|
الثلاثاء:
05/08/2008
الفساد الاجتماعي
عماد صلاح عبد
الرزاق الشيخ داود(*)
بادئ ذي بدء فإن الحديث عن الفساد
الاجتماعي تقود دراسته لاستقراء أساليب الانحراف وحياد بني البشر عن
الطريق القويم للفطرة الإنسانية والتجرد من المثل الأخلاقية التي أفرزها
الوجود الإنساني على وجه البسيطة.
وعليه فإن ذروة سنام الحديث عن الفساد الاجتماعي لابد أن تنطلق من نقطة
مركز هي (حسن الخلق) وكيفية دراسة الأخلاق وبنائها، على أن الشروع في ذلك
يكون على أفضل صوره عندما ينطلق من الرؤية الإسلامية في الدراسة، حيث
التوجيه الإلهي لهذا المنهج يجعله أفضل سبل البحث. لذلك كان التوجيه
الرباني لخاتم الأنبياء سيدنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم على
إتمام ما أتى به إبراهيم وموسى وعيسى(عليهم السلام) لإقامة الدين على
الأسس القائمة على العدل والمحبة والسلام وعدم اتخاذ الدين أداة للتفرقة
وآن هذه المبادئ كلها تدل على الأخلاق الكريمة الواجبة لبني البشر(1).
ولهذا جاء النص القرآني: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ(صدق الله
العظيم(2).
لقد ورد التأكيد الإسلامي على الأخلاق عندما خاطبت الآية الكريمة حضرة
شخص الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)صدق الله
العظيم(3).
وما جاء من توجيه نبوي للأمة بالأحاديث الشريفة يعزز ما عرضه القرآن
الكريم من دعوة إلى التخلق بالخلق القويم، لحديث رسول الله(صلى الله عليه
وآله وسلم): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(4).
وما كان يدعو به(صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم حسّنت خـَلقي فحسّن
خُلقي(5))(6).
ولحديثه(صلى الله عليه وآله وسلم): (عن جابر(رض) عنه (صلى الله عليه وآله
وسلم) قال: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم
أخلاقاً، وإن من أبغضكم إلى وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون
والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون
والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون)(رواه الترمذي)(7).
وعلى المنهج ذاته سار الصحابة الأجلاء، وآل البيت الأطهار فهذا سيدنا علي
بن أبي طالب(كرم الله وجهه) يقول: حسن الخلق في ثلاث خصال: (اجتناب
المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال)(8).
ومن هذا التوجيه الإسلامي الذي عرضنا له ننطلق في دراستنا لنرى عمق
المعالجة لقضية الأخلاق وحسنها وما يؤول له الأمر عند انعدامها وفسادها.
ولما له من صلة بالموضوع نتناول بالتفصيل حديث الخليفة الراشدي
الرابع(رض) الذي أسلفناه تفصيلاً، حيث إن (اجتناب المحارم) تعني العفة
والطهر عن سوء الأخلاق، و(طلب الحلال) يعني أن يكون المال حلالاً طيباً
غير ناجم عن عمل فاسد.
على أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة واعتدال قوة
الغضب والشهوة وإطاعتها للعقل والشرع والاعتدال في ذلك يحدث بوجهين:
الأول: أن يكون بكمال فطري أوجده الله تعالى في ذات ذلك المخلوق.
ثانيهما: اكتساب الأخلاق بالمجاهدة وحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها
الخلق المطلوب. حيث إن الإصلاح للذات البشرية ممكن وإن كانت تنزع إلى
العمل السيئ، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (اعبد الله في
الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير)(أخرجه الطبراني)(9).
عليه فإن حسن الخلق يرجع كما أسلفنا إلى اعتدال قوة العقل والحكمة
واعتدال قوة الغضب والشهوة وخضوعها لقوة العقل المعتدلة. ولقابلية النفس
الإنسانية للإصلاح والترويض أي بما يعرف اصطلاحاً (بالتنشئة)(10)،
والتنشئة الاجتماعية الصحيحة تأتي من طريقة التوجيه الصحيح والتعليم
طالما أن الإنسان في داخله قابل للتعلم.
