|
الاثنين: 21/07/2008
أثر الفساد في السيادة وسداد الديون الخارجية والنظام العام
عماد صلاح
عبد الرزاق الشيخ داود(*)
الحديث عن السيادة
والمديونية والنظام العام وأثر الفساد عليها يشكل أهمية ذات خصوصية.
فمحور السيادة من جهة ومحور النظام العام من جهة أخرى إذا ما أصيبا
بالخلل فإنهما سوف ينعكسان على البيئة الداخلية للمجتمع والدولة،
لإحداثهما اختلالات لا يمكن قياس مدى حجمها تؤثر على تلك البيئة وهي في
الوقت عينه تؤثر على بيئة الدولة الخارجية وعلاقاتها في محيطها الدولة
أيضاً.
ولكي نصيب كبد الحقيقة في مبحثنا هذا لبيان أثر الفساد على المحورين
المشار إليهما نورد أن الفساد عرفته دول الشمال كما عرفته دول الجنوب على
حد سواء طبقاً لفرضيتنا إلا أن استشراءه في الجنوب كان أكبر من دول
الشمال يرافقه ما أكدته العديد من الآراء والدراسات المتعلقة بالمحاور
المشار إليها التي تتطابق مع الفرضية ولكون عالم الشمال يمتاز بنسبة
معقولة من استقرار المؤسسات، وثبات القوانين، وتنامي الفائض المالي فإن
التركيز ضمن هذا الفصل سيكون على مناقشة حالة عالم الجنوب بشكل أوسع
وأكبر لما يمتاز به من كثرة المديونية وعدم وضوح القوانين واتسام الكثير
من مؤسساته بعدم الاستقرار.
وللدخول في صلب المحاور سننطلق أولاً من محور السيادة وسداد الديون ثم
نتناول الأثر على النظام العام طبقاً لما يأتي:
محور: أثر الفساد على السيادة وسداد الديون
الخارجية:
لكي نبيّن أثر الفساد على السيادة وعلاقة ذلك بسداد الديون لابد أن نعرض
لمعنى السيادة بشكل بسيط أولاً.
((فالدولة ذات السيادة Sovereign state) تعني أن تلك الدولة هي سيدة
أمرها ومطلقة التصرف في شؤونها الخاصة، وأنها الجهة العليا التي يخضع لها
مواطنو البلد، وهي التي تصرف شؤونها خارجياً وداخلياً حيث تسن التشريعات
وتفرض الضرائب وتعلن الحرب وتقيم السلام وتبرم الاتفاقيات مع غيرها من
الدول ذات السيادة أو الهيئات ذات الشخصية القانونية))(1).
لهذا فإن من الواضح أن السيادة هي شرط للاستقلال السياسي الذي تتمتع به
الدولة عندما تعترف مثيلاتها من الدول بها بوصفها المصدر الوحيد للممارسة
الشرعية للسلطة داخل أراضيها. وقد يواجه مفهوم السيادة الوطنية مشكلات
عندما تكون الدولة ملزمة بمعاهدة على إطاعة قرارات من خارج نظامها
السياسي الوطني (كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي مثلاً)(2)، أو أن
الدولة تطيع قرارات خارجية إزاء التزامات عليها تطبيقها جراء اقتراضها
لاحتياجها للمعونة الخارجية (كما هو الحال في قروض صندوق النقد الدولي
IMF).
يذكر أن الاتفاق مع المؤسسات المالية النقدية الدولية يتطلب موافقة
المقترض (أي الدولة) على القيام بتنفيذ شروط تلك المؤسسات سياسياً
واقتصادياً مما يفسح المجال للتدخل في سيادة تلك الدولة (بتطبيق عنصر
الجزاء) إذا ما أخلت بتقيد تلك الشروط التي تفرض عليها في حالة كون
الالتزامات المحلية للدولة ضعيفة لا تمكنها من سداد القروض(3).
وبعد هذا التقديم لابد أن نضع تساؤلاً تكمن في إجابته حقيقة الوقوف على
الإشكالية ما بين (الفساد السيادة، المديونية) والتساؤل هو:
إذا كانت الدولة المقترضة تقيد نفسها بالتزامات تمكن المؤسسات المقرضة
مما فرض شروط تخرق سيادة الدولة المحتاجة، فكيف يكون الأمر إذا ما تفشي
الفساد في مفاصل تلك الدولة؟ وكيف هو الأمر إذا ما وجهت القروض لغير
وظيفتها الأساسية؟ وما مآل الأمر إذا أخلت تلك الدولة بسداد القرض؟
أسئلة سنتناول اجابتها لبيان الإشكالية التي عرضنا
لها فيما تقدم.
