السياسات الاقتصادية المتغيرات الخارجية.
تسمح معدلات تغير السياسات بتحديد ماهية السياسات أما معدلات الشكل المختصر فتسمح بتحديد أثار السياسات المختلفة على المتغيرات المستهدفة مع التحكم في المتغيرات الخارجية.
على الرغم من تعقيدات هذه النظرية ومتطلباتها لمعلومات كثيرة،لكنها تقدم قدرا معقولا من آثار تطبيق برامج التعديل الهيكلي.
د.منهج المحاكاة: يقوم على مبدأ مقارنة الأداء الاقتصادي للدول التي تبنت برامج التعديل الهيكلي والدول التي تبنت السياسات البديلة، أي يعتمد على نماذج المحاكاة لاستنتاج أداء افتراضي لسياسات التعديل التي تطبقها هذه الدول ومقارنتها مع حزمة سياسات بديلة.
يعتمد منهج المحاكاة على العلاقة بين أدوات السياسة وأهدافها،فهو يوفر معلومات أفضل حول عمل السياسات وبخلاف المناهج السابقة فإنه لا يحدد أثار البرامج استنادا إلى الأداء الاقتصادي الحالي للاقتصاد في الدول التي تطبقها.
2. تقييم سياسات الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية:
لقد أخذت عملية الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية بالتسارع منذ تفجر أزمة المديونية وصدور وفاق واشنطن الذي روجت له المؤسسات المالية الدولية والدول الرأسمالية المتقدمة برئاسة الو،م،أ كأحد الخطوات الهامة لتأهيل هذه الاقتصاديات و معالجة الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها بما يتوافق والتخلي عن إجراءات الحماية الاجتماعية، خصخصة القطاع العام وتحرير التجارة..إلخ.
ويمكن الوقوف على أهم نتائج سياسات الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية والبرهنة على مدى نجاحها أو فشلها في تحقيق الأهداف المطلوبة من خلال استعراض ما تحقق في مجالات النمو الاقتصادي، البطالة، الفقر، المديونية الخارجية التبعية وفيما يلي عرض موجز لأبرز التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها فترة الإصلاح.
1.2.النمو الاقتصادي: تشير البيانات المتاحة من المصادر المتعددة إلى أن معدل النمو الاقتصادي العالمي مقاسا بالناتج المحلي الحقيقي قد عرف ارتفاعا ملحوضا خلال سنة 2003 بنسبة 3.9%،بعدما كان 3% سنة 2002 ويرجع السبب في ذلك على تحسن معدلات النمو في الدول النامية والصناعية على النحو الذي يبينه الشكل التالي:
المصدر:
بالنسبة للإحصائيات من1983- 2001 النشرة الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، مرجع سابق.
بالنسبة لإحصائيات سنة 2002-2003 التطورات الاقتصادية العالمية: عن موقع: www.cbl.ly.com
يتضح جليا أن معدلات التضخم في ارتفاع مستمر بداية من سنة 1993 حيث بلغت حيث بلغت أقصاهابـ635.8% لتعرف بعد ذلك تحسنا بداية من سنة 1996 حيث قدرت بـ11 %و 6% في الدول النامية، ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك هو ارتفاع سعر العملات الأجنبية، العجز بميزان مدفوعات الدول النامية فضلا على المضاربة على الدولار لتحقيق أرباح سريعة.
3.2. العجز في الموازنة والحسابات الجارية: عرفت البلدان النامية عجز متواصل في ميزانيتها العامة بداية من سنة 1993، بحيث قدرت بـ-6.8% لتعرف بعد ذلك تحسنا سنة 1999 حيث قدرت بـ -2.2%،
ويرجع السبب في ذلك إلى ما تقتضيه سياسات الإصلاح الاقتصادي من خفض عجز الموازنات وتقييد النفقات وتراجع دور الدولة، ثم بدأت بالتدهور من جديد لتقدر سنة 2002 بـ-2.3% وهذا راجع إلى ارتفاع أسعار النفط والذي أدى إلى تفاقم عجز الموازنات العامة في الدول النامية المستوردة له.
