الحضارية «دراسات الادارة المعاصرة»

الاربعاء: 25/06/2008


أثر الفساد في الكفاية وقيم المجتمع

عماد صلاح عبد الرزاق الشيخ داود(*)

هنالك مفهوم عرفته الأجيال منذ الأزل له من الأهمية ما يمكن قياس تقدم الأمم على أثره، هو ما يسبغ على الفرد دقيق الصنعة، الحريص على إتمام عمله على الوجه الأتم، ذلك ما يصطلح عليه بـ «الكفاية Efficiency».
الذي يعرف بدقة على أنه:
«العمل الجيد والسريع الخالي من الفواقد»(1).
ومن دلالة هذا التعريف نلحظ أن حركة آليات الفساد تكون الأمر المعاكس لهذا المفهوم. لذا فمن منطلقنا هذا سنبين الأثر السلبي للأمر المعاكس للكفاية بكل أبعادها سواء أكانت (كفاية فرد، أم كفاية برامج تنموية.. أم أشكال أخرى للكفاية).
كذلك وفي الوقت عينه وبمدى التأثير السلبي للفساد نفسه على الكفاية سوف نلحظ (من خلال دراستنا هذه) ذلك الطيف. (المؤثر بشكل سلبي للفساد) على قيم المجتمع أيضاً وكيف يؤدي ذلك التأثير إلى بروز قيم تتولد مع تكوينه في المجتمعات، تتشكل معها فئات تدافع عنها كونها هي التي أسهمت من خلال أفعالها الفاسدة في بروزها كي يخدمها تبدل القيم الأصيلة والسديدة إلى قيم تبرر حالات الفساد وتحاول إيجاد الذرائع لاستثمارها على أنها قيم صحيحة.
كما تجدر الإشارة إلى أن منظومة القيم في شعب ما، أو مجتمع ما، تلف عن منظومة أخرى في مجتمع آخر أو شعب آخر، ويفسر ذلك أن بعض المجتمعات قد اعتادت على استخدام بعض الآليات الفاسدة في عملها اليومي دون أن تجد في ذلك تمييزاً بينها و بين الفعل الجيد، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة (البخشيش) أو (الإكرامية) التي يدفعها الشخص في أحيان كثيرة مكرهاً لا راغباً اتساقاً مع منظومة قيم مجتمعه التي إذا ما انتقلنا إلى مجتمعات أخرى نراها تفسرها على أنها ظاهرة إفساد ليس إلا.
وللدخول إلى صلب الموضوع وتحليله بشكله العلمي سنتناول مفهوماً سبق التطرق إليه في فصل سابق (كنقطة استناد نبدأ منها للتوغل في حيثيات هذا الفصل) هذا المفهوم هي(المحسوبية أو المحاباة) (التي أضحى مفهومها واضحاً في أثناء تناولنا فيما سلف). حيث أن استغلال العلاقات القرابية وصلات المعرفة وفق منطق المحاباة تفعّل من نمو آليات الفساد حينما يتفاقم ذلك الاستغلال في المجتمعات.
لذلك نجد على سبيل المثال أن الآلية الفاسدة للمحاباة (Favoritism) تضرب مفاصل مهمة كثيرة في الجهاز الحكومي، ومنها (المفاصل الإدارية) حيث نجد أن المناصب الإدارية العليا طبقاً للآلية الفاسدة تشغل بعناصر كفايتهم إليها (كارت الوساطة) أو (علاقة القرابة). حيث لا مجال للنظر في التأهل وإمكانية الآخرين على إشغال تلك المواقع بموجب كفايتهم أو مؤهلاتهم الشخصية(2).
مما يؤثر بشكل سلبي على كفاية الأداء، وضعف الجهاز الحكومي بتراكم العناصر غير المؤهلة فيه وإدارتها له(هذا على الصعيد الإداري فحسب). فكيف إذا ما انتشر الأمر لمفاصل أخرى؟ إن تلك الظاهرة تبدو واضحة في الأنموذج الزائيري (الكونغو كينشاسا) في عهد موبوتو حيث وصل الأمر حتى إلى إشغال المقاعد الدراسية الجامعية على الصعد الأولية والعليا عن طريق تلك الآليات وكذلك إتمام الترقيات العلمية، والترقيات الوظيفية أيضاً بحيث أصبحت معايير الاستحقاق وفق المؤهل والتخصص لا تشكل أي أهمية أمام آلية المحاباة. مما جعل معيار الفساد والرشوة يضرب كفاية الإدارة والجهاز الإداري فالبيئة السياسية والإدارية في زائير كانت تتسم بغلبة الشك وعدم الثقة المتبادلة لسهولة تزوير الوثائق المهمة والمستندات الحكومية وسجلات الجامعات وهذا طبعاً لا يتم إلا بعلاقة محسوبية أو بدفع رشوة بسيطة للموظف المسؤول وبهذا يكون معيار الكفاية هو آخر شيء يتم التفكير فيه عند القيام بهذه الأعمال الفاسدة.