حيث من الملاحظ أن الكثير من دول عالم الجنوب (التي تكون في حاجة للقروض
على الأغلب) تلجأ إلى المؤسسات المالية الدولية للاقتراض منها، وأن تلك
المؤسسات قدمت العديد من القروض للدول في عالم الجنوب وحتى للدول في عالم
الشمال (علماً أن قسماً من هذه الأخيرة تنتمي إلى هذه المؤسسات) خلال
الأزمات التي اعترضت تطورها، إلا أن الملاحظ على حكومات عالم الجنوب أنها
توجه تلك القروض تجاه مشاريع أو جهات أخرى لا تمت بصلة إلى التنمية
والتطور حتى أن الإحصاءات تشير إلى توجيه نحو (25%) من تلك القروض
للتسليح فقط، وهذا أمر لا يحدث تنمية مطلقاً(4) فضلاً عن أن نسبة كبيرة
من تلك القروض توجه إلى حسابات خاصة لأعضاء النخب السياسية. ولعل أنموذج
أمريكا اللاتينية وخصوصاً (المكسيك) مثال صارح على تحويل تلك القروض
للحسابات الشخصية لكبار المسؤولين مع الأخذ بنظر الاعتبار (ما سبق وأن
أشرنا إليه) إلى أن الكثير من تلك الأموال التي تقترضها الدول توجه
لمشاريع رديئة النوعية ينجم عنها تسريب كثير من كلفها(رشاوى للموظفين
العموميين تضاف على قيمة تلك المشاريع)(5) تدفع من قبل المنفذين لهذه
المشاريع عديمة الجدوى(6).
كل هذه الأسباب تدفع المؤسسات الدولية المقرضة لإملاء شروط على الدولة
المقترضة تحسباً لتسريب أموال القرض، التي تكون إمكانية سداده أشبه
بالحالة المستحيلة في ظل الآليات الفاسدة التي قدمنا لها خصوصاً وأن
الحالة تخص (دول عالم الجنوب) التي تتسم دوله بكونها فقيرة بالأساس.
إن القرن المنصرم (القرن العشرين) شهد مع نهاياته حالات أصبحت في ظلها
الدول الفقيرة أكثر فقراً نتيجة لعوامل (طبيعية، اقتصادية، أو سياسية)
مما جعل الكثير من دول عالم الجنوب تسير بخطاها نحو الهيئات المالية
الدولية للحصول على قروض جديدة إضافة إلى القروض السابقة التي أتلفت
طبقاً للآليات المشار إليها، مما دعا تلك الهيئات وعلى رأسها صندوق النقد
الدولي للمطالبة بشروط قاسية لضمان سداد القروض.
ولهذا برزت الوصفات التي تنادي بالتعديلات الهيكلية والدعوة لخفض الإنفاق
الحكومي على الخدمات، ورفع أسعار الفائدة، وفتح الأسواق أمام المستثمرين
الأجانب، التي يقع ثقلها الأساس على كاهل الموطنين الذين يعيشون في
الكثير من دول عالم الجنوب إما على خط الفقر أو دونه بقليل أو أعلى منه
قدر ذلك، مما يجعل الحياة بالنسبة إلى هؤلاء شبه مستحيلة.
إن هذه المعاناة أدت في الكثير من الأحيان إلى حدوث قلاقل اجتماعية (في
البلدان التي سارت على نهج الوصفة القاتلة للإقراض التي سبق التطرق إليها
في مواضع سابقة) مما زعزع الاستقرار، وزاد من حجم المعاناة بكثرة(7).
كل هذا كان نتاجاً لآليات الفساد التي صاحبت هذه الأموال والتي جعلت دولة
مثل (أندونيسيا) تسير على نهج الوصفة التي قدمها الصندوق لتعيش حالة
تدهور اقتصادها وكثرة مشكلاتها.
إن الصورة الفوتوغرافية التي عرضت على معظم أرجاء المعمورة التي تصور
الرئيس الأسبق لأندونيسيا (سوهارتو) وهو يوقع تحت أنظار (ميشيل كامديسو)
مدير صندوق النقد الدولي، الاتفاق مع الصندوق لإقراض أندونيسيا مبلغ
(ثلاثة وأربعين مليار دولار) لإخراجها من أزمتها، تدل على كيفية الإجبار
والخشونة غير المسبوقة التي تعاملت بها إدارة الصندوق مع (سوهارتو) وهو
رئيس دولة ذات سيادة فرضت عليها شروط لتطبيق برنامج للإصلاح المالي،
اضطرته وهو صاحب السيادة فيها إلى التنازل عن جزء من ماله الشخصي الخاص
ما مقداره(خمسة مليارات دولار أميركي) مساهمة منه في ذلك الإصلاح، وكان
الأمر بعد هذا الرضوخ لتطبيق تلك القرارات الخارجية (التي تفقد الدولة
استقلاليتها السيادية في تشريعاتها واتباع سياسة خاصة بها) أن أطيح
(بسوهارتو) وافتضح سر أخطائه المالية وفساده الذي جرّ البلاد إلى أزمات
اقتصادية، ونزعات انفصالية وحركات عصيان تنفجر بين الحين والآخر، وربط
البلاد مالياً بقرار خارجي لا يمت للرأي الداخلي بأي صلة مما أضعف
استقرار ذلك البلد(8).
