|
الأربعاء: 08/10/2008
الثغرات القانونية وضعف
دور الرقابة على كبار المسؤولين العموميين والموظفين في الدول
عماد صلاح عبد الرزاق الشيخ داود
في بداية الحديث عن الثغرات
القانونية وضعف دور الرقابة على كبار المسؤولين العموميين والموظفين في
الدول نجد أنفسنا أمام شقين:
الشق الأول: هو الثغرات القانونية.
أما الشق الثاني: فهو ضعف دور الرقابة.
إلاّ أن الشقين بطبيعتهما ومتلازمان ومتداخلان، لكن ضرورات البحث العلمي
تملي الفصل بينهما وتدع التداخل يفصح عن نفسه في خلال الموضوع كله.
لذلك نقول إنّ لغموض التفسيرات وعدم وضوح النصوص في قانون ما بالذات
وكذلك الاختلاف في النص القانوني ما بين دولة وأخرى قد يوجد فرصة سانحة
لانتشار آليات الفساد في بعض الأحيان وهو ما يفسر ويفصح عن مقصدنا
(بالثغرات القانونية) الذي سنوضحه بالآتي:
نذكّر أنه في موضع سبق من هذا البحث قد عرضنا لجرائم غسيل الأموال التي
تعد ظاهرة تسبب مشكلات مستعصية للكثير من دول العالم مما دعا الكثير من
تلك الدول إلى قوننة تشريعات تحارب الظاهرة وتحاول استئصال شأفة ذلك
الشكل من أشكال الفساد منها.
حتى أن دولاً صنفت ضمن أكثر الدول سماحاً للأموال المغسولة رواجا بها
(مثال لبنان) سنت أخيراً تشريعات لمكافحة غسيل الأموال مما يدل على أن
عظم الظاهرة أدى نتيجة للضغط الدولي إلى سن مثل هذه القوانين(1).
إلا أن (الثغرة القانونية) تتجلى عندما نقارن ذلك بحالة (جزر سيشل) حيث
تم تشريع قانون في السنوات الأخيرة لعقد التسعينيات من القرن المنصرم من
قبل حكومة جزر سيشل يبدو بريء المظهر ويدعى (قانون التنمية الاقتصادية)،
ويقدم هذا القانون في أحد بنوده للأجانب الذين يستثمرون أكثر من (عشرة
ملايين دولار) حصانة من الملاحقة القضائية المترتبة على جميع المخالفات
الجنائية، بل إن لغة هذا القانون تكفل عدم إمكانية تغييره إلا من خلال
استفتاء وطني وتعديل دستوري.
إن هذا القانون (برغم ما أثير حوله من استنكار عالمي وضغوط دولية على
حكومة سيشل لإلغائه (يشكل ثغرة قانونية تمثل دعوة علنية من خلال قانون
مسنون في دولة (أي دعوة رسمية) لجميع أولئك المشتغلين بغسيل الأموال
القذرة من مهربين وتجار مخدرات ومرتشين.. الخ(أن أتوا إلى سيشل بذلك
المال القذر)(2). مما يهيئ للمال المتأتي من أعمال الفساد أن يزدهر في
تلك الجزيرة مستغلاً ثغرات القانون في قانونها عن قوانين دول أخرى. الأمر
الذي يفسر أن اختلاف النصوص القانونية ما بين الدول يشكل بيئة مهيئة
لانتشار الفساد.
ليس هذا فقط بل قد يكون اختلاف التشريعات في دولة واحدة (خصوصاً الدول
الفيدرالية) سبباً لاستشراء الفساد. فاختلاف تشريعات (الولايات) عن
تشريعات الحكومة الفيدرالية يعطي لتلك الأحكام المتباينة فرصة تجعل
البراطيل (الرشوة) مسألة يصعب تجنبها. لذلك تروي دراسة البنك الدولي عن
المنشآت الخاصة في (الولايات المتحدة البرازيلية) أن أحد أصحاب المشاريع
تلقى زيارة من مفتشين تابعين لحكومة الولاية وللحكومة الاتحادية في الوقت
عينه وكان هدف الزيارة المشتركة هو التوثيق من ضبط الشركة وهي تنتهك
واحداً من قوانين الحكومتين في الأقل(المقصود الحكومية الفيدرالية وحكومة
الولاية) المتباينة بشأن تركيب أجهزة إطفاء الحرائق.