إن ذلك جعل الأمر في (زائير موبوتو)، دون ضابط حيث ليس هنالك أدنى اهتمام بكفاية الأداء الوظيفي، أو في إسناد الأعمال لمستحقيها وخصوصاً المشاريع التي كان ضعف الكفاية سبباً في تعثرها. كل هذا الأمر أشاع في زائير (الكونغو) ما يعرف (بثقافة الفساد)، التي أصبحت عملاً اعتاد عليه العشب هناك(3).
إن شيوع (ثقافة الفساد) المشار إليها لوحظت أيضاً عند دراسة الحالة الأفريقية لعموم القارة وليس لبلد معين هو (زائير)، واتضح من الدراسة أن واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه القارة السوداء هي الفساد التي تتمثل بشكل رئيس في سوء استخدام السلطة لتحقيق المصالح الشخصية. الأمر الذي يؤثر في الكفاية.
ويتبين بشكل صريح هذا التأثير من خلال تحليل الواقع لبرنامج المساعدات المقدمة لأفريقيا، فكما هو معروف فإن القارة تعاني من العديد من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي منها (مرض الإيدز، فيروس إيبولا، حتى الوادي المتصدع.. الخ) مما أدى إلى قيام مؤتمرات دولية للحد من آثارها وكانت مسألة توفير الأمصال أو العلاجات اللازمة لهذه الأمراض بكلف رخيصة هو الشغل الشاغل لهذه المحافل الدولية، كيما يستطيع الفرد الأفريقي، الذي هو في الأعم الأغلب غير قادر على توفيرها بمدخوله البسيط لأنه يعيش وأسرته تحت خط الفقر(4)، اقتناءها.
(وفي هذا الخضم يبدو جلياً أن الفساد يحيّد برامج المساعدات والبرامج الوطنية للقضاء على تلك الأوبئة التي تفتك بالجنس البشري). حيث يقوم أفراد الهيئات الطبية متعاونين مع أفراد النخب السياسية والإدارات الحكومية في تلك المناطق المنكوبة على كفالة تسريب الأدوية الحكومية وأدوية المساعدات المدعومة وبيعها لحسابهم الشخصي والإثراء بواسطة هذه الآلية الفاسدة على حساب أولئك الهزيلين الذين يصارعون الموت. إن هذا العمل يدع المرضى يحصلون على جرعات مبخوسة من الأدوية (غير كافية لإبادة المرض في أبدانهم) وبالتالي فإن هذه التبرعات سوف تعطي لبعض الجراثيم القدرة على مقاومة تلك الأدوية مما ينتج عنه في النهاية خلق أعداد كبيرة من الحالات المزمنة التي لا يرجى لها الشفاء ولهذا يُفقد الفعل الفاسد تلك البرامج الإنسانية فاعليتها أو يؤثر على الكفاية المرجوة من ورائها(5).
بعد ذلك ننتقل لبيان أثر الفساد على كفاية الأفراد وكفاية العملية السياسية، حيث تبين من خلال ملاحظات المتتبعين لظاهرة الفساد السياسي أنها تؤدي إلى تبعية القوة السياسية للقوة الاقتصادية لتصبح أداة بيد أصحاب الأموال والطبقات الغنية القادرة على الدفع لتحقيق منافعها الشخصية(6).
