الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»
 
مواصفات المهنيّين الموثوقين الناجحين

ديفيد مايستر/ تشارلز غرين/ روبرت كالفورد(*)

المهنيون، الذين يستعملون الثقة بأكبر قدر من النجاح، هم أولئك الذين لا تقلقهم أفكار من مثل:
ـ تميز بجودة عملك.
ـ ستحصد ما تزرعه.
ـ إما أن تستعمله أو تفقده.
تعني قواعد السلوك هذه أن النجاح يصيب أولئك الذين لم يضعوا النجاح هدفاً أولياً لهم. فالطريقة التي تجعلك ثرياً مثل بيل غيتس تكمن في أن تُولي كتابة الكود (Code) اهتماماً أكبر من الاهتمام الذي توليه لكي تكون ثرياً. والطريقة التي تجعلك ناصحاً عظيماً هي الاهتمام بوزنك.
ثمة سمة مشتركة بين جميع المهنيّين الموهوبين، وهي أنهم يولون الحفاظ على العلاقة نفسها قدراً من الاهتمام أكبر مما يولونه لنتائج التعاملات الحالية، سواءً أكانت مالية أو خلافها. وغالباً ما يعتبر الناصحُ الزبونَ استثماراً جوهرياً (دون ضمانة لأي عائدات) حتى قبل أن تدرّ العلاقة بينهما أي دخل، ومن باب أولى، أيّ ربح.
وبناءً على الأمثلة التي أوردناها آنفاً، وعلى ما استنتجناه من الكثير من المهنيّين الموثوقين الذين قابلناهم خلال مسيرتنا الوظيفية، فإننا نعتقد بأن السمات التالية تميّز المهنيّين الموثوقين:
1) يوجد لديهم نزوع إلى التركيز على الزبون بدلاً من التركيز على ذواتهم. ثم إنهم يملكون:
ـ قدراً كافياً من الثقة بالنفس تجعلهم يصغون ويفكرون، ولا يقررون قبل الاستماع إلى الوقائع جيداً.
ـ قدراً كافياً من حب الاستطلاع يجعلهم يحققون في الأمور قبل تقديم جواب عنها.
ـ الرغبة في النظر إلى الزبون على أنه شخص من مستواهم يرافقهم في رحلة مشتركة.
ـ قدراً كافياً من قوة الشخصية تجعلهم يسيطرون على أنانيتهم.
2) يركزون اهتمامهم على الزبون كفرد يحق له الإدلاء برأيه، لا كشخص يؤدي دوراً رسم له.
3) يؤمنون بأن التركيز المستمر على تعرف المشكلة وحلها أهم من التألق التقني في أدائهم.
4) يظهرون اندفاعاً "تنافسياً" قوياً موجهاً لا إلى منافسيهم، وإنما إلى البحث الدائم عن أساليب جديدة تسمح لهم بتقديم خدمات أفضل إلى الزبون.
5) يركزون دوماً على عمل الشيء الصحيح التالي، وليس على استهداف نتائج آنية معينة.
6) يحركهم دافع داخلي لعمل الشيء الصحيح أكثر مما تثيرهم المكافآت التي تمنحها لهم مؤسساتهم الخاصة.
7) ينظرون إلى المناهج، والأنماط، والتقنيات، وطرائق العمل على أنها وسائل للوصول إلى الغاية. إنها تفيد ما دامت ناجحة، لكنْ يجب استبعادها إذا لم تنجح؛ والمعيار هو فعاليتها لهذا الزبون.
8) يعتقدون أن النجاح في علاقاتهم مع الزبائن يرتبط بتراكم الخبرات الجيدة. ونتيجة لذلك، فهم يسعون إلى الاستفادة من خبرات الاتصال بزبائنهم (ولا يتجنبونها)، ويتحملون المخاطر مع زبائنهم ولا يتفادونها.
9) يؤمنون بأن كلاً من المحبة والخدمة سمة للتميز المهني. كلاهما يهدف إلى أن يثبتوا لزبائنهم أنهم يكرسون أنفسهم لخدمتهم.