إن مقارنة بسيطة بين الحالة الأندونيسية وحالة جارتها ماليزيا تبين الأثر
السيء للتدخل الخارجي على سيادة الدولة حيث رفضت ماليزيا إقامة اتفاق مع
صندوق النقد الدولي والانصياع لوصفته للتغلب على أزمتها المالية، فما كان
من حكومتها إلا أن وضعت خطة للسير تجاه سياسات اقتصادية مبنية على أسس
سليمة معتمدة على تنمية الصادرات بسرعة وكان نتيجته أن استطاعت دون غيرها
الخروج من أزمتها من غير مشكلات ولا قلاقل اجتماعية مما دعا رئيس حكومتها
للقول «إننا لو اتبعنا خطط الصندوق لكان الانتكاس ملازماً لاقتصادنا»(9).
إن ما لا يغيب عن مدى الرؤية بأن كثيراً من دول الجنوب تعاني من عوامل
ضعف عديدة مشخصة، يشكل الفساد واحداً منها، يضاف إليه أن العوامل هذه
تجعل الدول تلجأ إلى الاقتراض لتلبية حاجاتها الأساسية تحت شروط إقراض
تعسفية وتدخلية، وفي ظل أوضاع كهذه تكون الدول بحاجة إلى القروض رغم أنها
فاقدة القدرة على سدادها، مما يجعلها رهن وضع لا يسمح لها بتراكم رأس
المال المحلي الذي تستطيع عبره (تلك الدول التي هي فقيرة في الغالب) أن
تبني قاعدة إنتاجية معطاء تدر دخلاً حقيقياً يساعد على تلبية ضرورياتها
وبالوقت نفسه يساعد على السداد التدريجي لتلك القروض وتبعاتها الذي يعد
مطمحاً بعيد المنال عن إمكانيات تلك الدول(10)، مما يجرها إلى قبول
الشروط القسرية للإقراض التي تفقدها في الغالب خصوصيتها السيادية على
أراضيها وثرواتها الطبيعية، الأمر الذي يضطر البعض من تلك الدول إلى رفض
القروض حفاظاً على المتبقي من شتاتها.
ولكي نعطي لما تقدم بعده التطبيقي سنتناول دراسة حالة (المكسيك) وكيف
وصلت السياسات الإقراضية إلى حد تقييد سلطة الحكومة على ثرواتها ما جعلها
ترفض المساعدات التي هي في أمس الحاجة إليها في النهاية.
لقد سبقت الإشارة إلى معاناة (المكسيك) من حالات فساد النخبة السياسية
التي تظهر تفاقم هذه المشكلة بالإضافة إلى مشكلات أخرى (مالية واقتصادية)
جعلت البلاد وحكوماتها تنصاع إلى إرادات الهيئات المالية التي لجأت إليها
المكسيك للإقتراض منها، وما التعليمات التي أصدرها صندوق النقد الدولي
لتحقيق شروط إقراضه ذلك البلد بتخفيض عملته الرسمية (البيزو) إلا السبب
الرئيس في انفجار الأزمة المكسيكية لما نجم عن ذلك التخفيض من تدهور قيمة
عملة (البيزو) بشكل عنيف وفوري حتى وصل الانخفاض إلى أرقام خطيرة، جعلت
الولايات المتحدة الأمريكية (الكثيرة الاستثمارات في المكسيك) خلال فترة
إدارة الرئيس (بيل كلينتون) تقترح تقديم قرض للمكسيك بقيمة (أربعين مليار
دولار) لإنقاذها من محنتها، مع تحسب تلك الإدارة من أن يلحق الأذى
بالمستثمرين الأميركان وكذلك إمكانية التعرض للهجرة من المكسيك إلى
أراضيها نتيجة لتدهور الوضع الاقتصادي في الأولى(11).
