|
الاثنين:
18/08/2008
متغير الثورة التقانية وثورة الاتصالات، وعلاقته بالفساد
عماد صلاح عبد
الرزاق الشيخ داود(*)
بادئ ذي بدء يعد نشوء ثورة التقانة
وما لحق بها من تطورات في مجال المعلوماتية والاتصالات تغييراً في شكل
الحياة البشرية. ولقد ساعد التطور المذهل والسريع إلى حد جعل العالم على
حد تعبير أحد المفكرين الغربيين (مارشال ما كلوهان) عام 1964م (قرية
كونية).
حيث أصبح الإنسان يشارك وهو في غرفة جلوسه في الأحداث العالمية بالصوت
والصورة كأنه حاضر(1) ويكفي أن نلقي نظرة على ما حصل من تطور منذ العام
1964م إلى بداية الألفية الثالثة في تلك المجالات لنرى سرعة هذا التقدم
بهذه الثورة.
إن ثورة التقانة وتوابعها هي حصيلة ما توصل إليه العقل البشري من
إنجازات، واكتشافات، واستخدام لأدوات، والطرق العلمية والمنهجية والمعرفة
المنظمة، لابتكار أدوات ووسائل جديدة متطورة ومطورة تستهدف تمكين الإنسان
من السيطرة المستمرة على الطبيعة والكون، والاستخدام الأمثل لكل القدرات
والإمكانات الموجودة بسرعة أكبر وجودة أفضل وإنتاج أوفر، وكلفة أقل. إنها
وسيلة لتطبيق الاكتشافات أو الأساليب العلمية أو المعرفة المنظمة لإنتاج
أدوات معينة أو القيام بمهام محددة، من أجل إيجاد حلول علمية للمشكلات
التي يواجهها الإنسان في البيئة والمجتمع إنها الثورة التي توجد وسائل
إنتاج جديدة في المجالات كافة وخصوصاً المعلومات والاتصالات(2).
إلا أنه وبرغم كل ما تقدم فإن هذه الثورة تحمل بين ثناياها علاقات وظواهر
خطرة من ضمنها نشاط الفساد والإفساد، ولهذا أصحبت ثورة التقانة كما يصفها
المفكر (رجاء غارودي)(3) كالنبوءة الثقيلة للقديس أوجستان (على حد
تعبيره) التي وصفت العبادة الوثنية بأنها:
(اضطهدت البشرية في صيغة يديها!) وهو الحال ذاته مع ثورة التقانة فهي بكل
ما تحمله من معاني التطور قد اضطهدت البشرية من خلالها. حيث يشير (غارودي)
إلى أن العقل البشري من خلال الثورة التقانية اكتشف أسرار الطاقة النووية
التي لها استخدامات مهمة لتطوير الحياة البشرية ثم سرعان ما أسفر
الاكتشاف هذا عن قنبلة ألقيت على مدينة (هيروشيما) اليابانية في لحظة
واحدة قتلت (سبعين ألف) ضحية (الأمر الذي عد تقدماً تقنياً لا يقبل الجدل
أو النقاش) فما بذله(جنكيز خان) في أسبوع لإقامة هرم من (عشرة آلاف)
جمجمة في أصفهان يمكن اليوم بفعل ثورة التقانة وبكبسة زر أن يبيد ما
يعادل اثني عشر مرة عدد سكان البسيطة(4) وبهذا يتطابق واقع التقانة مع
مثال القديس أوجستان. بعد هذا، ولربط الموضوع، لابد من التساؤل: كيف
استخدمت التقانة لخدمة الفساد؟ وما هو الأثر السيئ لذلك؟
ولغرض الإجابة، ولوضع النقاط على الحروف علينا أن نوضح قبل ذلك أن ثورة
التقانة ارتبطت بتطور شهده القرن العشرون ومن ثم القرن الواحد والعشرون،
وهو تقنية المعلومات والاتصالات التي تعد ثورة بحد ذاتها، بدأت بالصورة
والكلمة المطبوعة، وأساسها الحبر والورق، مروراً بالإلكترونيات الدقيقة
المرتبطة بالكمبيوتر والفاكس والروبوت (الإنسان الآلي) حسب رؤية العالم (ديكن)(5)
الذي يرى إضافة إلى ذلك أن ثورة المعلومات والاتصالات شهدت مرحلتين:
الأولى: مرحلة تقنية المعلومات التي هي ثورة مادتها الخام البيانات
والمعلومات والمعارف وأداتها الأساسية هي الحاسوب (الكمبيوتر Computer)
وبرامجه التي تستهلك طاقته الحسابية في تحويل المادة الخام إلى سلع
وخدمات معلوماتية.
