|
الثلاثاء:
13/05/2008
الفساد الإداري
عماد صلاح عبد
الرزاق الشيخ داود(*)
يعد الفساد الإداري واحداً من أهم
أنماط ظاهرة الفساد مدى التاريخ، لا لما عرفته الأجيال التي خلت منذ
الأزل عنه، إذ عرف (مثلاً) عند قدماء الصينيين والمصريين، فكانت جل نصائح
حكماء هذه البلدان تتعلق بالصفات والسلوكيات التي يجب أن يتحلى بها شاغل
الوظيفة العامة، تجنباً لما قد يظهر من بوادر تساعد على نمو هذا النمط من
الفساد.
ومنذ ذلك العمق التاريخي وحتى يومنا الحاضر استمرت الدراسات تقدم النصيحة
تلو النصيحة لاجتناب أسلوب الفساد هذا الذي يعد مرضاً خطيراً يهدد الكيان
الإداري والاقتصادي والسياسي للدول(1).
فهو الآفة السلوكية التي ترمي بظلالها على جميع المجتمعات دون استثناء
ولكن بدرجات متفاوتة على اختلاف نظمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،
فهو يظهر في كلا العالمين الشمال والجنوب وإن كانت تلك المجتمعات تتباين
في تحليل مفهوم ومكونات الفساد الإداري(2) كما تتفاوت وجهات نظر تلك
المجتمعات حول أسباب ظهوره.
لهذا يشير أحد الباحثين الغربيين في أحد مؤلفاته(3)(R.N.davidson) إلى أن
البعض يؤكد على أن الفساد الإداري في بلدان الجنوب يختلف بنوعه وأسبابه
عما هو عليه في بلدان الشمال، وذلك للتفاوت الاقتصادي واختلاف نظم القيم
والأخلاق فيما بين العالمين(4). من هنا لكي نتعرف على نمط الفساد الإداري
(ويأخذ الموضوع مداه) لابد أن نطرح التساؤل الآتي:
أين يكمن الفساد الإداري؟ وما تعريفه؟
وللإجابة نقول إن الفساد الإداري يمكن في أداء الوظيفة العامة وممارسها
(الموظف العام) الذي يعرف على أنه:
«كل من يعمل في خدمة إحدى المنظمات العامة بصفة مستمرة ودائمة ووفق ما
تمليه أحكام تأسيسها ولوائحها مستهدفاً تحقيق مصالح هذه المنظمة
وأهدافها، سعياً نحو الرضاء العام»(5).
عليه، فإن تصرف الموظف العام داخل هذه المنظمة طبقاً للتعريف أعلاه يعد
سلوكاً أخلاقياً(Ethical) طالما طابق التطبيقُ التعريف، أما إذا لم يطابق
السلوك التعريف فإن ذلك التصرف يعد سلوكاً لا أخلاقياً (Unethical)
للموظف العام(6).
وبصرف النظر عن السلوك الذي يعد غير أخلاقي عند ممارسة الوظيفة العامة
(دون قصد) لسبب أو لآخر في تصرف الموظف العام، فإن السلوكية غير
الأخلاقية ليس لها تفسير إلى مصطلح (الفساد الإداري) والذي يبرز من خلال
تصرفات الموظف العام ويعرف على أنه:
«سلوك الموظف العام المخالف للواجب الرسمي بسبب المصلحة الشخصية (مثل
العائلة، القرابة، الصداقة) أو الاستفادة المادية، أو استغلال المركز
ومخالفة التعليمات لغرض ممارسة النفوذ والتأثير الشخصي الذي يرفع هذا
السلوك إلى استعمال الرشوة لمنع عدالة أو موضوعية شخص معين في مركز محترم
وكذلك يشمل سوء استخدام المال العام مثل التوزيع غير القانوني للموارد من
أجل الاستفادة الخاصة)، وذلك طبقاً لتعريف جوزيف ناي (Joseph Nye)»(7).
أو هو المفهوم الذي يفسر الفساد الإداري على أنه: «تصرف الموظف العام
الذي يستخدم المنصب العمومي لتقنين مكاسب خاصة ويشمل ذلك الرشوة
والابتزاز وهما ينطويان بالضرورة على مشاركة طرفين في الأقل، كما يشمل
أيضاً أنواعاً أخرى من ارتكاب الأعمال المحظورة الذي يستطيع المسؤول
العمومي القيام بها بمفرده ومن بينها الاحتيال والاختلاس»(8).