إن المقترح المذكور لم يحظ بموافقة الكونغرس إلا في حالة أن تقديم
المكسيك ضمانات ضمن سياق ضمانات القروض التي كانت غاية في القسوة ومن
أهمها:
أن تكون عائدات البترول المكسيكي ضماناً لسداد القروض التي ستقدم للمكسيك
بضمانة الحكومة الأمريكية.
وعلى إثر ذلك صرح وزير الخزانة في الإدارة المذكورة أن عائدات البترول
سوف تودع في حساب خاص في البنك المركزي الأميركي بنيويورك وتشرف عليه
هيئة مالية ونقدية مستقلة يكون من حقها الإشراف على السياسة الاقتصادية
للمكسيك، بالإضافة إلى مطالبات أمريكية أخرى مثل الحد من الهجرة
المكسيكية إلى الولايات المتحدة وتعزيز إجراءات مكافحة المخدرات، والتوقف
عن مساعدة كوبا.
إن معظم هذه الشروط تعد انتهاكاً خطراً لسيادة المكسيك مما دفع وزير
الخارجية المكسيكي للإعلان (بأن بلاده ترفض أي عدوان على سيادتها).
إن مثال المكسيك يكشف أن الهيئات المالية الدولية بالتعاون مع البعض من
دول الشمال تستفيد من إفلاس بعض الدول ليتاح لها شراء استقلالها بقرض أو
أكثر وبالتالي تسيطر على سيادة تلك الدول وتخرقها. إن دولة مثل المكسيك
تتمتع بثروات طبيعية وإمكانات لا بأس بها ما كان لها أن تصبح في موقف
كهذا تحت سيطرة القوى المهيمنة الرأسمالية لو كانت مؤسساتها ونخبها لا
تعرف الفساد الذي نعود ونقول إنه أحد أبرز مشكلات المكسيك الذي أثر على
سداد ديونها وسياستها النقدية وليس المشكلة الوحيدة(12).
بعد هذا العرض لإشكالية العلاقة بين الفساد، السيادة، أزمة الديون، وبيان
ما يولده الفساد من مشكلات (تدخل خارجي في سياسات الحكومة الوطنية وإملاء
شروط هي في غنى عنها لو كان أعضاء نخبها السياسية ومسؤولوها العموميون
بعيدين عن آليات الفساد). لابد لنا من الإشارة إلى ما يؤثره الفساد على
النظام العام في المحور الآخر من بحثنا هذا تتمة للموضوع.
محور: أثر الفساد على النظام العام
يظهر من خلال الدراسة لموضوع الفساد أنه موضوع يمد أذرعه إلى كثير من
المفاصل في المجتمع والدولة، وله آثار سلبية خطيرة على الأنظمة
والتشريعات على حياة الأفراد، عليه يكون بحث أثر الفساد على النظام العام
واحداً من أهم تلك الآثار السلبية.
إن فكرة النظام العام ارتبطت بالمجتمع والمحافظة على حاجته للاستقرار
والسلام، إلا أن تلك الفكرة هي في الأصل فكرة نسبية مرنة تختلف باختلاف
الزمان والمكان فهي تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وربما
يصل الاختلاف إلى أن يحدث بين منطقة وأخرى في كيان الدولة الواحدة، طبقاً
لفلسفة النظام السياسي السائدة فضلاً عن ما تسبب فيه اتساع دور الدولة
وتزايد تدخلها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية من سعة في مرونة
المفهوم(13).
ولنستطيع الوقوف على ذلك الأثر للفساد على النظام العام (هذا المفهوم
المرن) لابد من الاستفادة من الآراء التي حددت وحاولت وضع فكرة النظام
العام في إطار قانوني وإعطاء دلالة مفهومية له برغم صعوبة تحديد مفهوم
جامع مانع للفكرة.
حيث يرى البعض ومنهم أستاذ القانون الفرنسي (Hauriou) في النظام العام
«أنه حالة واقعية عكس الفوضى، وعندئذ يكون النظام العام معداً لا ليستخدم
لوصف وضع سلمي هادئ».
أي أن يفسره على أساس حالة الفوضى فحسب، وليس لوصف حالة الاستقرار في
الأوضاع السلمية الهادئة، والذي حدا بأستاذ فرنسي آخر هو(Blaevoeet) أن
يعرفه «بأنَّ غاية الضبط هي حالة واقعية سلبية وكل أعماله تستهدف منع
الإضراب»(14).
ما ورد يدل أن التفسير يحصر النظام العام في حالة سلبية لا تدعو الضبط
إلى التدخل إلا إذا أحدث تهديد او اضطراب.
