الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

االأربعاء: 30/07/2008


 

النظام المالي العراقي وإعادة الإعمار

د. سرمد كوكب الجميل

مقدمة
يعد النظام المالي في العراق من النظم العريقة بالمنطقة العربية ولكنه بقي نظاماً تقليديا ً في عمله بطيئاً في تطورهٍ، وكأي نظام مالي آخر يتكون من المؤسسات والأسواق المالية والعمليات المالية التي يمارسها، والأدوات المالية، وقد مرّ بسلسلة بطيئة من التطورات عبر العقود الثمانية التي عاشها منذ بداية عمل أولى مؤسساته في عقد الثلاثينات من القرن الماضي ولغاية نهايته كنظام مالي في سنة 2003 م باحتلال العراق ونهاية مؤسساته وتوقف عملياته بوصفه نظاماً مثلهُ مثل باقي النظم في العراق والتي انتهت في ذلك التاريخ وبدأت بعدها مرحلة إعادة بناء النظم ومنها النظام المالي.
إن نهاية النظام المالي العراقي ترك وراءه أطراً بشريةً وكمّاً من الموروث تمثلت في سياقات وأعراف وتقاليد اكتسبها العاملون فيه، وكمّاً من الديون والالتزامات عليه بسبب ما مرّ به العراق بين سنة 1980 م وهي سنة بداية الحرب العراقية الإيرانية وتلتها سنوات الحصار الاقتصادي عليه ولغاية سنة 2003 بسقوط العراق تحت الاحتلال، وتكاد تمثل هذه السنوات جذوة تطور تكنولوجية المعلومات والاتصالات في العالم، وما حصل خلال هذه السنوات في العالم يعد كبيراُ وسريعاً جداً، وهناك العديد من الدول من لم تستطع اللحاق بركب ذلك التطور لسرعته، فما حال العراق الذي كان يرزح تحت طائل الحرب والحصار وما عكسه من سكونية وتراجع.
لقد شهد العالم ثورات متعددة معلوماتية واتصالاتية وتنموية ومعرفية… الخ وقد كانت منافذ النظام المالي العراقي على العالم ومعطياته الحديثة ضيقة جداً، ورغم ذلك كانت هناك جهود مهنية كبيرة من المهنيين العاملين في هذا النظام ومؤسساته ومعظمها مبادرات شخصية أو من بعض المؤسسات المصرفية وخاصة بعد أفق التحرر الذي شهده النظام المالي بعد سنة 1998 من حيث السماح بتأسيس عدد من المصارف الخاصة والتي كانت مكبلة مع غيرها من المصارف بقيود معقدة من حيث التعامل بالعملات الأجنبية وغياب التحويل والاعتمادات وغير ذلك من القيود سواء منها المفروضة من الحكومة أو بسبب الحصار.
وبعد كل ما حصل في شهر نيسان 2003 من سلب ونهب للمصارف بوصفها مؤسسات النظام المالي في العراق، بدأت رحلة طويلة للنظام المالي الجديد الذي ينتظر إعادة البناء، لقد كانت البداية بالمصرف المركزي من حيث إصدار العملة وإعادة تشغيل المصرف المركزي والبدء بتنفيذ أولي للسياسة النقدية ومحاولة تشغيل المصارف على منظومتها البدائية وتم تعديل رأس المال للمصارف الخاصة بهدف تعزيز كفاية رأس المال وعمل المصرف المركزي على محاولة استقرار سعر الصرف للدينار العراقي ضمن سياسة نقدية تتلائم والتحولات التي يشهدها العراق، وبدء العمل في سوق بغداد للأوراق المالية.