ـ على أن ذلك السلوك يترافق مع ضعف (المساءلة) الحقيقية وضعف (شفافية)
أعمال الدول من حيث الإفصاح عنها ومنح صلاحيات كبرى للموظفين العموميين،
مضافاً إليها انخفاض الكثير من دخولهم بما لا يتناسب وضمان حياة وعيش
كريم لهم مما يؤدي إلى استخدامهم للصلاحيات (بسلوك غير أخلاقي) يجعلهم
يستغلون تلك الصلاحيات لتحقيق المنافع الشخصية التي تفسر على أنها فساد
إداري(9).
ومن خلال ما تقدم في مفهوم الفساد الإداري سنبدأ بتناول صوره المتمثلة
بما يأتي:
أولاً ـ الرشوة:
وهي صورة يتلمسها كل ذي حس في تعامل وسلوك الموظف مع عامة المجتمع عندما
يريد استغلال سلطته، وقد عرفت الرشوة عند صغار الموظفين وعند كبار
المديرين وهي تختلف بشكلها وطبيعتها فقد تكون (ذات قيمة مادية) أو تكون
(ذات طبيعة عينية) وقد تأخذ مفاهيم وتفسيرات عدّة، فمنهم يسميها (هدية)،
ومنهم من يسميها (مساعدة)، ومنهم من يسميها(إكرامية) والكل يعي أنها
(رشوة) مهما اختلفت التسميات.
والرشوة طبقاً للمفهوم القانوني هي (جريمة) تفترض وجود طرفين عند
اقترافهما هما:
أ ـ المرتشي: وهو الذي طلب أو قبل لنفسه أو لغيره أو أخذ وعداً أو عطية
لأداء عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه من أعمال وظيفته أو للامتناع عنه
أو للإخلال بواجبات الوظيفة وبعبارة أخرى هو الشخص الذي يستغل سلطة
وظيفته(10).
ب ـ الراشي: وهو صاحب الحاجة الذي يسعى إلى شراء ذمة المرتشي وإفساده، كي
يجعله يميل عن جادة الصواب وذلك بعرض أو تقديم وعداً أو عطية أو هدية
بغية الوصول إلى هدفه، وهو حمل المرتشي إلى أن يؤدي له عملاً من أعمال
وظيفته أو يمتنع عن أدائه أو يخل بواجبات وظيفته(11).
جدير بالذكر أنه في دراسة لأحد الباحثين لحالة جنوب آسيا عند تحليله
للفساد المنتشر فيها شخـّص أن الرشوة صارت من الحقائق الثابتة في الأجهزة
البيروقراطية هناك حيث تعاني معظم الإدارات العامة والشركات والوكالات
الحكومية ومكاتب إصدار تصاريح التصدير والاستيراد وإدارات الضرائب من
انتشار الرشوة على نطاق واسع فيما مما يمكن من القول: «متى أعطيت السلطة
لأي موظف، سيكون هناك مجال للرشوة والتي بدونها لا تسير عجلات
الإدارة»(12).
لهذا نرى في تحليل آخر لأحد نماذج تلك الظاهرة في ذات القارة أن الرشاوى
تدفع لإغواء الموظفين للتغاضي عن الظروف الخطرة أو للسماح للشركات بتوريد
خدمات منخفضة الجودة. مثال ذلك أن المقاولين الذين يقومون بصيانة شبكات
الري في باكستان والهند يهملون تنفيذها بكامل مواصفاتها، الأمر الذي جعل
المراقبين للتشغيل عن كتب في العديد من مناطق الري يؤمنون بأن انخفاض
الجودة ناجم عن برطلة (رشوة) المسؤولين الإداريين الحكوميين عن المشرع
لتغاضي عن الأشغال الرديئة النوعية(13).
مما يجعلنا نلاحظ كيف أن لآلية الفساد من خلال الرشوة تأثيراً كبيراً على
قطاع مهم يخدم آلاف المواطنين البسطاء في تلك البلدان الذين يشكل لهم
انتظام الري ديمومة العيش ضمن اقتصادهم الزراعي، ويشكل الانحراف عائقاً
مهماً لهذه الخدمة.
وبدراسة أنموذج آخر من نماذج استخدام آلية الرشوة نجد أنها قد تصل إلى أن
تكون هذه الآلية موضوعاً معقداً له آثاره الجانبية الخطرة على حياة
المجتمعات، ولعل تناول موضوع فساد جهاز الشرطة يشكل عنوانه بحد ذاته فكرة
سوداء لدى المتلقي لهذا العنوان لما ينتج عنه من آثار خطيرة، إن فساد
الشرطة يكون ناجماً عن عوامل متعددة ترتبط ليس فقط بأخلاقية العمل
(كشرطة) والتدريب والإشراف على الجهاز ولكن ترتبط أيضاً بنوعية النظام
الذي يجب أن تعمل الشرطة في إطاره(14).
