|
الثلاثاء: 10/07/2007
ثقافة الفساد في الدول
الخارجة من النزاع والدول النامية
غلين. تي ـ وير وغريغوري بي. نوون(*)
برز الفساد في
مجتمعات بعد الحرب كواحد من أكثر العقبات خطورة في وجه الانتعاش الاقتصادي. فقد
خرجت المجتمعات التي مزّقتها الحروب، وخاصة تلك التي انخرطت في حروب أهلية أو
أعمال عنف عرقية، من حربها ببنية تحتية مدمّرة أو محطمة؛ تفتقر إلى الغذاء
والدواء وحتى المياه، وشهد تدفق البضائع الرئيسة والخدمات إليها تمزقاً وتشتتاً.
وقد يبدأ الفساد بالتفشي في المراحل الأولى من إعادة البناء حينما يكون المجتمع
الدولي منهمكاً في توفير المساعدات الإنسانية وحين تتدفق كميات كبيرة من
الأموال إلى داخل المنطقة. وقد يؤدي تحويل اتجاه النقود إلى كيل ضربة مدمرة
لتلك المناطق التي تتأرجح على الحافة بين إعادة إصلاح الوطن أو العودة إلى
النزاع. كذلك تبين للأكاديميين ومحللي السياسة أن الفساد هو نشاط تتزايد صعوبة
تفكيكه عن التأثيرات الأوسع لعمليات الاحتيال الواسعة والجريمة المنظمة وغير
المنظمة والسرقات على المستويات الدولية الواسعة النطاق.
ومن أجل تحديد أكثر الطرق فعالية للتخفيف من الآثار المدمرة للفساد، من الضروري
أن نتفهم خصائصه وأشكاله التي تمثل التهديد الأكبر للمجتمعات الخارجة من النزاع.
وهذه الدراسة لا تناقش الفساد على المستويات الأصغر كفساد المسؤولين الصغار, بل
تتناول الفساد على مستوى آلة الدولة التي تلتهم ملايين الدولارات من العملة
الصعبة الثمينة التي يحتاجها المجتمع بشدة لكي ينهض من دوامة العنف. سوف نناقش
أولاً خصائص فساد آلة الدولة، وثم سنبين أن الموضوع المألوف, الذي يقول بأن
الفساد في الدول النامية أمر حتمي لا يمكن حله بسبب جذوره الحضارية, هو موضوع
مضلل. كما سنبين أن الجشع الممزوج بانتهاز الفرص، يقبع في جذر الفساد ويمثل
التهديد الأكبر للاستقرار في المناطق الخارجة من النزاع. وسوف نقدم في الجزء
الأخير مجموعة من الردود الجماعية التي يمكن للمجتمع الدولي تبنيها للسيطرة على
الفساد في الدول النامية وفي المناطق الخارجة من النزاع.
ما هو الفساد
أعداد كبيرة من المجلدات وكميات لا تحصى من المقالات الدراسية، كتبت حول أشكال
الفساد وأنواعه، من مختلف المنظورات كالاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع والأعمال
والتجارة الدولية. وكل من هذه المنظورات ركّز على ناحية مختلفة. وفيما يركز
المراقبون القانونيون اهتمامهم على الحاجة لوضع حكم قوي للقانون، فقد يثير
الاقتصاديون موضوع استغلال العائدات الاقتصادية. وهذا البحث لا يختار منظوراً
نظامياً فردياً، كما أنه لا يحلل الاختلافات بين كل منها, ولكنه يحاول بدلاً من
ذلك أن يقدم صورة واقعية للمعوقات التي يضعها فساد آلة الدولة أمام عودة نهوض
مجتمعات ما بعد الحرب ويقدم اقتراحات حول ما يمكن للمجتمع الدولي أن يفعله
لمحاربة الفساد. ولعل اهتمامنا على وجه الخصوص ينصب على دور المؤسسات المالية
الدولية (IFTS) في محاربة الفساد, وفي نشره على السواء.
تعاريف
تم تعريف الفساد على أنه: «وجود مسؤولين حكوميين يسيئون استخدام السلطة
الممنوحة لهم من أجل انتزاع أو قبول الرشوات من القطاع الخاص لتحقيق منفعة
شخصية».