ولتوسيع دور الدول وتطوير المفاهيم برزت أفكار جديدة بخصوص النظام العام
منها (د.محمود عصفور) الذي يقول:
«لا يمكن أن يُعـَرَّف النظام العام التقليدي تعريفاً سلبياً وهو اختفاء
الإخلال، وإنما يجب أن ينطوي على معنى إنشائي يتجاوز النتيجة المباشرة،
ولهذا لم يعد الهدوء العام يعني القضاء على الضجة والاضطرابات الخارجية
وإنما راحة السكان»(15).
لذا على أساس اتساع فكرة النظام العام من خلال ما قدمنا له ذهب البعض إلى
تعريف النظام العام على أنه:
«ذلك التنظيم الذي يتسع ليشمل جميع أبعاد النشاط الاجتماعي».
بعد هذا لابد لنا من القول بأن الآراء استقرت بعد ذلك في الفقه القانوني
على أن مدلول النظام العام يتضمن عناصر ثلاثة (الأمن العام)، (الصحة
العامة)، و(السكينة) كعناصر تتضمن أغراض النظام العام وأهدافه(16).
إن العناصر الثلاثة المشار إليها كمدلولات للنظام العام ترتبط بها
الأمثلة الآتية التي سنحاول من خلالها توضيح المراد من مبحثنا هذا.
إن المراقبين للفساد في كثير من الأحيان ينسبون إليه أنه يؤدي إلى آثار
سلبية جمة منها العزلة السياسية وعدم الاستقرار التي ينجم عنها النفور
العام، وأنموذج المكسيك الذي أشرنا إليه في موضع سبق خير مثال على ذلك
ففي ظل قطاع عام يضم أكثر من مليون ونصف عامل، انتشر الفساد في ظل رقابة
إدارية بشعة وعديمة الفائدة (على حد تعبير أحد المسؤولين الحكوميين في
المكسيك) مما تسبب في انهيار الاقتصاد وجعل موجة النمو في المكسيك تتلاشى
كما يتلاشى زبد البحر، وقد وصل أثر ذلك الهياج الشعبي إلى حد أن القرى
المكسيكية، وتمرداً منها، بدأت ترفع إلى جانب شعارات (الأحزاب الشيوعية)
المطرقة والمنجل شعارات مفادها (ضد الفساد نقف نحن المعارضون)(17)، لذلك
يرى أحد علماء السياسة (مايكل نخت ـ Ncht) أن الفساد مؤشر مستقل مهم يدل
على احتمال (تغيير نظام الحكم) في دول الجنوب حتما بعد أخذ عدد من
العوامل الأخرى الثابتة إحصائياً بعين الاعتبار(18).
ويستشهد للغرض ذاته أحد الخبراء المختصين (بالشؤون الإفريقية) في دراسة
عن الحالة في غانا ما نصه:
«لما كان عدد كبير من محصلي الضرائب في المناطق الريفية قد نجح في امتلاك
البيوت والمزارع في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يكسب مجرد دريهمات
قليلة، في الشهر، فإنه يصبح من المفهوم تماماً لماذا يمترد عدد كبير من
المزارعين عن دفع الجباية بسبب ما يراه في قريته.. كيف يمكن للحكومة أن
تتضرع للناس أن يشدوا الأحزمة.. بينما يعمل أفراد الطبقة الأرستقراطية
الغنية الجديدة وأذنابهم، الذين يطلبون منهم القيام بذلك، على ملء كروشهم
وبطونهم، وتعمل زوجاتهم وعشيقاتهم على تكبير غببهن، في تناسب طردي مع
نسبة شد الحزام على البطون عند الناس العاديين!». والذي يفسر حالات
الهيجان عند أولئك المزارعين(19). مما يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام.
وبشكل آخر فإن الإخلال بالنظام العام في (حالة هونك كونغ) قبيل انبثاق
لجنة (كيتر) المستقلة للفاسد في هونك كونغ (التي ساعدت البلاد على التخلص
من الفساد) يمثل دليلاً مادياً آخر على الأثر السلبي للفساد على ذلك، حيث
كان الإيراد اليومي لرجال شرطة هونك كونغ ما يوازي عشرة آلاف دولار (هونك
كونغ) يومياً، نتيجة للرشاوي التي تقدمها مافيات المخدرات لهم مقابل
سكوتهم أو تقديم الإنذار المبكر عن الغارات (على أوكار المخدرات) التي
يخطط لها في الدوائر العليا للحكومة، حتى وصلت أمور الرشاوى إلى حد أن
كان للشرطة مؤسستهم الخاصة في المقاطعة الغربية من كاولون التي كانت تجمع
المال من أوكار القمار والمخدرات عن طريق ضباط الشرطة ذوي الرتب الوسطى.