أما فيما يتعلق بالحسابات الجارية فإن هذه الأخيرة سجلت عجزا قدر بـ - 5 بليون دولار سنة 1992 بالنسبة للدول التي تمر بمرحلة انتقالية و 8.5 بليون دولار في الدول النامية وتشير الإحصائيات إلى إن الحساب الجاري قد حقق فائضا خلال سنة 2000 بـ7 بليون دولار ليحقق عجزا بـ-3 بايون دولار سنة 2001.
4.2. ازدياد الفقر والأمية: يمكن تلخيص أهم نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي من خلال التقرير الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بشأن قمة الألفية لسنة 2000، إذ شبه العالم بقرية صغيرة يسكنها 100 شخص ومن بينهم 78 % فقيرا يعيشون بأقل من دولارين في اليوم و 15 % غني و7 % يمرون بمرحلة انتقالية، وتشير تقارير الأمم المتحدة لسنة 2003 أن في العالم اليوم 6.8 مليار شخص يعيشون عل أقل من دولارين في اليوم و 1.2 مليار شخص يعيشون على أقل من دولار في اليوم وهم فقراء فقرا مدقعا كما إن معدلات الأمية لا تزال تتعدى 50 % في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء و 35 % في جنوب أسيا28، ولعل السبب الرئيسي وراء هذه الأرقام المذهلة يعود إلى:
- تأثير السياسات الانكماشية على خسارة مناصب العمل وارتفاع البطالة.
- عمليات الخصخصة و ما نجم عنها من تسريح العمال.
- تحرير التجارة الخارجية وانعكاساته السلبية على الصناعات المحلية وبالتالي على فرص العمل.
وفي ضوء الدراسة التي أدتها الشبكة الدولية للمراجعة التشاركية لبرامج التكيف الهيكلي SAPRIN فيما يخص بحث الآثار الاقتصادية والاجتماعية لبرامج الإصلاح الاقتصادي في عينة من الدول النامية ضمت تسع دول للفترة 1997-2002 التي نوجز منها(29):
- أدت سياسات التحرير التجاري التي نصت عليها سياسات الإصلاح الاقتصادي إلى تكريس علاقات التبادل غير المتكافئ بين دول الدراسة والدول المتقدمة بحيث عرفت نموا كبيرا في واردات هذه الدول على حساب صادراتها، الأمر الذي زاد من حجم العجز في الميزان التجاري والحساب الجاري لميزان المدفوعات وبالتالي تضخم المديونية الخارجية وتعثر العديد من المشروعات الوطنية سيما المتوسطة والصغيرة بسبب ضعف قدرتها التنافسية أمام الواردات الرخيصة فضلا عن تدهور معدلات التوظيف وارتفاع نسب البطالة.
- أدى التحرير المالي إلى ضعف الكفاءة الاقتصادية وفي القطاع البنكي واتساع الفجوة بين سعر الفائدة على الإقراض وسعر فائدة الادخار في دول الدراسة، فضلا على إضعاف دور الدولة وزيادة تعرض اقتصاديات هذه الدول للصدمات الخارجية.
- أما فيما يخص الآثار على قطاعي التعليم والصحة فقد أثبتت أن الإصلاحات المتبعة أدت إلى تخفيض محسوس في دور الدولة وتقديم الخدمات المجانية العامة لغالبية السكان وجعلها تخضع لقواعد السوق.
3. الانتقادات الموجهة لبرامج الإصلاح الاقتصادي«تموذج التنمية الليبرالية».
يرى الدكتور رمزي زكي أن المحتوى التنموي لبرامج الإصلاح الاقتصادي كثيرا ماانطوى على علاقة سيطرة وهيمنة الدول من الخارج وعلى استبداد وتقييد للحريات من الداخل في ظل تغييب شبه تام لمصطلحات العدالة الاجتماعية والتنمية أمام الاستخدام الواسع لمصطلح الإصلاح والتكيف بما نجم عنه تعطيل الإرادة الوطنية وزيادة تبعية الدول المطبقة لهذا النموذج للدول الرأسمالية المتقدمة.