وقد عرّفه كـُتـّاب آخرون على أنه «إخضاع المصلحة العامة أو الصالح العام
للمصالح الشخصية».
وهناك تعريف آخر معقول، يقول إن الفساد يتميز بوجود مسؤول ينحرف عن تأدية
واجباته الرسمية في الدور العام بسبب نظرته نحو تحقيق مكسب مالي شخصي (فردي أو
عائلي أو شللي)، أو ينتهك القوانين من أجل ممارسة تصرف شخصي. ولا يبدو أن هناك
تعريفاً واحداً للفساد يمكنه أن يعتبر عن وضعه من جميع المنظورات التي تمثلها
الأنظمة أو السياقات التي تجري ضمنها. ولكن من أجل تحقيق أهداف هذا البحث فإننا
سنعرّف الفساد عل أنه: «استخدام المرافق العامة (الحكومية) لتحقيق المكاسب
الشخصية». ويقارن أحد الكـُتـّاب بين صعوبة تحديد مقدار الفساد وبين الإشارة
الشائعة إلى المواد الإباحية، إذ يقول: «لقد أصبح الفساد عبر الدول شيئاً أكبر
من أن نتجاهله». وبينما قد تلقي التعاريف الضوء على كل من سياق ومنظور الكاتب،
إلا أنه لا يوجد منظور يستطيع أن يغض الطرف عن تأثير الفساد. فالرشوة والابتزاز
والاحتيال والاختلاس والمحسوبية والمحاباة، تمثل جميعاً ظواهر شائعة للفساد.
والمكاسب الشخصية تعد خسائر للمجتمع. وضمن هذا السياق، فإن من المفيد الأخذ
بالاعتبار ما يمكن لبعض الجهات الخاصة أن تشتري من سياسي معين أو بيروقراطي.
فالفساد يشمل العقود التي توقعها الحكومة والمكاسب التي تقدّمها الحكومة،
والخصومات الضريبية، وتفادي القوانين (ومعها توفير الوقت) وأخيراً التأثير على
نتائج العملية القانونية أو النظامية.
خصائص وتطور الفساد ما بعد النزاع
كان التركيز في الجهود والتحليلات المناوئة للفساد منصّباً على العالم النامي،
حتى فترة انتشار العنف الداخلي والحروب الأهلية في حقبة التسعينات. وكان هذا
التركيز يدور حول الكلفة الاقتصادية وعدم الكفاءة القانونية. وليس هناك أدنى شك
في أنه في أي مجتمع، تتسبب آلة الفساد في الدولة برفع تكاليف الصفقات ودرجة عدم
التيقن في الاقتصاد وتزيد من عدم فاعليته. كذلك، يهدد انتشار الفساد وتوسعه حتى
أكثر الأحكام القانونية الأساسية الموجودة، من خلال إظهار مدى ضعف النظام
القضائي وتجاهل حقوق الملكيات والعقود. ولكن التحليلات الاقتصادية والتقليدية
للفساد تتجاهل تأثيراً جوهرياً ثالثاً للفساد ذا صلة خاصة بالمجتمعات الخارجة
من الحرب. فانتشار الفساد يتسبب في إيقاف نمو وتطوير المؤسسات الحكومية الفاعلة
والأساسية في إعادة بناء المجتمع على المدى الطويل، على الرغم من الجهود
الهائلة التي يبذلها المجتمع الدولي في هذا الصدد.