وبدراسة للأنموذج الإيطالي اتضح أن الفئات من أصحاب المصالح والطبقات الغنية تسعى لإيجاد منفذ لتمويل الأحزاب السياسية في إيطاليا. التي تسعى بدورها من خلال الأموال المقدمة ومن خلال الوعود بامتيازات إذا ما فاز الحزب بالانتخابات إلى تجنيد عشرات الألوف من الأفراد للقيام بتأييد الحزب والتصويت له، وتنطوي عملية الاستقطاب والتجنيد على تقديم الحزب المجاملات لأولئك الأفراد المجندين (من خلال وعوده التي أشرنا إليها) على شكل/مناصب حكومية، معاشات، منح دراسية، إسكان عام، نقل إلى درجات وظيفية أعلى، الأمر الذي يساعد في التأييد الكامل لذلك الحرب(7) مما ينظر إليه في المحصلة النهائية إذا ما فاز ذلك الحزب تحقيقاً لأهداف أصحاب القوة الاقتصادية (الذين أشرنا إليهم) والمسيطرة على القوة السياسية بأن آلية انتخاب الحزب ليست كفوءة لاستخدامه آليات الفساد في تقديم مناصب ومنح دراسية إلى مؤيدين في الانتخاب قد لا يتوافر لديهم عنصر الكفاية وبالتالي يظهر التأثير السيء على كفاية الإدارات وكفاية المناصب الحكومية وكفاية الأعمال بدرجة تجعل من العملية الديمقراطية غير كفوءة أصلاً لكونها تسهم في وصول وتولي أشخاص من غير ذوي الخبرة والاختصاص لمناصب حكومية أو التمتع بامتيازات لا يستحقونها، الغاية من ورائها خدمة فئة ضئيلة تفضل مصالحها الشخصية على المصلحة العامة وهي فئة أصحاب القوة الاقتصادية المذكورين آنفاً(8).
مما تقدم نجد كيف يعوق الفساد الديمقراطية ويفقدها كفايتها (إذا ما استخدمت الآليات المشار إليها في الأنموذج الإيطالي سالف الذكر) ويؤدي إلى تخريب إدارة الحكومة والدولة وشل القوانين ويضعف عمل السلطة القضائية وبالمحصلة سوف تقوض شرعية السلطة السياسية، وتفقد الثقة التي هي أساس التعامل بين الأفراد ونظامهم السياسي، وسوف تكون النتيجة هي التخريب لأخلاقيات العمل وقيم المجتمع.
إن انتشار الآليات الفاسدة تجعل العمل الكفء والمخلص عبئاً على صاحبه ويصبح العمل الفاسد ميزة اجتماعية يتمتع بها أولئك الفاسدون(9) الذين يكون تأثيرهم أكثر خطورة عندما يشغلون مناصب قيادية في بعض الأحيان حيث أنه في الأعم الأغلب قد يكون الفرد وصل إلى ذلك المنصب الإداري عن طريق معايير غير موضوعية، مما يجعل خبرته العملية والعلمية لا تؤهله لشغل تلك المناصب.
الأمر الذي يجعل هذه العناصر تمنع أولئك الأكفاء من الوصول إلى سلطة اتخاذ القرار، أو إبداء المشورة لصناع القرار، وذلك لتعارض أفكار المختصين ذوي الكفاية مع مصالح أولئك المتبوئين للمناصب الحكومية بشكل غير نظامي، بحيث يصبح السلم الهرمي للنظام الوظيفي مشغولاً بكوادر عاجزة غير ذات كفاية اختيرت بشكل عشوائي (تفوح منه رائحة الفساد) بعيداً عن مصلحة الدولة، الذي مؤداه شلل المؤسسات وعدم أدائها لدورها بشكل صحيح(10).
وبدراسة متخصصة لأحد الباحثين عن كفاية أجهزة التنمية الإدارية والإصلاح أشار إلى أن المعاهد والمراكز المتخصصة بهذا النوع من التنمية أسندت طبقاً للآليات المشار إليها آنفاً إلى عناصر غير كفئة. (خصوصاً في الدول الأفريقية) ومن غير المؤهلين لإدارة تلك المرافق ثم اتبعت هذه العملية بأنه تم القضاء على استقلالية الكثير من المعاهد والمراكز المتخصصة في ذلك الجانب بضمها إلى إدارات أو وزارات جعلت المهمة الرئيسة لهذه المرافق النظر في شكاوي المواطنين بخصوص الترقيات والعلاوات دون المهمة الأصلية وهي تحقيق التنمية الإدارية، مما أفقد هذه الموافق خصوصيتها العلمية، وكفايتها، فضلاً عن ما سبق الإشارة إليه من إسناد غير موفق لإدارة هذه المرافق مما حدا بالكثيرين من كوادر هذه المراكز من أصحاب الكفايات البحثية إلى ترك وظائفهم لعدم إمكانية الاستمرار بالعمل(11).