ولعل من الواضح دوماً أن أنشطة الأعمال غير القانونية تحاول جهدها إفساد
عناصر هذا الجهاز ليس لضمان عدم ملاحقتها قضائياً فحسب وإنما للحصول على
نفوذ احتكاري) للأعمال غير القانونية تحت حماية الشرطة عن طريق استخدام
آلية الإفساد من خلال الرشوة.
هذا الشكل من الفساد الإداري يظهر واضحاً بأنموذج تناوله أحد الباحثين عن
علاقات مافيا المقامرات (الولايات المتحدة الأمريكية) مع الشرطة، حيث
يدفع أولئك المقامرون وتجار المخدرات لمسؤولي الشرطة الرشاوى مقابل إغارة
الشرطة على منافسيهم أو لتقييد آخرين من الدخول إلى النشاط أو التغاضي عن
جرائمهم تجاه المجتمع(15).
والذي يدعو هذا لإعطاء غطاء كامل لمرتكبي الجرائم من قبل الجهاز المنفذ
لحكم القانون والعدالة (جهاز الشرطة) حيث يلاحظ من خلال استخدام آلية
الرشوة يتحول الأبرياء من مدعين إلى متهمين وقد يصل تأثير الرشاوى هذه
إلى جعل هؤلاء الأبرياء يتحولون في باحات المحاكم إلى مجرمين تلفق ضدهم
التهم.
الأمر الذي يدع هذا الجانب من الفساد الإداري يترك الأثر على المجتمعات
بجعل المواطنين مهزوزي الثقة بالعدالة ليس لهم ثلاث سوى الاختيار بين
التمرد أو الإذعان للحالة وهنا لا يمكن أن يتمتع المواطن بالحرية خصوصاً
في بلدان تنادي بها في شعاراتها وتمسك بها في مشاعلها كما تدعي(16)،
فتكون آلية الرشوى هذه سبيلاً لتبرير وتغطية السلوك الإجرامي كما لاحظنا.
جدير بالإشارة أن الرشوة قد تدفع من أسفل الجهاز الإداري إلى قمته لتحقيق
سرية الأعمال اللاأخلاقية واللاقانونية التي يقوم بها الجهاز الإداري
والتكتم عليه من قبل الرؤساء الإداريين الأعلى مرتبة. أو على سبيل
المشاركة بين أسفل الجهاز الإداري وأعلاه(بريع الفساد). أو قد تدفع
الرشاوى لما هو أدهى من ذلك حيث تستخدم للتكتم على سرقات كبرى وجرائم
ضخمة مما يؤدي إلى تعريض المصلحة العامة للضرر البالغ(17).
وفي آخر المطاف وصف أحد السياسيين واللبنانيين ما تؤول إليه الرشوة بأنها
عندما تكون سيدة في الدوائر، يعني أن تكون أسرة بلا بيت وقرية بلا طريق
وضيعة بلا ماء ومريض بلا دواء وأن تتبوأ الأمية والجهل أعلى المراتب
وتتبوأ اللاأخلاقية أخطر المناصب وأن يظل أقل من (1%) ينعم بالخيرات على
ظهر بضع عشرات بالمئة من الأفراد الآخرين(18).
إن الرشوة تعني أن المواطن الذي يرى موظفاً يطالبه بها قبل أن يضع إمضاءه
على ورقة سيصاب بالخيبة لأنه يرى أقدس مقدساته تطعن وتداس حيث عليه أن
يدفع ثمناً للحصول على حق من حقوقه الشرعية كمواطن ليس من ماله فقط وإنما
من ضميره(19).
وهنا تتضح الآثار السلبية للرشوة كآلية خطرة من آليات الفساد الإداري
التي تنجم عن سوء تصرف الموظفين العموميين والتي بالنتيجة تفقد القانون
سيادته في المجتمع.
ثانياً ـ المحاباة والمحسوبية (Nepotism & Favoritism):
وهي ثاني الصور التي نعرض إليها من خلال تحليلنا للفساد الإداري والناجمة
عن محاباة الأقارب والأصدقاء، لذا نجد في دراسة للكاتب جيسن سكوت وهو
يشخـّص هذه الحالة ويطلق عليها مفهوم (الفساد الرعوي Parochial
corruption) على أساس أن هذه الآلية تنطلق من روابط القربى والوضع الطبقي
والولاءات التقليدية الضيقة التي تكون مخرجاتها تقريب طبقات وجماعات
واستبعاد وربما اضطهاد جماعات وطبقات أخرى متأثرين بذلك بالأصول العرقية
والاجتماعية. يذكر أن الآلية المذكورة مستشرية في عالم الجنوب بشكل واضح
حيث نلاحظ أن (الفساد الرعوي) يظهر في تايلاند وكذلك في الهند (على سبيل
المثال) لذا فالمتتبع لحالته في تلك البلاد يرى ازدياد السخط العام
منه(20). نتيجة لتلك الفوارق الطبقية في التمييز.