والتبعية(***) في هذا السياق تنطوي على علاقة استغلال وتبادل غير متكافئ بين الدول المتقدمة والنامية، من هنا يمكن حصر المداخل الأساسية التي يؤدي من خلالها تطبيق هذا النموذج إلى التبعية فيمايلي:
1.3. مدخل تدخل الدولة: إن ما ينطوي عليه برامج الإصلاح الاقتصادي من تقليص لدور الحومة في النشاط الاقتصادي كأحد الاتجاهات الرئيسية لإدماج الاقتصاد المحلي في الاقتصاد العالمي، سيترتب عنه لا محالة إضعاف السيادة الوطنية، وتآكل الحيز المتاح للسياسات الوطنية أمام صانعي وواضعي السياسات الاقتصادية في الدول النامية وبالتالي تعطيل الإرادة الوطنية.
2.3. مدخل تحرير التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر:إن الوقائع التاريخية أثبتت أن ما حققته الدول المتقدمة في مجال التنمية لم يتأتى إلا تحت أسوار الحماية، وبالتالي فإن ما يدعوا إليه هذه النموذج سيدخل اقتصاديات الدول النامية المتميزة بضعف قدرتها التنافسية في سباق غير متكافئ سيقضى على الصناعات الناشئة بهذه الدول ويضعف رأسمالها المحلي وهو ما يتنافى مع إعلان الحق في التنمية الذي أصدرته الأمم المتحدة سنة 1986، وبالتالي فإن التحرير قبل التمكين خطر جسيم سيؤدي حتما إلى التبعية.
3.3. مدخل الخصخصة والتحرير المالي: إن أهم ما يترتب على تطبيق هذه البرامج هو المساس بالسيادة الوطنية للدول النامية عن طريق سياسة الخصخصة التي تفتح الباب على مصراعيه أمام ملكية الخواص والأجانب للأصول الوطنية والتي قد تؤدي إلى سيطرتهم على السوق الوطنية فهي بهذا المعنى تعني إعادة توزيع الثروة لصالح البرجوازية المحلية والأجنبية(16)، كما أن التحرير المالي وما يتضمنه من حرية انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود الإقليمية للدولة قد يزيد من احتمال تعرض اقتصاديات الدول النامية للازمات بفعل هشاشة أسواقها ونظمها المالية وخروج رؤوس الأموال الخاصة المحلية إلى الخارج،كل هذه العوامل تعد من تداعيات تكريس التبعية.
يتضح من خلال ما سبق أن برامج الإصلاح الاقتصادي هي أحد وسائل الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي انطوت على الخصخصة، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية ووصفة تنموية لإنقاذ الدول النامية التي تتخبط في أزمة المديونية والتخلف في ظل الاعتقاد بأن المكاسب الاجتماعية لهذه البرامج ستتجاوز خسائرها، غير أن الواقع العملي أثبت إن هذه البرامج قد أفضت إلى نتيجتين هما تراجع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة تهميش الشعوب الفقير وتفاقم حجم مديونيتها الخارجية.
الخاتمة:
يتضح من الدراسة أن الظروف الاقتصادية والمالية التي مرت بها الدول النامية بداية من الربع الأخير من القرن العشرين كانت أحد أسباب التخلف التنموي لهذه الدول ودخولها في مصيدة الديون الخارجية وما نتج عنها من تعميق تبعيتها وارتباطها بالدول الدائنة في ظل علاقات تبادل غير متكافئة جسدها مضمون الليبرالية الاقتصادية الجديدة (الإصلاح الاقتصادي) براعية المؤسسات المالية الدولية.
وتشير العديد من الدراسات إلى وجود علاقة طردية بين تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية وبين التأثيرات المختلفة التي حدثت في هذه الدول ولعل أهمها انتشار الفقر، البطالة،تدني الأجور، وخفض الإنفاق الاجتماعي...إلخ، وبالتالي فشلها في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية المنشودة بسبب عدم ملاءة هذه البرامج لطبيعة وواقع اقتصاديات هذه الدول.