ولقد حدد فلاسفة السياسة منذ أزمنة سحيقة بأن هدف التعليم هو توجيه
الشباب إلى معرفة القوانين الصحيحة كما جاء على لسان أفلاطون(11)، أي
بناء الشخصية الاجتماعية ذات القابلية على التصرف السوي (بالتنشئة
السليمة) ولذلك نرى أن الإسلام حث على هذا المنحى أيضاً بالتنشئة على
الوجه الأكمل وأن يكون العدل والقسط في المجتمع هو الأساس ولو على النفس،
لقوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ
يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا
تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)صدق الله العظيم(12).
حيث نرى هنا التوجيه الإلهي يحث على البناء الأخلاقي، وعلى التنشئة بأفضل
صورها بحيث تصل إلى قول الحق وإقامة العدل من اقرب المقربين قربة لله
تعالى.
على أن التنشئة الاجتماعية لعالم اليوم تناولتها البحوث والدراسات
السيكولوجية لميادين مختلفة من حياة الإنسان في بدايتها (مرحلة الطفولة)،
وخلال تطورها الاجتماعي (المراحل الأخرى)، حتى إن علماء تلك البحوث درسوا
طرق الولادة وكميات الأدوية المعطاة للأم وانعكاسها على تصرفات الأطفال
لإمكانية وضع الحلول لتنشئتهم بشكل سليم.
وتأخذ تلك الدراسات بعين الرعاية العلاقة بين الطفل والام لما لها من
تأثيرات على الأخلاقيات والتصرفات مستقبلاً ويرى علماء البحوث النفسية أن
الآباء قد يشجعون أبناءهم على التصرف السيئ أو الحسن من خلال علاقتهم
البعض مع البعض الآخر(13). على أن التنشئة الأخلاقية بين الآباء وأبنائهم
تظهر من خلال هذه العلاقة بين الاثنين فالعلاقات الإيجابية (كالثناء
والمديح وتقديم الهدايا) لها تأثير على سلوك الطفل مستقبلاً. وبالفعالية
نفسها، للعلاقات السلبية تأثير أيضاً. حيث يؤدي العقاب إلى زرع روح
العداء في شخصية الطفل أيضاً مستقبلاً.
إن الدراسات السيكلوجية تؤكد أن السلوك غير القويم يمكن تقويمه بالتعليم
والاختلاط بالأقران الجيدين.
وتدل البحوث على أن تصرفات الطفل مستقبلاً يحددها نوع العلاقات
الاجتماعية (فالأمانة، الإخلاص، الحرص، اختيار الهوية، الانتماء لحزب ما
والسلوك الاجتماعي) كلها للمحيط الذي نشأ به الطفل أثر فيها(14).
ولهذا يلاحظ أن لظاهرة افتراق الأبوين أثراً على السلوك الاجتماعي
للأطفال فيما بعد فقد كشفت دراسة بدأت عام (1971م) على عينة من (100) طفل
أميركي واستمرت لغاية بلوغهم سن الرشد أن (60%) من الشباب الناشئ الذي
كان ضحية طلاق الأبوين يقعون ضحايا لأخطاء كبيرة أثناء حياتهم. وإن (25%)
منهم يعانون الإدمان على المخدرات والكحول قبل سن الأربعة عشر عاماً
وأكدت الدراسة على أنه كلما كان عمر الطفل عند الافتراق صغير كان لذلك
أثر في حياته الاجتماعية عند نشوئه(15).
نستدل مما تقدم أن للتنشئة القويمة نسبة كبيرة لتحقيق أشكال مختلفة من
السلوك الاجتماعي القويم أو المنحل بخلافها لدى الأفراد مستقبلاً.
ولكي نسبر غور الموضوع بشكل أوسع لإيضاح هذه المقدمة ومدى ارتباطها
بموضوع بحثنا نشير:
إن موضوع الدراسة هذه محدد للفترة من (1990م ـ 2000م) أي دراسة العشرية
الأخيرة للقرن العشرين وضمن هذا المبحث علينا التطرق لحوادث الفساد
الاجتماعي ضمن هذه العشرية ونحن إزاء هذا لسنا بصدد سرد قصص وإنما امام
بحث علمي يستدل بالوقائع لإثبات مدى تأثير ذلك على الحياة الإنسانية
وخطورته على المجتمعات. لقد برزت في العشرية الأخيرة مفاهيم كان من
أبرزها على صعيد السياسة والاقتصاد هو مفهوم العولمة (Globalization)
التي كان من إفرازاتها على الصعيد الاجتماعي ثلاثة محاور وجد أنها كانت
على أشدها خلال العشرية المذكورة (على سبيل الحصر) وهذه المحاور هي:
1 ـ فضائح كبار مسؤولي الدول الأخلاقية.