إن تبوّء غير الأكفاء للمناصب العليا في مراكز بحثية هم غير مؤهلين أصلاً لها، جعل العديد من دول عالم الجنوب تشكل عامل طرد تلك الكفايات التي نحيت أو تركت عملها، ونتيجة لذلك شكلت دول الشمال عامل جذب لهم من خلال السماح بنزوح تلك القدرات من دون الأفراد الآخرين إليها مما جعل العالم المتطور يستفيد من خبرات وطاقات كفئة يفترض الاستفادة منها على صعدها الوطنية.
لقد أدى تفاقم هذه الحالة إلى أنها شكلت هدراً لطاقات لا يمكن تعويضها فكان ذلك عامل ضعف جديد يضاف لعوامل ضعف القدرات في عالم الجنوب(12) إن الآليات الفاسدة جعلت الأوضاع في غير أعنتها وضيعت الفرص على بلدانها وأدت إلى نشوء أجيال من الكوادر غير المؤهلة والضعيفة علمياً لفقدانها التوجيه الصحيح أولاً والاحتكاك بالمؤهلين ثانياً.
مما انعكس سلباً على كفاية الأجهزة الإدارية والمؤسسات في الكثير من دول عالم الجنوب موضوع البحث.
إن الآليات الفاسدة أدت إلى سيادة قيم جديدة هجينة في المجتمعات التي انتشرت فيها، فأصاب الخلل منظومة القيم السائدة وأخلاقيات العمل وبدأت (الرشوة) ومقارباتها تأخذ شكلاً أصبح بالتدريج عبارة عن نظام جديد للحوافز في الإدارة بديلاً عن الرواتب ولذلك برزت مسميات جديدة تسوغ الحالة الفاسدة وخرج من يروّج لها ويدافع عنها، بحيث أصبحت النظرة للفساد على أنه أحد مقومات تنمية المجتمعات، وظهرت لدينا مفردة مثل (الفساد المنتج)(13) لتجميل الصورة المعتمة للفساد في الأرض، ولهذا تبلورت من خلال بروز هذه الأفكار نظريتان تفسران ظاهرة الفساد:
أولاهما: النظرية الأخلاقية (Moral Theory)
وهي التي مؤداها أن الفساد رذيلة ويلحق الضرر بالاقتصاد والسياسية والتنمية وكل المفاصل المتعلقة بالشكل الصحيح لمسيرة المجتمعات وتطوير الدولة.
وثانيهما: النظرية البنيوية (Structralist Theory)
التي تسوق لفكرة (الفساد المنتج) حيث يرى أنصارها أن الفساد (خصوصاً في دولة الجنوب) له أثر إيجابي لمساهمته في اندماج فئات المجتمع وشرائحه، وتحقيقه للاستقرار وتعجيله للنمو الاقتصادي والتطور(14).
ومن خلال النقطتين أعلاه نجد أن النظرية الأولى هي الرؤية التي تحد من الفساد بينما الثانية هي الرؤية التي تبرر الفساد وتجعله فضيلة بدلاً من كونه رذيلة الرذائل، بحيث أن واحداً من أبرز أنصارها وهو (صموئيل هنتينغتون Samouel Huntington)يرى في الفساد الناجم عن توسيع المشاركة السياسية أنه يساعد على دمج فئات جديدة في النظام السياسي(15)، وفي الفساد الناجم عن توسيع التنظيم الحكومي عاملاً في تحفيز التطور الاقتصادي، وأن للفساد وظيفة بان يكون وسيلة لتجاوز القوانين التقليدية والتنظيم البيروقراطي الذي يعوق التقدم الاقتصادي.
ويبرر أفكاره بأن في الولايات المتحدة الأميركية وخلال نهايات القرن التاسع عشر كان أعضاء الهيئات التشريعية في الولاية وأعضاء المجالس المحلية في المدينة يقبضون أموال الرشوة من شركات السكك الحديد والإنتاج الغذائي والصناعي، وذلك (حسب تعبيره) مما أسهم بلا شكل بالتسريع في عجلة النمو الاقتصادي الأميركي(16).
ويذهب هنتينغتون في توصيفه المناصر للفساد إلى أن أحد الكتاب المطلعين على الحالة الهندية يرى أن العديد من النشاطات الاقتصادية في الهند كانت ستصاب بالشلل لو لا المرونة التي يضيفها (البخشيش) على النظام الإداري المعقد والجامد.