لهذا يكون (بيتر وارد Ward) من خلال تحليله للفساد الناجم عن المحاباة
والمحسوبية ضمن سياق المشكلة الاجتماعية في المجتمع الهندي قد تنبه إلى
قيام ذلك المجتمع على اللامساواة بين الطبقات العليا والدنيا منه ويذكر
أن الوارد تؤدي إلى توسيع الفجوة بين تلك الطبقات والعلاقة فيما بينها
بحيث يصبح ( الحراك الاجتماعي)(Social mobility) إلى أعلى أمراً صعباً
لوجود علاقات تبعية واعتماد، وحتى مع الافتراض بأن مجتمع الهند يشهد
تحولاً اقتصادياً وتحديثاً للقواعد والممارسات التقليدية التي يعمل بها
(شأنه شأن مجتمعات عالم الجنوب الأخرى) فإن المرحلة الانتقالية قد تساعد
على تسويغ الفساد خاصة وأنها تساعد على حصول الفقراء على الموارد بدلاً
من اعتمادهم على الشريحة العليا(21).
إن الدارس لآلية المحاباة والمحسوبية يجد أنها واحدة من أكثر الآليات
خطورة والأصعب علاجاً. حيث أن استغلال المنصب الحكومي للاستفادة الشخصية
لمصلحة الفرد ومحاسيبه دون وجه حق أحد أسباب الفساد الإداري الناتج عن
سوء نية وسوء قصد مع سبق الإصرار عليه(22). لإعطاء حق من يستحق إلى من
لايستحق وأساس التمييز هو الصلة(العصبوية ـ القرابية)، وبذلك تستغل
الموارد وتشغل المناصب من قبل غير المؤهلين مما يؤدي إلى الآثار السلبية
المنعكسة على حياة المجتمعات نتيجة هذه الممارسات.
وبأنموذج يقرب الصورة إلى الأذهان بشكل واضح سنعرض لإحدى قضايا الفساد
الإداري من خلال المحاباة لنرى كيف تم وضع أحد الأفراد أمينا عاماً على
المال العام في مصر فغرف هو وأسرته بانتظام باستخدام آلية المحاباة بهدف
الإثراء غير المشروع(الفساد).
حيث عرفت المحاكم المصرية واحدة من أشهر قضايا الفساد عندما قدمت لائحة
الاتهام التي أعدتها النيابة المصرية العامة ضد (رئيس الشركة النصر
للأجهزة الكهربائية والإلكترونية، الرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات
الهندسية)، طبقاً لما تضمنته القضية (1599) لسنة(1997) محكمة جنايات
القاهرة وما نظرته محكمة النقض في 20/أيار/1998 حيث تبين أن الشخص
المذكور حصل لنفسه وزوجته وأنجاله الثلاثة على كسب غير مشروع بسبب
استغلاله لسلطات وظيفته ونفوذه(23)، واتضح أن الاستغلال هذا ولد لدى
المذكور وأقاربه وأفراد أسرته ثروة طائلة وطارئة بلغت(أربعة وعشرين
مليوناً وسبعمائة واثنين وسبعين ألفاً وخمسمائة) دولار أمريكي، مضافاً
إليها (ستة ملايين ومئة وتسعة وثلاثين ألفاً ومئة وأحد عشر) جنيها
مصرياً، مع مبلغ قدره (مائتان وتسعة وستون ألفاً ومائتان وسبعة وسبعون)
فرنكاً فرنسياً(24)، هذا بالإضافة إلى أن الشخص المذكور عند إحالته على
المعاش (التقاعد) لم يبلغ راتبه سوى (6 آلاف جنيهاً مصرياً) وهو مبلغ
ضئيل تجاه هذه الثروة الطائلة(25).
جدير بالذكر أن المجتمع في مصر من المجتمعات ذات العلاقات المرتبطة التي
تمتلك منظومة اجتماعية قوية لا يملك فيها المرء سوى أن يقدم المساعدة
لأهله ومعارفه مما يجعل تطبيق مبدأ المحافظة على الحدود بين المؤسسات غير
واقعي. إن مثل هذا الإطار الاجتماعي يجعل الموظف العام يجني هو ومحاسيبه
ثمناً خفياً من وراء استخدام آلية المحاباة والمحسوبية، تؤثر على حقوق
بقية أفراد المجتمع.