الثانية: هي التي تعد عنصراً مكملاً لتقانة المعلومات التي يجسدها
الحاسوب وهي ثورة الاتصالات(6).
بعد هذا علينا العودة إلى جوهر السؤال الذي طرحناه في سطور سابقة وهو:
كيف استخدمت التقانة لخدمة الفساد:
للإجابة على ذلك يرى (أ.د مصطفى كمال السيد)(7) المختص في أبحاث الفساد
أن هذه الثورة من خلال وسائلها الاتصالية السريعة والمرئية سوف تفتح عقول
كثير من مواطني الدول الفقيرة على وسائل ومستويات معيشية عالية مما يشجع
على زيادة التطلعات برغم ضعف الإمكانات، قد تؤدي بالتالي إلى حالات فساد
ينبغي من ورائها العيش في مستوى الرفاهية المطلوبة من وراء تلك التطلعات
(من زاوية رؤيته لهذا الشكل من أشكال الفساد)(8).
تجدر الإشارة إلى أن الشفافية الدولية (TI) قد شخـّصت الكثير من حالات
الفساد عبر استثمار التقنيات الحديثة في عالم الشمال مما يجعل الأمر
جلياً في معاناة العالم أجمع من الفساد عبر التقانة(9) ولهذا كله سنتناول
فيما يلي صوراً للفساد ساعدت على انتشاره ثورة التقانة والاتصالات. لنعطي
للتساؤل كامل إجابته وأيضاً نعطي للمدى كل طوله لبيان الأثر السيئ للفساد
وفق المحاور الآتية:
أولاً: حالات الفساد والتزوير ضمن آليات عمل وسائل
الاتصال:
لقد كشف النقاب من خلال الدراسات واللقاءات الدولية للمختصين عن مشكلات
التزوير والفساد عبر وسائل الاتصال إلى أنه منذ بداية العام 2000م هنالك
الكثير من المحققين والقانونيين والمسؤولين الحكوميين (المنتمين إلى
الدول الصناعية الثماني الكبرى) يتدارسون الوسيلة المثلى للحد من ظاهرة
الفساد المتجسدة في التزوير والاحتيال والجريمة المنظمة عبر وسائل اتصال
الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت)(10) التي قدرت خسائرها بملايين
الدولارات الأمريكية(11) وخصوصاً العمليات الخاصة (ببطاقات الإئتمان
وتزييفها)(12)(13) التي يسعى التنسيق الدولي إلى زيادة ضبط أولئك
المتعاملين بها (طبقاً لآليات الفساد).
حيث لوحظ استشراء شكل الفساد هذا في الأعوام الأخيرة من القرن المنصرم
وبدايات الألفية الحالية لزيادة أعمال الاحتيال والتزوير والتصرف ببطاقة
الإئتمان (قبل أن يعلم صاحب البطاقة أن بطاقته تم استعمالها) من خلال
استخدام تقنيات ثورة المعلومات والاتصالات(14) ولكي نبين تلك الآلية
الفاسدة سنوردها بشيء من التفضيل.
حيث من الملاحظ أن عملية صياغة البطاقات المزورة تتم طبقاً لمرحلتين:
أولاهما: هي عملية الحصول على البطاقة البلاستيكية
لطباعة المعلومات وتخزينها عليها.
وثانيهما: الحصول على هولوجرام لإتمام عملية تصنيع البطاقة من قبل
الشبكات الفاسدة العاملة في هذا المجال الأسود(15) وذلك بأن تتم هذه
المراحل عادة بسبب أعمال اختلاس البطاقات من البنوك الكبيرة التي ينفذها
الموظفون الفاسدون والمرتبطون بعلاقات مشبوهة مع تلك الشبكات التي تقوم
بدورها بنقل إرسال البطاقات بعد قيامها بتزويرها إلى دول أخرى الأمر الذي
يرتب الأثر السيئ على سمعة الدول الصادرة منها البطاقة، مما يستدعي للحد
من هذه الظاهرة أن يتم تعظيم دائرة التدقيق على أولئك الموظفين وعلى
الجهات المعنية بإصدار تلك البطاقات(16).