2 ـ بروز شبكات تجارة الرقيق الأبيض.
3 ـ استغلال الاطفال في الأعمال اللا أخلاقية و(تجارة الأطفال).
ولإعطاء كل محور حقه في البحث سنتناول كل واحد منها بشيء من التفصيل.
1) فضائح كبار مسؤولي الدول الأخلاقية
سبق أن تحدثنا في موضوع من هذا الفصل عن أثر التنشئة على تصرفات الطفل
مستقبلاً وسنوضح هنا ما بدأناه آنفاً، حيث يورد الأستاذ (محمد حسنين
هيكل) أن صاحب أكبر فضيحة أخلاقية شدّت إليها أنظار العالم في العشرية
الأخيرة هو رئيس الإدارة الأميركية (ويليام جيفرسون كلينتون) الذي أثارت
فضائحه الجنسية حفيظة الشعب الأمريكي ولفتت انتباه العالم بأسره.
فرئيس أكبر قوة في عالم اليوم جاءت نشأته بشكل عشوائي من أم سكيرة تجهل
أباه، مما تسبب لأن يحمل الطفل اسم زوج لاحق لوالدته، الأمر الذي أثر في
شخصيته لاحقاً. حتى أن زوجة الرئيس (هيلاري كلينتون) صرحت (بأن زوجها
تكمن نقطة ضعفه في استعداده للجري وراء أي امرأة يطولها (كعامل رد فعل)
في شخصيته ظاناً أنه بذلك ينتقم من والدته التي لم تستطع أن تحدد له شخص
والده).وذلك حسب تحليلها لشخصية الرئيس(16).
ولقد استغل (بيل كلينتون) نقطة ضعفه هذا ليجعل من فضائحه الجنسية معبراً
آمناً وغطاءً فضفاضاً لفضائح أخرى كتهريب المخدرات، وإذاعته لأسرار
سياسية منها ما أثاره من فضيحة أخلاقية مع عشيقته (جنيفر فلاورز)(17) ،
فطبقاً لرواية الأستاذ (هيكل) أن كلينتون ركـّز على عنصر الجنس بعد ما
كشفت (فلاورز) علاقتها به وفاجأته بتسجيل صوتي له بعد إنكاره للعلاقة
معها مما دعاه للاعتراف صراحة وأثر الفضيحة على ما باح به من أسرار
السياسة والساسة بمن فيهم زوجته على (مخدة) فلاورز(18).
ثم بعد ذلك وفي البيت الأبيض نلاحظ أن الرئيس يستخدم الرشوة لضمان سكوت
(بولا جونز)(19) (التي اتهمته بالتحرش بها عندما كانت تعمل في إحدى
المؤتمرات، وكان هو حاكماً لولاية أركنساس)، ويعرض عليها مبلغ (850 ألف
دولار) عن طريق محاميه بعد أن وصلت دعواها للمحقق (ستار) لضمان سكوته،ا
ومن المفارقات أن رشوة (جونز) هذه دبر الرئيس نصف مبلغها ودبرت هيلاري
النصف الآخر(20).
بقي أن نذكر أن شهرة كلينتون جاءت في فضيحة مع (مس/لوينسكي) التي أحيلت
قضيتها إلى المدعي العام المستقل (كينيث ستار) الذي استطاع بحنكته اكتشاف
علاقتها عن طريق تسجيل صوتي قامت به إحدى زميلات (مونيكا)/(يعتقد لدوافع
شخصية للمرأة) ويظهر فيه: أإن الرئيس طلب إلى مونيكا الكذب في اعترافاتها
عن قضية (بولا جونز) وأنه بذاته دربها وحاول ذلك للكذب على هيئة المحلفين
في قضية (بولا) ثم أنه قد أنكر نفسه علاقته بمونيكا (تحت القسم) أمام
هيئة المحلفين.
لقد توافرت بعد ذلك كله الدلائل جميعها أمام (ستار) لإدانة (كلينتون)
والدليل الدامغ في هذا كله ما فاجأ به (ستار) الرئيس عندما استطاع إثبات
كذبه على الشعب الأميركي وأمام ممثلي القانون الذين أقسم أمامهم (رئيس
الولايات المتحدة الأميركية) بأنه يقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق.