ونتيجة لهذه الحالة الاجتماعية تكون المحسوبية والمحاباة واحدة من عدة
أسباب(بل سبباً رئيسياً من بين أسباب عدة) في أن تتراكم ثروات هائلة لدى
أفراد (تجعل الفرد مذهولاً من الأرقام التي يمتلكونها) ويشخص المفكر
العربي (الأستاذ محمد حسنين هيكل) هذه الحالة عندما يذكر أنه في غضون
(عشرين سنة فقط) اصبح أشخاص في المجتمع من أولئك الذين يمتلكون تلك
الثروات الضخمة (عند معالجته لنفس الأنموذج)(26) التي لم تتراكم لديهم
نتيجة للمنطق الرأسمالي السليم القائم على الاستثمار ومخاطره واحترام
القوانين وضوابطها ودفع الضرائب بشكلها المنتظم والرضا بتكاليفها ولكنه
جاء (في تشخيص غير مباشر لفساد المشار إلهم في الحديث) جراء استغلال
نفوذ، ودوران حول القانون واستهتار به، ومن ضرائب غير عادلة في تكاليفها
وإنما ضرائب على أضعف الطبقات قدرة على أدائها وأقلها فرصة في الهرب
والتهرب منها(27).
ولرؤية مدى خطورة آلية المحسوبية والمحاباة من خلال أنموذج دراستنا
وتشخيص حالة الإثراء السريع من قبل (الأستاذ هيكل) لبعض أفراد المجتمع
المصري نرى أن التأثير ينعكس بوصفه سبباً من ضمن أسباب عدة إلى أن حوالي
(30%) من السكان يعيش تحت خط الفقر(أقل من 25 دولاراً أمريكياً للعائلة
في الشهر) وأن معدل البطالة(20%) في المدن، و(50%) في الريف طبقاً لدراسة
أصدرها البنك السويسري (سويتز ـ لاند بنك) مما يجعل هذه الفئات تدفع
ضريبة إصلاح وصفات المنظمات الدولية في حين تستفيد فئات أخرى من ذلك(28).
إن مشكلة المحاباة والمحسوبية (كآلية من آليات الفساد التي سبق وأن أشرنا
إلى أنه يختلف في الحكم عليه باختلاف قيم المجتمعات) تستشري في عالم
الجنوب بسبب قيم المجتمعات وكذلك يمكن استيضاحها في عالم الشمال أيضاً.
ولهذا يشير الأستاذ (فيتو تانزي Tanzi)(29) لمدى خطورة هذه الظاهرة وما
يكتنف هذه الآلية من تكاليف على المجتمع من خلال تناوله للأنموذج
الإيطالي في ذلك، حيث يشير إلى أن الكثيرين في جنوب إيطاليا (موطنه
الأصلي) يعتقد أن معظم المناصب الحكومية لا تخصص وفقاً (للجدارة)(30)
وإنما من خلال التزكيات الشخصية والتوصيات (العلاقات القرابية).
ويذكر أن إحدى السيدات من معارفه اتصلت به طالبة وساطته ليقوم بالتوصية
لقبول حفيدها في منصب شاغر (كعازف موسيقي) في فرقة أوركسترا إقليمية
بإيطاليا ويتساءل الأستاذ (تانزي) بقوله فلنفكر في بيئة تحدد فيها
التوصيات وليس الكفاية والمقدرة ما أن كان شخص ما يختار للعزف في
اوركسترا أم لا! ويمضي قائلاً: لنفترض أن من الممكن أن يؤثر الاتجاه نفسه
على تخصيص المناصب ليس فقط منصب (عازف الفلوت) وإنما منصب الأطباء
الجراحين مثلاً، ففي هذه الحالة لن تقاس تكلفة الفساد من حيث النفخات
الموسيقية وإنما من حيث العمليات الجراحية غير المتقنة أيضاً ومدى
تأثيرها على المجتمع وأرواح الناس(31).
ولهذه الحالة يشير (روبرت تلمان Telman)(32) إلى أن الدوافع وراء الفساد
الإداري هي وجود بيئة فاسدة تساند فيه السياسة العامة للحكومة نظاماً
بيروقراطياً يوجد فيه (حسب تأكيد مفكر آخر هو (بريبانتي))(33) سوء
التنظيم الإداري وبيروقراطية القيادات الإدارية المتمثلة في تعدد القادة
الإداريين وتضارب اختصاصاتهم وتضخم الجهاز الوظيفي ونقص المهارات
السلوكية والإنسانية لدى أولئك الإداريين فضلاً عن إشغال المناصب العليا
بعناصر غير كفوءة أوصلتها السبل غير القانونية والشرعية فكانت مناصب
متخلفة فاسدة إدارياً تمتاز بتناثر السلطة(34). كانت المحاباة والمحسوبية
السبب الرئيس في إشغالها فأحدثت انعكاساً خطراً على المجتمع حال دون
تولية الأصلح.
