الحضارية «دراسات الادارة المعصارة»

الثلاثاء: 14/10/2008

 

الفساد السياسي

عماد صلاح عبد الرزاق الشيخ داود

يشكل الفساد السياسي قمة الهرم ما بين أنماط الفساد الأخرى التي تناولناها بالدراسة في بحثنا هذا، على أنه النمط الأخطر في موضوعة الفساد التي كما أسلفنا لا يمكن الفصل التام بين أنماطها لعملها بشكل متداخل في تأثيرها الضار على المجتمع والدولة، لذلك حاز الموضوع جانباً كبيراً من اهتمام الكثير من المفكرين. ولإعطاء المفهوم دقته المتناهية ولتحديد معنى المصطلح بشكل واضح سنتناول بعض المفاهيم الذي ذكرت في هذا الصعيد.
حيث يرى (H.A.Brasz) في بحثه الموسوم (سوسيولوجيا الفساد):
«إن الفساد السياسي هو المرادف للقوة التعسفية (أي بمعنى استعمال القوة لتحقيق غرض يختلف عن الغرض الذي على أساسه تم منح هذه القوة) التي يطلق عليها مصطلح (Abuse of Power) والصفة المميزة لهذا هل ممارسة السلطة الرسمية تحت ستار المشروعية القانونية، (أي التظاهر بالمشروعية والتطابق مع القانون) إلا أن الغرض من هذه الممارسة ليس هو تحقيق ما تنص عليه القوانين أي المصلحة العامة وإنما تحقيق المصلحة الخاصة للقائم بهذه الممارسة»(1).
فيما يرى صموئيل هنتغتون (Samuel Huntigtion):
«إنه الوسيلة لقياس مدى غياب المؤسساتية السياسية الفاعلة».
أي أنه عرف الفساد من خلال وجود المؤسسات السياسية أو عدمها أي أنه ربط بين التنمية السياسية والفساد(2).
في حين يعرفه ا.د. جلال عبد الله معوض:
«إنه السلوك القائم على الانحراف عن الواجبات الرسمية المرتبطة بالمنصب العام، سواء كان شغل هذا المنصب يتم بالانتخاب أو بالتعيين في سبيل تحقيق مصلحة خاصة، سواء أكانت هذه المصلحة شخصية مباشرة تتعلق بشاغل المنصب أو عائلية أو طائفية أو قبلية، وسواء أكانت هذه المصلحة تتعلق بمكاسب مادية أو غير مادية، وذلك من خلال استخدام إجراءات أو الالتجاء على تعاملات تخالف الشرعية القانونية»(3).
في حين أن الدراسة ترى أن الفساد السياسي يعني:
«الخرق الواضح لقيم النزاهة في أداء الواجب الرسمي عن طريق استخدام اللاحق على أنه حق. وتحقيق الإثراء على حساب الغير، وعلى حساب المال العام. إنه استغلال النفوذ للاعتداء على قدسية القانون من خلال العلاقات الشخصية وقيم التمييز العرقية، بحيث تكون المحسوبية والمحاباة دليل عملٍ لأصحابه».
وبعد تعريفنا لمفهوم الفساد السياسي سوف ننتقل بالدراسة والتحليل لصور هذا النمط المتمثلة بما يأتي:
1ـ فساد القمة (Top - Corruption):
يعد هذا الفساد الأجدر بالدراسة بين صور الفساد السياسي، على حد توصيف (أستاذ العلوم السياسية/ د. جلال عبد الله معوض) الذي يرى فيه الصورة الواجب دراستها بعمق التي ينبغي التركيز عليها من بين صور الفساد السياسي الأخرى حيث تشكل المرتكز الأساس لفساد المستويات الدنيا منها، وتجعل آثاره أخطر انواع الفساد(4).
وترجع خطورته إلى ارتباطه بقمة الهرم السياسي في كثير من أشكال النظم السياسية لانتفاع من يتولى القمة بالخروج عن حكم القانون بالمكاسب الشخصية التي تجني الثروات الطائلة(5). لذلك يوصف استشراء هذا النمط بأنه (الفساد الكثيف للقمة) (Top Heavy Corruption) حيث يجري العمل على أساس آلية تعرف بإطار (الرئيس ـ العملاء) (Patron – Client Ties) التي تتعامل القمة من خلاله لجني ريع الفساد.
إن الآلية المشار إليها ترتبط بنمط حكم هو الحكم (الأبوي ـ العصبوي) حيث تمثل القمة البؤرة التي ترتكز فيها السلطة السياسية ومنها تنبعث وتشع إلى العناصر (الاكثر ولاءً للقمة) التي تمثل بدورها نقاطاً فرعية بالنسبة إلى العناصر الأخرى الأقل تأثيراً ونفوذاً واقتراباً من القمة (أي نقاط وسيطة بين القمة وتلك العناصر الأخرى) وتتسم العلاقات الرأسية في هذا الأنموذج بالولاءات الشخصيانية، بينما تتسم العلاقات الأفقية بين النقاط الفرعية بالتنافس والصراع من أجل إظهار قوة الولاء للقمة السياسية ومحاولة الوجود على مقربة منها دائماً(6).
إن علاقة (الرئيس ـ العملاء) هو شكل من العلاقات المسماة العلاقات الـ(هيراركية)(7) التي فسرها الكاتب (جيمس سكوت) على شكل المخطط الآتي:
ثم وضع (سكوت) تفسيره الآتي عليها:
إن الفساد يعبر عن علاقات وروابط شخصية في شبكة غير رسمية تقوم على العلاقات (الرأسية) وهو ما يتضح (بالشكل) حيث نجد أن (B) و(C) ما العميلان للقمة (A) وهما بدورهما يمثلان رئيسين بالنسبة إلى النقاد (E,F,G) ارتباطاً مع (B) و(H,I,J) ارتباطاً مع(C)(8).
ثم يضيف قائلاً: إن من سمات هذا المخطط:
1ـ أن الروابط فيه رأسية العلاقة، ومن غير المحتمل أن تكون هنالك روابط أفقية.
2ـ رأسية الرابطة تعكس اختلافات المكانة لكل قمة عن أتباعها فمكانة (A) أعلى من (B) والأخير أعلى من (F).