وتقدّم المؤسسات المالية الدولية وغيرها من مانحي الأموال إلى هذه المجتمعات من
أجل دعم سلسلة كاملة من النشاطات الهادفة إلى إعادة الإصلاح. وكل دولة خارجة من
الحرب يتوجب عليها إعادة إصلاح وتنمية بنيتها التحتية التي تشمل الطرق والمدارس
والمستشفيات والمباني الرسمية والكهرباء والاتصالات والإسكان. وضمن أي محاولة
من هذا القبيل، يتوجب إدخال كميات هائلة من البضائع والسلع والخدمات اللازمة
لإعادة الإعمار. ومثل هذا التدفق السريع للأعمال يخلق بيئة ملائمة لترعرع
الفساد وازدهاره. فأمام الحجم الكبير من المساعدات المادية، يحاول المسؤولون
والسياسيون في مجتمعات ما بعد الحرب أن يكـّرسوا جهودهم للحصول على قدر أكبر
وأكبر من المنح، وغالباً لتحقيق مكاسب شخصية، بدلاً من العمل لتحسين ظروف
وأوضاع البلاد وإدارة حكومة فاعلة. وحتى بدون وجود الفساد تنزع الدول التي
أنهكتها النزاعات إلى الاعتماد بشكل كبير على المساعدات المادية الدولية وعلى
التوظيف الثانوي والعائدات التي تحصـّلها من الموظفين الدوليين. ويرفع انتشار
الفساد من درجة هذا الاعتماد، بشكل يؤدي إلى شلّ أية إمكانية للنهوض المبني على
الاقتصاد الذاتي. ويؤدي الفشل في تنمية وتوظيف الموارد والمواهب والأفكار
المحلية إلى ضعف المؤسسات المحلية وتركها في حالة من عدم القدرة على العمل
عندما تجف المساعدات الخارجية. وعندما تتفشّى ظاهرة المحاباة والمحسوبية، أو
عندما لا يستطيع موظفو الحكومة العيش إلا من خلال الرشوة، وعندما تصبح الوظائف
عرضة للبيع أو التراجع، فإن الحوافز الضرورية لتطوير خدمات مدنية فعالة تضعف
كلياً. وفي الحقيقة، يجسّد الفساد صورةً غاية في المحاباة والإغواء، تحمل في
مجاهلها عواقب وخيمة وخطرة يُستبدل فيها حماس الموظف الحكومي الشاب بالانفلات
والسخرية من النظام. ويؤدي انتشار الفساد إلى كبح تنمية كيانات حكومية فعالة
كما يقوِّض في طريقه الشرعية الحكومية.
والمشكلة التي تواجهها العديد من الدول الخارجة من الحر هي القدرة على
الاستيعاب. فبشكل عام، وبعد مرور سنين من الحروب والمجاعات وطرد الاستعمار أو
الانهيار العام للمؤسسات، تفتقر الدول إلى وجود أنظمة متطورة وفعالة على إدارة
أو استيعاب الأموال القادمة لإعادة الإصلاح والتطوير، إذ تكون الأنظمة المصرفية
في حالة انهيار، والأدوات الإدارية المالية غير موجودة, والبنايات والبنية
التحتية في حالة دمار شديد، والخبرات التقنية اللازمة لإدارة مشاريع إصلاح
بتكاليف متعددة الملايين من الدولارات، محدودة على الأغلب. بالإضافة إلى ذلك،
فإن المانحين لا يقدمون عدداً كافياً من الكوادر التي يمكنها الإشراف على
استخدام الأموال ومراقبة تلك الأموال التي تقدّم إلى الحكومات حديثة العهد.
وحتى عندما تمتلك المجموعات المانحة القدرة الكافية للسيطرة على هذه الأموال،
فإن الباب يظل مفتوحاًَ أمام خطط إبداعية خارقة توظف من أجل سحب هذه الأموال
الثمينة بطريقة غير قانونية.
ومانحو المساعدات الدولية، والدول، إضافة إلى المنظمات غير الحكومية يمتلكون
غالباًَ مقدرة ضعيفة على ضمان استخدام الموارد التي يقدّمونها لتحقيق الغايات
المرجوة منها. فتحويل الأموال إلى حسابات في البنوك في الخارج أمر واسع
الانتشار. والأموال التي تخصص للمساعدات الإنسانية وإعادة الإصلاح، غالباً ما
يتم تقديمها مباشرة إلى السلطات المالية في الحكومات التي تتلقى المساعدات دون
قيود وغالباً بحرية تصرف غير محدودة. وفي أغلب الأحيان يغلب إغواء الطمع على
أداء الواجب. ففي إحدى الحالات التي وقعت حديثاً في تيمور الشرقية، وبينما لم
تكد أحداث الفوضى والاضطراب تضع أوزارها، والمساعدات تبدأ بالتدفق، حتى اكتشف
المحققون وجود خطة تآمرية لإحالة عقود الإعمار على أفراد فاسدين. وقد تم وضع
هذه الخطة ليس من قبل مواطنين محليين فحسب بل باشتراك مواطن أجنبي مزعوم ادّعى
وجوده هناك للمساعدة في إعادة الإعمار.
