|
|
 |
الحضارية
«دراسات الادارة المعاصرة» |
|
الاحد: 07/09/2008
تأثير الفساد المالي والاداري في عمليات التنمية
وليد خالد صالح
الدليمي
تتعدد التعاريف الرامية لتحديد مفهوم
الفساد نظرا لتعدد الاشكال والمظاهر التي يتخذها في مجتمع ما فيعرف
الفساد بانه معيار للدلالة على غياب المؤسسات الفعالة التي شهدها عصرنا
الحالي. وعليه فان الفساد ليس نتيجة لانحراف
السلوك عن الانماط السلوكية المقبولة فحسب بل انه نتيجة لانحراف الاعراف
و القيم ذاتها عن انماط السلوك القائمة والمعهودة.
كما يعرف الفساد بانه تلك الاعمال التي يمارسها افراد من خارج الجهاز
الحكومي تعود بالفائدة على الموظف العام, فيسمح له بالتهرب من القوانين
والسياسات سواء باستخدام قوانين جديدة او بالغاء قوانين قائمة تمكنهم من
تحقيق مكاسب مباشرة وفورية.
وقد ينطوي الفساد على الوعيد والتهديد والابتزاز من قبل موظف عام او عميل
وقد يجرى داخل المؤسسة في القطاعين العام والخاص. اذن مهما تعددت
التعاريف وتباينت فالفساد سلوك غير طبيعي يحدث عندما يحاول شخص ما وضع
مصالحه الخاصة ايا كان موقعه فوق المصلحة العامة او فوق القيم التي يتعهد
بخدمتها.
وقد استفحل الفساد في السنوات الاخيرة في الدول المتطورة او الاكثر تقدما
وفي الدول النامية، فقد ادت فضائح الفساد الى تغيرات في اعلى المستويات
الحكومية في هولندا والمانيا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة.اما
الدول النامية فهي عرضة اكثر من غيرها لما يسمى الفساد الحكومي لا سيما
عندما يؤدي القطاع العام دورا كبيرا ومركزيا في المجتمع, الامر الذي يعني
بان ليس للفساد هوية او طابع سياسي محدد فقد عرفته على حد سواء الانظمة
الشمولية والديمقراطية. فهو قابل للانتشار في اي وسط سياسي كان بمستويات
مختلفة تظهر بثلاثة اشكال اساسية هي:
المستوى الرئاسي:
ويتعلق هذا الشكل من الفساد بذروة الهرم السياسي اي فساد الرؤساء والحكام
من خلال استغلال سلطاتهم لتحقيق مكاسب شخصية بطرق غير مشروعة وهو من اخطر
صور الفساد وانتشر بكثرة في البلدان الافريقية والاسيوية وامريكا
اللاتينية حيث سجل بعض رؤساء هذه الدول ارتكابات مالية هائلة وغير مشروعة
باستغلالهم لموقعهم. فالرئيس الفلبيني السابق ماركوس قدرت ثروته قبل
هروبه بنحو ثلاثة مليارات دولار والامثلة الاخرى كثيرة على ذلك امثال
الرئيس الهاييتي جان كلود والاندونيسي سوهارتو وكبار المسؤولين في
المكسيك حيث تحولت مناصب هؤلاء واخرين غيرهم من مناصب للخدمة العامة الى
مناصب لجني الثروات الشخصية عبر استغلال النفوذ وقبض الرشاوى والعمولات
بسلوك مباشر او غير مباشر عن طريق زوجاتهم وابنائهم واقاربهم واصدقائهم
المحسوبين عليهم.
المستوى المؤسسي:
وهو فساد بعض اعضاء السلطات الثلاث: التشريعية، القضائية، التنفيذية ولعل
من اخطر صور الفساد المؤسسي هو فساد الوزراء وكبار المدراء واعضاء
البرلمان من ممثلي الاحزاب السياسية وكذلك القضاة لا سيما عندما تتداخل
المصالح الشخصية لعينة من هؤلاء فيما بينها حيث يزداد حينها ضرر المصلحة
العامة وتتعثر المشاريع والخطط التنموية.
المستوى الاداري:
وهو فساد بعض الموظفين في المستويات المتوسطة والدنيا من الهرم الاداري
وعلى الرغم من انحسار قضايا الفساد بهذه الامور الصغيرة التي تتم بين
الموظف العام والعميل صاحب الخدمة لقاء تسهيل معاملته وانجازها باسرع وقت
ممكن وبطرق ملتوية فان اثرها شديد الوقع في المصلحة العامة عندما تنتشر
كظاهرة متعارف عليها في مختلف ادارات الدولة وخاصة الكمارك والشرطة
والدوائر ذات الشأن في ابرام العقود والمناقصات وغيرها.