ويبدو أن النظام المالي في العراق أمام مرحلة جديدة تبدأ بعد تأسيس الحكومة الانتقالية وصياغة الدستور واستقرار المؤسسة السياسية واستمرارها في أداء عملها المثقل بالعديد من التحديات الكبيرة ومن أهمها رسم إستراتيجيات العراق المالية وتحديد معالم القطاع المالي وشكله وعناصره ومهماته ومن ثم البدء بالتشغيل العصري له بعد مرحلة إعادة البناء أو إعادة التشكيل الجديد له، وبالتالي يمكن القول كيف يمكن إعادة تشكيل النظام المالي في العراق؟ وما هي الإستراتيجية التي يسعى إلى تحقيقها؟ وأي تنمية يمكن أن يحققها؟
أولاً: مفاهيم وأساسيات نظرية
لقد كانت الجدلية التي تناقش العلاقة بين النظام المالي والتنمية الاقتصادية محط أنظار الباحثين والمختصين لعقود من الزمن سواء في تحرير النظام المالي أم تقييده وخضوعه للحكومة، وبالتالي فمهمة التعجيل بالتنمية الاقتصادية وتسهيلها كان الدور الأهم من حيث تعبئة الموارد وإعادة توزيعها، ولكن في البداية لا بد من التعريف بالنظام المالي.
النظام المالي
1. مفهوم النظام المالي ومهماته وآليات عمله
يتكون النظام المالي من المؤسسات المالية بما فيها من مؤسسات تمويل واستثمار وادخار وإقراض ومن ضمنها المصارف بأنواعها والأسواق المالية بكل فئاتها بوصفها من المؤسسات التي تعني بالنقد والمال بالإضافة إلى مؤسسات التأمين وما تضمه من أنواع مختلفة، ولكن هذا جزء من النظام المالي وليس كله، لا بل وأن هذه المؤسسات المصرفية والمالية والأسواق وغيرها لا تعد الجزء الأساس له، فما هذه إلا هياكل وبنى تتم في داخلها عمليات ومعالجات مالية وتستخدم أدوات مالية متعددة ومتنوعة وبالتالي فإن التوصيف الأساس لأي نظام المالي لا بد أن يكون عبارة عن مجموعة من العلاقات المالية المتداخلة Financial Inter- relations ships بين الأفراد والوحدات المختلفة التي تشكل الاقتصاد، وأن الهيكل الأساس للنظام المالي يتسم بثلاث سمات:
أ – طبيعة ومدى العلاقات المالية المتداخلة
ب – شكل الأداة التي يمكن أن تعبر عن طبيعة تلك العلاقات المتداخلة.
ج – نمط العلاقات المتداخلة بين الأفراد والوحدات المختلفة.
وبافتراض أن الدولة مثلها مثل أية وحدة اقتصادية أو منظمة أعمال فإن كل تلك العلاقات كان يمكن أن تعبر عنها الميزانية انطلاقاً من أن الميزانية ما هي إلا كشف بالموارد أو الموجودات والالتزامات أو المطلوبات للوحدة الاقتصادية وأن مجموع تلك الميزانيات يمكن أن تظهرها ميزانية للدولة، وبالتالي فإن هذا يعني أنها ستكون ميزانية وطنية National Balance sheet تشمل الموارد التي للدولة والالتزامات التي عليها، ووفق أسس إعداد الميزانية في منظمات الأعمال فإن الميزانية القومية التي تعتمد على نفس أسسها يمكن لها أن تظهر صورة للموجودات بما فيها المادية والمالية في الجانب الأيمن وتظهر في الجانب الأيسر المطلوبات وصافي الثروة، ورغم هذا التشابه بين الميزانية القومية والتي تعد على مستوى الدولة ككل وبين ميزانية منظمة الأعمال إلا إن هناك العديد من الاختلافات والتباينات بين الاثنين وخاصة من حيث أن الميزانية القومية تعتمد سعر السوق في التقييم وميزانية مؤسسة الأعمال تعتمد مبدأ الكلفة التاريخية1.