ثم يضيف هنتينغتون لما مؤداه أن القليل من الفساد يسهم في إدخال بعض التحسينات على مجتمع تقليدي متطور، أو أنه قد يتعصرن في الأقل.
لكنه برغم كل نظرته المناصرة للفساد يعود (هنتينغتون) ليقول: إن المجتمع الذي تفشى فيه الفساد يكون غير قابل لأن يتحسن بتفاقمه(17). (مما يدل على أن الفساد أينما يحل يوجد معه الخراب حتى عند المناصرين له الذين يعقدون أن القليل منه يصلح الأمر).
إن أنصار النظرية البنيوية للفساد وتأسيساً على طروحات (هنتينغتون) يرون أن استقرار دول عالم الجنوب يعود في بعض جوانبه بالفضل إلى آلية الفساد، حيث أن فكرتهم تنطلق من أن الفساد يجنب النظام السياسي ويلات الانقلابات والأزمات، وذلك لكونه يوجد (مجموعة) أو (طبقة) من المستفيدين يعملون على حماية النظام مما ينجم عنه حدوث الاستقرار اللازم الذي هو في حقيقته لازم للمفسدين فحسب(18).
فضلاً عن هذا كله فالآراء القائلة بأن الفساد منتج، تصف الفساد كذلك بأنه بمثابة الشحمة أو قطرة الزيت التي لابد منها لتزييت المفاصل الجامدة في الإدارة وتحريكها على حد وصف مجلة (Far Eastern Economic Review).
التي تبرر بأن هنالك آثاراً إيجابية تنظيمية وإدارية ناجمة عن آلية الفساد التي هي مجرد عمولة مقابل جهد مشروع (على حد وصفها)(19)، لا بل إن التسويغ بإيجابية آثار الفساد يصل إلى حد اعتباره بديلاً لرأس المال من خلال استغلال الموظفين العموميين وأعضاء النخب السياسية عبر مناصبهم رأس المال العام المتاح لتأسيس أعمال خاصة بهم يرى أنها ستوفر فرصاً للعمل، (على حد رؤيتهم)، وتؤدي بالتالي إلى زيادة الاستثمار الذي من خلاله ستنشأ طبقة مستثمرة جديدة(20). كما أنهم يبررون أيضاً بأن الفساد يشجع السلوك الاقتصادي الريادي باختيار الموظفين العموميين المتقبلين لآليات الفساد لرجال أعمال لديهم القدرة على دفع أكبر المبالغ كرشوة للحصول على العقود أو لكي تحال عليهم عطاءات تنفيذ المشاريع(21).
وبذلك (على حد تفسيرهم) سوف يوفرون الكفايات ذات المقدرة المالية على إنجاز الأعمال.
وبعد بيان آراء النظرية البنيوية التي عرضنا لبعضها من خلال ما تقدم ترى الدراسة أن الفساد من ألد أعداء الإنتاج بل إنه لا يمكن أن يكون منتجاً إطلاقاً وإن النظرية الأخلاقية هي النظرية الوحيدة التي تحمل دلائل صحة نظرتها بين ظهرانيها، حيث أن الفساد يضرب منظومة الكفاية والقيم في الصميم ويؤثر بشكل سلبي عليهما، إنه ينتهك الثقة العامة، ويتسبب في تآكل الثروة الوطنية عن طريق آليات ومشاريع عديمة الجدوى مما يؤثر على مصداقية الدول والحكومات، كما إنه يبدد الوقت الذي يحقق الإنجاز في المدة المقررة لإتمام المشاريع (22)ـ (23). ويؤثر بشكل كبير على قيم المجتمع حيث تصبح الدخول الخفية (التي تبررها النظرية البنيوية سابقة الإشارة) الناجمة عنه هي الدخول الأساسية التي تفوق في قيمتها (الدخول الاسمية الرسمية) التي تنتج عن العمل الوظيفي مما يجر لفقد الثقة بعمله وقيمة ذلك العمل.
وبالتالي يصبح لدى الفرد تقبل نفسي للتفريط تدرجاً في معايير أداء الواجب الوظيفي، والمهني، والرقابي عند ذاك تسود القيم الجديدة (قيم الفساد) وتنعدم الكفاية، حيث يتم تعلية العمارات بدون ضوابط ودون مطابقة للمواصفات الإنشائية، وكذلك يتم غش الأغذية وتطفيف الكيل وتهريب السلع إلى السوق السوداء، وتنشأ آليات التهرب الضريبي، ويتم التعدي على الملكية العامة بالاغتصاب والاشغال(24) ـ (25).