إن عمليات التزوير قد تكون بإصدار بطاقة مزورة بكاملها تتوفر فيها جميع
العناصر الأساسية للبطاقة (وتشمل تزوير الوسائل الأمنية كافة التي تحويها
ويكثر هذا لدى المجموعة الصينية)، أو قد يتم بإجراء تغيير بسيط على
البطاقة المختلسة أو المسروقة، كأن يتم تغيير رقمها، أو اسم صاحبها
بطريقة إلكترونية هي المسح الحراري ومن ثم يتم إعادة طباعتها حرارياً
بشكل آخر يرام من خلاله الاحتيال في استخدام البطاقات، ويكون هذا الشكل
من التزوير بغية تعقيد عملية متابعة البطاقة عند اكتشافها(17) أو ربما
يكون التزوير يستخدم في تقنيات الثورة التقانية للاحتيال لتنفيذ (عمليات
الشراء الالكترونية) من خلال نقاط البيع المباشرة التي لا تحتاج إلى كل
ما تحتويه البطاقة من بيانات ظاهرة (كالاسم والرقم وتاريخ نفاذ البطاقة)
إنما تتعامل بهذه البيانات نتيجة قراءة الأجهزة الإلكترونية للشرائط
الإلكترونية المثبتة على البطاقة التي بتحريفها (أي تلك لشرائح) وتزويرها
دون المساس بمظهر البطاقة ينجم أمر يساعد على اكتمال عنصر الجريمة (حيث
المعلومات الظاهرة صحيحة والمعلومات على الشريحة مغايرة غير متطابقة (مع
الظاهرة منها) إلا أنها قابلة للاستخدام وتعود لبطاقة سليمة)(18).
إن أسلوب تزوير المعلومات يتطلب أسلوب كشف يختلف نوعاً ماحث يتطلب قراءة
البطاقة آلياً (إلكترونياً) ومقارنة بياناتها مع ما يظهر عليها خارجياً
وذلك ما يرتب خسائر مالية كبيرة تتحملها الجهات المصدرة للبطاقة والجهات
القابلة للتعامل معها بما فيها حامل البطاقة نفسه.
جدير بالذكر أن البطاقة الإنتمائية المزورة تسبب خرقاً للنظام المصرفي من
خلال استخدامها، مما يسهل بذلك عملية كشف الشبكة المصرفية الداخلية من
الهدر المالي الذي يذهب إلى تطوير الأنظمة وإصدار بطاقات جديدة مختلفة
للعملاء المتضررين جراء أعمال تزوير المذكورة.
بعد ذلك علينا أن نوضح أساليب أخرى للفساد عرفت مع ثورة التقانة
والاتصالات تضاف إلى ما تقدم منها كون فضاء شبكة الإنترنيت يشهد حالات
تحويل الأموال، وفساداً كبيراً، يشير إلى كل من (باتريك جلين) و(مويزيس
نعيم)(19) وذلك بأن ثمة عدداً من الشركات تعمل جاهدة على استحداث نقود
إلكترونية من الممكن استخدامها في ذلك العدد المتنامي من المعاملات
التجارية التي تجري على شبكة الانترنيت، وستجمع النقود الأمريكية مهما
كان الشكل الذي ستتخذه بين صفات النقود الحالية(أي القبول العالمي وعدم
الحاجة إلى مراجعة لاحقة واضحة) وبين سهولة التحويل الإلكتروني.
وستكون النقود الإلكترونية قابلة للنقل الفوري بلمسة على لوحة مفاتيح
جهاز الكمبيوتر (Key Board) أو بنقرة(Click) على جهاز الفارة، مما يجعل
من الصعوبة بمكان اقتفاء أثر هذه الأموال وتنظيمها (ومن الممكن تصورياً
أن تجعل شراء مسؤول عمومي أو موظف وإفساده مجرد صفقة عبر الانترنيت) ولعل
التصور للحجم المالي الكبير الذي يزيد عن التريليون دولار يجري كل يوم
دائراً حول الكرة الأرضية. (بلمسة واحدة) وبسرعة الضوء وبالمعنى الحرفي
للكلمة كتدفقات مالية ضمن النظام المالي الدولي لعالم اليوم والمتكون من
شاشات الألوف من أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) المرتبطة بواسطة الأقمار
الصناعية (السواتل) في شبكة اتصال فوري وثيق(20)، يبين ما أن تدخل
الأموال إلى النظام المالي هذا فإنه يمكن صرفها لأي عدد من المواقع
المترامية الأطراف ولهذا تشير مجلة التايم إلى أن مسؤولي إنفاذ القوانين
مضطرون اليوم إلى البحث عن الكثير من الأموال المتأتية من الرشاوى وأعمال
الفساد الأخرى وغسيل العملية الطافية على سطح المحيطات من المدفوعات
المشروعة وهي مهمة مضنية في أحسن أحوالها لأكفأ جهاز يراقبها.