إن مثل هذه الممارسات تمكن سلطات إنقاذ القوانين، من رجال شرطة إلى وكلاء
النائب العام إلى القضاة، أن يطلبوا مدفوعات للتغاضي عن الانتهاكات، أو
لإنقاص الجزاءات المترتبة، مما يجعل آلية الفساد منتشرة في مثل هكذا
ممارسات(3).
يتضح مما تقدم أن الثغرات القانونية تكون واضحة في البلد الواحد ولا سيما
البلد الفيدرالي حيث يلحظ التباين بين القانون الاتحادي وقانون الولاية
مما يهيئ قاعدة تساعد على نمو الفساد.
وبعدما أوضحنا كيف يمهد تباين القوانين للفساد سنوضح فيما يأتي كيف يؤثر
غموض القوانين وعدم وضوحها وكذلك غموض التفسيرات على نمو الفساد. حيث
نلاحظ ضمن تشريعات الدول قوانين تمنع الموظفين العمومين من ابتزاز
الأفراد للحصول على مبالغ غير قانونية (نتيجة أعمال فساد) أو تشريعات
تكافح كل شكل من أشكال الفساد، إلا أن نصوص هذه القوانين تحتفظ بها
الحكومات في سجلاتها فحسب.
أما على صعيد الواقع التطبيقي، الذي تكون فيه نسب الفساد عالية في مؤسسات
إحدى تلك الدول تصبح هذه القوانين أسيرة تلك السجلات، وتصبح حقوق
الاعتراض على ممارسات الفساد عالية في مؤسسات إحدى تلك الدول تصبح هذه
القوانين أسيرة تلك السجلات، وتصبح حقوق الاعتراض على ممارسات الفساد
وبالاً قد يجرم من ورائه المعترضون بسبب كون نصوص القوانين غير ذات أهمية
تجاه استغلال السلطة وضعف التفسيرات القانونية(4).
وقد أظهرت التجربة في (هونك كونك) ان التعليمات غير الدقيقة تعطي السلطة
تقديرية أكبر للموظف وتوفر له مزيداً من فرص الفساد ولذلك يتضح أن
السياسة التشريع وحدهما لا يضمنان الالتزام بالإجراءات الرسمية
للبيروقراطية وإنما لابد من أن يتبع ذلك إصدار تعليمات تنظيم هذه
الإجراءات تتسم بالوضوح لسد كل ثغرة يمكن أن يمر عبرها الفساد(5).
وبناء على ذلك لكي تأخذ التشريعات بعدها الصحيح يشترط أن يكون البناء
القانوني لوسائل مواجهة الفساد متميزاً بالعبارات الدقيقة التي تحدد
الأفعال محل التجريم تحديداً دقيقاً والابتعاد عن الغموض في التشريع الذي
يصعب معه تحديد المعنى(6).
ولتكون التشريعات فعالة فعليها أن تكون حديثة وخاضعة للمراجعة الدورية
وتفسير وتنفذ بشكل واضح وحازم وعادل(7)، يمنع معها أن يحوز الموظف سلطة
اتخاذ القرار الذي قد يقوم ببيعه (إذا ما انعدمت نزاهته) إلى مستفيد
متواطئ معه بغية شراء المستفيد للقرار الإداري والسياسي لمصلحة خاصة
تتحقق معها آلية الفساد(8) الذي يبلغ حداً لتجاهل القوانين وعدم إنقاذها
مما يسبب هدراً للأموال وإفلاساً للخزينة وتدميراً للمجتمع وإحلال شريعة
الغاب محل شريعة القانون والدستور(9).
وهو ما يتجلى في أنموذج القانون البولندي حيث أن مصطلح (موظف عام Public
Official) الذي يظهر في القانون المذكور مصطلح يحيطه الغموض، وأن معنى
المصطلح في مواد القانون الجنائي لسنة 1970م بحماية المسؤولين من الفساد
يعرفه:
(بأنه القائم بالوظيفة العامة Public Factory) ويكون ذلك الموظف مصاناً
من الهجوم على شخصه أو تعرضه لأية إساءات أخرى). ولكن في المواد التي
تتعلق بالرشوة ظهر المعنى (بأنه أي شخص يقوم بوظيفة عامة Whoever
Performs A Public Functions) المادة(239). كما تُعرف الفقرة (11) من
المادة (120) من القانون القائم بالوظيفة العامة على أنه الشخص الذي يعمل
في الإدارة الحكومية:
ـ القاضي وقاضي القضاة والنائب العام.