وقد أشار مسح غير رسمي أجري على بعض المنظمات المانحة غير الحكومية إلى أن هذه
المنظمات تفتقر إلى قدرة أساسية على القيام بالتحقيقات. ويؤدي غياب المحاسبة
والهياكل القانونية (الجنائية) لدي المنظمات المانحة غير الحكومية إلى خلق بيئة
ملائمة للاحتيال والفساد مما يجعل هذه المنظمات عرضة لإساءة استخدام الاموال,
والتلاعب. والعديد من هذه المنظمات واعية تماماً لنواقصها. وقد أبدت تعاوناً
مدهشاً وتقديراً للجهود التي قام بها البنك الدولي في التحقيقات حول الفساد
والاحتيال. كما أن العديد من هذه المنظمات أيضاً بدأت تتفهم أنه بدون وجود
آليات قوية لمراقبة ومحاسبة إنفاق الموارد، فإن المساعدات يمكن أن تحمل معها
آثاراً سلبية وغير متعمدة. وعندما يصبح الفساد جلياً، تتسارع نسبة إجهاد
المانحين فيما يقع هؤلاء في تضليل أمام غياب أي آثار إيجابية لعملهم.
وبالإضافة إلى عدم كفاية الإدارة المالية، تفتقر الدول الخارجية من النزاعات
وكذلك العديد من الدول النامية إلى وجود أنظمة حكومية ممتثلة ومتطورة، ووجود
آليات تنفيذية فعالة للسيطرة على الأموال الممنوحة. ووفقاً لذلك، تفتقر الحكومة
أيضاً إلى القدرة على استيعاب المساعدات المالية، إذ لا يمكنها السيطرة على
الكميات الكبيرة من الأموال أو محاسبة مسؤوليها. كما لا يمكنها منع تسرب الفساد
أو طمأنة المانحين بأن أموالهم ستجد طريقها نحو الهدف المنشود من استخدامها.
ولعل جهود الإصلاح التي بذلت في البوسنة تقدم مثلاً على كيفية الانحراف الفاسد
للمساعدات الدولية، مترافقاً مع فقدان العائدات بسبب نقصان الكفاءة القانونية
لمراقبة آلية التطبيق وعدم كفاءة النظام الضريبي وهلهلة الآلة البيروقراطية
الإدارية التي تسببت في إعاقة الاستثمار الدولي. فقد اكتشف إحدى وحدات مكافحة
الاحتيال التي أنشأها مكتب الممثل السامي للأمم المتحدة (OHR) عام 1999م أن ما
لا يقل عن عشرين مليون من بين الخمسة بلايين دولار التي تلقـّتها البوسنة من
المساعدات الخارجية قد سرقت في الفترة ما بين الحرب عام 1990م والتحقيق الذي تم
عام 1999م. كذلك اكتشف التحقيق ضد جرائم الاحتيال ضياع بليون دولار من الأموال
العامة البوسنية نتيجة للفساد. ويمكن العثور على تقرير أكثر تفصيلاً حول فساد
القطاع العام في البوسنة والإجراءات المتخذة لمكافحته ضمن تقرير لبعثة الخبراء
القانونيين الدوليين حول الفساد وإجراءات مكافحته داخل اتحاد البوسنة والهرسك.