ثالثاً ـ الاحتيال (النصب) Fraud:
وهي آخر صورة الفساد الإداري الذي سنتناوله بالدراسة. الذي يعد من
الجرائم طبقاً للمفهوم القانوني (بإشارة للمادة (405) من قانون العقوبات
الفرنسي) حيث أنه لكي يعد النصب جريمة يتعين فيه توافر الركن المادي
لاستعماله الطرق الاحتيالية(35).
وتستخدم جريمة الاحتيال هنا للحصول على منافع شخصية تدر على مرتكبيها.
فالمرتكب لهذه الجريمة يقوم بفعله الاحتيالي الفاسد بعد أن يتبين أنه
يستطيع النفاذ من فعله بالحيلة وبعد أن يقارن بين مكاسب الفعل وخسارته
قبل ارتكابه.
عليه سنعرض لأساليب الاحتيال التي ينفذ منها أصحاب النفوذ الإداري لتجاوز
القوانين والعبور من خلالها بشكل خال من المسؤولية باستعمال آلية
الاحتيال.
وأنموذجنا الأول في ذلك يتضمن ما كشفته إحدى الصحف المحلية الصينية عام
1995م عن فضيحة ضخمة كان طرفها رؤساء (خمس شركات في مدينة داندونج)
الصينية، حيث حاول هؤلاء تعويض خسائر شركاتهم التي منيت بها نتيجة
لارتفاع الأعباء الضريبية وتضاؤل الأرباح، باستخدام طرق احتيال ملتوية
على القانون لتهريب سيارات من خارج الصين إلى داخلها لتحقيق أرباح ضخمة
يستطيعون من خلالها تعويض خسائرهم. وتأتي أرباحهم هذه نتيجة للاحتيال على
قانون الضرائب أولاً وبدفع الرشاوى إلى مجلس المدينة لغض الطرف عن تلك
الصفقة الثانياً، وقد حقق هذا السبيل من الاحتيال إدخال (ثلاثمئة شاحنة)
مهربة إلى البلاد مع تحقيق المكاسب المادية في التهرب من دفع الضرائب
بطرق الاحتيال بما يعادل (خمسمائة مليون يوان صيني)(36) وهكذا يتجلى أن
للاحتيال على القانون آثاراً تثري فئة ضيقة وتؤثر على الدخل القومي
للمجتمع ككل. ولعل المثال الآتي يعزز ذلك في تفسير آثر أساليب الاحتيال
بشكل واضح. إذ ورد في تقرير لصندوق النقد الدولي أن إحدى الدول المستقلة
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حصلت على قرض امتيازي لشراء القمح على أنها
مساعدات إنسانية وفي عملية احتيال كان أطرافها (تاجراً مرتبطاً بموظفين
حكوميين) بيعت الصفقة إلى ذلك التاجر بسعر يقل عن سعر استيرادها المساوي،
وقام الأخير مع مشاركيه من أعضاء الجهاز الحكومي بجني أرباح ضخمة أضرت
بالمستهلك في تلك الدولة(37). الأمر الذي يظهر مدى الآثار السيئة للفساد
الإداري.
المثالان سالفا الذكر لآلية الاحتيال كانا لتصوير آلية الاحتيال لأشكال
تؤثر على الدخل القومي وعلى المستهلك من عموم المواطنين.
أما أن يكون الاحتيال مؤثراً بشكل يسلب الآخرين جهودهم الفكرية والعلمية
فهذا يعد أسلوباً خطراً لأنه يهدد حقوق الباحثين وعناءهم العلمي. ولعل
مثالنا الذي ستوضحه الأسطر القليلة الآتية يبين شكل وخطورة هذا الأسلوب.
حيث بتاريخ 7/ت2/1983 حصل أحد الرعايا العرب في دولة عربية شقيقة على
درجة الماجستير من إحدى الجامعات المعروفة في البلد. وما لبثت أن نشرت
إحدى الصحف اليومية مقالة لأستاذه (المشرف المساعد على الرسالة) منقولة
من رسالته، وجاء فيها أن الأستاذ ينوي إصدار ذلك في كتاب لإقراره على
طلبة لكلية ذاتها التي أجازت رسالة الطالب، ثم صدر الكتاب من دار نشر
معروفة وتداولته أيدي طلبة الكلية بمبلغ محدد على الغلاف ومدرجاً عليه
اسم ذلك الأستاذ. على أنه أورد في مقدمة ذلك المؤلف (الذي هو نسخه طبق
الأصل من رسالة الماجستير المذكورة)، ما نصه «إن هناك أحد الطلبة قد
اقتبس رسالة ماجستير بالكامل من هذا الكتاب».