تأسيساً فإن طبيعة النظام المالي والتي تتكون من مجموعة من العلاقات المتداخلة بين الوحدات الاقتصادية، يمكن لها أن تظهر واضحة من خلال تجميع ميزانيات الوحدات الاقتصادية تلك على أساس قطاعي، وبالتالي فإن ما تظهره الميزانية الكلية يتمثل في الطبيعة المتداخلة للقطاعات مع بعضها في الاقتصاد ومن ضمنها قطاع بقية أنحاء العالم. إن العلاقات المتداخلة تلك هي عبارة الأدوات المالية التي تنشأ من التعاملات المالية والتي تشكل النظام المالي والذي لا يخرج عن أنه:
أ. شبكة من العلاقات المالية بين الوحدات الاقتصادية.
ب. يمثل بنية فوقية Super Structure مالية بطبيعتها تستند على قاعدة تحتية هي ثروة الدولة.
وتتم التعاملات المالية بين أفراد المجتمع عبر وسائل للدفع ولا يمكن في اقتصاد حديث أن تكون فيه التعاملات سلعية، فلا يمكن أن تصور أن فرداً في القرن الحادي والعشرين يشتري سلعة معينة بمقايضتها بسلعة أخرى، إذ لا يمكن أن تتم مثل هذه التبادلات إلا في مجتمع القرية البدائي، وبالتالي لا بد للفرد أن يدفع نقوداً مقابل الشيء الذي اشتراه أو ربما عبر وسيلة دفع معينة كأن تكون ورقة تجارية مثل الشيك أو من خلال استخدام البطاقة البلاستيكية التي يكون المصرف قد زود الفرد أي زبونه بها، أو ربما عبر وسائل الدفع الالكترونية أو غيرها من الأدوات، ومن هنا يمكن تفسير طبيعة التعاملات والصفقات في المجتمع، و أياً كانت تلك التعاملات الاقتصادية لا بد من أن يكون مقابلها تعاملات مالية 2.
2. النظام المالي: منظور اقتصادي – اجتماعي
لقد اكتسب النظام المالي دوراً اقتصادياً واجتماعياً وذلك كونه القناة التي تنقل الموارد العاطلة في المجتمع إلى موارد منتجة، ويتم ذلك من خلال عملية تعبئة الموارد أي تجميع المدخرات من مختلف الوحدات الاقتصادية التي لديها فائضاً متبقياً من دخلها ويمكن لها أن تدخره في أحد المصارف أو المؤسسات المالية وبالتالي يقوم هذا المصرف أو تلك المؤسسة المالية بإعادة توجيه تلك الموارد المعبأة من مختلف الوحدات إلى الوحدات الاقتصادية التي هي في حاجة لتلك الأموال وتوظيفها وتشغيلها في الإنتاج وبالتالي زيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدولة، هذه العملية تؤشر الدور الكبير الذي يمكن أن يمارسه النظام المالي في دعم النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية من خلال زيادة الدخل القومي، كذلك فمن خلال النظام المالي ومؤسساته المصرفية والمالية تنفذ السياسات الاقتصادية النقدية والمالية 3.
3. النظام المالي قناة لتسهيل المدفوعات
أن الوظيفة المهمة التي يقوم بها هذا النظام تتمثل بتسهيل المدفوعات في الاقتصاد، وأن مسؤولية ذلك تقع على عاتق المصرف المركزي والنظام المصرفي. وإن أهمية تسهيل المدفوعات في الاقتصاد تنبع من درجة تطور ذلك الاقتصاد، وأيضا تطور النظام المالي الذي يعمل فيه، فكل الأنشطة الاقتصادية التجارية والصناعية والزراعية والخدمية ترتبط أساسا بتسهيل تلك المدفوعات، وبالتالي فإن النظام المالي هو المسؤول عن تلبية حاجات المجتمع بكل وحداته بوصفهم المستفيدين من الخدمات التي يقدمها. ولغرض توضيح دور النظام المالي في إطار الموضوع الذي بصدده الآن وهو التمويل لا بد من التعرض إلى المزيد من التفاصيل الخاصة بعناصر النظام المالي، والأهم من ذلك هو كيف يسهم النظام المالي في توضيح مفهوم التمويل والتمويل الدولي4.