ـ الشخص الذي يشغل وظيفة عالية أو ينهض بمسؤولية محددة ومرتبطة بوحدة
تنظيمية بالدولة، أو منظمة تعاونية أو أية جماعة اجتماعية أخرى.
ـ الشخص المسؤول بشكل خاص عن حماية النظام العام، الأمن العام، الممتلكات
الاجتماعية.
ـ الشخص الذي يعمل في الخدمة العسكرية.
ـ الأشخاص الذين يتمتعون بحماية قانونية بسبب أدائهم لوظيفة عامة بوجود
قوانين خاصة.
ـ يعرف القانون أيضاً ممثلي البرلمان وممثلي الشعب على أنهم يقومون
بوظائف عامة.
إلا أنه وفيما يتعلق بالرشوة كما عرفتها المادة (239) فقد لوحظ أن مدى
(الأشخاص الذين يقومون بوظائف عامة) قد تم تفسيره بحدود ضيقة من أجل
استثناء هؤلاء الذين يشغلون مراكز عليا بوحدات الدولة التنظيمية الأخرى
مثل مصنع أو شركة تجارية(10).
ولهذا نجد أن الاختلاف في التفسير ما بين مواد القانون الواحد يجعل
الثغرة بادية من خلال ذلك الاختلاف ويهيئ أرضاً خصبة لنمو الفساد.
مما تقدم توضح لنا كيف يمكن النفاذ من ثغرات القوانين لإحلال الفساد محل
التعامل النزيه. وإن لهذا الموضوع ارتباطاً وثيقاً بالشق الثاني لموضوع
مبحثنا هذا (وهو ضعف دور الرقابة على كبار المسؤولين العموميين والموظفين
في الدول)، حيث يتجلى ضعف دور الرقابة عندما يرتبط الفساد عادة بتفصيل
قوانين انتخابات وتمويل حملات انتخابية وكذلك عدم الأخذ بالتشريعات (ما
بينا في ما سلف)، التي تضمن عدم تضارب المصالح المالية لدى النواب
والوزراء وكبار الموظفين. لذلك نلاحظ أن تداخل الحلقات المبينة في الشكل
التالي تحول الوظائف البيروقراطية العليا إلى أدوات للإثراء الشخصي
المتصاعد من خلال تلك القوانين والتشريعات التي تأتي ضعيفة من حيث دور
الرقابة وإنفاذ المساءلة الحقيقة(11).

ونتيجة الوهن في دور المراقبة والتشريعات نجد أن الفساد ينمو ويكون
مغرياً في المواقف والظروف التي يكون فيها عنصر المخاطرة معدوماً أو شبه
معدوم وهو ما توفره حالة الضعف هذه وبزيادة عنصر المخاطرة يقل الإغراء بل
يكاد يتلاشى كلما أحكم الطوق لذا يجب وضع ضوابط واضحة لمكافحة أنشطة
الفساد وكذلك تطبيق التشريعات بشكل سليم وتعديل التشريعات المعمول بها
والتي يشوبها اللبس. مضافاً إلى هذا كله استخدام عنصر الجزاء بشكل صارم
وحازم وبغض النظر عن الوضع الاجتماعي لمرتكبي أنشطة الفساد تلك، والعمل
على تعديل أو إلغاء كل قانون يوفر الحماية ويضعف دور الرقابة على كبار
المسؤولين العموميين والموظفين في الدول من خلال الحصانات التي يتمتعون
بها في ظل تلك القوانين السائدة، التي تجعل إمكانية انتشار آليات
وتداعيات الفساد ممكنة، الأمر الذي يشكل عائقاً أمام سلطات التحقيق
والمساءلة(12)، مما يجعل الأمر على حقيقته مسألة يصعب التعامل معها عندما
يتعلق الأمر بأولئك الأشخاص أصحاب المستويات الإدارية الرفيعة في
المؤسسات والمنظمات الحكومية الذين يجعلون من التشريع أمراً فاسداً ومن
القوانين أشكالاً محرفة تتيح المجال لخدمة فساد أقطاب النظم الفاسدة
تلك(13).