في محاولة منه بتلك العبارة التمويه ليصبح هو المؤلف الأصلي والطالب هو
الشخص الذي اقتبس معلومات بالكامل ليست من جهده ليحصل بها على الماجستير،
الأمر الذي يوضح (دليل إدانة أول لذلك الأستاذ) حيث إن كانت الرسالة كما
يذكر من تأليفه، فكيف سمح لتلميذه بنسخها كاملة وهو المشرف المساعد
عليها؟ ثم كيف أجاز الرسالة وهو أحد المناقشين لها والأمانة العلمية تحتم
عليه عدم إجازتها في حالة علمه أنها ليست من جهد الطالب؟...
أما (دليل الإدانة الثاني) فيكمن في الفرق بين تاريخ مناقشة الرسالة
وتاريخ صدور الكتاب حيث أن الرسالة نوقشت في بداية شهر ت2/1983م وصدر
الكتاب بعدها بحوالي(5-6 أشهر) أي في آذار/1984م بوصفه مؤلـّفاً للأستاذ
المذكور(38).
بهذه الأدلة أصبح الأستاذ في موقف يؤكد أنه استحل لنفسه (أدبياً ومادياً)
عائداً علمياً هو من حق الباحث المشار إليه. ولقد كشفت الدعاوى القضائية
والملاحقات الصحفية التي قام بها الأخير لإثبات حقه افكار ذلك الأستاذ
الاحتيالية، حيث أجبر في محاولة لتبرير عمله الخالي من القيم العلمية،
بأن يقوم باستبدال غلاف الكتاب بلون آخر وأصدره بذات العنوان الذي جاءت
به رسالة الطالب المذكور (لأن الأستاذ نشر المؤلف باسمه وبعنوان آخر).
وتضمن الكتاب بإصداريته الجديدة ورقة في بدايته كتبها الأستاذ بخطه
متضمنة اعترافه بأن هذا المؤلف هو رسالة ماجستير نوقشت في كلية (...) تحت
إشراف (وجاء ذكر أسماء الأساتذة المناقشين ومن بينهم (الأستاذ المستحوذ))
وأنها أجيزت بتقدير (جيد جداً) بتاريخ 7/11/1983م واعتمدتها جامعة(...)
بتاريخ 9/1/1984. ثم لتختم هذه الصيغة بدرج اسم الأستاذ بعبارة( أ. د...)
بحروف مطبعية (وليست بخطه الذي تضمنته الورقة) خالية من أي توقيع له
مسوغاً بذلك فعله الاحتيالي(39).
مما تقدم يتجلى لنا مدى خطورة آليات وصور الفساد الإداري الذي يمتد أثره
السيء إلى العديد من أركان وزوايا الهيكل الإداري للدولة فيجعل الخسائر
الناجمة عنه تؤثر بشكل موجع على قيم المجتمعات وأساليب التعامل الإداري
السليم.
الهوامش
ــــــ
(*)
مدرس مساعد في وزارة التعليم العالي، وعضو الجمعية العراقية للعلوم
السياسية.
(1) انظر في ذلك: د. عطية حسين أفندي، الممارسات غير الأخلاقية في
الإدارة العامة، في: د. مصطفى كامل السيد (محرر)، الفساد والتنمية، جامعة
القاهرة، مركز دراسات وبحوث الدول النامية، 1999م: 42.
(2) ترى بعض المجتمعات أن بعض الممارسات تعد فساداً إدارياً مثل (البخشيش)
بينما يعد أمراً طبيعياً في كثير من دول عالم الجنوب بالخصوص.
(3) الجريمة والتنمية.
(4) د. صلاح فهمي محمود، الفساد الإداري كمعوق لعمليات التنمية
الاجتماعية والاقتصادية، الرياض، المركز العربي للدراسات الأمنية
والتدريب، 1994م: 17.
(5) د. عطية حسين أفندي، الممارسات غير الأخلاقية في الإدارة العامة، م س
ذ: 44.
(6) م. ن.
(7) نقلاً عن د. صلاح الدين فهمي محمود، الفساد الإداري كمعوق لعمليات
التنمية الاجتماعية والاقتصادية، م س ض: 26.(*) أحد الأساتذة الغربيين
المتخصصين في الدراسات السياسية.
(8) د. عطية حسين أفندي، الممارسات غير الأخلاقية في الإدارة العامة، م س
ذ: 52.
(9) أحمد السيد النجار، الفساد ومكافحته في الدول العربية، الاتجاهات
الاقتصادية والاستراتيجية، 2000م، (ملف سنوي)، القاهرة، مركز الدراسات
السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2001م: 165.
