الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

الخميس: 21/02/2008

 

الأدوار الإدارية
Managerial Roles

د. جمـال الدبّاغ(*)
(خاص للمعهد)

تُعد الأدوار الإدارية سلوكيات خاصة ترتبط مع مهمة الإدارة، ويتبنى المديرون هذه الأدوار للقيام بالوظائف الإدارية الأساسية: التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة. إن واحداً من الأوصاف المبكرة والأكثر ثباتاً للأدوار الإدارية أتى من Henry Mintzberg الذي تعقّب المديرين لدراسة ما يقومون به أثناء العمل، ومن ثم طوّر قائمة بالأدوار التي صنّفها إلى مجاميع ثلاث:
1ـ أدوار ما بين الأشخاص.
2ـ أدوار معلوماتية.
3ـ أدوار قرارية.
وأكّد Mintzberg بأن الإدارة نشاط متكامل، وبذلك فإن هذه الأدوار نادراً ما تنفصل عن بعضها، مما يعني أن بالإمكان أن يؤدي المدير أكثر من دور في الوقت نفسه.
لقد تكرر عمل Mintzberg مرات عديدة، وتوصّل الباحثون إلى مجموعات متماثلة من الأدوار على الرغم من بعض الاختلافات في التسميات والمجاميع. لقد أظهرت الأدوار التي حدّدها Mintzberg غِنى العمل الإداري، وكيف يتصرف المديرون؟ وما الذي يقومون به حينما يحاولون القيام بالوظائف الإدارية الأساسية؟
الأدوار ما بين الأشخاص Interpersonal Roles
تتضمن هذه الأدوار التفاعل مع أشخاص آخرين داخل المنظمة وخارجها، فالوظائف الإدارية تنطوي بشكل كبير على تفاعل بشري، وقد وجدت البحوث في هذا المجال بأن هناك من المديرين مَن يمضي ما بين 66 – 80% من وقتهم في المنظمة مع آخرين، ومن النادر أن يعملون فترة طويلة لوحدهم بدون اتصال خارجي، وكما لاحظ أحد الباحثين أن المديرين يحققون ما يريدون من خلال شبكة العلاقات الشخصية. لقد لاحظ Mintzberg ثلاثة أنواع من الأدوار ما بين الأشخاص: دور الرمز، ودور القائد، ودور الاتصال.
إن المديرين في المستويات الإدارية كافة يُعدون رموز، فهم يستقبلون الزوار، ويمثّلون المنظمة في أحداث المجتمع، ويتحدثون كناطقين رسميين، أو كمبعوثين للمنظمة. وفي المستويات الإدارية الدنيا في المنظمة يؤدي المديرون أدواراً رمزية متنوعة، فهم ـ مثلاً ـ يرحبون بالعاملين الجدد، ويمنحون العاملين جوائز عن الأداء، ويرافقون مديري الإدارة العليا والزائرين الخارجيين في جولاتهم في مكان العمل، وهكذا.
إن القيادة هي أكثر من كونها وظيفة ينبغي القيام بها، فالمديرون يؤدون دوراً قيادياً لجعل الأشياء تحصل داخل المنظمة، ويتصرف المديرون كقادة للتأثير في الآخرين ضمن المنظمة وتحفيزهم وتوجيههم، بالإضافة إلى وظائفهم كمديرين: التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة. إن المهمة الرئيسة للقادة إعطاء منظماتهم شعوراً بالتوجيه والتصميم، وهم يقومون بذلك من خلال تحديد ووضع الرؤى الإستراتيجية لمنظماتهم وبعد ذلك تحفيز الآخرين للعمل باتجاه هذه الرؤيا.
وفي دور الاتصال يكون للمديرين علاقات مع أشخاص من خارج وحدات عملهم المباشرة، ويمكن أن يكون هؤلاء من مديري الوحدات الأخرى في المنظمة أو أشخاص من خارج المنظمة، مثل المجهزين والمشترين والشركاء الإستراتيجيين. إن الغرض المهم من مثل هذه الاتصالات هو بناء شبكة علاقات، ويمكن للمديرين استخدام شبكاتهم للمساعدة في تنسيق أعمالهم مع الآخرين، والحصول على معلومات قيّمة، وجعل الأشياء تتحقق. إن بناء شبكة العلاقات يُعد واحداً من أكثر المهام أهمية والتي ينبغي على المديرين الجدد القيام بها.