4. الأدوات المالية
عودة إلى ما سبق شرحه وفي إطار التمويل غير المباشر فان عمليات الإيداع والإقراض أو ما تسمى الادخار والاستثمار، كل تلك العمليات التي تتم في إطار النظام المالي فإنها تخلق الأدوات المالية، ويمكن الوقوف على كل تلك الأدوات من موجودات ومطلوبات الميزانية الخاصة بالمؤسسة المالية أو السوق المالي. ولغرض توضيح مفهوم الأداة المالية نعود إلى الوحدات الاقتصادية وتفسيراتها، فالوحدة الاقتصادية ذات الفائض المالي عند إيداعها مبلغ من المال لدى الوسيط المالي فإنها بذلك تكون علاقة مالية بينها وبين الوسيط المالي، هذه العلاقة يعبر عنها بالأداة المالية، فتكون بشكل موجود وتظهر في ميزانية تلك الوحدة، وبالمقابل تظهر بشكل مطلوب أو التزام في ميزانية الوسيط المالي. كذلك بالنسبة لوحدة العجز المالي فإنها من خلال اقتراضها من الوسيط المالي فهي بذلك تخلق علاقة مالية تكون نتيجتها أداة مالية تظهر في ميزانية الوحدة الاقتصادية بشكل التزام عليها من قبل الوسيط المالي، في حين تظهر بشكل موجود في ميزانية الوسيط المالي5.
إن ما تظهره ميزانية الوسيط المالي من تشكيلة متنوعة من الموجودات ما هي إلا مجموعة متنوعة من الأدوات المالية، وما تظهره من مطلوبات هي أيضا تشكيلة متنوعة من الأدوات المالية، وأيا كان هذا الوسيط المالي مصرفا أم مؤسسة مالية أو تأمينية أم سوقا للأوراق المالية أم غير ذلك، وبالتالي فإذا تم تجميع ميزانيات كل الوسطاء الماليين يمكن الحصول على ميزانية النظام المالي للاقتصاد. وبالمقابل فان الوحدات الاقتصادية في الاقتصاد إذا جمعت على أساس قطاعي يمكن أن تظهر ميزانية القطاع الواحد في الاقتصاد وبالتالي يمكن التعرف على ذلك القطاع إن كان قطاعا ذي فائض مالي أو قطاعا ذو عجز مالي6.
لقد تطورت الأدوات المالية تطورا كبيرا خلال العقود الأخيرة، وقد كان للإبداع المالي دورا مهما في محاولة خلق المزيد من الأدوات المالية إما بسبب تسهيل عمليات الدفع فاستخدمت النقود والشيكات والسفاتج والنقد البلاستيكي وأخيرا فقد بدأت تستخدم الأدوات الإلكترونية، كذلك كان للخطر الذي لازم التعاملات المالية دورا كبيرا في تنشيط حالات الإبداع في خلق المزيد من الأدوات المالية لإبطال تلك الأخطار أو للتخفيف من آثارها.
ثانياً: المنظور الاقتصادي للنظام المالي
يمارس النظام المالي عبر مؤسساته وأسواقه دوراً بالغ الأهمية في الاقتصاديات الحديثة، وتتركز تلك الأهمية من خلال الوظائف التي يقوم بها، كتعبئة الادخار وحفز الاستثمار وتسوية المدفوعات وتحويل الأموال ومحاولة تقليل الأخطار وإدارتها، وأيضا العمل على تقليل كلفة المعاملة الواحدة وتوفير البيانات والمعلومات وغيرها كثير، ولكن اهتمام الاقتصاديين يتأتى من تلك المتطابقة التي سبق ذكرها قبل قليل، وهي الادخار والاستثمار، إذ تقوم المؤسسات المالية والأسواق المالية بتعبئة الموارد المالية وبشكل مدخرات وهنا يركز الاقتصاديون على أهمية النظام المالي ومؤسساته في توفير الأموال من المدخرات والتي يعيد النظام المالي وعبر مؤسساته وأسواقه توزيعها على الوحدات الاقتصادية التي هي بحاجة لها وبشكل قروض واستثمارات وبالتالي تتحقق عملية الإنتاج وتتزايد مما يؤدي إلى زيادة ونمو الدخل القومي7.