10) يؤمنون بأن ثمة فرقاً بين الحياة العملية والحياة الخاصة، ولكن كِلا هذين النمطين من الحياة شخصي جداً. إنهم يقرّون بأن المهارات المتميزة في التعامل مع الناس الآخرين مهمة جداً في الحياة العملية والخاصة؛ وغالباً ما يكون هذان النوعان من الحياة متشابهين وليسا مختلفين، بل إنهما، عند البعض، متطابقان إلى حد بعيد.
الفوائد التي يجنيها المرء من كونه ناصحاً موثوقاً:
إذا بدأنا بالناحية التجارية الواضحة، يستفيد الناصح الموثوق من حصوله على علاقات الثقة، لأنها تؤدي إلى تكرار تكليفه بالعمل من قبل الزبون نفسه. وهذه العلاقات تفضي أيضاً إلى تكليفه بمهمات جديدة عن طريق ترشيحه للقيام بها من قبل زبائنه الحاليين.
وهذه العلاقات أقل تعرضاً لأن تصاب بوباء الإجراءات الشكلية التي تهدر وقت المهنيين وتدفعهم إلى الجنون. ومن هذه الإجراءات تقديم الاقتراحات، والعروض والدراسات، وتقارير النشاطات، وغيرها.
واختصاراً، يمكن أن تكون هذه العلاقات مفيدة جداً، وأكثر إمتاعاً للناصح الموثوق.
ثمة فائدة أخرى؛ هي أن الناصح، في علاقة الثقة، يصبح قادراً على توظيف أفضل مهاراته وطاقاته الشخصية (الإنصاف، التفكير والمحاكمة، حل المشكلات، التصور) وتطبيقها في مواضيع مهمة جداً.
ويمكن صرف الوقت مع الشخص الذي يتخذ القرارات بفعالية ليحدث التأثير اللازم في مؤسسته، وذلك بالقيام بمبادرات جديدة، وتسخير الموارد على نحو أفضل، وإنجاز ما يجب إنجازه. إن الثقة تحررنا من الحاجة إلى صرف الوقت على مشاريع غير عملية أو مواضيع إجرائية.
ويقدّم عالَم إنتاج وسائط الإعلام (Media) مثالاً على منافع فعالية علاقات الثقة. لنأخذ قصص منتجَين (مشهورَين) للوثائق التلفزيونية. فقد كوّن المنتج توماس (Thomas)، خلال سنوات، علاقة ثقة مع بعض أفراد من المبرمجين التلفزيونيين (وهم منفذون مسؤولون عن برامج التطوير والتشغيل) وأنتج عدداً من العروض الناجحة معهم ولهم.
وكي يقوم باقتراح برنامج جديد، كان توماس يعدّ وثيقة مختصرة (من ثلاث أو أربع صفحات) تشرح الفكرة الأساسية للبرنامج. وهو يقول في هذا الصدد: "لا يوجد موضوع لم يتلق له منفذ يتمتع بالخبرة اقتراحاً. وفيما يتعلق بالمبرمج، فما يهمه ليس تلقي اقتراح مكلف وضخم، إنما يهمه هو العمل مع منتج يثق به. فإذا أحب الفكرة، وكان بحاجة إلى مزيد من المعلومات، فإنه سيحاول الحصول عليها. وإذا لم يكن بحاجة إلى شيء، فإنه يعطي إشارة الإذن بالانطلاق".
وبالمقابل، فإن المنتج أتكنز (Atkins) يحظى بقدر أقل كثيراً من الشهرة في عالم التلفزيون. ولما كانت له علاقة لا تتسم بالنجاح الكامل مع أحد المبرمجين، فلم تكن علاقة الثقة بينهما قوية. ونتيجة لذلك، فهو مجبر على تكريس قدر كبير من الوقت لإنتاج عروض ضخمة تتضمن معالجات برامجية كاملة، وسِيَراً شخصية لأبرز أعضاء الفريق، وميزانيات مفصّلة، وجداول أعمال معقدة، وكل ذلك يُنتَج بالتفصيل ببرمجيات نشرٍ مكتبي (desktop publishing software)، تعج بالبيانات (graphics) والصور، التي يُربَطُ بعضها ببعض بإتقان.