ولمعالجة الحالة ضمن سياقات الأنموذجات التطبيقية نورد المثال الذي
تناوله الرئيس الجزائري (عبد العزيز بو تفليقة) لبيان حالة ضعف الرقابة
وفساد مسؤولي الجهاز الإداري في ذلك البلد.
ففي خطابه في 27/نيسان/1999 حدد الرئيس الجزائري أن البلاد (دولة مريضة
بالفساد، دولة مريضة في إدارتها، مريضة بممارسات المحاباة والمحسوبية
والتعسف والنفوذ والسلطة، وعدم جدوى الطعون والتظلمات، مريضة بالامتيازات
التي لا رقيب عليها ولا حسيب، مريضة بتبذير الموارد العامة بنهبها بلا
ناه ولا رداع) ومن ثم يضع بعض الملاحظات إلى أن هذه الأمراض (أضعفت الروح
المدنية، وأبعدت القدرات، وهجرت الكفاءات، ونفرت أصحاب الضمير وشوهت
مفهوم الدولة وغاية الخدمة العمومية)(14).
إن ما تطرق إليه الرئيس بوتفليقة يظهر جليا ًواضحاً من خلال ما ذهب إليه
الجنرال (محمد بتشين) الوزير المستشار لدى الرئاسة الجزائرية في إبّان
حكم الرئيس السابق(الأمين زروال) خلال إدلائه بشهداة أمام المحاكم
الجزائرية (ذكراً بأن لديه معلومات مثيرة من مسؤولين كبار بينهم رئيسا
حكومة سابقان ووزيران لهما سابقان قاموا بعمليات تحويل الأموال العمومية
للخارج)(15) في إطار التحقيقات التي جرت في مؤسسة (سيدار) التي شهدت
فساداً مالياً واسعاً يضاف إليه ما كشف النقاب عنه قبل تلك الأحداث رئيس
الحكومة الجزائرية الأسبق (عبد الحميد الإبراهيمي) عن تورط مسؤولين
حكوميين كبار ووزراء سابقين في قضايا فساد ورشاوى بلغ حجمها (26 مليار
دولار)(16).
بالإضافة إلى اتهامات أخرى وجهت إلى وزير البترول الأسبق بسرقة (40 مليار
دولار) من أموال الدولة الجزائرية(17).
ومن خلال ما تقدم وبرغم الاتهامات الموجهة والأدلة على ممارسات الفساد
والبيانات المذهلة التي جاءت نتيجة لأعمال وتصرفات كبار المسؤولين في
السلطة الجزائرية إلا أننا نلاحظ أن ضعف دور الرقابة والمساءلة واضحاً
جلياً من خلال عدم استتباع كل هذه الاتهامات بمحاكمات لقطع دابر واستئصال
شأفة الفساد في ذلك البلد.
ولهذا كله يشير (الرئيس بوتفليقة) مرة أخرى في خطاب لاحق بتاريخ
8/يوليو/2000 ألقاه في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا لهذه
الظاهرة الخطرة الذي يستخلص من خلاله أن ضعف دور المراقبة والمساءلة قد
عرض الجزائر إلى ظواهر كان يمكن تجاوزها لولا آلية الفساد المنتشرة في
البلاد ولذا يقول:
(إن الفساد الذي فكك أواصر الدولة، وسفه قيم الحكم، وأربك مسيرة التنمية
الاقتصادية والاجتماعية، وصرف مفاهيم العمل والكد والنزاهة والتفاني، قد
ولد في النهاية ظاهرة الإرهاب البشعة المدمرة)(18).
بعد هذا العرض للحالة الجزائرية وما سببه الفساد في ذلك البلد من مشكلات
سوف ننتقل لبيان مثال آخر يتجلى فيه ضعف دور الرقابة على كبار المسؤولين
العمومين والموظفين الإداريين وهو (الأنموذج التركي) حيث يتجلى ذلك الضعف
للرقابة عندما يتم إخلاء سبيل مجرم في تهم ثابتة عليه نتيجة لتورط أولئك
الكبار معه في جرائم فساد. ولعل إلقاء القبض على أحد رجال الأعمال
الأتراك (الصادر بحقه حكم غيابي في محكمة أمن الدولة في (أزمير) لمحاكمته
بتهمة الحصول على (أربعين مليون دولار) من الدولة التركية على شكل حوافز
مقابل صادرات وهمية) في أثينا بتهمة أخرى (غير الصادرات الوهمية) وهي حمل
سلاح غير مرخص وتهريب هيروين ثم ترحيله إلى تركيا من قبل سلطات اليونان
بشرط محاكمته على تهمة الهيروين والسلاح فقط، خير دليل على حوادث الفساد
التي أدت إلى إخلاء سبيله في شباط 1990م. وذلك لتصريحه قبل ترحيله إلى
تركيا أنه إذا ما حوكم عن قضايا الصادرات الوهمية فسيجد بعض الوزراء
أنفسهم في مشكلة.