3ـ أن كل رابطة رأسية مباشرة أساسها المواجهة أو ما يطلق عليه (Face of face Relation) ويمكن لكل قمة رئيسة وسيطة توسيع نطاق أتباعها وبالتالي تزداد السيطرة التي يتمتع بها قمة الهرم.
4ـ أن النقاط الصغرى مثل (J) و(F) ترتبط من خلال القيم الوسيطة (B) و(C) بأعلى قمة الهرم(A) ويكون شكل النظام في العلاقات هو النظام الشبكي الذي يمثل نوعاً من الطابع المصلحي النفعي في المال.
ويمكن لصغار النقاط مثل (J) و(E) أن تتحول بولائها إلى قمة أخرى لمسك علوية الهرم تبعاً لتحول ولاء القمم الوسيطة إذا ما تحولت بولائها (باختفاء القمة العلوية) إلى (قمة علوية أخرى).
5ـ أن الرابطة الشخصية بين القمة والأتباع قد تنبع من علاقات (أسرية)، (شخصية)، (قيادات إدارية ومرؤوسيها)، (روابط صداقة)، أو (روابط منفعة بحتة) للحصول على منافع (ريع الفساد).
6ـ تعمل هذه الشبكات بشكل ائتلافات أو تحالفات وتقود للمحاباة والكسب الشخصي(9) ولكي نضع طروحات (سكوت) قيد التطبيق سنتناوله بالدراسة (حالة أندونسيا) أولاً، حيث تعد حالة أندونيسيا حالة صارخة في مجال ممارسة الفساد خاصة عندما أعلن الرئيس (سوهارتو) الترشيح لفترة سابعة في آذار 1998م، بعد مدة حكم بلغت اثنتين وثلاثين سنة، أطلق فيها اليد لأولاده، وأقاربه، وأصدقائه (راجع مخطط الممتلكات نهاية الفصل لطفاً) في السيطرة على مقدرات الدولة مجسداً حالة (الرئيس ـ العملاء)(10). حيث أن التمادي في الفساد جعله يضع في وزارته بعد إعادة انتخابه في آذار 1998م شخصيات متهمة في ذممها وليست فوق الشبهات.
إذ ذكرت وسائل الإعلام أسماء أربعة من وزرائه «ضمن التشكيلة للوزارة المشار إليها» على أنهم مرتشون أو مستولون على أموال عامة بملايين الدولارات الأميركية، وعلى رأسهم صديقه وزير السياحة والثقافة، الذي أجمعت كل الأطراف المتهمة على أنه حصل على مبالغ كبيرة من صندوق التأمين على العمال أثناء عمله وزيراً سابقاً للعمل.
حيث عمل (سوهارتو) في حينه جاهداً على حماية ذلك الوزير المتهم وتمرير الموضوع دون محاكمة مما يعكس شكل العلاقة بينهما(11).
جدير بالذكر أنه بعد استقالة الرئيس الأسبق (سوهارتو)، وتولي رئيس منتخب جديد (عبد الرحمن وحيد) السلطة في أندونيسيا(12) (في حينه) بدأت ملفات الفساد الخاصة بالرئيس الأسبق بالظهور، حيث قدرت أختلاساته بـ (571) مليون دولار من الأموال العامة(13) . جراء ذلك وجهت إليه (سوهارتو) التهمة للمثول أمام القضاء الأندونيسي، لمحاكمته على قضايا فساد خلال حكمه بعد أن فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، من جهة ثانية اصدر القضاء الأندونيسي حكمه على (تومي) أصغر أنجال (سوهارتو) بالسجن لمدة (ثمانية عشر شهراً) بتهمة الفساد أيضاً(14). يتضح لنا من خلال ما تقدم كيف أن لفساد القمة وعلاقاتها بأركان (متفرعة) مرتبطة بها من ابتزاز لموارد الدولة والمجتمع تتجلى في أنموذج(الرئيس ـ العملاء).
يضاف لمثالنا عن الحالة الأندونيسية حالات عدة تتجلى فيها صورة الفساد القمة. منها مثلا ًما عرفته الأوساط في تركيا أثناء فترة حكم الرئيس (تورقوت أوزال) حيث تشير الدلائل إلى هيمنته على العملية السياسية داخل الحزب الحاكم والسلطة التنفيذية برمتها في حينه (الذي يجب عليه أن يكون حيادياً لأن شرط توليه الرئاسة تستوجب استقالته من الحزب) مما سمح له باستغلال نفوذه، لتكوينه هو وأفراد أسرته ثروات طائلة عن طريق ممارسة أنشطة متنوعة صناعية، وتجارية، ومالية كان الأصل فيما فساد القمة التي يتربع عليها (أوزال)(15).
من ناحية أخرى نضع تحت دائرة الضوء أنموذجاً آخراً هو بالتحديد ((الأنموذج الزائيري) (الكونغو حالياً) في إبّان عهد (سيسيسيكو)) مثالاً لفساد القمة يطلق عليه نمط (الدولة ـ القرصان) (Pirate - State)، حيث أضحى جهاز الدولة عند الرئيس الأسبق (موبوتو سيسيسيكو) مؤسسة للفساد ونهب الفائض الاقتصادي لصالح حفنة من المنتفعين، يمثل سلوكهم الفاسد جوهر مفهوم (الدولة ـ القرصان) الذي يجسده (سيسيسيكو) ذاته، حيث كان يحصل طبقاً لما أوردته مصادر عدة ضمن سلطته المطلقة التي يستخدم فيها كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة على (17%) من إجمالي الميزانية القومية للدولة كمدفوعات نظير خدماته الرئاسية، فضلاً عن سيطرته على استثمارات الدولة في الغالب، واستخدامه أموال الدولة في رشوة العناصر المعارضة له بغية خلق جماعة من المنتفعين لتدعيم وتأييد سلطاته ونظام حكمه السلطوي.
يضاف إلى ذلك سيطرته على معظم الأسهم في أكبر شركة لسيارات الأجرة في البلاد وكذلك أسهم (بنك كينشاسا) وناطحات السحاب في (كوت ديفوار)، وكذلك حصوله على حصة الأسد في شركة (زائيرـ لوكس)(Zaier - Lux) المسوقة للسلعة الترفيه والكمالية، ناهيك عن الفلل الضخمة في أجمل بقاع الأرض ومنتجعاتها(16).