إن هذه الأموال تشكل معضلة حتى بالنسبة لصندوق النقد الدولي (IMF) الذي
يشجع انفتاح الأسواق المالية الدولية أو قابلية العملة للتحويل مع إلغاء
الرقابة على الصرف حيث أن الصندوق ذاته وفي الوقت نفسه يرى أن التحرر
يكون محفوفاً بالمخاطر في ظل ثورة المعلومات والاتصالات لأنه يفتح قنوات
إضافة لغسيل الأموال القذرة(21)(22).
مما تقدم يتضح لنا كيف أن للتزوير وحالات الفساد منافذ عبر ثورة
المعلومات والاتصالات أصبحت اليوم واقع حال يترقب منه الكثير من المؤسسات
الحكومية والهيئات الدولية نظراً لسرعة المعاملات وعدم إمكانية تتبعها
بسهولة مما حدا بتلك الجهات للحد من ظاهرة التزوير والفساد أن يظهر لديها
نظام للتشفير(23) يستخدم لتبادل المعلومات المهمة وخصوصاً ببانات وأرقام
بطاقات الإئتمان (التي سبق الحديث عنها) إلا أنه وبرغم كل الجهد الحثيث
ما يزال هنالك كم هائل من العمليات غير المشروعة يكون مجالها الأرحب في
(فضاء شبكة الانترنيت).
ثانياً: الاختراق عبر وسائل الاتصال:
إن الحديث عن الاختراق عبر وسائل الاتصال ما هو إلا تتمة للموضوع، لبيان
كيف أن الملومات والاتصالات لم شكلته اليوم من وسيلة حيوية يستخدمها بنو
البشر يمكن لبعض الجهات الخارجة عن القوانين أن تستغلها في حالات فساد قد
تصل إلى تهديد حياة الآمنين.
ولهذا نشير إلى ما تحدث عنه (انطوني ليك) في أحد كتبه(24) على أنه في
العام 1994 تمكن أحد قراصنة الكومبيوتر من اختراق نظام قاعدة (روم)
الجوية لأكثر من أسبوعين وكذلك تعرض نظام (البريد الإلكتروني E-Mail) من
قاعدة (لانغلي) الجوية في فيرجنيا إلى إمطار هائل برسائل إليكترونية
حوالي أكثر من (ثلاثين ألف رسالة) أدت إلى إغلاق نظام الحاسوب في تلك
القاعدة لعدة ساعات. إن مثل هذا العمل يشكل استغلالاً للوسائل
الإليكترونية لإيقاف عمل منظومات حاسوبية الذي يعد العمل على إيقافها من
أخطر الحالات التي تعرض حركة الطيران لكوارث، وكذلك استخدام الأسلحة بشكل
غير صحيح وعشوائي نتيجة لاختلاف البيانات التي يقدمها نظام الحاسوب
للمستخدمين، وبذلك يتضح مدى عظم الخطر الذي تسببه حالات استغلال تلك
المواقع لمثل هذه القرصنة، خصوصاً و(الكاتب) يذكر أن السلطات القائمة على
تحقيق في تلك الاختراقات لم تستطيع تحديد أماكن أولئك القراصنة. ويستطرد
(ليك) ليتحدث عن اختراق النظام الإلكتروني لبدالة شرطة النجدة في ميامي
من موقع مستخدم خاص على شبكة الإليكترونية مما أدى إلى وقف خدمات جهاز
الشرطة وإيقاف النظام الإليكتروني لها لمدة ليست بالقصيرة مما دفع إلى
تحويل المكالمات الهاتفية إلى أماكن أخرى لا علاقة لها بشرطة النجدة. كما
إن الشخص ذاته (الذي ألقي القبض عليه فيما بعد) قام باستغلال موقعه
الإليكتروني بالدخول على نظام مؤسسة الهواتف في ميامي مما مكنه من إجراء
(60 ألف مكالمة) غير مرخصة مما يؤدي على سلب الكثيرين أموالهم بعمليات
التلصص الإلكترونية(25).