إن ذلك يدل على ضعف الرقابة الذي يتجلى عندما أعلنت المعارضة أن صفقة
سرية أبرمت لصالح رجل الأعمال المتهم الذي سيسعد إطلاق سراحه دوائر معنية
قريبة منه. وإن هذا كله يظهر أن ضعف المساءلة قد يسلب السلطة القضائية
دورها الصحيح في إنفاذ القانون خدمة لأصحاب النفوذ(19).
يضاف لما عرضنا له في كلتا الحالتين الجزائرية والتركية من عالم الجنوب
إلى أنه في عالم الشمال هناك أنموذجات تؤكد ضعف الرقابة في حالات رصدت.
ولذا فإن دستور الولايات المتحدة الأميركية الذي تعد صياغته أنموذجاً
لنظرية فصل السلطات وآلية الرقابة والموازنة لا تخلو الإدارات التي تولت
تنفيذه من ضعف دور الرقابة عليها، وعلى سبيل المثال نجد ممارسات رئيس
الإدارة الأميركية السابق (بيل كلينتون) (سواء كان رئيساً للإدارة أم
حاكاً لولاية من قبل) تزخر بآليات عمل واستغلال نفوذ نلاحظ فيها خلوها من
عنصر الرقابة عليها.
فهو عندما كان (حكم ولاية) في أركنساس ظهرت لديه الكثير من ظواهر الفساد
ومن هذه ما قام به من إسباغ حمايته على مشروع عقاري ضخم في تلك الولاية
(رأسماله سبعمائة مليون دولار) تقوم بتنفيذه شركة تدعى (A.D.F.A) (شركة
أركنساس لتمويل التنمية). التي أحيط إنشائها بملابسات محفوفة بالشكوك
وذلك لأن الإدارة القانونية لشؤون هذه الشركة قام بها مكتب محاماة يدعى
مكتب (روز للمحاماة) تعود ملكيته إلى (هيلاري) عقيلة كلنتون، وشريك آخر
هو (فنسنت فوستر) حيث لوحظ أن (هيلاري) تقاضت أتعاباً تقدر بمائة ألف
دولار أمريكي لجهد لم يستغرق سوى بضع ساعات وهو أجر حسب تقدير الخبراء في
القضايا القانونية وأتعابها يفوق أتعاب أي محامٍ أكثر شهرة من ذلك المكتب
بكثير.
وعندما أثيرت تلك الحادثة أمام القاضي المستقل (كينيث ستار) في سلسلة
الاتهامات التي وجهت إلى كلنتون ومن بينها الفضائح الجنسية (التي أشير
إليها آنفاً) طلب ذلك القاضي بيان مفردات المبالغ المدفوعة إلى مكتب روز
من شركة (A.D.F.A)، إلا أن الرد كان أن المستندات قد فقدت من ملفاتها ولم
يعثر على أثر لها ومن خلال التحقيقات اثبتت الملفات المتبقية أن هنالك
أصدقاء ومستشارين للرئيس (كلنتون) حصلوا على قروض من تلك الشركة لم
يسددوها على ما يبدو، ثم شاع أن جزءاً من هذه القروض وجد طريقة إلى جيب
(الرئيس) نفسه، وإلى تمويل حملاته الانتخابية من دون الإعلان عن ذلك
مخالفة للقانون.
يذكر أن هذه القروض والمبالغ قد رتب لها المكتب ذاته (مكتب روز للمحاماة)
الذي كانت مكافأته أن عيّن (فنسنت فوستر الآنف ذكره) المستشار القانوني
لرئيس الإدارة الأميركية عندما وصل كلنتون لمنصب الرئيس.