إن (موبوتو) يمثل فساد القمة في زائير (كدولة جنوب) ويجسد فساد الشمال في الوقت نفسه لدعمه فاسداً مثله. حيث في تقرير مفصل نشرته صحيفة (فاينانشيال تايمز) أوضح أن صندوق النقد الدولي أقرض زائير (بضغط م الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى)، أكثر من مليار دولار في ثمانينات من القرن المنصرم برغم تلقي الصندوق تقريراً من أحد كبار موظفيه يحذر فيه من أن حكومة (موبوتو) فاسدة تماماً. وبرغم ذلك وصل مجموع الإقراض متعدد الأطراف لزائير ما بين 1982م ـ 1994م إلى زهاء (2مليار دولار أميركي). مما يدل على أن للشمال ضلعاً في فساد الجنوب(17). إن كانت المصالح تقتضي ذلك.
بعد ذلك إذا ما انتقلنا إلى عالم الشمال نجد أن لفساد القمة أمثلة واضحة تسببت في مغادرة أصحابها لقممهم نتيجة لكشف النقاب عن فضائحهم تلك فالأنموذج الألماني يكشفه أنه في بداية العام 1991م، تم اكتشاف قيام رئيس الوزراء (لوثر سبايث) ـ (Lother Spaeth) لمقاطعة بادن (من الحزب الديمقراطي المسيحي CDU) مع أفراد أسرته برحلات لخارج ألمانيا، تحملت بعض الشركات الخاصة تكلفتها مقابل حصولها على تسهيلات مادية من الحكومة. مما أسفر عن تقديم استقالته مباشرة بعد اكتشاف قيامه بتقاضي رشاوى وقبول تلك الرحلات.
من ناحية أخرى وباستقراء لوضح بلد مجاور جغرافياً للأنموذج الألماني، وهو الأنموذج الروسي نلحظ أن فساد القمة ظهر متأصلاً في ذلك البلد، حيث يبزر تمتع القمة بسلطات واسعة في (عهد يلتسين) ووجود مجموعة من المنتفعين حوله يمثلون النقاط الفرعية القمم الوسيطة «بالعودة إلى نموذج سكوت وآلية فساد (الرئيس ـ العملاء)» يوصفون باللصوص المستفيدين من صلاحيات القمة الواسعة حسب تعليق (يوري سكوارتوف)(18) ـ وذلك لنفوذ (يلتسين) وسيطرته على الكثير من مفاصل الدولة الروسية ووزارتها(19). الأمر الذي حدد سلطات رئيس الحكومة بشكل واضح ليصبح وضعه لا يعدو كونه موظفاً عمومياً محدوداً مقيداً بسلطات واسعة لرئيس الدولة الذي يعتمد على مستشارين كثر لم ينالوا ثقة البرلمان لحجب الثقة عن معظمهم كوزراء سابقين، ليأتي على رأسهم كمستشار أول قائم بأعمال الحكومة الروسية (جايدار) الذي أهدر مليارات من مدخرات الروس ببنوك توظيف الأموال التي أعلنت إفلاسها لاحقاً.
وفي ذات الإطار نجد أن مجلس (الدوما) الروسي اتهم ضمن جملة اتهامات الرئيس السابق (يلتسين) بأنه مارس حملة لإبادة الشعب الروسي وإفقاره من خلال اتباع تغيرات أدت إلى انهيار الاقتصاد ونهب ثروات الدولة(20).
مما تقدم نلخص مدى خطورة فساد القمة كصورة من صور الفساد السياسي لما تشكله القمة من لبنة أساسية ترتكز عليها لبنات أخرى في الهرم السياسي للدولة.
فإذا ما كانت هذه اللبنة الأساسية قد ضربها الفساد فإنها لا محالة قد تحولت من كتلتها الصلدة إلى كتلة هشة يمكن أن تنهار في أية لحظة والتي بانهيارها ينهار البناء كاملاً ويتداعى مخلفاً ركاماً من الصعوبة بمكان إصلاحه بجهد يسير.
ولنا في الركام الذي تعاني منه زائير (الكونغو) وروسيا خير دليل على ذلك.
بعد هذا سننتقل لتوضيح صور الفساد السياسي الأخرى التي هي تحصيل حاصل ناجمة عن فساد القمة في الغالب.
2ـ الفساد الهيئات التشريعية والتنفيذية:
يكشف لنا عنوان الصورة الثانية من صور الفساد السياسي عن فساد المراتب التي تلي القمة من حيث الترتيب في هياكل سلطات الدول، للتنويه على ما يترك فعلها وممارستها الفاسدة من بصمات على مجتمعاتها.
لذا ومن خلال هذه الدراسة سنتناول بعض الأنموذجات التي تعرض لفساد الهيئات المذكورة، ونبدأ بفساد الهيئات التشريعية. حيث تشهد كثير من دول العالم فضائح لجوء أعضاء هذه الهيئات إلى استغلال (النفوذ، ومميزات الحصانة البرلمانية) لمباشرة أنشطة غير مشروعة تحقق لهم بالتالي ثروات طائلة، أو استفادات معينة لهم ولذويهم أو لخاصتهم. لهذا قد تكون هذه الأنشطة إما (أعمال تقاضي رشاوى أو قبض عمولات من مستفيدين لتسهيل إصدار قرارات تشريعية تخدم مصالحهم، أو للحيلولة دون إصدار قرارات معينة تقييد أعمالهم، أو لتسريب معلومات سرية عن نشاطاتهم المشبوهة تناقشها تلك الهيئات إليهم).
أو (العمل على دعم مقترحات تشريعية تخدم (الحزب السياسي/أو دائرة المنتخبين أو العائلة) التي ينتمي إليها العضو النيابي دون الاهتمام للمصلحة العامة ككل مما يظهر ان الفساد في هكذا تصرف يبدو جلياً واضحاً)(21).