وأول مهام الدستور الأميركي هو مسؤولية حفظ القانون والالتزام به. إن
(ستار) أماط اللثام عن الفضيحة الأخلاقية بين الرئيس (ومونيكا) عندما قدم
الثوب الذي التقت به مونيكا لآخر مرة مع كلينتون إذ ترك الأخير آثاره
عليه التي تستطيع المعامل أن تثبت بأنها تعود لصاحب الأثر، الرئيس
الأميركي(21).
إن لعنة مونيكا استمرت تلاحق كلينتون حتى بعد رفع أمر الرئيس إلى
الكونغرس وتبرئته من قبل مجلس الشيوخ (شباط/ 1999م) بعد اتهام مجلس
النواب له بالخيانة لحنثه باليمين واضطراره للاعتذار من الشعب الأمريكي
وإعاقة سير العدالة في (ك 1/1998م) (والتي حاول تغطيتها بإثارة حرب
مفتعلة ضد العراق معروفة قصتها في ذات التاريخ ثم ظهر ليحيي العرب
والمسلمين برمضان) يسعى المستشار المستقل(روبرت راي) الذي خلف (ستار)
لتوجيه الاتهام وإقامة دعوى جنائية ضد (كلينتون) بعد انتهاء رئاسته(22).
مما تقدم يتضح بأن الفساد الأخلاقي والفضائح اللا أخلاقية لرئيس أكبر
دولة في العالم لم تأت بشكل واحد وإنما جاءت نتيجة لتفاعلات الطفولة
وتغطية أعمال فساد أخرى، منها تهريب الكوكائين عندما كان كلينتون حاكما
لولاية أميركية، وقضايا تتعلق برشاوى سابقة ارتبطت جميعها لكي تجعل
الحادثة الأخلاقية تهيمن عليها جميعاً دون تفسير لمقتل (21 شخصاً)(23)
لهم علاقة بكلينتون منهم (ثمان) حالات قيدت على أنها حوادث انتحار(24).
لقد تحولت الفضائح الأخلاقية كما يقول الأستاذ (هيكل) (بعد سلسلة من
جرائم الفساد بشتى أنواعه) إلى (مسرحية) تشد اهتمام الناس في أمريكا
والعالم برغم من أنها فضيحة معيبة لرئيس أمريكي جرت وقائعها في البيت
البيضاوي، وهو مصدر القرار الأهم في عالم اليوم (بفضل الهيمنة التي تحاول
الولايات المتحدة الأميركية فرضها على العالم)، إنها مسرحية حاولت
الإدارة الأميركية والمراكز الأخرى في القرار الأميركي. تركها بدون خاتمة
تاركة لكل شخص أن يختار الخاتمة وفق مزاجه، وهكذا انزلقت أحوال السياسة
إلى أحوال فقد فيها القانون والأخلاق هيبتها لأن الغلبة أصبحت لما يسميه
خبراء الزمن الجديد ومضة ضوء (Flash) ونبضة صوت (Sound Bite) وكيف تلمع
الأولى في العيون وترن الثانية في الأذان(25)، وما شكل ذلك الفساد من
مخاطر على الشعب.
وبعد هذا الأنموذج لأثر الفضائح في عالم الشمال نعرض لأشكال تلك الفضائح
في عالم الجنوب وكيف يتم استغلال ذلك سياسياً.
ففي ماليزيا يتهم وزير المالية ونائب رئيس الوزراء والمرشح لاحتلال موقع
(رئيس الحكومة)(أنور إبراهيم) الذي أقاله رئيس الحكومة (محاذير محمد) عام
1998م من منصبه ليتلو ذلك توجيه اتهامات إلى (أنور) بفضيحة أخلاقية(26)
أعقبها حكم بالسجن عليه لمدة(6 سنوات)، أبعده عن الحياة السياسية في
البلاد. وما بين اتهامات رئيس الحكومة ودفاعات المتهم تشير الدلائل إلى
استغلال الفساد الاجتماعي كورقة سياسية تجعل من استغلالها ذلك صورة
مهزوزة لكبار مسؤولي الدولة في ماليزيا. فالحالة إذا كان المتهم كاذباً
صورة غير سوية لمسؤول سابق وإن كان اتهامه تسويغاً لفضيحة سياسية فهي صور
غير سوية لمن يترأس الحكومة الماليزية (ضمن المجتمع الماليزي).