لقد كان هذا الموضوع مثار جدل ونقاش منذ عشرات السنين ومحاوره تدور حول أهمية النظام المالي ومؤسساته وأدواته في زيادة الدخل القومي ودعم النمو والتنمية الاقتصادية، أو بعبارة أشمل دوره في الاقتصاد. وعندما يقال دور النظام المالي في الاقتصاد فإن هذا يعني أهمية المؤسسات المصرفية والمالية وكذلك أهمية الأسواق المالية بكل ما تحويه من أنواع وأيضا أهمية الأدوات المالية في الاقتصاد، وتنبع تلك الأهمية أساسا من حجم الأموال التي تعبئها من الوحدات الاقتصادية في المجتمع والتي تسهم في تمويل الاستثمارات التي تنفذ في دولة معينة، ولقد اكتسبت المدخرات التي تُعبئها المؤسسات والأسواق المالية أيضا أهمية كبيرة بوصفها مصدرا مهما لتمويل العمليات الاستثمارية، وتتوقف العملية الادخارية في المجتمع على كثير من العوامل أهمها ارتفاع مستوى نصيب الفرد الواحد من الدخل القومي، والميل الحدي للاستهلاك ودوافع الادخار التي يثيرها النظام المالي لحفز المدخرين على الادخار، وفي المقابل يقع على عاتق النظام المالي بمؤسساته وأسواقه حسن إدارة وتوجيه الاستثمارات والقروض نحو القطاعات الاقتصادية ذات الحاجة إلى الأموال8.
أن الأسعار التي يتم التعامل بها في الأسواق المالية وأيضا معدلات العائد على الأدوات المالية لها وظائف ذات أهمية كبيرة في الاقتصاد. إن هذه الأسعار تلعب دورا مهما في توزيع الموارد فيه، وأيضا في تحقيق التوازن بين الادخار والاستثمار لغرض رفع مستوى النشاط الاقتصادي، وفي خضم ذلك التوازن لابد من الإشارة إلى العلاقة بين أسعار الموجودات المالية وأسعار فوائدها، وكما سبق أن ذكره فإن الموجود المالي ما هو إلاّ أداة قادرة على خلق الربح في المستقبل، إن سعر الفائدة أو العائد المتحقق من تلك الموجودات المالية هو ببساطة الدخل الذي يتحقق خلال مدة زمنية وغالبا ما ينسب إلى سعر الموجود المالي، وإن من المفيد ذكره أن العلاقة بين السعر والعائد هي علاقة عكسية، فكلما ارتفع السعر انخفض العائد.
إن العلاقة سابقة الذكر تعد ذات أهمية كبيرة في هيكل النظام المالي، فالفرد على ضوء تلك العلاقة يقرر ما بين إيداع أمواله في المصارف وبين مسك الأوراق المالية، والشركة تقرر ما بين إصدار الأوراق المالية في الأسواق المالية وبين الاقتراض من المؤسسات المالية والمصرفية، والحكومة من خلال تلك العلاقة تصيغ سياساتها الاقتصادية. فارتفاع أسعار الفائدة يمثل الأداة الحافز للأفراد لإيداع أموالهم في المصارف دون الذهاب لسوق المال لاقتناء الأوراق المالية، وفي حالة انخفاض الطلب على الأوراق المالية سوف تهبط أسعارها فيقبل الناس على شرائها إلى أن يحدث التوازن في السوق.
الجانب الآخر والمهم يكمن في الخطر الذي يعترض العملية المالية، فالمقرض يفكر قبل الإقراض بالمقترض وكيفية استرداد الأموال منه، وبالتالي فإن المقرض يقيم ويحدد احتمالات الخطر التي يمكن أن يواجهها بعدم تسديد القرض في استحقاقه، لكل هذا يدخل الخطر كأحد العوامل المهمة في عمليات الإقراض والاقتراض من قبل المؤسسات المالية، وقد باتت النظم المالية تضع السياسات والآليات لغرض تحقيق كفاءة العملية المالية وبالتالي يمكن أن تتحقق كفاءة النظام المالي، وكفاءة توزيع الموارد على القطاعات الاقتصادية، لقد بات النظام المالي أحد أهم النظم المسئولة عن النمو والتنمية الاقتصادية، وجوهر العملية تكمن في خلق التوازن بين الادخار والاستثمار.