ولسوء الحظ، فبينما كانت الأموال تتدفق على مجتمع ما بعد الحرب، كان هناك
اهتمام ضئيل موجّه لضمان قدرة إدارة تلك الأموال وقدرة الآلة الحكومية على
الاستيعاب والمحاسبة. وبدلاً من ذلك، تم إنشاء أجهزة بيروقراطية بشكل سريع من
أجل إدارة وتزويد مشاريع الإعمار التي تعد قيمتها بعدة ملايين من الدولارات
والتي تنطوي على مئات العقود. وبدورها لم تأل الجهات الفاسدة جهداً في إبداء
براعتها وبتحويل تلك الأموال عن اتجاهها الصحيح. فقد تم تسريب رؤوس الأموال
خارجاً وتم فتح حسابات خاصة آمنة في بنوك خارجية, مما حدّ من قدرة الدول
الخارجة من النزاع والدول النامية على حد سواء من تطوير اقتصاد سليم قوي وحكومة
فاعلة. فعلى سبيل المثال، بيّن السيد أوغسطين روزيندانا, وهو عضو برلمان ورئيس
لجنة المحاسبة العامة في يوغندا، أن في مناطق عديدة من أفريقيا تم الشروع
بإقامة مشاريع مثل الطرق والمصانع ومن ثم هُجرت هذه المشاريع بسبب الفساد. ومثل
هذه الخطط الفاسدة لم تكن جديدة على الوضع بل كانت موجودة ضمن البنية الحكومية
وأطرها البيروقراطية مما جعل كشفها أكثر صعوبة.
وتسرُّب رؤوس الأموال إلى الخارج يحرم البلاد من مكاسب الإنفاق الدولي
والاستثمار الخاص في الاقتصاد, وهما أمران يدخلان ضمن أهداف أموال الدعم
لمساعدة البلاد. كذلك تشكـّل الآلة الفاسدة في الحكومة بالاشتراك مع المسؤولين
متاهة أو شبكة داخلية. وتعمل الوزارات الحكومية عبر البلاد بتناغم مع بعضها
البعض وسرعان ما يتطور الأمر إلى آلية فعالة لتسريب الأموال. وغالباً لا يكون
المستفيدون من هذا الأمر هم بيروقراطيي الحكومة فقط بل تتواطاَ معهم كذلك
الشركات الخاصة والمستشارون الذين يوقعون العقود لإعادة الإعمار والتطوير. كذلك
توجد حالات يشارك فيها موظفو المنظمات الدولية التي تقدّم المساعدة، بل يبادرون
بالفساد من خلال تلقيهم الرشاوى عبر المسؤولين عن المشاريع والوسطاء أو مباشرة
من المقاولين الكبار، وذلك لكي يوافقوا على النفقات. وتمت أخيراً إدانة أحد
أعضاء موظفي البنك الدولي لقيامه بانتهاك قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة من
خلال دوره في تلقي الرشاوى وتمريرها إلى مسؤولين حكوميين وغيرهم.
وتشكل عقود الإعمار الضخمة فرصة مربحة للفساد. ففي بعض البلدان، يتم التلاعب
بالأموال الممنوحة من المؤسسات الدولية أو المقدمة من المانحين من قبل وزير
فاسد في الحكومة يهيئ الفرص لضمان إحالة العقود على مقاولين معينين غالباً ما
يكونون من عائلته أو ممن يعملون في شركات تمتلك عائلته أسهماً فيها. وتأخذ
الخطة مجراها عندما تتم دعوة الشركات المتقدمة للمناقصة لحضور جلسات التخطيط
الحكومية التي تعد هذه المناقصات حيث يعلن الموظفون الحكوميون بصفاقة عن
العمولات التي يتوقعون الحصول عليها مقابل منح عطاء أو عقد معين. وبعد أن تتم
إحالة العطاء، تبدأ الوزارة الحكومية بإعداد آلية تسريب الأموال من العقد
المحال. على سبيل المثال، يتم إنشاء جهاز للتعامل مع الفواتير بحيث تمرر هذه
الفواتير عبر متاهة من الموافقات والتوقيعات البيروقراطية داخل الوزارة
المسؤولة عن الدفع. ومع كل خطوة من خطوات التمرير، يتم انتزاع رشوة من صاحب
العقد من قبل مسؤول حكومي لكي يوافق على تمريرها للمرحلة التالية من العملية.
وهذه الخطة تؤدي إلى مضاعفة تكاليف المشروع لأن المناقصين يضطرون إلى وضع هذه
التكاليف ضمن حساباتهم من خلال تضخيم قيمة المناقصة أو استبدال البضائع بسلع
أدنى نوعية من تلك التي نصّ عليها العقد، وتكون النتيجة النهائية وبالاً على
البلاد لأن العطاءات تسعّر بأعلى من قيمتها آخذة قيمة الرشاوى بعين الاعتبار.