أما أصحاب الرتب العليا فقد كانوا يتلقون مبالغ كبيرة نظير إبقاء عيونهم
مغلقة. وقد أقام الطرفان الشرطة ومافيات القمار والمخدرات خطة محكمة
لتوزيع المال (الأسود) بما في ذلك استئجار المحاسبين ودفع الأنصبة في ستة
بنوك والتحويل إلى العملات الأجنبية حتى أن ورائح الفساد العفنة قد سيطرت
على (70%) من الأخبار عن هونك كونغ في الصحافة البريطانية طبقاً
للإحصائيات حول ذلك(20).
إن الأمثلة الواردة تدل على كيفية إخلال الفساد بالنظام العام بدلالة
التأثير على عنصر (الأمن العام) أحد مدلولات النظام العام أما ما يختص
بدلالة التأثير على عنصر (الصحة العامة) فحسبنا بالمثال المذكور عن
أفريقيا وآلية الفساد من خلال بيع المساعدات الطبية خير مثال يدل على ذلك
الجانب من الفساد.
أما ما يتعلق بعنصر (السكينة)، فمن الواضح أن الفساد يضرب قاعدة المساواة
بين المواطنين لأن من يمتلك نفوذاً سياسياً يستغله لتحقيق منافع خاصة لا
يستحقها حارماً منها من يستحقونها وفقاً للمعايير الموضوعية، مما يجعل
أولئك المستحقين يشعرون كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية(21). مما يحدث
خللاً في (السلم الاجتماعي) (على حد وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل) الذي
يعرفه بأنه مطلب مركب، مشروط بشرعية السلطة، مشروط بمشروعية الثروة،
مشروط بحقوق المواطنة، مشروط بإحساس المساواة بين الناس وإن تفاوتت
الكفايات أو حتى الحظوظ، ومشروط بغير ذلك(22).
إن ذلك كله يرتبط بتحليل الأستاذ هيكل أيضاً المتعلق بالقضية الجزائرية
التي من خلالها نستشف الأثر السيء للفساد على سكينة المجتمع وبالتالي
الخلل في النظام العام، حيث أورد بتاريخ 12/ أيار(مايو) 1997م مقالة تحت
عنوان (ذبح الوطن والمستقبل في الجزائر) يعرض فيها إلى أنه منذ تاريخ
كتابة مقالة سابقة عن الجزائر من قبله تحت عنوان (سحق الديمقراطية بهدف
إنقاذها) بتاريخ 27/(إبريل) نيسان/ 1992م والجزائر شهدت حوادث قتل
وثمانين ألف رجل أي بواقع 250 شخصاً مقتولاً كل يوم إذا ما قسم العدد
الكلي على فترة خمس سنوات(هي الفترة بين المقالتين) في بلد كانت لديه كل
طاقات وإمكانات التقدم عند استقلاله (بنية أساسية لا بأس بها تركتها
فرنسا، موارد بترول وغاز، حجم سكاني معقول، زراعة متطورة، وإمكانات
صناعية قابلة للنمو).
لكن البلد هذا برغم كل الخريطة المهيأة للتقدم تعثر في الطريق بسبب
مواريث التخلف (حالة عانت منها الكثير من دول عالم الجنوب) على جانب
هشاشة في التركيب الاجتماعي والطبقي، التي أعطت فرصة لبيروقراطية عسكرية
للاستيلاء على السلطة في ظل الحرب الباردة وصراع العقائد، وتضارب نماذج
التنمية، في وطن حديث العهد بالاستقلال مما أنتج حالة من الاختناق شد
وثاقها ثنائي (العجز) و(الفساد)(23).
ويضيف (هيكل) إلى أن كل الأطراف الجزائرية في أعقاب نهاية الحرب الباردة
أحست أن المأزق أمام الجزائر هو الحل الديمقراطي.
وقد رأى بعض الأطراف أن الديمقراطية في الجزائر بدت مهرباً كما هي حل،
فكمية الأخطاء و(حجم الفساد) جعلاً عدداً من الأقوياء في مراحل سابقة على
استعداد لتحويل المسؤولية والتبعات إلى غيرهم شريطة أن تغلق دفاتر الماضي
وتنسى الحسابات، وبدا ذلك بالإمكان عندما تم الاتفاق على نوع من الميثاق
الوطني تجري على أساسه انتخابات تشريعية عامة تضع للجزائر دستوراً
جديداً، لكن الخروج من المأزق سواء بالحل أو بالهرب أثبت صعوبته وذلك
لتخوف البيروقراطية العسكرية التي استولت على الجزائر وأموالها من الحساب
على ما جرى من نتائج الاختناق بالعجز والفساد(24).