كل هذا يوضح أن هنالك خللاً في الكفاية سوف يحدث وشيوعاً لثقافة جديدة هي ثقافة الفساد (المشار إليها سابقاً) تخرق القيم المتعارف عليها لتنشئ قيماً بديلة هي (قيم الفساد).
من كل ما تقدم ولثلاثة فصول بينا من خلالها الأثر والنتائج السلبية للفساد نخلص إلى أن:
للفساد آليات نافذة في عالم الشمال والجنوب إلا أن استقرار المؤسسات، والوفر المالي، وآليات الرقابة جعلت سبل الفساد في عالم الشمال أكثر إمكانية في الزيادة عنها في عالم الجنوب، التي استشري فيه الفساد خصوصاً ضمن برامج عملية التنمية، التي تسعى تلك الدول من خلال تضييق الفجوة بينها وبين عالم الشمال.
يذكر أن الفساد إذا ما تغلغل في آليات التنمية ترك جديد المشاريع قاصراً، وأخرى تشكل البنى الرئيسة بلا إدامة الأمر الذي شكل نهباً للأموال وخصوصاً المال العام، وجعل تلك البلاد ترزح تحت وطأة الديون من خلال تسريب تلك الأموال للانتفاع الشخصي للنخبة السياسية، الذي لا يمكن أن يحدث ذلك البتة، إلا بأن تشغل المناصب من قبل غير المؤهلين ويكون الفساد هو من أتى بهم لمناصبهم وهم الذي جعل ديمومة حياتهم علية، ومما سمح بشيوع ثقافة الفساد التي تبدد كل القيم الجميلة والسليمة السائدة لتحل محلها قيم الفساد واستغلال النفوذ والمحاباة مما يلاحظ على أنه تهديد للمجتمعات بأن تسود فيها الطبقية وقيم النفوذ والجهرية والشللية حيث تستأثر فئة بالمنافع وفئات تدفع ثمن فساد أولئك المنتفعين.
مما يجعل تلك المجتمعات تعاني من الفساد الذي يؤدي إلى رزوحها تحت مشكلات المديونية التي تسلـّط الآخرين على موارد مسببة خرقاً لسيادتها.
وكذلك تواجه مشكلاتها الداخلية فيحدث ان يكون الفساد العامل الأول في الإخلال بالنظام العام في تلك المجتمعات مما يؤدي إلى إحداث حالة من الإرباك في استقرارها. إذا ما توفرت المتلازمتان الناجمتان عن الفساد: (المديونية وخرق النظام العام).
حيث أن ذلك سيؤدي إلى إعاقة الاستثمار وضعف في مصداقية الدولة وبذلك تكون البلاد عامل طرد لتلك الأموال التي تحاول أن تطورها وذلك لكثرة مشكلاتها الداخلية ومديونيتها حيث أن رأس المال يبحث عن الاستقرار دائماً.
إن مشكلات تنجم عن الفساد لا يمكن أن تصحح إلا بأن يكون للمؤهلين أدوارهم وللمؤسسات الرقابية فاعليتها، ومساءلة القانون لكل أصحاب العلاقة سواء كبر تأثيرهم أم صغر هذا مضافاً إليه آلية شفافية المعاملات، وإطلاع الجمهور على عقود التنمية وجعل ضوء الشمس يملأ المكان.

الهوامش
ـــــــ
(*) مدرس مساعد في وزارة التعليم العالي، وعضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية.
(1) Longman Dictionary of American English, NY, USA, Longman Inc 1983, p. 217.
(2) السيد أحمد النجار، الفساد ومكافحته في الدول العربية، م س ذ: 171.
(3) لمزيد من التفصيل انظر: د. حمدي عبد الرحمن، الدولة القرصان دراسة لظاهرة الفساد السياسي في زائير، في: د. إكرام بدر الدين (محرر) الفساد السياسي النظرية والتطبيق، القاهرة، دار الثقافة العربية، 1992م: 109-110.
(4) انظر: أوغسطين روزيندانا، في كيمبرلي ان اليوت (محررة)، الفساد والاقتصاد العالمي، م س ذ: 187.
(5) المصدر نفسه: 187.
(6) انظر: نبوية علي الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1982م: 192.