وفي بلد قريب من ماليزيا نلاحظ أن الشرطة الأندونيسية استجوبت في جاكرتا
امرأة تدعي إقامة علاقة عام 1995 مع الرئيس السابق لأندونيسيا (عبد
الرحمن واحد) وهي على ذمة زوج، ومهما كان شكل الفضيحة فإنها تمس رئيس
الدولة المنتخب في بلد إسلامي (على أن القانون الأندونيسي يوجه عقوبة
السجن إلى (9 أشهر) لكل من يتهم بالزنى في أندونيسيا). يذكر أن الصحافة
الأندونيسية نشرت صوراً فتوغرافية تثبت دعوى الامرأة ضد واحد(27).
من هنا نلاحظ أن الفضائح تخترق كثيراً من أركان ورؤوس الدولة في بلدان
الشمال والجنوب مما يؤثر على آراء الرأي العام واستغلال ذلك إما لتمرير
أغراض شخصية وإما تجاهلاً للرأي العام، وفي كلتا الحالتين نرى فساداً
اجتماعياً يلقي بظلاله على الواقع السياسي.
2) بروز شبكات الرقيق الأبيض:
الشكل الآخر من أشكال الفساد الاجتماعي هو الاتجار بالرقيق الأبيض الذي
يقول فيه تقرير التنمية البشرية لعام 1999م إن العولمة (Globalization)
تتيح فرصاً جديدة ومثيرة من بين اكثر الانتهازيين لهذه الفرص إبداعاً هم
المجرمون الدوليون.
حيث أن شبكات الجريمة متعددة الأعراق سارعت لاستغلال ظروف انفتاح الحدود
وضغوط الفقر وأحلام العيش (في مجتمع الرفاهية) التي ترسم ملامح صورها
الدعاية الغربية لاستغلال الفقراء للسير وراء بهرجها. وتشير البيانات
الدولية الدارسة للحالة إلى أن الاتجار بالبشر بدأ يأخذ أشكالاً متعددة
في عالم اليوم لكنه ذو طابع أنثوي في أغلب الأحيان، إذ أن (خمسين مليون)
نسمة على الأقل من المتاجر بهم هم من النساء اللواتي ينتهي بهن الأمر إلى
السقوط في الرذيلة في شوارع مدن الغرب(28).
ولعل الاستشهاد بحادثة الأوكرانية (آيرما) خير دليل، فقد وعدتها إحدى
شبكات الجريمة بفرصة عمل في تركيا بشكل وهمي وما إن وصلت إليها من
أوكرانيا حتى بيعت من قبل عصابة لسماسرة الرذيلة (المنتشرة تحت غطاء
وكالة توظيف وهمية) حيث تم مصادرة مستمسكات سفرها في تركيا وأجبرت على
الخضوع لضغوطهم بكل وسائل الترهيب ليباع جسدها بأجور عالية ذهبت إلى جيوب
رجال عصابات الرقيق الأبيض، لم يتبق منه عندما هربت عائدة إلى بلادها سوى
ثلاثين دولاراً. مما أعادها فقيرة إلى أهلها كما ذهبت منهم.
جدير بالإشارة إلى أن السلطات في أوكرانيا أعلنت أن (مئة ألف امرأة)
أوقعها الفساد والفقر ضحية لتلك الشبكات الدولية للدعارة وصناعة الجنس،
التي ترتكز مراكز عملها في كل من (اليونان)، (تركيا)، (ألمانيا)، (قبرص)،
و(إسرائيل)(29)، طبقاً لما أعلنته منظمة (لاسترادا) غير الحكومية التي
تكافح تجارة الرقيق الأبيض في أوكرانيا(30).
بالإضافة إلى ما ذكر فإن واحدة من منظمات حقوق الإنسان تذكر أن الشبكات
ذاتها تنقل آلاف من التايلانديات إلى اليابان للاستغلال الرذيل بتأثير
دعوة مغرية للعمل بأجر لامع، إلا أن الفتيات سرعان ما يقعن في شرك عبودية
ممارسة الرذيلة بعد إكراههن على توقيع صكوك ووصولات تجعلهن أسيرات الديون
حتى الموت(31).