في ضوء هذه النتائج بدت الحاجة واضحة للبحث عن نموذج تنموي جديد يأخذ في اعتباراته خصائص هذه الدول لمواجهة تحديات البطالة، الفقر، الديون خاصة وأن وهناك قناعة راسخة بعدم وجود نموذج أو سياسة تصلح لأغراض التنمية في كافة الدول الأمر الذي أدى إلى ظهور مفهوم التنمية المستقلة هذا الأخير الذي يفسح المجال أمام المبادرات الوطنية في ضوء تعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية سيما البشرية وترشيد استخدامها بما يحقق هدف النمو الاقتصادي ويرفع من درجة الإشباع للحاجات الأساسية ويوسع مجالات التعاون بين دول العالم الثالث عن طرق تعزيز الحوار والتكتل جنوب جنوب الذي من شأنه أن يقوى القدرات التفاوضية لهذه الدول مع المنظمات الدولية فيما يتعلق بمسالة الديون الخارجية، والتبادل التجاري، والتكنولوجيا...إلخ.
وفي هذا السياق يمكن القول أن عملية الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن تأخذ في طياتها أبعاد الإصلاح المؤسساتي والقانوني جنبا إلى جنبا ونرى من الضروري أن يتبنى الإصلاح الاقتصادي الاهتمام بـ:
- البيئة الاقتصادية الخاصة بالدول النامية.
- الحفاظ على القطاع العام وترشيد الإدارة الاقتصادية له بما يحقق القضاء على مظاهر الفساد الإداري.
- تنمية الموارد البشرية والعمل على زيادة تخصيص الموارد المالية للنهوض بقطاع التعليم الصحة، والنظر إلى هذا الإنفاق باعتباره تنمية للموارد لا استنزاف لها.
- الإفصاح المعلوماتي وحرية التعبير، إذ يعتمد الإصلاح الاقتصادي بدرجة كبيرة على المعلومات الاقتصادية الصحيحة التي تمس مختلف جوانب النشاط.
- حماية الفئات ضعيفة الدخل والعمل على توفير التمويل للمشروعات المصغرة، وإعطائها العناية الكافية باعتبارها الحل الأمثل للمشكلات التي يعاني منها سوق العمل سواء من حيث خلق فرص العمل أو رفع كفاءة الاستخدام، أو تقليص الفقر وتفاوت الدخول.

المراجع
ــــــ
(*) جامعة 08 ماي 1945- الجزائر
(**) جامعة باجي مختار عنابه - الجزائر
22. ايريك توسان، داميان مبيه، مرجع سابق، ص43.
23. عبد المطلب عبد الحميد، السياسات الاقتصادية، مكتبة زهراء الشرق،1997، ص410.
24. وداد احمد كيكسو، العولمة والتنمية الاقتصادية، نشأتها، تأثيرها، تطورها، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص19.
25. سميرة إبراهيم أيوب،صندوق النقد الدولي وقضية الإصلاح الاقتصادي والمالي، مركز االاسكندرية للكتاب،2000،ص ص 12-13.
26. عبد الغاني عارف، الدول النامية وأثار الدين الخارجي، برامج التقويم الهيكلي نموذجا،عن موقع:http://www.rezgar.com
27. بلقاسم عباس، التثبيت و التصحيح الهيكلي، جسر التنمية، عن موقع: www.arab-api.org
28. منير الحمش، مأزق التنمية في بلدان العالم الثالث في ظل آليات العولمة الاقتصادية، ورقة مقدمة إلى المؤتمر العلمي السابع للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، القاهرة عن موقع:www.asfer.org . إبراهيم العيسوي، نموذج التنمية المستقلة – البديل لتوافق واشنطن وإمكانية تطبيقه في زمن العولمة، ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي الذي عقده المعهد العربي للتخطيط حول مقاربات جديدة لصياغة السياسات التنموية، يومي 20 و 21 مارس 2006، عن موقع: www.arab-api.org
*** عرف دوس سانتوس التبعية بأنها الحالة التي يكون فيها اقتصاد بلد ما مشروطا بتنمية وتوسع اقتصاد بلد أخر وبالتالي افتقاده لقوة الدفع الذاتي.