الأدوار المعلوماتية Informational Roles
تُعنى هذه الأدوار بجمع المعلومات ومعالجتها ونشرها، فالمديرون يجمعون المعلومات من مصادر متعددة، داخل المنظمة وخارجها، ويعالجونها، ويقدمونها إلى الآخرين الذين يحتاجونها. لقد وجد Mintzberg بأن المديرين يمضون أكثر من 40% من وقتهم في هذه المهام، وقسّم الأدوار المعلوماتية إلى ثلاثة أنواع: المراقب، والناشر، والناطق.
يقوم المديرون المراقبون بمسح البيئة داخل المنظمة وخارجها، فمثلاً يراجع المدير التنفيذي الأعلى في شركة Microsoft باستمرار الاتجاهات التنافسية والتقنية والتنظيمية في الأسواق التي تتنافس Microsoft فيها، كما يراقب أداء الوحدات المختلفة ضمن الشركة.
ويعتمد المديرون على قنوات رسمية وغير رسمية لجمع المعلومات المطلوبة للرقابة الفاعلة، وتشمل القنوات الرسمية أنظمة المعلومات المحاسبية الداخلية الخاصة بالمنظمة، والبيانات التي تقدّمها الوكالات الخارجية المهمة. إن المديرين في شركة Microsoft مثلاً يمكنهم من خلال شبكة الأنترانيت الخاصة بالشركة الوصول إلى مكتبة إلكترونية ضخمة لتقارير بحثية تقدّمها شركات استشارية خارجية عن اتجاهات المنافسة والمنافسين في جميع الأسواق ذات العلاقة. وتشمل القنوات غير الرسمية الشبكة الشخصية الخاصة بالمدير والتي يمكن أن تكون مصدراً مهماً لمعلومات نوعية وثرثرة مفيدة. ومن خلال مراقبة المنافسة الخارجية والبيئة المنظمية الداخلية بحثاً عن المعلومات فإن المديرين يحاولون تحصيل المعرفة الخاصة بأداء المنظمة، وفيما إذا كان أي تغيير في الإستراتيجية أو العمليات يبدو ضرورياً. إن الدور الرقابي للإدارة جزء من وظيفتها الرقابية، كما أن المعلومات التي يتم الحصول عليها من المراقبة يمكن أن تساعد المديرين في التفكير حول إستراتيجية الشركة بوضوح أكثر.
إن أحد الأشياء التي يقوم المديرون بها من خلال هذه المعلومات هو نشرها في تقارير مباشرة ووسائل أخرى داخل المنظمة، حيث يقومون من خلال دَور النشر بإعلام العاملين بانتظام حول اتجاهات الشركة، وأحياناً حول مواضيع تقنية خاصة. ويأخذ دَور النشر في المستوى الإداري الإشرافي غالباً شكل المحادثة غير الرسمية بين واحد وآخر مع موظفين معينين بخصوص قضايا خاصة.
ويقدّم المديرون في دَور الناطق معلومات خاصة إلى أفراد وجماعات خارج أقسامهم أو منظماتهم، فمثلاً يتصل مديرو المبيعات بشركاء الأعمال بخصوص إستراتيجيات البيع الجديدة، ويقدّم رؤساء الأقسام توضيحات لزملائهم في الأقسام الأخرى حول الإستراتيجيات والموارد التي يحتاجونها. إن المديرين التنفيذيين يلتقون بالمستثمرين والموظفين الحكوميين وقادة المجتمع وآخرين لينقلون إليهم ـ كأصحاب مصالح ـ معلومات عن التطورات في الشركة، وهذه أكثر من كونها أنشطة رمزية: إنهم ينقلون معلومات قيّمة إلى أطراف مهمين، وبقيامهم بذلك يمكنهم أن يساعدوا في تكييف قدرتهم على فهم المنظمة، والأسلوب الذي يتفاعلون من خلاله معها، فمثلاً إذا يتمكن المدير التنفيذي الأعلى بنجاح من خلال الاشتراك بالمعلومات من إقناع محللي الاستثمار بأن الشركة تنفّذ إستراتيجياتها بشكل جيد، فإنه سيجعلهم يكتبون تقارير استثمارية إيجابية، وبالمقابل سيقود ذلك إلى ارتفاع أسعار أسهم الشركة، ويجعل من السهل على الشركة جمع رأسمال إضافي من المستثمرين في المستقبل من خلال طرح أسهم جديدة.