جدير بالذكر أن عدم توفر الحلول الأمنية لشبكات الكثير من نظم الحاسوب
تجعل محاولات اختراق الأنظمة والشبكات ممكنة، وهنالك من يعتقد أن محاولات
الاختراق مقتصرة على الأفراد فحسب أو منظمات ما يدعي بعالم انترنيت
السفلي مثل المنظمة المسماة (الهاكر) التي تحاول توجيه الاختراق نحو
أنظمة وشبكات ومواقع الجهات الرسمية في العام أجمع بحيث تؤدي أعمالها
الاختراقية إلى نتائج تخريبية في الأنظمة ذاتها يمكن إصلاحها إذا ما وجدت
النسخ الأصلية. إلا أن الخطر الداهم ليس كما يعتقد من أن محاولات
الاختراق مقتصرة على الأفراد، بل إنه محاولات إفساد الموظفين أو العاملين
في نقاط مهمة لدولة ما من قبل دولة أخرى لكشف الشفرات أو بيان الممرات
التي عبرها يمكن الوصول إلى البيانات الكامنة فيها الأسرار، التي يحاول
العمل التجسسي الإليكتروني نقلها من مكان إلى آخر هي ذروة سنام الأمر في
الخطر الذي ينتاب دول العالم من خلال شبكاتها المعلوماتية(26). يذكر
أيضاً أن شركات الحواسيب العالمية ذاتها ومنها شركة
مايكروسوفت(Microsoft) الأميركية قد أعلنت بعد افتضاح الأمر أنها ستصلح
خطأ تجسسياً في نظام(Windows98) الذي تتمكن بموجبه تلك الشركة من جمع
المعلومات والبيانات من أجهزة المستخدمين للنظام من دون علمهم بغية تحقيق
النفع في شتى المجالات من خلال تلك البيانات. وكان قد كشف عن ذلك (ستيفن
سينوفسكي)(27) الذي قال في معرض حديثه إننا مهتمون جداً بأمر الخصوصية
وتفهم الدواعي الكامنة خلفها ولذلك لن توجد هذه الميزة في نظام (Windows
2000)(28).
ومن خلال ما تقدم يتضح أن عمليات الاختراق عبر وسائل الاتصال وخصوصاً
شبكة (الانترنت) يمكنها أن تحدث شرخاً في جدار أمينة المعلومات وسريتها
وبذلك يستغل الكم الهائل من تلك المعلومات لمنفعة أطراف أخرى وهنا تبرز
(فرضية الفساد)، التي تحقق نفعاً خاصاً قد يتحول إلى عمل تجسسي يقصد به
إيذاء شعوب بأكملها والسيطرة عليها وتكمن خطورته في النقاط الآتية:
أـ إمكانية استغلال جماعات الجريمة المنظمة لتلك التقنيات وإمكانية
اختراق نظم عدة قد تصل إلى حد الدخول على نظم يمكن الحصول منها على
معلومات خطرة لتصنيع أسلحة ذات تقنيات عالية أو أسلحة دمار شامل، وخصوصاً
بعد امتلاك الكثير من دول الجنوب للسلاح النووي، واستخدام تلك الأسرار في
ابتزاز الأموال أو التهديد لحياة شعوب ودول كثيرة وهو أمر محتمل ووارد
الوقوع.
ب ـ إن حالات التمكن من استغلال الشبكات المعلوماتية تتسبب في زرع
الاضطراب في شبكات الدفاع والمنظومات الكهربائية والخطوط الهاتفية
المطارات وأنظمة أخرى، مما يؤدي بالنتيجة إلى اختلالات وخسائر مادية
فادحة، ولعل ذلك يجري من قبل حكومة مثل الحكومة الأميركية التي قامت من
خلال عمليات يراد بها السيطرة وتحقيق النفع الأميركي إلى زرع فايروس
كومبيوتري أو (Logic Bomb) في شبكات كومبيوتر دول مما أدى إلى التلاعب
بالفضاء الإليكتروني للشبكات التي ذكرت آنفاً وسيطرة الجانب الأميركي على
المواقع الإليكترونية لتلك الدول بالكامل(29).