ولعل ذلك يتجلى واضحاً من دراسة (الأنموذج الفلبيني) في إبّان عهد الرئيس الأسبق (فرديناند ماركوس)، حيث احتفظ أعضاء مجلس الشيوخ بمستويات معيشية واستهلاكية تتجاوز بكثير عوائدهم الرسمية، وقد كون معظمهم ثروات طائلة في أثناء عضويتهم بالمجلس المذكور نجمت عن ممارسات استغلال نفوذ لتعاطي أنشطة محظورة قانوناً مثل نوادي المقامرة، إدارة عمليات تهريب،والتستر على شبكات البغاء(22).
بعد ذلك ننتقل لنوضح أن عالم الشمال قد شهد حالات فساد لأعضاء هيئاته التشريعية كشف عنها النقاب في الكثير من الأوساط الإعلامية والسياسية، حيث سنتناول أنموذج الهيئة التشريعية في الولايات المتحدة الأميركية كمثال لهذه الحالات في دول الشمال. حيث تم إعلان استقالة النائب (نيوت جنجريتش) رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب، (في إبّان عهد الرئيس كلنتون) بعد تسرب أنباء استغلاله لنفوذه وتهربه من الضرائب (نصف مليون دولار أميركي)، الأمر الذي اضطر (جنجريتش) إلى الإقرار بذلك والاعتذار عنه، ثم اضطراره أيضاً بعد ذلك إلى انسحاب من رئاسة ما تبقى من مدة مجلس النواب(23).
مما تقدم تظهر خطورة فساد الهيئات التشريعية التي تكون مهمتها دائماً المراقبة على ممارسات السلطة التنفيذية وكذلك صلاحياتها في إصدار التشريعات فضلاً عن ما تتمتع به من حصانات لذلك يرى الدكتور (إكرام بدر الدين)(24) «أن هذا الشكل من الفساد هو أخطر أنواع الفساد المعروفة حيث إذا ما تطرق الفساد إلى البرلمان يكون من السهل أن يوجد أيضاً على مستوى الوزارة وعلى مستوى الأحزاب السياسية، وبعبارة أخرى يمكن النظر إلى الفساد البرلماني باعتباره المتغير المستقل بالنسبة للفساد المؤسسي بصفة عامة، ويمكن الاستدلال على فساد أعضاء البرلمان من المستوى المعيشي والاستهلاكي لهم، فإذا كان يفوق ما يحصلون عليه من عوائد رسمية من وظائفهم فإن ذلك يعتبر مؤشراً على الفساد».
ثم يذهب (د. إكرام) في موضع آخر للقول:
«إن موضوع الفساد البرلماني يثير الكثير من التساؤلات وذلك نظراً لصعوبة تطبيق العقوبات بالنسبة لعضو البرلمان ومعاملته معاملة الموظف العادي، فالأصل أن يكون عضو البرلمان يتمتع بحصانة برلمانية وهو مسؤول فقط أمام دائرته الانتخابية فكيف يمكن إثارة تهمة الرشوة على سبيل المثال بالنسبة له؟ وما هي جهة الاختصاص وكيف يمكن أن يتوافق ذلك مع ما يتمتع به النائب ومن مكانة خاصة ووضع متميز يتيح له القدرة على أداء أعماله(25).
من ذلك يتضح لنا كيف أن لفساد الهيئات التشريعية من آثار على المستويات المؤسسية تجعل العضو البرلماني وهو متمتع بالحصانة أن يساهم في فساد وإفساد الكثير من العاملين في المفاصل المؤسسية الأخرى للدول(26).
وبعد الإشارة لفساد الهيئات التشريعية سوف ننتقل لبيان حالة فساد الهيئات التنفيذية أو ما يطلق عليه (الفساد الحكومي). في الأنظمة السياسية، حيث تم رصد العديد من حالات تفشي الفساد في هذه الهيئات نتيجة لتقاضي بعض الوزراء وكبار الإداريين راوى وعمولات أو لاختلاسهم الأموال العامة ضمن آلية يطلق عليها(الفساد الذاتي ـ الداخلي) (Auto corruption) أي ما يعني استغلالهم لمناصبهم استغلالاً مباشراً لغرض تحقيق مصالحهم الخاصة. حتى لو كان هذا عن طريق تهريب السلع أو الاتجار بالعملات أو الاستيلاء على أراضي الدولة. أو ربما عن طريق تعيين الأفراد الذين لا تربطهم بأعضاء هذه الهيئة (التنفيذية) علاقات قرابية في الوظائف العامة نظير دفوعات مالية مستديمة طيلة استمرار ذلك الموظف بوظيفته وهي الحالة التي عرفت اصطلاحاً (بحالة بيع المناصب والوظائف العامة) والتي تأخذ أبعاداً خطيرة في الجنوب(27). يضاف إلى هذا كله من ضمن ما رصد في حالة الفساد الحكومي هو إفادة أصحاب المناصب الإدارية العليا أو الوزراء من عوائد احتكار السلع والخدمات المقدمة لعموم الأفراد التي يمنع الموظفون الذين هم أدنى وظيفية من أولئك الوزراء تقديمها للمواطنين الأبعد استيفاءَ ثمنٍ مضاف إلى ثمنها الأصلي يعرف في أدبيات الفساد بأنه(ريع الفساد)(28)، الذي غالباً ما يكون ريعاً قسرياً يضطر المستهلك الذي يستفيد من السلعة المقدمة دفعه بسعر أعلى مما هو محدد قانوناً من قبل الحكومة(مثل الحصول على هاتف أو موافقة أو إجازة.. الخ) ما يجعل هذا الريع ينتج عن مفاوضة بين الطرفين يستفيد منها أولئك الفاسدون على حساب الموارد المالية للدولة وعلى حساب المصلحة العمومية للمواطنين. ولعل الأدهى في هذه الحالة هو اتفاقات أعضاء الهيئات الرقابية الضرائبية في تسهيل التهرب الضريبي(29)، أو الحصول على قنينة دواء بسعر يتضاعف عن سعرها الأصلي أضعافاً مضاعفة يكون ضحيتها المستهلك وضحيتها الأخرى أموال الدولة المهدورة في دعم تلك السلع التي يستفيد منها أولئك الفاسدون مادياً. وليأخذ الموضوع شكله الواضح سنعرض فيما يأتي لبعض نماذج فساد الهيئات التنفيذية:
فالأنموذج الأول سيكون دراسة حالة فساد حكومة السيد (محمود الزعبي) رئيس الوزراء السوري السابق. حيث في حركة تصحيحية وإصلاحية لمكافحة الفساد في سوريا قام بتوليها الدكتور (بشار الأسد)(30) (في إبّان حكم والده الرئيس (حافظ الأسد) قبل رحيله) قامت القيادات العليا في سورية بمناقشة ممارسات وسوء ائتمان اتهمت بما حكومة (الزعبي) خلال فترة توليه رئاسة مجلس الوزراء لمدة ثلاثة عشر عاماً(31) مما أسفر عن قبول استقالة حكومته في آذار/2000م من قبل الرئيس(حافظ الأسد)، فضلا ًعن وضع عدد من المسؤولين في تلك الحكومة قيد الاتهام ومنع أكثر من ثلاثين شخصية من مغادرة البلاد لحين الفراغ من التحقيقات، والقيام بإجراءات الحجز الاحتياطي على أموال الكثير من المتهمين وأنجالهم، بناء على قرار وزير المالية الصادر في 13/5/2000م(32) ومنهم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير النقل السابق(33) الذين ما لبثوا أن اتهمتهم محكمة الأمن الاقتصادي السوري ومعهم الوسيط التجاري السوري الأصل(الأسباني الجنسية)(34) بقضية تتعلق بعملية شراء (ست) طائرات أيرباص فرنسية الصنع إلى الخطوط الجوية السورية في نهاية عام 1996م بقيمة (مئتين وخمسين مليون دولار أميركي) وأشارت السلطات السورية إلى أن اتفاق الشراء تضمن شروطاً مخالفة لكل القواعد والأنظمة وأدى إلى ايقاع أضرار مالية كبيرة قدرت بملايين الدولارات على الخطوط السورية ووزارة النقل، يضاف إلى هذا كله أن قرارات الحجر شملت أيضاً أموال المدير العام السابق للطيران السوري بتهمة إهدار ملايين من الدولارات في عملية صيانة طائرتي جامبو(35).
مما تقدم نلاحظ كيف أن الهيئة التنفيذية استغلت نفوذها ووضعت مصالحها الخاصة وإفادتها المالية قبل المصلحة العامة وكيف أهدرت الأموال في قضية تشغل حيزاً مهماً في قطاع خدمي وحيوي يعرض أرواح أبرياء من الناس إلى الخطر ومن الممكن أن يضر بسمعة شركة طيران عالمية عريقة تنم عنها كثير من الخسائر والتي ربما تؤدي إلى إفلاسها.
من ناحية أخرى وفي الإطار نفسه لفساد الهيئة التنفيذية نلاحظ أن هنالك حالات عدة يمكن التوقف عندها إذا ما انتقلنا لدراسة نماذج من عالم الشمال.
حيث نرى في (الأنموذج الروسي)(تخصيصاً في عهد الرئيس السابق يلتسين) أن عملية اختيار الوزراء، وإسقاط الثقة عنهم من قبل رئيس الدولة، أو رئيس الحكومة، مرتهن بالضغوط التي يتعرض لها هؤلاء المسؤولون من قبل كبار رجال الأعمال ذوّي النفوذ في روسيا الذين يرومون تعيين وزارء موالين لهم في الدولة. الأمر الذي جعل تأثير الفساد بادياً وبازدياد في ذلك البلد، مضافاً إليه حالات الإثراء الشخصي لأولئك الوزراء، التي نراها تتجسد في واحدة من تلك الحالات وهي قضية اتهام النائب الأول لرئيس الوزراء السابق (نيكولاي اكسيو نيتكو) في حكومة (ستيباشين) بتاريخ 2/6/1999م.
حيث تم التحقيق معه في تهم فساد عندما كان يشغل منصب وزير السكك لعقده العديد من الاتفاقات المشتبه فيها مع شركات أجنبية إثر اتهام مجلس الدوما له بذلك فضلاً عن توفر الكثير من الأدلة الأخرى التي تثبت ممارسته لأنشطة تجارية خاصة تتعارض مع منصبه الرسمي والتي تعطي الدليل دامغاً على فساده واستغلاله لنفوذه الوزاري بغية تحقيق الإثراء الشخصي على حساب المصلحة العامة(36).
ولنفس الغايات نلحظ أن (الأنموذج الألماني) غزير بنماذج فساد الوزراء فقد شهد العام 1993م استقالة العديد من الوزراء المتهمين بقضايا استغلال النفوذ واستغلال المال العام، حيث استقال وزير الاقتصاد (جيوجتي موليمار Moe llemanr) من الحزب الديمقراطي الحر(F.D.P)، لاستغلاله منصبه لخدمة أحد أقاربه بفتح جريدة له. كذلك قيام وزيرة شؤون المرأة في مقاطعة هيس (هياد بفارPfarr ) باستغلالها المال العام لتجديد ديكورات منزلها مما أجبرها (افتضاح الأمر) على الاستقالة. ناهيك عن أعمال الوزراء في ألمانيا الشرقية قبل إعلان الوحدة وتطاولهم على المال العام(37).
مما تقدم أشرنا لكيفية استغلال الهيئات التنفيذية والهيئات التشريعية من قبل بعض أعضائها لإثرائهم الشخصي ولتحقيق المنافع على حساب المصلحة العامة وقد تصل الحالة على حساب أرواح الأبرياء مما يوضح مدى قتامة الصورة التي يتركها الفساد على المجتمعات ومدى أخطار تلك الظاهرة.
بقي أن نذكر آلية فساد الهيئات التشريعية والتنفيذية بآثارها التي أسلفت تلقي بظلالها على جانب آخر هو فساد الأحزاب وتزوير الانتخابات وهو ما سنعرض له في الصورة الأخيرة من صور الفساد السياسي التالية.
3ـ الفساد السياسي من خلال شراء الأصوات وتزوير الانتخابات وفساد الأحزاب السياسية وقضايا التمويل:
تشير الدراسات التي تناولت ظاهرة فساد الأحزاب وتزوير الانتخابات إلى أنها عرفت في عالم الشمال كما عرفها عالم الجنوب، وعلى حد تعبير (جوزيف لابالمبورا Joseph La Palombara)(38). إن الفساد السياسي يكثر في الدول التي فيها الانتخابات المستقبل السياسي للأحزاب والنخب السياسية المختلفة وإمكانات وصولها للسلطة، في العديد من دول العالم المتقدم أو النامي.