(10) د. أحمد رفعت خفاجي، جرائم الرشوة في التشريع المصري والقانون
المقارن، القاهرة، دار قباء للنشر والتوزيع، 1999م: 208.
(11) المصدر نفسه: 208.
(12) نبوية علي محمود الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية مع دراسة
تطبيقية للنظام الإيراني حتى قيام الثورة الإسلامية (1941م- 1978م) رسالة
ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1982م ـ 1983م:
28-29.
(13) سوزان روز أكرمان، الاقتصاد السياسي للفساد، في: كيمبرلي أن اليوت(محررة)،
الفساد والاقتصاد العالمي، ترجمة: محمد جمال إمام، القاهرة، مركز الأهرام
للترجمة، 2000م: 68.
(14) جامعة الدول العربية، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، العدد 6،
1977م: 116.
(15) سوزان روز أكرمان، الاقتصاد السياسي للفساد، م س ذ: 59.
(16) انظر: صحيفة الحياة، 29/6/2001م.
(17) السيد علي شتا، الفساد الإداري ومجتمع المستقبل، القاهرة، مكتبة
ومطبعة الإشعاع، 1999م: 56.
(18) انظر: د. محمود عبد الفضيل، محاور من ظاهرة الفساد والقضاء على
تداعياتها السلبية، صحيفة السفير اللبنانية، 30/3/2000م.
(19) صحيفة الحياة، م س ذ.
(20) نبوية علي محمود الجندي، الفساد السياسي في الدول النامية، رسالة
ماجستير، م س ذ: 33-35.
(21) أ. غادة موسى، الشفافية والمساءلة في ألمانيا بعد الوحدة، في مصطفى
كامل السيد (محرر) الفساد والتنمية، م س ذ: 83.
(22) أ. د. أحمد إبراهيم أبو سن، استخدام أساليب الترغيب والترهيب في
مكافحة الفساد الإداري، المجلة العربية للدراسات الأمنية، الرياض،
المجلد(11)، العدد(21)، محرم 1417هـ: 91 وما بعدها.
(23) أ. أحمد حجاجي، بعض قضايا الفساد في المحاكم المصرية، في مصطفى كامل
السيد، (محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 284.
(24) أ. د. محمود عبد الفضيل، اقتصاديات الفساد (2)، محاور حصار الظاهرة
والقضاء على تداعياته السلبية، صحيفة السفير اللبنانية، 30/3/2000م.
(25) أ. أحمد حجاجي، م س ذ: 284.
(26) يشخص الأستاذ هيكل إلى أن هنالك فقط (3740) فرد فقط من المجتمع
المصري ذو الكثافة السكانية المعهودة يمتلكون ما بين (200 مليون دولار
فأكثر و10 ملايين دولار أمريكي).
(27) محمد حسنين هيكل، 1995م، باب مصر إلى القرن الواحد والعشرين،
القاهرة، دار الشروق، 1995م: 21.
(28) سعد الدين وهبة، من الانفتاح إلى الخصخصة، النهب الثالث لمصر، دراسة
وثائقية، القاهرة، دار الخيال، 1997م: 98-99.
(29) فيتو تانزي، مدير إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي (IMF)
وله دراسات عدة في تشخيص ومعالجة موضوع الفساد، إيطالي الجنسية.
(30) يظهر من خلال الحديث مدى المحسوبية المنتشرة في المجتمع الإيطالي
وأثرها السيء.
(31) فيتو تانزي، تعليقات، في: كيمبرلي آن أليوت (محرر)، الفساد
الاقتصادي العالمي، م س ذ: 224.
(32) باحث غربي في مجالات الفساد والإدارة.
(33) باحث غربي في مجالات الفساد والإدارة.
(34) نقلاً عن: د. صلاح الدين فهمي محمود، الفساد الإداري كمعوق لعمليات
التنمية، م س ذ: 50-51.
(35) أ. د. أحمد رفعت خفاجي، جرائم الرشوة، م س ذ: 203.
(36) د. حنان قنديل، التحول إلى السوق والفساد في الصين، في مصطفى كمل
السيد (محرر)، الفساد والتنمية، م س ذ: 144.
(37) Thomas wolf/Improving Governance & fighting corruption in the
Baltic & (CIS) Countries/Washington/IMF/ 2000 p.6.
(38) انظر في ذلك: حازم هاشم، صور من الفساد الجامعي، القاهرة، دار
الشروق، 1994م: 76 وما بعدها.
(39) انظر في ذلك: حامد أحمد موسى هاشم، نظرية المباريات ودورها في تحليل
الصراعات الدولية، القاهرة، مكتبة مدبولي، بلا تاريخ: 1.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
|