إنه يرهق نفسه (والعاملين معه) بإنتاج هذه العروض، التي لا ينجح منها، أو لا يمكنه أن ينجح منها، إلا النزر اليسير. ونتيجة لهذا، فقد أنتج من الوثائقيات أقل مما فعل المنتج توماس، وحصل على عائدات مالية أقل.
وأخيراً، فإن أهم فوائد العلاقة مع ناصح موثوق، لكل من الزبون والناصح، هي أنه في ظل هذه العلاقة، يكون الطرفان في أعلى درجات قدرتهما ليتعرفا ذاتيهما. إن طرفي العلاقة لا يبددان طاقتهما في حماية نفسيهما، ويمكن لكليهما أن يكون صريحاً فيما يتعلق بالمعلومات عن حياته، ومكامن قوته، ونواحي ضعفه. إنهما يتقاسمان المعلومات والأفكار، ويشعران أنهما منسجمان مع نفسيهما، ويملكان قدرة كبيرة على النفاذ (Access) إلى مشاعرهما وأفكارهما.
تصرف الزبون والناصح، أحدهما مع الآخر، بأسلوب يشبه التصرف مع صديق (تتعامل معه داخل المكتب كتعاملك معه خارجه) يمثل فائدة قيمة جداً للعلاقة بينهما. عندئذٍ يمكن إنجاز الكثير من العمل دون هدر الوقت والكلمات. لا حاجة لأي من الزبون أو الناصح أن يتخذ وضعاً مصطنعاً أمام الآخر. إنهما هما نفساهما، ولن يسمحا لخلافاتهما واختلافات طبائعهما أن تشوه الثقة المتبادلة بينهما.
البدء بالعمل
القليل منّا يبدأ عمله متسلحاً بمهارات المهنيّين الموثوقين ذوي الخبرة، وهي المهارات التي وصفناها آنفاً. وفي الحقيقة، فهؤلاء الأفراد لم يبدؤوا سيرتهم العملية وهم يملكون تماماً هذه المهارات. وإذا قررنا امتلاك مهارة بناء الثقة، فإنه يتعين علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، وذلك بأن نعرف بالضبط ما يوجد لدينا حالياً منها. ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من الناس يعتقدون أن امكاناتهم في كسب الثقة أفضل مما هي في الواقع.
وقد أُجريَت دراسة على أزواجٍ من الخريجين وناصحيهم في كلياتهم. وفي كل مجموعة، كان يُطرح على الطلاب وناصحيهم عددٌ من الأسئلة تتعلق بهم وبنظرائهم. ويمكن اختصار هذه الأسئلة فيما يلي:
1 ـ ما هي درجة الجدارة بالثقة التي كنت تحظى بها في علاقاتك بالشخص الآخر؟
2 ـ ما هي درجة الجدارة بالثقة التي كان يحظى بها الشخص الآخر في علاقاته بك؟
3 ـ ما هي درجة الجدارة بالثقة التي تظن أن الشخص الآن يعتقد بأنك تحظى بها؟
4 ـ وكانت النتيجة أن كل مجموعة رأت نفسها جديرة بالثقة بدرجة أعلى من المجموعة الأخرى. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كانت كل مجموعة ترى أن فهم أعضائها لذواتهم على أنهم أكثر جدارة بالثقة، فَهْمٌ يشارك فيه الآخرون، وهذا أمر غير صحيح قطعاً.
وإذا كان من الممكن تعميم هذه الدراسة (ونحن نعتقد بإمكان ذلك)، فإنها تبيّن أنه يتعين علينا العمل باستمرار لإقناع الآخرين بأننا جديرون، بحق، بكسب ثقتهم. وفي البداية، فهم يعتقدون أننا أقل جدارة بالثقة مما نحن عليه فعلاً، وأن لدينا شكوكاً في جدارتهم بالثقة! هناك عمل يجب إنجازه!
سنبدأ تحرياتنا عن كيفية البدء بالعمل بأن نفحص المهارات الثلاث: كسب الثقة، وتقديم النصيحة بفعالية، وبناء العلاقات. المهارة الأولى التي سندرسها إذن هي: كسب الثقة.


(*) المستشار الموثوق/ ديفيد مايستر، تشارلز غرين، روبرت كالفورد، تعريب: د. خضر الأحمد/ ط1/ مكتبة العبيكان، الرياض/ 2002م.