جدير بالذكر أن مدينة (باتايا) التي تقع جنوب بانكوك توصف بأنها أرخص وكر
لتجارة وسياحة الجنس في العالم، وتشير الإحصائيات الدولية إلى أن حوالي
ربع فتيات تايلاند يعملن في ممارسة الرذيلة وأن خمسين في المائة منهن
مصابات بمرض الإيدز أو يحملن فيروس (H.I.V) على الأقل. إن عدد فتيات
الهوى في تايلاند يصل إلى حوالي (2 مليون فتاة) من بين ثمانية ملايين
فتاة في البلاد، أغلبهن في أوساط فقيرة يتعرضن لغسيل دماغ من قبل حكومة
تايلاند (التي تبارك الفساد بالفساد) ومافيات بيع الأجساد الغضة لكي
يحلمن بالثراء والرفاهية مهما كان الثمن(32).
إن عالم اليوم بانفتاح أسواقه واقتصاده الحر ومفاهيم التحول إلى ذلك
الاقتصاد العصري نجم عنه اتساع دائرة الفساد، فتايلاند تريد أن تنضم إلى
ما يسمى بنادي النمور الأسيوية، برؤية مفادها أن اقتصاد الدعارة التي
قامت عليه الحياة في بلادهم سوف يتحول إلى اقتصاد عصري(33).
إن بلدان الاتحاد السوفياتي المنهار أصبحت فيها، اتساقاً مع هذه المفاهيم
(سالفة الذكر)، مافيا قوية ( احتلت بنفوذها مواقع الحزب الشيوعي الذي
كان) وظفت الفتيات في صناعة عريضة طويلة لبيع الجسد ساهمت في نشوئها
عناصر ثلاثة(الفتيات الفقيرات)، و(النظام السياسي المهترئ)، و(مافيا
صناعة الأجساد والرقيق الأبيض).
بعد هذا إلى أي مدى يمكن أن تسهم سياسات هذه البلدان في التكسب من هذه
التجارة (وخلق حالات سماسرة الأجساد المتربحين من السياسة)؟(34).
تساؤل تجيب عليه عصابات الجريمة المنظمة ونمو أموالها القذرة وأعداد
المستفيدين منها، ساسة وعوام.
3) استغلال الأطفال في الأعمال اللاأخلاقية
و(تجارة الأطفال):
من أفدح أشكال الفساد الذي شهده العالم مع بروز أفكار العولمة وتحرير
التجارة، وهيكلة الاقتصادات، نمو مافيات الفساد لاستخدام الأطفال في
عمليات شبيهة بما أسلفناه عن الاتجار بالرقيق الأبيض.
حيث يشير أحد تقارير الأمم المتحدة إلى أن أعداد كبيرة من هؤلاء الأطفال
يسخـّرون (خاصة الفقراء منهم) في عمليات واسعة للبيع في دول جنوب آسيا
وكوريا إلى أسر أميركية وأوربية(35). السبب فيها هو عدم وجود الرعاية
والعناية والافتقار لوجود القوانين الحامية للضعفاء من نذالة الأقوياء،
الذي مرده إلى فساد الأنظمة السياسية في تلك البلدان مما جعل بلدانهم
مزاراً غير مقدس للسياح الأثرياء الباحثين عن متع جسدية شاذة ورخيصة مع
الأطفال. بحيث أدى إلى تدفق شواذ العالم الرأسمالي عليهم (بلدان تايلاند
وكمبوديا وسريلانكا والفلبين) للحصول على رذائلهم بسعر رغيف الخبز الذي
يسد رمق الجياع بائعي أجساد أطفالهم ذكوراً وإناثاً(36).
لهذا نلحظ أن منظمة العمل الدولية وكذلك منظمة اليونيسيف تشيران إلى كون
آسيا وحدها فيها أكثر من مليون طفل يستخدمون لأغراض غير سوية(37) فضلاً
عن مليوني طفل في أنحاء العالم يتعرضون لذات العمل(38).
بهذا الصدد نشير إلى أن محكمة جنايات باريس استدعت أمامها المتهم (أمنون
شموئيل) 48 عاماً، متهماً باغتصاب فتاة في الحادية عشر من عمرها (أي
قاصر) عام 1994 في مدينة باتايا/بتايلاند(ضمن ما يعرف بأسلوب السياحة
الجنسية)، وقد أقر المتهم بفعله الشائن مع تلك الطفلة البائسة التي
استغلت من قبل مجموعة من أقاربها قبضوا ثمنها مقدماً. إن الحادثة لم تنته
عند هذا الحد بل إن المتهم (الشاذ) لم يكتف بعمله السالب لعفة الفتاة
فحسب، بل استغلها استغلالاً آخر للحصول من ورائها على المال لنفسه وشريكه
السويسري، حيث سمح له بتصوير أشرطة فاضحة لها ضبطتها الشرطة السويسرية
فيما بعد، وعدت دليلاً على القضية التي تسببت بمثوله أمام القضاء مع
شريكه(39).
