|
الاثنين:
12/11/2007
الفساد الإداري قضية عربية صارخة
حسين النجم(*)
تعد قضية الفساد الإداري والمالي قضية بالغة الأهمية، والقضية التي باتت
تشغل اهتمام الباحثين والمفكرين ومتخذي القرار في كافة أنحاء العالم،
وصارت ظاهرة عالمية حيث استشري الفساد الإداري والمالي وصار سمة العصر
ولم يقتصر علي بلد دون آخر أو إقليم دون آخر أو حضارة دون أخرى، يطرح
التساؤل التالي نفسه هنا، لماذا هذا الانتشار للفساد الإداري والمالي، إذ
هنالك العديد من التساؤلات تطرح هنا فيما يتعلق بأسباب تفشي الفساد
الإداري والمالي البعض يربط الفساد الإداري والمالي بالقطاع العام، فهل
هو فعلا يقتصر علي القطاع العام أم أنه يشمل القطاع الخاص أيضا، ولعل
فضائح الفساد المالي والإداري التي تعلن كل يوم في الولايات المتحدة
الأمريكية تدل دلالة واضحة علي أن الفساد لا يقتصر علي القطاع العام
وإنما يشمل القطاع الخاص، ولعله يكون صناعة القطاع الخاص، حتي الذين
فسدوا أو أفسدوا القطاع العام ينتمون إلي القطاع الخاص فهم الذين زينوا
لهم وجروا أرجلهم إلي الفساد.
إن حجم الفساد في العالم العربي يشكل ظاهرة خطرة فقد بلغت قيمة المال
الناتج عن الفساد الإداري و المالي الحكومي حوالي 300 مليار سنوياً، وهذه
الأرقام مأخوذة من البنك الدولي، خصوصاً وأن هذا الرقم هو أكبر بكثير من
حجم دخل النفط في دول العالم العربي أي 300 مليار إجمالي المال المحصول
عليه من ممارسة الفساد الإداري والمالي في الدول العربية، وتقرير البنك
الدولي يفيد أن هذا المبلغ يذهب إلي جيوب الإداريين والسياسيين والأشخاص
القريبين منهم أو المرتبطين بهم، وهذا المال المأخوذ من خزائن الدول
العربية ميزانيات الشعوب العربية، يتسبب في عرقلة خطط التنمية في الدول
العربية بمعني التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية، والرفاهية لدي
المواطن العربي، وكل ما يترتب عن ذلك من ظواهر أخري سلبية كانتشار المرض،
والفقر، البطالة، ولذلك نجد إن هذا الرقم مخيف، فثمار الفساد الإداري
والمالي في العالم العربي تبلغ 300 مليار، وتشير التقارير الصحفية ان مصر
وحدها تمتلك ستة ملايين قضية فساد إداري ومالي في السنوات الأخيرة، وأنه
في قضية واحدة فقط بلغ حجم الفساد المالي أربعة مليارات جنيه مصري، وقد
بلغ حجم الفساد المالي في مصر خلال السنوات الأخيرة حوالي 250 مليار
دولار، تم تهريبها خارج مصر، هذا فيما يخص جمهورية مصر التي صنفت في سلم
الشفافية في الترتيب السبعين مع السعودية و سوريا، و كانت أقل دولة في
الفساد في العالم العربي هي سلطنة عمان التي احتلت المرتبة 28، وإذا
اعتمدنا علي تقرير منظمة الشفافية الدولية المنشور عبر شبكة المعلومات،
تليها في الترتيب الإمارات 30 ثم قطر 32 والبحرين 36 والأردن 37 وتونس 43
والكويت 45 ومصر وسوريا والسعودية في المرتبة 70 أما المغرب المرتبة 82
ولبنان 83 والجزائر 97 واليمن 103 فلسطين 107، وليبيا 117، و العراق 137،
السودان 144، وهذا طبقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية حول الفساد
الاداري والمالي لعام 2005 - 2006.
والفساد هو سمة من سمات هذا العصر، والفساد الإداري والمالي وجهان لعملة
واحدة فلا يوجد فساد لأجل الفساد في حد ذاته بل انحراف في الوظيفة أو
استغلال السلطة والنفوذ أو الوساطة والمحسوبية، وهي جميعها تمارس لأجل
الحصول علي منفعة للنفس أو للغير أو للإضرار بالغير وفي مقابل ذلك الحصول
علي المنفعة، و بالتالي فإن الفساد الإداري والمالي هما وجهان لعملة
واحدة، بل إن الفساد الإداري هو المدخل للفساد المالي، ومن مظاهره الرشوة
استغلال النفوذ والوساطة والمحسوبية والتدخل في طلبيات الاستيراد
والمقاولات والاستيلاء علي المال العام والاختلاسات وتخصيص الأرض لعدد من
الأشخاص والتهرب الضريبي ومنح القروض والتسهيلات دون ضمانات حقيقية
بالوساطة والمحسوبية والمحاباة.
ولا شك في أن مناقشة ظاهرة الفساد باتت مسألة ملحة وضرورية لبلدنا إذا
أردنا أن يكون في أبهي صورة، لأنه يستحق ذلك، ولأن لدينا كل المقومات
لنكون من الدول المتقدمة المزدهرة، لأنه وإن رفضنا قبول ما تصدره منظمة
الشفافية من تقارير. ولعله بات ضروريا اليوم أن نبحث في الأسباب التي أدت
إلي انتشار ثقافة الفساد، ولذلك نجد علي الحكومة العراقية بوزاراتها
العمل علي تسخير قدراتها لدراسة التغيرات التي طرأت علي المجتمع والبحث
في الأسباب والعوامل، وحث علماء النفس للقيام بأدوارهم، وعلماء الإجرام
والعقاب عليهم البحث في أسباب ارتفاع معدلات جرائم الفساد لأن أية سياسة
جنائية لن تكون فاعلة ما لم تعتمد علي نتائج دراسات هذه العلوم، ولنتجاوز
الموروث الثقافي الذي قد يكون له دور في انتشار الفساد، فقد أشار ابن
خلدون إلي الجاه المفيد للمال وإلي أنه بمنزلة ريع للمنصب، ولا شك في أن
ما أصاب المجتمعات العربية في مراحل متعاقبة من التاريخ الإنساني كان
بسبب ما أصاب نظامها الإداري والسياسي من انهيار، أثر في النظام
الاجتماعي بسبب تفشي الرشوة والمحاباة، وإرسائهم أسساً لتقنين الفساد
كقولهم، تهادوا تحابوا، نعم الشيء الهدية أمام الحاجة، من قدم هديته نال
أمنيته.
(*) اكاديمي عراقي.
المصدر: جريدة الزمان
|