الأدوار القرارية Decisional Roles
كتب Peter Drucker الأب الروحي للإدارة ذات مرة: مهما كان عمل المديرين فإنهم يقومون به من خلال اتخاذ القرارات، فالمعلومات المتحصلة من خلال الرقابة توجّه مباشرة نحو اكتشاف المشاكل أو الفرص، وتقويم الخيارات، واتخاذ القرارات، والتأكد من أن تلك القرارات قد تم وضعها موضع التنفيذ. وحيث أن الأدوار ما بين الأشخاص تتعامل مع الأشخاص، والأدوار المعلوماتية تتعامل مع المعرفة، فإن الأدوار القرارية تتعامل مع العمل، حيث تحوّل الأشخاص والمعلومات ضمن العمليات مع غرض تحريك المنظمة باتجاه غاياتها الإستراتيجية. لقد حدّد Mintzberg أربعة أدوار قرارية: الرائد، ومواجه القلق، وموزع الموارد، والمفاوض.
حتى تبقى المنظمات في أسواق تنافسية عليها أن تكون رائدة، وتقدّم منتجات وعمليات جديدة، وتتبنى بسرعة المبادرات الرائدة التي يطلقها الآخرون. إن المديرين في دورهم كروّاد ينبغي عليهم أن يتأكدوا بأن منظماتهم تبتكر وتغيّر متى ما تطلب الأمر ذلك، وتطوير أو تبني أفكار وتقنيات جديدة، وتطوير منتجاتها وعملياتها، وعليها أن تتخذ قرارات تتلاءم مع مثل هذه السلوكيات الريادية، فإذا لم يقوموا بذلك فإن منظماتهم سيتغلب عليها المنافسون.
إن الإدارة تبدو وكأنها مليئة بالتناقضات، وهذا واضح جزئياً حينما نقارن بين الدور الريادي الاستباقي مع دور مواجهة القلق المبني على أساس الفعل ورد الفعل. وتتضمن مواجهة القلق تحديد المشاكل غير المتوقعة كما تظهر، ومعالجتها بسرعة. إن المشاكل الإدارية غالباً ما تُظهر مشاكل غير متوقعة، فالمبيعات يمكن أن تنمو أبطأ مما هو متوقع، والخزين الزائد يمكن أن يتراكم، وعمليات الإنتاج يمكن أن تتوقف، وموظفون أساسيون يمكن أن يتركوا العمل ليعملوا في منظمات أخرى، وهكذا. على المديرين أن يقرروا ـ غالباً بسرعة ـ ما ينبغي عليهم القيام به بخصوص مثل تلك المشاكل.
إن أحد الأصناف المهمة للقرارات الإدارية يتضمن توزيع الموارد، فالمنظمات لا تمتلك أموالاً ووقتاً وتسهيلات أو أشخاص يلبّون احتياجاتها كافة، ومن الواضح أن الموارد نادرة، ويمكن استخدامها بأساليب مختلفة. إن المسؤولية عن القرارات الحاسمة تتجلى في تحديد ما هو الأفضل في تخصيص الموارد النادرة التي تقع تحت سيطرتهم لبلوغ غايات المنظمة، والمدير ـ كموزّع
للموارد ـ مسئول عن تطوير المنتَج، مثلاً عليه أن يحدد الأشخاص والأموال والمعدات لثلاث فرق مختلفة مسئولة عن تطوير المنتَج. إن مدير التسويق سيقسّم الأموال بين الأنشطة التسويقية، ومدير الإنتاج يمكن أن يكون لديه تخصيصات مالية قليلة لشراء معدات جديدة، وعموماً فإن قرارات تخصيص الموارد ستتم في ضوء إستراتيجية المنظمة.