رابعاً: أنشطة النظام المالي والبنية الفوقية المالية
إن النظر إلى العلاقات المتداخلة بين الوحدات الاقتصادية وخلق الأدوات المالية يمكن أن يظهر وبوضوح الفصل الواضح بين النشاطات المالية والاقتصادية وسهولة التمييز بينهما، ولهذا يمكن أن تشكل مجمل المعاملات المالية بنية فوقية وتكون بنيتها التحتية هو مجمل المعاملات الاقتصادية المادية. وعلى هذا الأساس يمكن قياس حجم النظام المالي من خلال نسبة قيمة الأدوات المالية إلى الثروة الجنسية. أما درجة تطور النظام المالي فيعكسه هيكل النظام، والمقصود بهيكل النظام المالي ميزانيته بما فيها من موجودات مالية ومطلوبات مالية، وتزداد درجة تطور وتعقيد النظام المالي كلما زادت أدواته تطورا وتعقيدا، وقد أبدعت المجتمعات المتطورة في خلق المزيد من الأدوات التي تسهل عمل وأنشطة تلك الوحدات الاقتصادية، وأيضا لتسهم في تقليل الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها المؤسسات والأسواق المالية نتيجة عمليات الوساطة المالية التي تمارسها9.
النظام المالي والتمويل
تأسيسا على ما سبق ذكره يمكن القول أن النظام المالي ينطوي على نشاطين رئيسين هما التمويل والاستثمار، ويمكن الوقوف على تفاصيل هذين النشاطين من خلال التعرف على وظائف النظام المالي وهي كما يلي:
أ. الوساطة المالية بين المقترضين والمقرضين، فهو يوفر القنوات اللازمة والأدوات المالية لانتقال النقد من وحدات الفائض إلى وحدات العجز.
ب. آليات الدفع، فهو النظام الذي ينفذ عمليات الدفع بالشيكات والبطاقات الائتمانية وأوامر الدفع الأخرى.
جـ. الخدمات المالية والتي يحتاجها الأفراد والشركات وباقي الوحدات الاقتصادية في أدائهم لأعمالهم.
خامساً: النظام المالي العراقي: نبذة تاريخية
تعود بداية نشأة النظام المالي في العراق إلى بداية تأسيس أول مصرف وبالمفهوم الحديث وهو في بداية القرن العشرين، وإذا اعتبر النظام هو العمليات والأدوات والمؤسسات والأسواق التي تعني بالشؤون المالية في الدولة وبشكل منظم ومراقب، فإن ممارسة العمليات المالية المنظمة في العراق وبأدوات مالية بسيطة وبمؤسسات مالية منظمة مثلتها مصارف أجنبية ومن ثم عراقية، ولا بد من التذكير بأن المقصود النظام المالي بمفهومه التقني والذي تمثله المصارف وشركات التأمين وسوق رأس المال والمؤسسات المالية الاستثمارية والتمويلية الأخرى. تعود نشأة المصارف في العراق سواء منها الأجنبية أو العراقية لبداية القرن العشرين، أما تأسيس الشركات التأمينية فكان في عقد الأربعينات من القرن العشرين، أما التعاملات بالأسهم فتعود إلى عقد الثلاثينات من القرن المذكور وأن تأسيس سوق بغداد للأوراق المالية كان في 1991 وبداية عمله في 1992، وإن من المفارقات التي لا ينبغي المرور عنها دون ذكر لها هو أن هناك بونا شاسعا بين ظاهرة التعامل بالأسهم بين أفراد المجتمع العراقي وتاريخ تأسيس أول الشركات المساهمة، وبين تأسيس سوق منظمة للأوراق المالية، إنها فجوة تصل إلى أكثر من ستين سنة فقد قام المصرف الصناعي العراقي بدور السوق في التعاملات بالأسهم قبل تأسيس سوق بغداد.