وللأغراض ذاتها نشرت الصحيفة الهندية (بينيكي فيراني) كتاباً بعنوان (الشوكولاته
المرة) أظهرت فيه أن نسبة لا تقل عن (20%) من الأطفال الهنود الفقراء دون
سن (ستة عشر) عاماً يتعرضون للاغتصاب بشكل منظم، وأن هذه العمليات تحيط
بها الأسر الفقيرة بقدر عال من التكتم مما يحرم الفتيات من رعاية جمعيات
إنسانية تقدم الخدمات الاستشارية من الأعراض البدنية والنفسية التي يتعرض
لها أولئك القاصرون(40).
يذكر أن منظمة العمل الدولية باتفاقيتها المرقمة (182) حظرت أسوء اشكال
استغلال الأطفال؛ ومنها، جميع أشكال الرق، أو الممارسات المشينة مثل بيع
الأطفال والاتجار بهم، وعبودية الدَيْن، والقنانة، والعمل القسري،
واستخدام الأطفال للدعارة، لقد كان أسوأ أشكال الاتجار بالأطفال هو قيام
أسرهم الفقيرة ببيع أعضائهم أو بيع الطفل بالكامل لكي تستطيع العوائل من
جعل هذا الطفل (سبيلاً) لمعيشة بقية أفراد أسرته وحماية المتبقي، وهي
عملية يندى لها جبين الإنسانية ويمقتها كل ضمير حي في البناء البشري(41).
إن لظاهرة الفساد الاجتماعي بجوانبه التي أشرنا إليها أو جوانبه الأخرى
التي لم نستطيع الإحاطة بها كاملة، إنما يؤثر على استقرار البلدان وأمنها
بشكل واضح.
في هذا الصدد يشير أحد التقارير الإخبارية إلى أن أكثر من (44 مليون) طفل
معرضون لليتم في العالم خلال السنوات القادمة نتيجة لمعاناة والديهم من
مرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) الذي هو أحد أهم نتائج إنتشار
الرذيلة والفقر. وتظهر في القارة الأفريقية (الأكثر فقراً في العالم)
اكثر الإصابات كما أشار إليها المؤتمر (الثالث عشر) لمكافحة الإيدز
المنعقد في تموز/2000م بجنوب أفريقيا. ويشكل الفقر مع عدم إمكانية
المصابين الفقراء الحصول على الدواء مرتفع الثمن الذي يخفف وطأة فيروس
(H.I.V) على المرضى ازدياد نسبة الهلاكات البشرية. وتعد هذه الهلاكات من
العوامل التي تؤثر على نمو المجتمعات وتطورها، وتـُلحق الموت بمن هم في
سن الشباب الأكثر عرضة للمرض مما يشكل تهديداً لأنظمة هذه البلدان وزيادة
في مشكلاتها(42).
ومن نافلة القول إن الفساد الاجتماعي يخلق وراءه جملة من الأسباب التي
تعطي للفساد بكل أبعاده سبيلاً للنفاذ إلى المجتمعات التي يغزوها.
الهوامش
ــــــــ
(*) مدرس مساعد في وزارة التعليم العالي، وعضو الجمعية العراقية للعلوم
السياسية.
(1) عفيف عبد الفتاح طبارة، الخطايا في نظر الإسلام، لبنان، مطبعة
العلوم، 1985م:7.
(2) سورة الشورى، الآية: 13.
(3) سورة القلم، الآية: 4.
(4) الحديث أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث الصحابي الجليل، أبي
هريرة>
(5) لرواية أبي مسعود البدري ورواية أحمد عن حديث أم المؤمنين عائشة (رضي
الله عنهم جميعاً).
(6) نقلاً عن: أبي حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت، دار القلم،
بلا تاريخ، الجزء الثالث: 48 وما بعدها.
(7) الشيخ منصور علي ناصف، التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، ج5،
بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1962م: 64.
(8) نقلاً عن: أبي حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، م س ذ: 48 وما بعدها.
(9) المصدر نفسه: 48 وما بعدها.
(10) المقصود بالتنشئة هنا (التنشئة القويمة الصحيحة).