إن دور التفاوض دور مستمر للمديرين، فهم يتفاوضون مع المجهزين بخصوص تجهيز أفضل، وأسعار أقل، ومدخلات عالية الجودة، كما يتفاوضون مع الزبائن حول الأسعار والتجهيز وتصميم المنتجات والخدمات، وهم يتفاوضون أيضاً مع زملائهم في المنظمة حول الموارد المشتركة والجهود التعاونية، كما يتفاوضون مع رؤسائهم حول الحصول على الموارد النادرة: رأس المال والأشخاص والتسهيلات، بل قد يتفاوضون حتى مع العاملين التابعين إليهم في وحدة العمل التي يعملون فيها محاولين توزيع العاملين بين المهام لبلوغ غاياتهم وغايات المنظمة. إن المديرين الذين ينجحون حينما يتخذون قرارات التفاوض يمكنهم تخفيض كلفة المدخلات، ويحققون صفقات أفضل مع الزبائن، وبإمكانهم الوصول ضمن المنظمة إلى موارد أكثر جودة، وتحقيق تنظيم أفضل للعاملين معهم. ويمكن أن يكون المفاوضون الماهرون أكثر نجاحاً في تنفيذ الإستراتيجية، ورفع مستوى أداء منظماتهم.
بعض المؤهلات Some Qualifications
يُعد عمل Mintzberg مفيداً، حيث يُظهر طبيعة العمل الإداري، والسلوكيات التي يتبناها المديرون لكي ينفّذوا بنجاح وظائف الإدارة، ومع ذلك فإن أنموذجه للأدوار الإدارية لا يخلو من محدّدات:
1 ـ يقدّم لنا الأنموذج ما يقوم المديرون به، ولكن لا يخبرنا ما ينبغي أن يقومون به. تذكّر أن الأنموذج مشتق من ملاحظة المديرين أثناء العمل. ببساطة لأن المديرين ينهمكون روتينياً في أنشطة لا يعني بالضرورة أنهم يتبعون ذلك النشاط. وكمسألة عملية، فإن جميع الأدوار التي طرحها أنموذج Mintzberg تبدو مهمة، وإن أغلب المديرين العمليين الناجحين ربما يقومون بها جميعاً في بعض الأحيان. بعض الأدوار أكثر أهمية من أخرى، وأكثر استحقاقاً لوقت الإدارة وجهودها، فدَور القائد مثلاً، ربما أكثر أهمية من الدور الرمزي في نجاح الإدارة.
2 ـ لم يلاحظ Mintzberg بعض الأدوار المهمة للمديرين، فمثلاً أظهرت بعض الدراسات أن باستطاعة المدير تحسين التفكير الإستراتيجي والقرارات الإستراتيجية ضمن منظمته من خلال القيام بدور المحامي البارع، مستجوبا المنطق الذي يحكم القرارات المقترحة لعرض القرارات الخاطئة، وبشكل مماثل يتبنى العديد من المديرين الناجحين الدور الرقابي على المرؤوسين. إن المديرين كمراقبين يعتمدون على توقعاتهم لتقديم رؤى مهمة إلى المرؤوسين، وتدريبهم على كيفية أن يصبحوا مديرين أفضل.
3 ـ إن الأنموذج متوقف على البيئة، حيث يحاول أن يصف ما يقوم المديرون به في المواقف كافة. الواقع أن ما يقوم المديرون به يعتمد على الموقف جزئياً، وللتوضيح، لاحظت إحدى الدراسات أن المديرين التنفيذيين في وكالات حكومية محلية لا يقومون بالدور الرمزي لأنه متروك للسياسيين، وبشكل مماثل تبدو بعض الأدوار القرارية محددة للمديرين في الوكالات الحكومية لأن القرارات الرئيسة يتخذها السياسيون. كما أظهرت دراسات أخرى أن لحجم المنظمة تأثير في الأدوار الإدارية، وتوصلت إحدى الدراسات إلى أن المديرين في المنظمات بطيئة النمو أكثر إيجازاً وتجزئة بالموازنة مع ما يقوم المديرون به في الشركات الكبيرة، فسوء استخدام الهيكل الرسمي في هذه الشركات يغيّر أيضاً من مقدار الوقت المصروف على بعض الأدوار مقابل أخرى، وهناك من الدراسات التي تذكر أن أهمية أدوار إدارية معيّنة تتفاوت بتفاوت الثقافات.
4 ـ لا يُظهر الأنموذج الكثير بخصوص كيفية القيام بهذه الأدوار المختلفة، فمن المهم أن نعرف أن المديرين يقومون بالمفاوضات طيلة الوقت، ولهم دور رقابي مهم، ويخصصون الموارد، ولكن ما يرغب المديرون العمليون به هو معرفة كيفية تحسين أداء هذه المهام.

 

(*) أستاذ مساعد/ الكلية التقنية الإدارية.


Source:
Hill, Charles W. L., and McShane, Steven L., (2008), Principles of Management, (New York, NY: McGrawـHill Irwin)