وفي مثال (الهند أو الفليبين) عادة ما تستخدم ملايين الدولارات المتخصصة لحملات الانتخابات في شراء أصوات الناخبين وفي أحيان كثيرة تقوم بعض الشركات الضخمة والهيئات الخاصة بتقديم مبالغ لتمويل الحملات للأحزاب المتنافسة وينجم عن ذلك التمويل في حالة وصول الحزب المدعوم للحكم الحصول على شيء مقابل تلك المساندة المادية يقدمها الواصلون للحكم إلى هذه الشركات(39).
وقد يكون حصيلة الدعم المالي لهذه القوى السياسية أن تتبدل المواقف نتيجة لفساد الذمم، فالحزب المعارض في بلد ما قد يتحول صراعه مع الحزب الحاكم إلى وئام(تقتضيه المصالح الشخصية) وبذلك تباع المعارضة مقابل ثمن هو عبارة عن صفقات ووساطات وتخليص أعمال. وقد يصل الأمر إلى أن تختفي من صحف الأحزاب المعارضة كل الآراء المسماة بالمعارضة من منافع ومكاسب شخصية ينعم بها زعماء الأحزاب وخاصتهم. وبهذا يتحول العمل السياسي المبني على الرأي والرأي الآخر إلى صفقة تجارية تربح كل الأطراف من ورائه ولم يتبق منها إلا رأي واحد سائد، حتى إذا ما صدر رأي ينتقد سياسة وبرنامج عمل ذلك الحزب الذي في السلطة من صحف أخرى تقوم صحافة المعارضة بممارسة السمسرة الفكرية والسياسية وتطالب بإغلاق الصحف الجديدة رغم أنها ينبغي أن تعتلي منبر الحرية(40). كذلك يؤثر التمويل من قبل رؤوس الأموال التي تتطلب قرارات خاصة بها في إفساد النخبة الحكمة من الحزب الذي تم تمويله وإلى إفساد الأحزاب المعارضة عن طريق شراء الذمم من خلال أموال التمويل من قبل الحزب الحاكم في آن واحد وبذلك تصبح العملية هدراً لثقة الشعب الذي صوِّت لإيصال تلك الأحزاب للحكم.
تجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن عمليات شراء الأصوات تؤثر أيضاً على آراء الشعوب وتطلعاتها حيث إن استخدام سياسية الماكينة (Political Machine) الذي يسهم فيها الوسطاء والسماسرة. كأنهم في مزاد علني يضاربون في بالأصوات ويسوّقونها إلى الحزب أو الجماعة التي تدفع أكثر(41) مما يسفر في النهاية بأن لا يصل إلى ناصية الحكم إلا الجماعات ذات القدرة المالية الواردة إليها من تمويل الجهات الراغبة في جعل القرار السياسية يصب في مصالحها، الأمر الذي يجعل تلك الجهة التي تم تمويلها تدافع عن مصالح الممول، وبهذا يتضح أن الآلية برمتها هي إفساد للذمم وتحول القرار السياسي إلى قرار يدعم أصحاب النفوذ المالي من دون الدفاع عن السواد الأعظم من أبناء الشعب، مما يؤدي إلى انتشار آليات الفساد في جميع المنافذ، لأن ما بني على الخطأ فهو خطأ لا محالة.
إن ما تقدم يتوضح جلياً بدراسة (الأنموذج الكوري الجنوبي). حيث شهدت تلك الدولة العديد من التبرعات والمنح السياسية التي تمد بها الشركات الصناعية الكبرى الأحزاب السياسية، وتخصيصاً الحزب الحاكم إلى درجة أن هذه المنح أصحبت تقدم بشكل روتيني ودوري، حتى تم التعارف عليها على أنها شكل من أشكال الضرائب تدفع للأحزاب الحاكمة، انتظاراً لمزيد من المنافع وحماية لتلك الشركات في التعرض لغضب الحكومة. وتبرز الأهمية التي تعول عليها الأحزاب على هذه التمويلات، ما يؤكد عليه البعض من أن طبيعة العملية السياسية في كوريا تعتمد بشكل أساس على المال، بدلاً من كونها تعتمد بشكل أساس على الأيديولوجية أو العقيدة فاختيار المرشحين ارتبط بشكل مباشر بالمال. ويمكن القول إنه كلما زادت إمكانية حصول المرشح على مقعد في الجمعية الوطنية ارتفع ثمن الترشيح وكبر حجم المبالغ التي يكون على المرشح دفعها ثمناً لذلك. فعلى سبيل المثال في انتخابات عام 1992م للجمعية الوطنية قدر المبلغ الذي ينبغي لمرشح الجمعية أو ينفقه للحصول على مقعد بحوالي (خمسين مليون دولار أميركي) ويمكن المزايدة على هذا المبلغ(42)، من هنا نرى كيف أن أموال التمويل تلعب دوراً في حصول المرشح على المقعد في الجمعية الوطنية الكورية التي سيكون فيها المقعد لمن ينفق أكثر بدلاً من الأقدر على تحقيق طموحات الشعب والأكثر إمكانية على تنفيذ البرامج التي تعلنها الأحزاب.
إن آلية التمويل والإنفاق على الحملات الانتخابية تجعل العملية برمتها لا تعني شيئاً بالنسبة إلى سكان البلدان الفقيرة خصوصاً. حيث في دراسة مقارنة بين آسيا وأفريقيا للكاتب (جووي هنتر)(Juy Hunter)(43) يذكر فيها أن العملية السياسية بالنسبة إلى السكان الفقراء في كلتا القارتين وخصوصاً الدول الفقيرة فيها لا تعني أي شيء خاصة في المناطق القروية وعلى المستويات المحلية سوى أنها وسيلة لتحقيق مكاسب ومصالح شخصية لبعض القلة من أفراد الشعب، وللتغلب على حالة الفقر المدقع يضطر أولئك الفقراء تحقيقاً لبعض الربع المادي لسد الرمق للتنازل عن حقوقهم السياسية المشروعة وذلك ببيع أصواتهم لأولئك الساسة المنتفعين من القلة أو في أحسن الأموال التنازل عن تلك الأصوات نظير وعد بالحصول على وظيفة حكومية تدر دخلاً ثابتاً. أو الحصول على وعد بشق طريق يربط قرى أولئك الفقراء النائية بمدينة مجاورة أو بعاصمة الدولة(44).