اذن فلكل ما سبق تأثير كبير في مسار عملية التنمية والتي لم تقتصر على
زيادات معدلات النمو ورفع معدلات الانتاج المحلي وتطوير كفاءة الانتاج
وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين فحسب، بل هي كذلك من خلال تغيير جذري
في البنية الاجتماعية يفضي الى تلك المؤشرات للانتقال بالمجتمع ككل الى
حالة افضل اقتصاديا واجتماعيا بالمعايير المتعارف عليها.
فالتنمية لهذا المجتمع تقوم على بعدين اساسيين اقتصادي واجتماعي ,حيث ان
البعد الاقتصادي ينطوي على امرين ايظاً الاول هو زيادة فعالية الدولة من
خلال مؤسساتها في توجيه النشاط البشري. اما الامر الثاني هو توفير المناخ
الديمقراطي واتاحة الحريات العامة للمواطنين للمشاركة في توجيه السياسة
العامة للبلاد. وبتكامل الدولة والمجتمع يزداد كل منهما مناعة وقوة فيما
لو تميز عمل الدولة بمؤسساتها المختلفة بالشفافية وحس المسؤولية لدى
القائمين عليها.
وهذا هو الاطار النظري او المثالي للتنمية، اما الواقع فقد يبتعد عن ذلك
قليلا او كثيرا وفقا لحكمة القيادة السياسية وحرصها على التنمية في تحقيق
الاهداف التي رسمها المجتمع للوصول الى وضع افضل ومعاصر والتي يفترض بها
ان تسعى جاهدة على فرض قضيتي الشفافية والمساءلة القانونية على جميع
مفاصل عملها بدءا باعلى الهرم وانتهاء بقاعدته لتكفل تحقيقا ناجحا لعملية
التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمختلف مستوياتها ولتحصن بذلك المجتمع من
آفة الفساد وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللا مبالاة وانعدام
الحس بالمسؤولية.
وعليه اذا كانت القواعد المنظمة للحياة العامة موضوعية وعلنية وكذلك
القرارات الحكومية واذا كان المسؤولون كل في مجال عمله على مستوى السلطات
التشريعيةوالقضائية والتنفيذية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة، واذا
تم تغيير ومحاسبة المسؤولين الذين خرجوا عن القوانين، حينها تتوافر
الشــروط المناسبة والصحيحة للتنمية وتتحقق الاهداف المرسومة تباعا وكما
تم رسم مساراتها كميا وزمنيا من جهة وتقل معدلات الهدر وظاهرة الفساد من
جهة اخرى.
فالفساد هو العدو الاول للتنمية وهو ظاهرة معقدة تتداخل فيها قضايا
السياسة والادارة والمال لذا يفترض بالقيادة السياسية متابعتها بدقة
والعمل على عدم انتشارها من خلال فصل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية
والتنفيذية واحترام ممارسة المواطن لحقوقه المدنية والسياسية بما فيها من
حرية التعبير الا ان الديمقراطية لا تمنع الفساد في المجتمع رغم ما
تتضمنه من شفافية ومصارحة ولكن في ظلها لا يتحول الفساد ان وجد الى ظاهرة
مستشرية ومن ثم يمكن تطويقه ومكافحته بسهولة من خلال مساءلة ومحاسبة
المسؤولين المتورطين بقضاياه بالاضافة الى ذلك يجب حصر ثروات كبار
المسؤولين وتحديد مصادرها من قبل الاجهزة الرقابية التي يفترض بها ان
تتحقق من ذلك قبل تولي المسؤولية العامة وفي اثنائها وبعدها ,كما يجب
انشاء اجهزة رقابية ذات فعالية وصلاحيات واسعة تتمتع بالاستقلال في عملها
تعد تقاريرها بشكل دوري وعلني للمواطنين كافة بالتعاون مع مختلف المؤسسات
الاعلامية مع التركيز دائما على نشر الوعي الاجتماعي والسياسي والتأكيد
على القيم الاخلاقية والانسانية عبر المؤسسات المختصة في التربية
والاعلام والثقافة لاعلاء القيم المجتمعية النزيهة وضرب المثل الاعلى
والقدوة الحسنة من قبل القادة والمسؤولين في الدولة. والاهم من كل ذلك هو
سيادة القانون وعدم تجاوزه بأي شكل من الاشكال من قبل جميع افراد المجتمع
من مسؤولين ومواطنين.
عن : الصباح
|
|
|