إن ضعف دور الرقابة والمساءلة يتجلى عندما وقف القاضي (ستار) ولم يجد
طريقاً للنفاذ إلى خبايا هذه الواقع نتيجة لجدار الصمت الذي يصد الذين
يعرفون دخائل الوقائع عن الكلام والخنادق التي تحصنت فيها كتائب من
المحامين تزودت بكل الذرائع وتحوطت لكل سؤال، مما جعل (ستار) يقتنع أن
الصمت والإخفاء سياسة مقصودة مؤيدة لسلطة لا يرد لها أمراً(20).
مما تقدم توضح لدينا كيف تسبب الثغرات القانونية واختلاف النظم
والتشريعات في تغلغل الفساد في البلدان المختلفة أو داخل البلد الواحد
إذا ما كانت هنالك تشريعات متعددة كما هو الحال في الدول الفدرالية.
ونجد أن للثغرات القانونية أمثلة في دول عالم الجنوب كما لها تطبيقات في
دول عالم الشمال قد يسهل منها ضعف التفسيرات وغموض التشريعات في زيادة
نسبة الفساد. كما أن الأمر يتعلق أيضاً بضعف دور الرقابة على كبار
المسؤولين العموميين والموظفين الإداريين الذين أوضحت الأمثلة أهم في كلا
العاملين الشمال والجنوب يستغلون نفوذهم لإضعاف القانون والتطاول عليه
للوصول إلى منافعهم الشخصية التي تشكل أرضاً سمراء خصبة لنمو الفساد إلا
أنه قد يحجّم في الشمال بسبب الطابع المؤسساتي وكثرة أجهزة الرقابة ويكثر
في الجنوب بسبب السير عكس ذلك.
الهوامش
ـــــــ
(1) إذاعة لندن B.B.C باللغة العربية، الساعة (10.15) مساءً بتوقيت بغداد
الصيفي، الجمعة 13/4/2001.
(2) باتريك جلين، تعولم الفساد، في كيمبرلي ان آليوت، الفساد والاقتصاد
العالمي، م س ذ:44.
(3) سوزان روز اكرمان، الاقتصاد السياسي للفساد، في كيمبرلي ان اليوت،
الفساد والاقتصاد العالمي، م س ذ: 58-59.
(4) الأمم المتحدة، الفساد في الحكومة، د.نادر أبو شيخة(مترجم)، م س
ذ:15.
(5) المصدر نفسه:69.
(6) د.فتحي سرور، العولمة والفساد والجريمة المنظمة، مجلة الأهرام
الاقتصادي، العدد1600، 9/9/1999.
(7) الأمم المتحدة، الفساد في الحكومة، د.نادر شيخة(مترجم) م س ذ:69.
(8) جورج طرابيشي ثنائي الديمقراطية والفساد،صحيفة الحياة، 11 تموز 99، م
س ذ.
(9) د. محمود عبدالفضيل، من الفساد الأصغر إلى الفساد الأكبر، مجلة
السفير، 29/3/2000م.
(10) الأمم المتحدة، الفساد في الحكومةـ د. نادر أبو شيخة (مترجم)، م س
ذ:134.
(11) د. محمد عبد الفضيل، الفساد وتداعياته في الوطن العربي، جملة
المستقبل العربي، العدد 243، مايس1999م.
(12) الأمم المتحدة، الفساد في الحكومة، د. نادر أحمد أبو شيخة، (مترجم)
م س ذ:31.
(13) م. ن: 33.
(14) راجع أ.د. محمود عبد الفضيل، اقتصاديات الفساد، من الفساد الأصغر
إلى الفساد الأكبر، صحيفة السفير، 29/3/2000م. وكذلك تتمة المقالة في ذات
الصحيفة المنشورة بتاريخ 30/3/2000م.
(15) م. ن.
(16) لمزيد من التفصيل انظر جريدة الأهرام القاهرية: 22/1/1992م.
(17) لمزيد من التفصيل أنظر جريدة الأهرام القاهرية: 14/1/1992م.
(18) أحمد السيد النجار، الفساد ومكافحته في الدول العربية، م س ذ: 176.
(19) انظر: أ. د. جلال الله معوض، ظاهرة الفساد السياسي في تركيا، في
إكرام بدر الدين(محرر)، الفساد السياسي النظرية والتطبيق، م س ذ: 73.
(20) محمد حسنين هيكل، كلام في السياسة، القاهرة، المصرية للنشر، 2000م:
27-28.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
|