بعد هذا كله وانطلاقاً من تحليل(جوزيف لا بالمبورا) الذي سبق وأن أوردناه نشير إلى أن ظاهرة الفساد السياسي عرفتها أيضاً بلدان الشمال من خلال فساد الأحزاب والتمويل ولعل دراسة(الأنموذج الألماني) يعطينا التصور عن الحالة كاملاً حيث نلاحظ أن قضايا التمويل ساعدت في تهربات ضريبية وتهريب أموال للخارج كان أبطالها رؤساء حكومات وزعماء سياسيين.
ولقد سجل الكثير من المراقبين حالات فساد كل من بين أهمها ما اكتشفت خلال نهايات العام 1990م حول تهمة قبول تبرعات للحزب المسيحي الديمقراطي الألماني مقدمة من تاجر أسلحة (معتقل في كندا)(45)(46) وقد وجهت الإدانة إلى المستشار الألماني السابق، الذي يعد رجل الوحدة الألمانية (هلموت كول) في هذه التهمة، الذي أقر بها خلال شهر تشرين الثاني من العام 1999م وبأنه خالف القوانين بإدارة شبكة من الأموال تستند إلى تبرعات غير معلنة، رفض كول تسمية أصحابها. ولقد أدى هذا الإقرار إلى كشف سلسلة من الحقائق اليومية التي تخص الممارسات المالية للحزب الديمقراطي المسيحي مما حقق رقماً قياسياً في فقدان الحزب لمؤيده في الانتخابات وتعالي الأصوات إلى استقالة خليفه (كولٍ)(47) في رئاسة الحزب من بعده (فولف كانغ شوبل) لتورطه بالفضيحة أيضاً وذلك لإعلان (شوبل) بأن مبلغ (خمسين ألف دولار) حصل عليها الحزب من متعهد الأسلحة عام 1994م ولم يعلن عنها بسبب أخطاء في السجلات المالية للحزب(48).
جدير بالذكر أن الفضيحة المالية المشار إليها ليست هي الفضيحة الوحيدة للحزب المذكور، ففي بدايات عقد الثمانينيات من القرن المنصرم كشفت مجلة (دير شبيغل Der Spiegel) الألمانية أن مجموعة الشركات الألمانية (فليك Filk) قامت من خلال رئيس مجلس إدارتها آنذاك بتيسير الحصول لجميع الأحزاب في (بون) على أموال ضخمة قدمتها تلك المجموعة على أنها تبرعات خيرية، وذلك لكي تتهرب المجموعة المشار إليها من دفع مستحقات ضريبية قدرت بحوالي (56%) من حصيلة قيام رئيس مجلس الإدارة المذكور ببيع حصته في شركة (دايملر ـ بنز ـ Diamler Benz). وقد أقرّ وزير الاقتصاد الألماني في حينه وهو من الحزب الاشتراكي الديمقراطي حصول رئيس الحزب ورئيس الحكومة آنذاك(فايلي براندت Willy Brandt) على مليون مارك ألماني كتسهيلات اتهم على إثرها بالفساد في حينه، كذلك فإن من جملة المتسلمين لمبالغ من رئيس المجموعة المذكورة أيضاً السيد(كول)(قبل توليه منصب المستشار الألماني) من الحزب الديمقراطي المسيحي حسب ما يؤكده المراقبون برغم إنكار السيد (كول) لذلك(49)
من هنا يظهر أن الأموال كما تقدم في عالم الجنوب تقدم في عالم الشمال ولكن بدرجة أقل ولأغراض شخصية بحتة وتهربات من حكم القانون تصل إلى حد رؤساء أحزاب لهم باغ في ممارسة السياسية في دول من دول الشمال التي تعد أنموذجاً لكثير من الدول ويتضح كيف يؤدي فساد المسؤولين في تلك الأحزاب إلى زعزعة ثقة المواطنين بهم.

الهوامش
ـــــــــ
(1) نقلاً عن نبوية على الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ: 4.
(2)صموئيل هانتغتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة: سمية فلو، بيروت، دار الساقي، 1993: 78.
(3) جلال معوض، الفساد السياسي في الدول النامية، مجلة دراسات عربية، العدد 4، شباط، 1987م: 4.
(4) لقاء شخصي للباحث، مع أ.د. جلال معوض، في جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتاريخ، 6/2/2001م.
(5) د. شادية فتحي، الآثار السياسية للتحول: حالة روسيا، في مصطفى كامل السيد، محرراً، الفساد والتنمية، م س ذ: 118.
(6) د. جلال معوض، الفساد السياسي في تركيا، في ا. د. اكرام بدر الدين (محرر)، الفساد السياسي النظرية والتطبيق، القاهرة، دار الثقافة العربية، 1992م: 60.
(7) أساس العلاقات الـ (الهيراركية) يقوم على الاعتماد المتبادل بين القمة التي تسيطر على القوة وبين العملاء الذين يبحثون عن المكانة والهيبة والمنافع المادية.
(8) نبوية الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ: 22-25.
(9) م. ن: 23-25.
(10) عدد الشركات التي تسيطر عليها الفئات المشار إليها في أندونيسيا هو (975) شركة.
(11) أ. د. محمود عبد الفضيل، من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر، مجلة الكتب وجهات نظر، العدد 15، إبريل 2000م: 13.
(12) بين سوهارتو وعبد الرحمن وحيد فترة انتقالية تولى خلالها نائب سوهارتو رئاسة الدولة (حبيي) لحين أجراء الانتخابات.
(13) أنظر صحيفة العراق البغدادية في 29/9/2000م وكذلك إعداد صحيفة بابل البغدادية في 18/6، و5/8/2000م.
(14) انظر صحيفة العراق البغدادية في 3/11/2000.
(15) لمزيد من التفصيل، انظر د. جلال عبد الله معوض، الفساد السياسي في تركيا، م س ذ: 57 وما بعدها.