ويتم ضخّ أموال هذه الرشاوى إلى حسابات في الخارج، وتنتهي المشاريع بمعايير ذات
نوعية أدنى وضعت لكي تحسب حساب دفعات الرشاوى. وتزداد حلقة الفساد سوءاً عندما
يضخّ المانحون المزيد من الأموال في البلاد للاستمرار في تقديم الدعم لبنية
تحتية منحلـّة ولإبقاء النظام عائماً على السطح.
وكما ذكرنا في السابق، تعمل آلة الفساد داخل الدولة على عرقلة تطوير إدارة
قادرة وتعيق إعادة الإصلاح الاجتماعي. فالفساد يكبح التمثيل الجيد والمحاسبة،
ويضعف المؤسسات ويحمي المكتسبات غير الشرعية، ضمن عملية إضعاف المنافسين
والمصلحين المحتملين.
وفي الدول الخارجة من النزاع، على وجه الخصوص، تتم عرقلة إعادة بناء إدارة
الحكم بسبب الفساد الحكومي بطرق مكلفة جداً، تشمل تقليص الدعم للدولة من قبل
المواطنين. ومن السخرية أيضاً أن الفساد يقصّر من الفترة الزمنية المحددة لفرض
الاعتماد الذاتي من قبل المساهمين بسبب إجهاد المانحين. وقد لوحظ وجود علاقة
متبادلة بين نتائج التنمية الأفضل وبين الإدارة الجيدة. ولذلك فإن أي عرقلة
للتنمية يتسبب بها فساد حكومي، تؤدي إلى استحالة إنشاء إدارة فعالة. ولكن بدون
وجود إدارة فعالة، تزداد هيمنة إغراءات فساد آلة الدولة. ونورد هنا مثلاً واسع
الانتشار حول تأثيرات الفساد الحكومي على أداء الحكم، في ردّ فعل حكومة
كازاخستان على ظهور مزاعم بالفساد تتعلق بتسريب ما قيمته بليون دولار من أموال
الدولة إلى حساب في بنك سويسري من قبل رئيس الدولة، حيث تم اعتقال زعماء
المعارضة وإغلاق الصحف ومحطات التلفزيون والاعتداء على الصحفيين الذين وجهوا
النقد للحكومة. ولا يشكل قمع المعارضة السياسية أو إسكات الأصوات الإعلامية بأي
شكل من الأشكال انعكاساً لإدارة حكم جيدة. وكما بيّنا سابقاً، فإن الاعتماد
الفاسد على المساعدة الخارجية، يؤدي إلى عرقلة تطوير الحلول المحلية طويلة
الأمد لمشاكل الدولة الخارجية من النزاع، أكثر مما يؤدي الاعتماد الصادق. فهو
يدخل ليعبث في قلب عملية النهوض ويخلق عراقيل صعبة التذليل أمام الجهود
المبذولة لإقامة التعايش بين مرتكبي العنف ضد بعضهم البعض.
الارتباطات الثقافية بالفساد
هناك اختلافات ثقافية معروفة جداً عبر الكرة الأرضية تتعلق بمعايير التصرف
المقبول وغير المقبول. ولكن الفساد المنتشر في آلة الدولة لا يمكن تفسيره من
خلال الاختلافات الثقافية. كيف يمكن للمجتمع الدولي المهتم بإعادة بناء
المجتمعات أن يتناول سياق القيم المتداولة والممارسات المقبولة؟ مثل هذه
الأسئلة تثار من البلقان إلى أفريقيا إلى أفغانستان. ويدور نقاش مطوّل حول
أهمية العلاقة النسبية الثقافية في ظاهرة الفساد. ففي بعض الثقافات، توجد صعوبة
غير عادية في التمييز بين الهدية وبين الرشوة. وهناك اختلافات حقيقية في
الإدراك وفي الموقف حول النقطة التي تتداخل فيها الهدية مع ظلال الرشوة والفساد.