(7) راجع: فيتوتانزي، تعليقات: في كيمبرلي ان اليوت (محرر)، الفساد والاقتصاد العالمي، م س ذ: 226.
(8) د. رسلان خضور، الآثار الاقتصادية لظاهرة الفساد، محاضرة في جمعية العلوم الاقتصادية السورية، دمشق، 23/2/1999م.
(9) المصدر نفسه.
(10) د. دريد درغام، الآثار الاقتصادية لظاهرة الفساد الإداري، تعقيب: على محاضرة د. رسلان خضور، الآثار الاقتصادية لظاهرة الفساد، في جمعية العلوم الاقتصادية السورية، دمشق: 23-2-1999م.
(11) أنظر: جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية دراسة في المنطقة العربية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1985: 233.
(12) انظر: د. أسامة عبد الرحمن، تنمية التخلف وإدارة التنمية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997م:122.
(13) أ .د. محمود عبد الفضيل، الفساد وتداعياته في الوطن العربي، المستقبل العربي، العدد 243، مايس 1999م: 7.
(14) حسني عايش، الفساد وعوامله وعلاته وسبل التصدي له، مجلة دراسات عربية، العدد (11)(12) (أيلول/ت1)/1997: 102.
يطلق على «الفساد المنتج» مصطلح FUET عند أصار هذه النظرية.
(15) يشير د. جلال عبد الله معوض إلى أن أنصار هذا الشكل يرون أن له الإيجابية في حل مشكلة الأقليات والتأثير السياسي حيث بواسطته تقام العلاقات مع النخبة الفاسدة يمكن تحقيق مصالح معينة.
(16) صموئيل هانتغتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة سمية فلو، بيروت، دار السافي، 1993م: 89-91.
(17) المصدر نفسه: 89-91.
(18) د. عطية حسين أفندي، الممارسات غير الأخلاقية في الإدارة العامة، في: مصطفى كامل السيد (محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 60.
(19) حسني عايش، الفساد وعوامله وعلاته وسبل التصدي له، م س ذ: 102.
(20) مي فريد، الفساد رؤية نظرية، مجلة السياسة الدولية، العدد 143، يناير 2001م: 227.
(21) حسني عاش، م س ذ: 102.
(22) لوحظ في عملية مسحية في أوكرانيا جرت عام 1996م أن ثلث مدة إنجاز المشاريع تستفذ في المفاوضات مع والموظفين العموميين لإقناعهم بإتمام الصفقات، وفي مثال تبين أن عملاً ينجز في (22 أسبوع) في ظروف خالية من الفساد يتطلب إنجازه (75 أسبوع) في ظروف فاسدة، وذلك هو الوقت الذي بدده الفساد لإتمام صفقاته.
(23) انظر: مي فريد، الفساد رؤية نظرية، م س ذ: 227.
(24) إن النائب اللبناني نجاح واكيم يشير في إحدى دراساته إلى قضية التعدي على الملكية العامة من خلال مناقشته لموضوع قطعة أرض مساحتها (5334م2) تعود ملكيتها بالأصل إلى عائلتين معروفتين في لبنان تملك الأولى (75%) منها والعائلة الثانية(25%) منه، وقد استملكت الدولة اللبنانية الأرض في عام (1954م) بموجب مرسوم صادر عن بلدية العاصمة بيروت من الملاك المذكورين. وفي عام (1996م) تم وضع إشارة تخطيط على القطعة لتحويلها إلى ساحة عامة (ووضع الإشارة تعني في القانون اللبناني منع إجراء التعديل أو إضافة على القطعة)، إلا أنه سرعان ما حرر للأرض عقد إيجار إلى مستثمر (من أحدى الأسرتين أعلاه) من قبل بلدية بيروت وحسب موافقه المجلس البلدي ومحافظ العاصمة دون إحالته (كطلب استثمار على لجنة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل اللبنانية) وتبين أن المستثمر خرج عن نطاق إشارة التخطيط وبنى مطعماً من الإسمنت مما يشكل سابقة لاستغلال أرض عليها إشارة تخطيط وتابعة للدولة ودون تحقق الضوابط ما يفسر آلية التعدي على أملاك الدولة.
(25) أنظر: أ. د. محمود عبد الفضيل، الفساد وتداعياته في الوطن العربي، م س ذ: 7.
كذلك: نجاح واكيم، الأيادي السود، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة 24، 1999م: 196.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.