وازدادت تلك المخاوف عندما أسفرت نتائج أول انتخابات جزائرية عام 1992 عن
فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تشككت البيروقراطية العسكرية من أن
الجبهة لديها حلول ناجعة للمشكلات وربما كان جزء منها صحيحاً، ثم تصورت
تلك البيروقراطية أن الجبهة عندما تتولى وترى الطريق للمستقبل صعباً،
فإنه أسهل الخارج لها قد يكون العودة إلى فتح الملفات القديمة.
لذلك ألغت البيروقراطية العسكرية نتيجة الانتخابات التشريعية، وأعلنت
حالة الطوارئ وقررت تصفية التيار الإسلامي من الجزائر، منذ ذلك الوقت
أصبح القتل صناعة ثقيلة، فالبيروقراطية بدأت بالضربة الأولى، ثم ردت
عليها الجماعات الإسلامية، واندلعت نار الهيجان(25). إن ذلك تسبب في
الإخلال بالسكينة في الجزائر وبالتالي الإخلال بالنظام العام الذي كان
واحداً من أهم أسبابه إن لم يكن السبب الرئيس هو الفساد الذي استشري في
ذلك البلد.
إذاً من خلال ما تقدم نلحظ أن للفساد آثاراً سلبية على إمكانية سداد
الديون وما يؤدي ذلك إلى تدخل في سيادة البلدان (الذي ينمو فيها الفساد)،
ثم ما يحدثه الفساد من آثار على (الأمن العام) و(الصحة العامة)
و(السكينة) التي تشكل مرتكزات النظام العام وهو تنظيم يشمل جميع أبعاد
النشاط الاجتماعي. ولكن علينا أن نذكر أن البلدان التي تحتاج للمساعدات
الخارجية خصوصاً بلدان عالم الجنوب يصبح الفساد معوقاً لها أيضاً حيث أن
الخلل في النظام العام وضعف سداد الديون يؤدي بالرساميل المستثمرة إلى
الهرب عن الأماكن التي فيها اضطراب وضعف في أداء الديون والإيفاء بها،
لذلك في تحليل لسياسي أفريقي بارز يوصّف حالة الفساد وإعاقته للاستثمارات
والمساعدات ما مفاده، وأن البلدان التي يستوطن فيها الفساد تكون فيه
المؤسسات بفعل ذلك غير مؤثرة، الأمر الذي يجعلها تجتذب المغامرين أو
المنبوذين أو الفاشلين في مجتمعاتهم فحسب للاستثمار فيها وليس المستثمرين
الأكثر احتراماً والأصدق وعداً.
ثم يذكر أيضاً أن جميع المشتغلين بالأعمال يريدون جمع الأموال، إلا أنهم
يبحثون عن البلدان التي تكون الظروف مستقرة فيها ويمكن التنبؤ بها.
وحيثما ينشغل كل فرد بالخطف والاغتصاب، ويصبح من المستعصي إحصاء الفساد،
وحتى أكثر الناس تلهفاً على جمع الأموال سيجد أن الحالة لا تطاق ويغادر.
وبالمثل، فإن المعونة الخارجية ستـُقـَلَّـلُ إلى أن تختفي، حيث أن
الدولة المانحة لن تستمر في إلقاء أموال دافعي الضرائب فيها في حفرة لا
قاع لها(26).
من ذلك نخلص إلى أن السيادة هو أن تكون الدولة هي ذاتها (السيد الوحيد
الذي يتصرف بأمرها)، أي بعبارة أخرى تكون الدولة ولية أمر نفسها بنفسها،
إلا أنه في بعض الأحيان تلزم الدولة نفسها بالتزامات تجاه أطراف أخرى
تسمح في التنازل عن شيء من سيادتها تجاه هذه الالتزامات، وأخطر ما يكون
حسب ما توضح لدينا من تلك الالتزامات هي الالتزامات تجاه سداد الديون،
حيث تسبب هذه الحالة في أحيان كثيرة إمكانية التدخل الخارجي في الشأن
الداخلي، وبالتالي تتسبب في فرض سياسات معينة، على الدولة تنفيذها، من
قبل الجهات الخارجية التي تقدم القروض (كما لاحظنا حالة صندوق النقد
الدولي وتصرفه مع أندونيسيا) تخرق سيادة الدولة.
وتوضح أن واحداً من أهم أسباب فرض تلك السياسات (إن لم يكن السبب الأكثر
أهمية) هو استشراء الفساد في تلك البلدان المقترضة (والتي تكون معظمها في
الغالب من دول الجنوب)، والخلل بالتصرف في أموال تلك القروض.