وفي بعض الثقافات، يؤدي الاستياء من العلاقة غير الممتدة وغير الشخصية، في
الحقيقة, إلى تعزيز الفساد. على سبيل المثال: في بعض البلدان الأفريقية
والآسيوية، يُنظر إلى مسألة تقديم الهدية على أنها التزام يشكل ناحية محورية في
التفاعلات الاجتماعية الشائعة. فتقديم الهدايا مثله مثل الولاء للعائلة
والأصدقاء، مغروز داخل أطر المجتمع. والتصرفات المقبولة في مجتمع ما قد تكون
جرائم جنائية في آخر. وهناك دراسات تشير إلى أن بعض القوميات تضع حدوداً أعلى
من غيرها قبل وضع أي عمل في خانة الفساد. ويذكر أحد المراقبين أن الحد المقبول
للهدايا المالية المقدمة إلى مسؤولي الحكومة في تايلاند أعلى من غيره في دول
أخرى. وفي معنى واضح، تم تعريف الفساد اجتماعياً بأنه خاضع لما يعتقد الناس أنه
فساد. ولكن الرأي العام ليس متناغماً, وغالباً ما يكون منقسماً، وغير مستقر
وغامضاً وجاهلاً. كما أن الوعي الشعبي في الغالب منخفض والوصول محدود إلى
الإعلام فيما تنتشر الرقابة الحكومية. كذلك لا تتلاءم القيم في المجتمعات
الريفية مع تلك التي تحملها النخب في المدن, وقد تحدث صدامات بين أفكار الفئات
الدينية والعرقية المختلفة.
وفي نهاية الأمر، يتم التلاعب على المستوى الاستراتيجي من قبل من هم في السلطة
من خلال إعطاء الوظائف، والعقود والقروض والمنح لمجموعات معينة من النخبة
لتحقيق مكاسب مالية شخصية. وحتى حينما يبدو الانقسام العرقي وكأنه يعزز
المحسوبية، تحاك الانقسامات داخل المجتمع من قبل آلة الفساد في الدولة. وقد تضع
الاختلافات الثقافية حدوداً مختلفة بين الهدايا المقبولة والرشاوى غير
القانونية وقد تهيئ الفرص لوضع خطط أوسع لتسريب كميات كبيرة من الأموال. ولكن
هناك أدلة ملموسة تبين وجود توافق كبير بين الثقافات فيما يتعلق بما يمكن
اعتباره تصرفاً فاسداً. إذ إن الاختلافات الثقافية يمكن أن تصعِّب أمر وضع حدود
عالمية دقيقة بين التصرف المقبول وغير المقبول ولكن تظل هناك معارضة دولية
للرشاوى على المستوى الواسع، ولضياع الأموال العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
ويزدهر الفساد إلى درجة ما في معظم المجتمعات تقريباً وفي كل زاوية من الكرة
الأرضية، رغم وجود خلافات ثقافية واسعة. وتسجل الولايات المتحدة وحدها فقدان
600 بليون دولار سنوياً نتيجة عمليات احتيال، على الرغم من آلة التنفيذ
القانونية الفعالة. وهكذا نرى أن الحجة التي تنادي بلوم الثقافة النسبي على ما
يحصل من فساد هي حجة لا تقنع كثيراً. إضافة إلى ذلك، فهي توحي بموقف مسالم تجاه
إزالة الفساد على المستوى الواسع. وباختصار فإن هذه الحجة لا تقنع أحداً ولا
تساعد أحداً, فالفروقات الثقافية ليست المشكلة الرئيسية. وقد تخلق الثقافة
قيوداً أمام تطوير معايير عالمية للتصرف المقبول، قابلة للتطبيق، ولكنها في
النهاية يمكن أن تنسجم مع نظام دولي يتحرك باتجاه إزالة فساد آلة الدولة.
وبرأينا فإن التركيز يجب أن يوجه إلى هؤلاء المسؤولين الذين يستخدمون سلطتهم
لكي يحولوا اتجاه الموارد عن المجتمع برمّته من أجل تعزيز ثروتهم الشخصية.
(*)غلين . تي - وير وغريغوري بي . نوون/ تخيل التعايش معاً.
|