مما تقدم نرى أن ما عرضنا له دعا دول متقدمة مثل فرنسا إلى المطالبة
بالتنظيم الحكومي لشبكة الإنترنت بهدف محاربة جرائم الاحتيال والتخريب
وغسل العملة والتجسس الإليكتروني حتى أننا نلاحظ أن رئيس الحكومة
الفرنسية السيد (ليوينيل جوسبان) يدعو البلدان الصناعية الثماني الرئيسية
قائلاً: «إن التنظيم للشبكة اليس كافياً وهناك حاجة لتنظيم حكومي منسق».
وذلك خلال المؤتمر الأول للشرطة ورجال وممثلي الحكومات الهادف إلى مكافحة
الجريمة عبر الإنترنيت(30).
وللأمر نفسه يشير (كولن روز)(31) إلى أن هذا النوع من الجرائم يحتل
الموقع التالي للتهديد النووي حيث أنه قادر على تدمير صناعات بأكملها
وهدم بيانات مهمة بكبسه مفتاح ليس إلا، ولا يتحاج في هذا العصر (العصر
المعلوماتي) إلى أسلحة أو قنابل لتدمير البلدان بل إن الاقتصاد وعالم
المال والدفاع والاتصال كله مرتبط بالمجتمع المعلوماتي الذي يمكن اختراقه
بواسطة هذا الشكل من الجرائم.
إن أعمال الفساد في مجتمع المعلوماتية قد تؤدي إلى كوارث إنسانية وبيئية
من خلال اختراقات لنظم مطارات تؤثر على الحركة الجوية أو اختراق نظم
محطات نووية يثير خللاً فيها أو حتى اختراق نظم مستشفيات تؤدي إلى اضطراب
البيانات المسجلة على الحالة الصحية للمرضى وبالتالي يختلط الأمر ويودي
بحياة الكثيرين، إن تلك الأعمال تؤدي بالتالي إلى خلل في نظام المجتمع
للكثير من الدول وتسبب في تراجعات لمعدلات التنمية والتطور(32).
ثالثاً: إشكالية اختراق نظم الانتخابات عبر ثورة
المعلومات والاتصالات
لعل التطرق على الفساد السياسي عبر ثورة المعلومات والاتصالات موضوع قد
يجعل علامة التعجب ترافق نظر المتلقي للوهلة الأولى، إلا أن عالم اليوم
قد استخدم التقنية في كل المجالات فلماذا لا تستخدم في الصعيد السياسي.
لقد تم ذلك فعلاً عن الإعلان عن استخدام شبكة (الانترنت) في التصويت
الانتخابي حيث أشار مدير الأبحاث في كلية العلوم السياسية بجامعة أريزونا
قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية نهاية عام 2000
إلى أن الناخبين الأميركيين سيكون بوسعهم التصويت عبر شبكة (الإنترنت)
للمرة الأولى في الانتخابات الأميركية بولاية اريزونا وهذه الفكرة تعد
مبتكرة من قبل الحزب الديمقراطي.
ولا يتوجب على الناخب إلا أن يدون اسمه في لوائح حزبه وأن يدخل رقماً
للتعريف به يحصل عليه مسبقاًً من منظمي الإنترنت بواسطة البريد
الإلكتروني بالإضافة إلى مجموعة بيانات شخصية. وقد أكد مدير الأبحاث أن
النظام آمن ولا مجال للتزوير فيه إلا أن ذلك يقنع الكثير من أخصائيي
العلوم السياسية حيث أعلن أحدهم في صحيفة (الواشنطن بوست) أن الديمقراطية
لا تتعزز بتشجيع ناخبين جالسين في بيوتهم وصفهم بالكسالى للمشاركة في
الانتخابات(33). وطبقاً لما أشارت له الدراسة في هذا المبحث من ممارسات
للاختراق الإليكتروني وحديث مستشار الأمن القومي الأميركي السابق (ليك)
عن تلك الخروقات تظهر إمكانية اختراق النظام الانتخابي وكذلك احتمال عدم
تصويت الناخب على بطاقته الانتخابية مما يسبب إرباكاً لصحة
الانتخابات(34).
وفي تطورات أخرى للخدمات الانتخابية المقدمة على شبكة (الانترنت) طرح بعض
الناخبين أصواتهم للبيع بالمزاد على الشبكة برغم المنع القانوني المشدد
لبيع وشراء الأصوات ومع عدم تسجيل أي عملية بيع أو شراء إلا أن الحركة
بحد ذاتها تشير إلى مدى إمكانية بيع الأصوات لمن يدفع أكثر وإمكانية
تزييف النتائج أيضاً(35).