إن أهم ما يتسم به النظام المالي في العراق أنه نظام مسيطر عليه من قبل الحكومة، فمنذ تأسيس أول مصرف في العراق فإنه كان حكوميا وكان هذا سنة 1936، وقد كان بطبيعة استثمارية وهو المصرف الزراعي الصناعي، أما أول مصرف تجاري حكومي كان مصرف الرافدين تلا ذلك المصرف المركزي وكان هناك عدد من المصارف الأجنبية والعربية في العراق لغاية سنة 1964 حيث تأميم المصارف وتعريقها ودمجها لتكون مصرفا وحيدا يعمل في العراق هو مصرف الرافدين، وقد كانت هناك مقترحات أحدها يذهب نحو استيراد النمط السوفياتي آنذاك ولكن بقي حبرا على ورق ولم ينفذ، 10 واستمر مصرف الرافدين لتغطية كل الأعمال المصرفية لغاية شطره إلى مصرفين الرافدين والرشيد ومن ثم صرح بتأسيس مصارف خاصة وقد بلغ عددها حاليا أكثر من عشرة مصارف.
بعد هذا العرض المختصر، لا بد من تثبيت بعض الملاحظات على النظام المصرفي في العراق والذي يغطي مساحة واسعة في النظام المالي قبل تأسيس سوق بغداد للأوراق المالية، وبعد سنة1990 وهي سنة الحصار والتي تؤشر مرحلة حرجة في مسيرة العمل المالي والمصرفي في العراق، إنها مرحلة مهمة كونها حفزت بالاتجاه الذي يدعم الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والذي بقي أسير السيطرة الحكومية، ولم يشهد النظام المالي العراق أية تطورات أثناء سنوات الحصار باستثناء بعض الخيارات التي كان لا بد منها أمام تحديات الحصار وأهمها تحرير سعر الصرف والتعامل بالعملات الأجنبية في السوق المحلية من قبل المصارف ومكاتب الصيرفة بعد أن كان محرماً على المجتمع أفراداً ومؤسسات التعامل بالعملات الأجنبية والإفصاح عنها من دون الاستعانة بالمصرف المركزي، وكذلك شهد العراق تأسيس العديد من شركات الوساطة المالية للتعامل بالأسهم وتأسيس بعض الشركات المساهمة وخصخصة عدد من الشركات العامة إلى غير ذلك، ويمكن النظر إلى النظام المالي في العراق في سنة 2003 على أنه يتكون من المصارف وشركات التأمين وسوق بغداد للأوراق المالية بالإضافة إلى عدد معين من شركات الوساطة المالية التي تعمل في سوق بغداد وأيضا عدد من مكاتب الصيرفة لتحويل العملات.

 

المراجع

ـــــــ
1. سرمد كوكب الجميل، التمويل الدولي مدخل في الهياكل والعمليات والأدوات، جامعة الموصل، 2002، ص1-ص 12.
2. Jack Revell , The British Financial System , The MacMillan Press LTD. , 1979, ch1.
3. سرمد كوكب الجميل، الاتجاهات الحديثة في مالية الأعمال الدولية، دار الحامد، عمان، 2001.
4. Michael Parkin & Robin Bade , Modern Macroeconomics , Philip Allan Publishers , 1982 , PP 40-52.
5. A.D. Bain , The Economics of Financial System , Marten Robertson , Oxford , 1981 ,PP. 2-14.
6. سرمد كوكب الجميل، التمويل الدولي …. مرجع سابق.
7. A.D. Bain , The Economics of Financial System , OP Cit., PP.2-14.
8. Loc. Cit.
9. سرمد كوكب الجميل، التمويل الدولي، مرجع سابق.
10 خليل الشماع، إدارة المصارف، مطبعة الزهراء، 974.

عن: مجلة علوم إنسانية