(11) نقلاً عن د. أحمد جمال الظاهر، دراسات في الفلسفة السياسية، إربد،
مكتبة الكندي، 1988م: 398 وما بعدها.
(12) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية: 135.
(13) د. أحمد جمال الظاهر، دراسات في الفلسفة السياسية، م س ذ: 398 وما
بعدها.
(14) م. ن: 398 وما بعدها.
(15) أسماء عبد الخالق، المجتمع الأمريكي علاقات أسرية مفككة ونسبة طلاق
عالية، صحيفة القادسية البغدادية، العدد 7000 في 17/10/2000.
(16) محمد حسنين هيكل، كلام في السياسة، القاهرة، المصرية للنشر العربي،
الطبعة الأولى، شباط، 2000م: 45.
(17) جنيفر فلاورز، مغنية في ناد ليلي في ليتل روك، عشيقة كلينتون عندما
كان حاكما لولاية أركنساس.
(18) المصدر نفسه: 31، وقارن مع: حسني عبد الواحد، أمريكاـ حرية، جنس،
بوليتيكا، القاهرة، مركز الحضارة العربية، 1997م: 107.
(19) بولا جونز، موظفة استقبال في أحد الفنادق عندما كان كلينتون حاكما
لولاية أركنساس.
(20) (انظر: حسين عبد الواحد: 108،وقارن مع محمد حسنين هيكل: 29) م. ن.
(21) محمد حسنين هيكل، كلام في السياسة، م س ذ: 40.
(22) صحيفة بابل البغدادية، العدد 2804 في 19/8/2000.
(23) ترددت شائعات عديدة للربط بين الرئيس والمخدرات ليس بالتعاطي حسب بل
والاتجار بها أيضاً في ولاية أركنساس والدليل الوحيد المتاح على ذلك، هو
أن أصدقاء ومساعدي كلينتون أغلبهم انتحر أو قتل في حوادث خلال (12
عاماً).
ـ حسين عبد الواحد، أمريكا حرية جنس وبولتيكا، م س ذ: 97.
(24) محمد حسنين هيكل، كلام في السياسة، م س ذ: 31.
(25) جريدة الزمن البغدادية الأسبوعية، العدد 40 في ...
(26) ويصرح (أنور) إن القضية كلها ملفقة وأنها محاولة مفضوحة لإزالته من
المسرح السياسي، انظر: جريدة بابل البغدادية، العدد 2796/9/أب/2000،
جريدة بابل البغدادية، العدد 2793، في 5/أب/2000م.
(27) صحيفة بابل البغدادية، العدد 2819 في 4/9/2000م.
(28) د. كريم محمد حمزة، من ثمار العولمة الاتجار بالبشر، صحيفة الثورة
البغدادية، العدد 10124، في 9/ت1/2000م.
(29) تشير التقارير الدولية أن هنالك خمسة عشر ألف فتاة تقل أعمار (57%)
منهم عن إحدى وعشرين سنة، يعملن في الرذيلة في ألمانيا وهولندا وهن من
جنسيات روسية وأوربية شرقية.
(30) صحيفة بابل البغدادية، العدد 2795 في 8/أب/2000م.
(31) يذكر أن الحكومة التايلندية تساعد شبكات المافيا هذه لعدم مصادقتها
على الاتفاقية الدولية لمنع البغاء والاتجار بجسد الغير.
(32) النظر: حسين عبد الواحد، أمريكا حرية، جنس وبولتيكا، م س ذ: 151.
(33) المصدر نفسه: 151.
(34) انظر: عبد الله كمال، ظاهرة انحلال الصفوة (القوادون والسياسة)،
القاهرة، دار الخيال، 1998م: 17 و 84.
(35) د. كريم محمد حمزة، م س ذ.
(36) حسين عبد الواحد، أمريكا حرية الجنس وبولتيكا، م س ذ: 127.
(37) د. كريم محمد حمزة، م س ذ.
(38) حسين عبد الواحد، م س ذ، أمريكا حرية الجنس وبولتيكا: 127.
(39) انظر: صحيفة بابل البغدادية، 2866، في 21/10/2000م.
(40) صحيفة بابل البغدادية، العدد 2787 في 30/7/2000م.
(41) د. كريم محمد حمزة، م س ذ.
(42) إذاعة صوت أمريكا الناطقة باللغة العربية، تقرير حول الإيدز وآثاره
الخطيرة، الساعة 11.30 مساء بتوقيت بغداد يوم 22/10/2000م.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
|