ولقد بين في معرض ذلك رئيس الوفد الياباني المشارك في مؤتمر مكافحة
الجريمة في باريس بأن الاختراق عبر الشبكة يتجاوز حدود أمن المواقع مما
يشكل مخاوف لا حدود لها من تطور ذلك الاختراق وأثره على أنظمة الدول
واستقرار المجتمعات(36).
من هنا يتضح كيف أن لشبكة المعلومات والاتصالات آثاراً على تزوير
الانتخابات ونتائجها مما يؤدي إلى خلل في النظم الانتخابية إذا ما أشيع
استخدام ذلك.
ختاماً لهذا البحث نود القول بأن ثورة المعلومات قد شكلت طفرات في الحياة
الإنسانية ويسرت السبل للاتصالات بين الدول ونحن في بحثنا هذا لا نريد أن
نقف موقف الضد منها أو النقد لها بل على العكس إنها تشكل مرحلة من مراحل
الارتقاء الإنساني. ولكن حاولنا تسليط الضوء على الاستغلال غير السليم
لهذه الثورة الهائلة مما يؤدي إلى إضرار بالمجتمعات والدول لا يمكن
تجاهلها ما بينا فيما سلف.
الهوامش
ـــــــــــ
(*) مدرس مساعد في وزارة التعليم العالي، وعضو الجمعية العراقية للعلوم
السياسية.
(1) نقلاً عن د. ماجد محمد شدود، العولمة مفهومها، مظاهرها، سبل التعامل
معها، دمشق، مطبعة اليازجي، 1998م: 70.
(2) م. ن: 49.
(3) مفكر أوربي، اعتنق الإسلام، وأصبح اسمه بالصيغة المذكورة بعد أن كان
يعرف بـ (روجيه غارودي)، له مواقف ثابتة في نصرة قضايا التحرر وصراع
الشمال والجنوب.
(4) وجيه غارودي، حفار والقبور، الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها،
القاهرة، دار الشروق، 2000م: 96-98.
(5) عالم غربي، يتناول طروحات في قضايا التقانة.
(6) ماجد محمد شدود، العولمة، م س ذ: 49.
(7) رئيس مركز دراسات وبحوث الدول النامية، وأستاذ العلوم السياسية بكلية
الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، أحد المتخصصين في موضوع
الفساد.
(8) من لقاء شخصي للباحث مع أ. د. مصطفى كامل السيد، في مبنى كلية
الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 6 شباط 2001م.
(9) انظر الموقع www.Transparency.org .
(10) يذكر أن هنالك تنوعاً وتعدد في أشكال الفساد والجرائم عبر الإنترنيت
إلا أن جريمة الاحتيال والنصب والفساد في نطاق التجارة الإليكترونية تشغل
قمة السلم بين تلكم الجرائم، خاصة مع شيوع استخدام هذا الأسلوب من أساليب
التجارة على الصعيد الدولي.
لقد قرر تقرير (نيلسون) الصادر عن واحدة من الجهات المهتمة بالشأن
المصرفي بأن قيمة الخسارة من جراء عمليات النصب والاحتيال والفساد عبر
الشبكة الدولية للمعلومات تبلغ (28 سنتاً أميركياً) لكل (مئة دولار
أميركي) ينفق عبر الانترنيت (أي (4 مرات) أكثر من قيمة ما يجري من عمليات
احتيال داخل المحلات والبيع والشراء بالطرق التقليدية.
كما تفيد الإحصاءات بأن أكثر من ستة ملايين مستخدم للشبكة تضرروا جراء
آليات الفساد والاحتيال في عمليات التجارة الدولية خلال العام 2000م،
وذلك بخسائر تقدر بأكثر من تسعة ملايين مليارات دولار.
(11) انظر: عصام خيري، تقرير، الإدمان الاستهلاكي العربي يعزز التجارة
الإلكترونية، مجلة الوطن العربي، العدد 1279، 7/9/2001م.