كذلك ومن ناحية ثانية لاحظنا كيف أن الفساد يخرق النظام العام من خلال
تغلغل الفساد في العناصر التي يرتكز عليها هذا النظام وهي (الأمن العام)،
(الصحة العامة)، (السكينة).
وقد توضح جلياً أن الإغراق في المديونية يسبب خرقاً للسيادة ويتسبب في
إحداث خلل بالنظام العام، كلها نتيجة الفساد الذي أوصل بلداناً إلى حافة
الحرب الأهلية ما كانت لتقع لو كانت هنالك أساليب للمساءلة الصحيحة، وأيد
نزيهة تعمل على حفظ المال العام، وشفافية في التعاملات المالية وخطط
تنموية يتحجم بها الفساد.
الهوامش
ــــــ
(*) مدرس مساعد في وزارة التعليم العالي، وعضو الجمعية العراقية للعلوم
السياسية.
(1) حارث سليمان الفاروقي، المعجم القانوني، بيروت، مكتبة لبنان، 1982م:
653.
(2) جيوفري روبرتز، المعجم الحديث للتحليل السياسي، سمير الجلبي (مترجم)،
بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1999م: 427-429.
(3) البنك الدولي للإنشاء والتعمير، الدولة في عالم متغير، (تقرير
التنمية البشرية، 1997م)، ترجمة مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة،
1997م: 108.
(4) راجع فقرة التسليح في الفصل الثاني.
حنان البيلي، الفساد المؤسسي، سلبيات الأداء، مجلة السياسة الدولية،
العدد 143/ يناير 2001م: 229.
(5) راجع الفصل الأول من هذا الباب، قضية سد ياسريتا الأرجنتيني.
(6) أنظر في ذلك:
د. نبيل علي، مقاربة سوسيولوجية، اقتصادية لظاهرة الفساد، (بحث غير
منشور)، دمشق، المعهد العالي للعلوم السياسية، 2000م.
وكذلك د. دريد درغام، الآثار الاقتصادية للفساد، جمعية العلوم الاقتصادية
السورية، 23/4/1999م: 50.
(7) انظر: حنان البيلي، الفساد المؤسسي، م س ذ: 229.
(8) محمود المراغي، عصر من الفساد (من فساد السفح إلى فساد السلطة)، مجلة
الكتب وجهات نظر، العدد 21، أكتوبر 2000م: 44.
(9) حنان البيلي، م س ذ: 229.
(10) د. أسامة عبد الرحمن، تنمية التخلف وإدارة التنمية، بيروت، مركز
دراسات الوحدة العربية، حزيران 1997م: 177-124.
(11) سعد الدين وهبة، من الانفتاح إلى الخصخصة (النهب الثالث لمصر)،
القاهرة، دار الخيال، 1997م: 176-179.
(12) المصدر نفسه: 176-179.
(13) عاشور سليمان صالح، مسؤولية الإدارة عن أعمال وقرارات الضبط الإداري
(دراسة مقارنة، بنغازي، جامعة قاريونس)، 1997م: 128 وما بعدها.
(14) المصدر نفسه.
(15) للمزيد من التفصيل، انظر، د. محمود عصفور، البوليس الدولي، القاهرة،
1971م: 152.
(16) د. عاشور سليمان، م س ذ: 128.
(17) روبرت كليتجارد، السيطرة على الفساد Controlling corruption، علي
حسين عجاج، (مترجم)، م س ذ: 19 وما بعدها.
(18) لمزيد من التفصيل:
Michael Nacht, Internal change & Regime stability, London,
International Institue for strategic studies, 1981 p.10 and follows.
(19) روبرت كليتجارد، السيطرة على الفساد، م س ذ: 69-70.
(20) لمزيد من التفصيل انظر:
International Herald Tribune, 18-19 July 1986.
(21) أ. السيد أحمد النجار، الفساد مكافحته في الدول العربية، الاتجاهات
الاقتصادية الاستراتيجية، 2000م، القاهرة، مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالأهرام، 2001م: 170.
(22) أ. محمد حسنين هيكل، 1995م، باب مصر إلى القرن 21، القاهرة، دار
الشروق: 1995م: 25.
(23) أ. محمد حسنين هيكل، المقالات اليابانية، القاهرة، دار الشروق،
1998م: 221 وما بعدها.
(24) انظر تصريحات الرئيس بوتفليقة وشهادة الجنرال محمد يتشين في موضع
سابق من هذا البحث في الصفحة(143).
(25) م. ن: 222.
(26) أوغسطين روزيندانا، أهمية دور القيادة في محاربة الفساد في أوغندا،
في كيمبرلي أن اليوت، الفساد والاقتصادي العالمي، م س ذ: 189.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
|