(16) انظر، د. حمدي عبد الرحمن حسن، الدولة ـ القرصان (دراسة لظاهرة الفساد السياسي في زائير)، في: د. إكرام بدر الدين (محرر)، الفساد السياسي النظرية والتطبيق، القاهرة، دار الثقافة العربية، 1992م: 90.
(17) انظر في ذلك: د. حمدي عبد الرحمن، م ن: 9 وما بعدها.
وكذلك: كيمبرلي ان اليوت، الفساد كمشكلة من مشكلات السياسة الدولية، في: كيمبرلي ان اليوت، (محررة)، الفساد الاقتصادي العالمي، محمد جمال إمام (مترجم)، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 2000م: 291.
(18) المدعي العام لروسيا الاتحادية.
(19) كان الرئيس السابق (يلتسين) يسيطر ويتحكم في: وزارة العدل، الداخلية، الدفاع، الخارجية، شؤون الدفاع المدني، هيئة المخابرات الخارجية، هيئة الأمن الداخلي، هيئة شرطة تحصيل الضرائب، هيئة الحماية الفيدرالية للاتصالات، هيئة قوات الحدود، إضافة إلى مهام كثيرة أخرى أهمها الاحتفاظ بحقيبة الشفرة لإطلاق الصواريخ النووية عابرة القارات، ومنصب القائد العام للقوات المسلحة الروسية.
(20) حول الحالة الألمانية والروسية انظر:
أـ أ.غادة موسى، الشفافية والمساءلة في ألمانيا بعد الوحدة، في مصطفى كامل السيد( محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 98.
ب ـ د. شادية فتحي، الآثار السلبية للتحول، في مصطفى كامل السيد (المحرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 119-120.
(21) انظر: د. جلال معوض، الفساد السياسي في الدول النامية، م س ذ: 9.
وقارن مع:
Gerard Carney, conflict of Intrest, (Ti) working papers, Berlin 1998, p.3.
(22) نبوية علي الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ.
(23) محمد حسنين هيكل، كلام في السياسة، م س ذ: 34.
(24) أحد الباحثين في الفساد السياسي في مصر، ومحرر كتاب الفساد السياسي النظرية والتطبيق، المستخدم كأحد مصادر بحثنا هذا.
(25) أ. د. أكرم بدر الدين، ظاهرة الفساد السياسي، في د. اكرم بدر الدين (محرر)، الفساد السياسي، م س ذ: 38.
(26) إذا ما تم تزوير نتائج الانتخابات من قبل الحكومة فسيسمح ذلك بوصول أعضاء برلمانيين لهم الميل للفساد واستغلال النفوذ متحصنين من المساءلة بالحصانة البرلمانية ومن المسؤولية أمام الناخبين لوصولهم بالتزوير وبذلك ونتيجة لعلائق المنفعة المتبادلة ستظهر شبكات الفساد البرلمانية والحكومية ويستشري في ذلك البلاد دون أي وسيلة للحد من ذلك.
(27) د. جلال عبد الله معوض، الفساد السياسي في الدول النامية، م س ذ: 7-9.
(28) غالباً ما يكون أولئك الموظفون الواطئون ذوي المناصب الصغيرة أدوات لتنفيذ سياسات الفساد لكبار أعضاء الهيئات التنفيذية وبالتالي تكون حصيلة ربع الفساد، للوزير أو الموظف الإداري التنفيذي ذو المنصب العالي(بنسبة حصة الأسد).
(29) د. رسلان خضور، محاضرة عن الآثار الاقتصادية لظاهرة الفساد، دمشق، جمعية العلوم الاقتصادية السورية، 23/9/1999م: 31.
(30) رئيس الجمهورية العربية السورية حالياً، الذي تولى منصب الرئاسة خلفاً لوالده الرئيس (حافظ الأسد)، حين كان يشغل منصب رئيس الجمعية السورية للمعلومات، فضلاً عن كونه طبيباً للعيون في الجيش السوري.
(31) انظر صحيفة بابل البغدادية، في: 13/5/2000م.
(32) بتاريخ 21/5/2000م قام السيد (محمود الزعبي) بالانتحار حال وصول عناصر أمنية مكلفة بالحجز على أمواله تنفيذاً لقرار وزير المالية المشار إليه.
(33) صحيفة الدستور الأردنية في 6/6/2000م.
(34) صحيفة بابل البغدادية 25/7/2000م.
(35) آ. أحمد السيد النجار، الفساد ومكافحته في الدول العربية، نشرة الاتجاهات الاقتصادية الستراتيجية، 2000م، القاهرة، مركز الدراسات والاستراتيجية بالأهرام، 2001: ص177.
(36) د. شادية فتحي، الآثار السياسية للتحول في حالة روسيا، في: مصطفى كامل السيد (محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 120.
(37) آ. غادة موسى، الشفافية والمساءلة في ألمانيا بعد الوحدة، في: مصطفى كامل السيد(محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 99.
(38) جوزيف لا بالمبورا مؤلف كتاب السياسات داخل الأمم، والأحزاب السياسية في العالم الثالث.
(39) نبوية علي الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ:19.
(40) للمزيد من التفصيل: انظر: عبد الله كمال، ظاهرة انحلال الصفوة، القوادون والسياسة، القاهرة، لندن، دار الخيال، شباط 1998م: 9-10.
(41) نبوية علي الجندي، الفساد في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ: 20.
(42) لمزيد من التفضل/ أنظر: آ. نجلاء الرفاعي، الفساد في كوريا الجنوبية وتايوان، في، مصطفى كامل السيد(محرر)، كتاب الفساد والتنمية، م س ذ: 190-199.
(43) جووي هنتر، كتاب سياسي، صاحب كتاب تحديث المجتمعات الفردية، الصادر عن جامعة أوكسفورد.
(44) نبوية علي الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، م س ذ: 36.
(45) هو تاجر الأسلحة: كارل هانز شرايبر
(46) صحيفة الجمهورية البغدادية في 1/12/1999م.
(47) يذكر أن الرئيس (كول) يشغل رئيس شرف للحزب وأثرت تلك الفضيحة في استقالته.
(48) صحيفة بابل البغدادية في 7/2/2000م.
(49) آ. غادة موسى، الشفافية والمساءلة في ألمانيا بعد الوحدة، في مصطفى كامل السيد، كتاب الفساد والتنمية، م س ذ: 97-98. المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.