(12) بطاقات الإئتمان، تعرف على أنها عبارة (عن عقد بمقتضاه مصدر البطاقة
بفتح اعتماد بمبلغ معين لمصلحة شخص آخر هو حامل البطاقة الذي يستطيع
بواسطتها الوفاء بمشترياته لدى المحلات التجارية التي ترتبط مع مصدر
البطاقة بعقد تتعهد فيه بقبولها الوفاء بمشتريات حاملي البطاقات الصادرة
عن الطرف الأول على أن تتم التسوية النهائية بعد كل مدة محددة). وأغلب
بطاقات الإئتمان تكون عبارة عن كارت في أغلب الأحيان مصنوع من البلاستيك
ومواد أخرى وتحوي قطع معدنية في الغالب يمكن للمتحسسات الإلكترونية في
قارئات البطاقة لدى البنوك أو المحلات أو أجهزة الهاتف التعرف عليها
لتمكن حاملها من شراء الخدمة المقدمة مقابل الدفع الجزئي نهاية الشهر أو
تقسيط المبلغ مع احتساب الفوائد، وهي كذلك تمكن حاملها من إجراء
الاتصالات الهاتفية، وإجراء سحوبات المبالغ بعد انتهاء دوام المصارف من
مكائن الأتمتة الموجودة. ومن أشهر أنواع البطاقات (master card)(American
Exprees)(Visa card).
(13) انظر: وائل إسماعيل عصفور، بطاقات الوفاء، مجلة البنوك في الأردن،
العدد الأول، المجلد 18، آذار، 1999م: 340. وكذلك: د. فائز نعيم رضوان،
بطاقات الوفاء، القاهرة، المطبعة العربية الحديثة، 1990م: 8.
(14) صحيفة بابل البغدادية، 2/5/2000م.
(15) لقد عرف على صعيد شبكات التزوير ثلاثة مجموعات اثنين منها تنتمي
لدول الجنوب وهي المجموعة الصينية والمجموعة النايجرية (التي تتسم برداءة
جودتها)، أما مجموعة دول الشمال فهي المجموعة الروسية.
(16) د. جمعة أبا الرقوش، تزوير البطاقات الإنتمائية، عرض لأعمال الندوة
الخاصة بتزوير بطاقات الائتمان، مجلة الأمن والحياة، الرياض، العدد 217،
اكتوبر 2000م: 10-15.
(17) حول قبول الدفع ببطاقة الإئتمان وآثار المسح الحراري انظر: وائل
إسماعيل عصفور، بطاقات الوفاء، مجلة البنوك الأردنية، العدد الثالث،
المجلد الثامن عشر، نيسان 1999م: 21.
(18) د. جمعان أبا الرقوش، تزوير الانتمائية، م س ذ: 10-15.
(19) الباحثان، أعضاء في مجموعة دافوس، التابعة للمنتدى الاقتصادي
العالمي، والأخير هو أيضاً يرأس تحرير مجلة (السياسة الخارجية).
(20) باتريك جلين وآخرون، تعولم الفساد، في كيميرلي ان اليوت، الفساد
والاقتصاد العالمي، محمد جمال إمام(مترجم)، القاهرة، مركز الأهرام
للترجمة والنشر، 2000م: 28-29.
(21) حول أمثلة غسيل الأموال، انظر الفصل الثاني من هذا البحث.
(22) صحيفة الثورة السورية: 2/1/2000م.
(23) التشفير، عملية معقدة وسرية تستهدف الترميز الإلكتروني باتباع
معادلات معينة لطمس هوية البيانات ومنع كل من لا يمتلك المفتاح
الإلكتروني من الدخول إلى ذلك النظام.
(24) أنطوني ليك، هو مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، ومؤلفه هو
(كوابيس أمريكا الستة).
(25) صحيفة الزمن البغدادية، في 18/1/2001.
(26) انظر، التجسّس الإليكتروني، عالم الحاسبات الإلكترونيات، ملحق صحيفة
الجمهورية، البغدادية، العدد/ 22 في 16/3/2001م.
(27) نائب رئيس مؤسسة ميكروسوفت للحاسبات.
P. C. Magazine, April, 1999 (28)
(29) انظر صحيفة الزمن البغدادية، م س ذ: 18/1/2001م.
(30) صحيفة بابل البغدادية: 18/5/2000م.
(31) أجد المتخصصين في علم الإجرام المعلوماتي بشركة بوكانان
انترناشيونال الاسكتلندية.
(32) انظر صحيفة بابل البغدادية: 17/5/2000م و31/1/2000م.
(33) لمزيد من التفصيل أنظر في ذلك: باتريك جلين وأخرون، تعولم الفساد، م
س ذ: 28-29.
(34) صحيفة بابل البغدادية: 21/8/2000م.
(35) صحيفة بابل البغدادية: 17/5/2000م.
(36) صحيفة بابل البغدادية: 18/5/2000م.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
|