الحضارية «الوعي البحثي»

  الإثنين : 07/06/2010

 

 

 

 

العالم يتحوّل من ثقافة التعليم إلى ثقافة التعلّم

 

 

الدكتورميلاد السبعلي

 

 

 

 

 

 

مفهوم العلم والتكنولوجيا والتربية عناوين احدثت تغيراً وتطوراً في المجتمعات في ظل التطور الذي نشهده على كافة الصعد في العالم ،ويبقى السؤال اين مجتمعاتنا العربية والإسلامية من العلم والتكنولوجيا والتربية.

في ظل التطور الذي نشهده على كافة الصعد في العالم، أين أصبح مفهوم التعلم والعلم ؟

هناك تحول على صعيد العالم من ثقافة التعليم الى ثقافة التعلم، من مفهوم الطالب المتلقي الى مفهوم الطالب الباحث والناقد. هنا يأتي دور التكنولوجيا بتعزيز التحول التدريجي لفلسفة الأستاذ (أي المعلم) من ناقل للمعرفة الى دور المسهل لتقنية التعلم والمرشد والمدرب للطالب بكيفية التفكير والتعامل مع الكم الهائل من المعلومات، وتنمية الحس النقدي وحس الاستقلالية في التفكير في ظل وجود كم كبير من المعلومات على الانترنت وآراء مختلفة حول الموضوع الواحد. وتكمن أهمية التدريب في خلق المقدرة على التحليل النقدي لدى الطالب للتمييز بين الصح والخطأ. فوجود التكنولوجيا داخل الصف يساعد الأساتذة على تدريب الطلاب من خلال تقسيم المجموعات التي تنمي لديهم فكرة التعلم الذاتي، والتحليل والنقد والتقييم، وذلك عبر استخدام الوسائل الحديثة التي تختصر الوقت.

أين العالم العربي من هذا المفهوم الجديد للتعلم والتكنولوجيا؟

في مجتمعاتنا العربية يغلب النظام الأبوي على المجتمع في مفهوم التربية ان كان في البيت او المدرسة او العمل. فالأب او الأستاذ هو السلطة العليا الذي لا يناقش، ورأيه هو الصواب دائماً. هذا النوع من التربية يعزز لدى الأجيال مفهوم التبعية والخضوع للخوف والاسترضاء الدائم للأب او الأستاذ او صاحب العمل، فتنمو اجيال تتبع الزعيم التقليدي او زعيم المنطقة او الطائفة. وهنا تكمن فكرة التغيير لخلق اجيال غير مقيدة ولديها مقومات حس النقد والجرأة وحرية التعبير، عبر مفهوم الديمقراطية الذي يؤسس لمرحلة جديدة تختلف عن المفهوم الأبوي السائد والمتبع الذي تعاني منه مجتمعاتنا. فترابط التكنولوجيا والتربية والمجتمع يؤسس لقاعدة متينة مبنية على الجانب الاجتماعي - النفسي، حول كيفية تهيئة الأجيال الجديدة لمواجهة العالم دون الانعزال عنه ولا الذوبان فيه. وهذا المفهوم يتم عبر إدخال التكنولوجيا لتثبيت اساليب التعليم الحديثة التي تؤدي الى تغير جذري في فلسفة التعليم والتعلم، وبالتالي في فلسفة حرية إبداء الرأي والجرأة والاستقلالية الفكرية والابداع والتجديد والقدرة على النقد وعدم أخذ الأمور بطريقة عشوائية. هذا المفهوم يؤسس لجيل يستطيع التفاعل مع مجتمعه ويستطيع كذلك ان يتعاطى مع العالم بثقة دون ان يعني ذلك الكفر بثقافته وحضارته ومجتمعه وانتمائه. هنا نضع التكنولوجيا بتلاؤم مع الهوية القومية دون الخوف من مفهوم المؤامرات. الواقع ان رد فعل أجيالنا اليوم ينحو أحد الاتجاهين: اما الانعزال الى حد التقوقع والتكفير والانغلاق، واما الاستهلاك والدخول في الموجة الغربية والتحول الى الصيغة الاميركية والأوروبية، وكلتا الحالتين مدمرتين.

أما ما نطرحه نحن، فهو بناء خط ثالث فكري ثقافي تربوي متصالح مع التكنولوجيا والعلم، وبالتالي وضع أساسات للفكر النقدي على مراحل: من خلال التربية على التمازج بين الأصالة والحداثة والانتماء الوطني والعلوم والتكنولوجيا لمواكبة التكنولوجيا من موقعنا الحضاري.

هل دخل هذا المفهوم الى العالم العربي ؟

ليس هناك رؤية استراتيجية تبنّت هذا المفهوم في العالم العربي بعد، والموضوع لم يأخذ حقه من الأبحاث. في المنطقة هناك تجارب رائدة كالجامعة الافتراضية كجامعة تكنولوجية، وهناك فلسفة وراء هذا العمل، وموقف ثقافي فكري حضاري يؤمن جيل يتعاطى مع العولمة بندية مع التكنولوجيا بشكل شفاف. هذه الطريقة في العمل لا بد منها لتطوير المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة. والواقع أننا لا نستطيع الاعتماد على التكنولوجيا فقط، فنحن بحاجة الى تسليح الجيل بنوع من الوجدان الوطني والقومي لمساعدته على اقامة الربط بين التكنولوجيا الحديثة من جهة والانتماء والهوية الوطنية من جهة أخرى.

هل هناك تقبل لهذا المفهوم من التعليم؟

نسبة الى حجم التعليم في العالم العربي، يشكل هذا النوع من التعلم واحد بالألف. ففي لبنان وحده مليون طالب في المدارس، وهذا الطرح يتطلب حوالي 20 سنة ليتحقق، لذلك يبقى المشروع مفتوحا.

هل يؤثر هذا النوع من التعليم على مفهوم الجامعة ومفهوم المدرسة؟

المؤسسات التربوية هي أكثر المؤسسات في العالم مقاومة للتغيير. مثلاً ما زال شكل الجامعات هو ذاته منذ 300 سنة وحتى الآن، بينما تغير شكل الشركات من 50 سنة حتى اليوم، من ناحية الهيكلية والتقنيات، حتى ان شكل الدول تغير بالنسبة الى مفهوم الخدمات ووظيفتها.

ما سبب هذا الجمود ورفض التغيير؟

قد يكون السبب المعلم الذي يخشى فقدان دوره الاجتماعي باعتبار انه حامل رسالة سامية وصاحب المعرفة، فيخاف التغيير وادخال التكنولوجيا في العملية التربوية. كما أن المسؤولية تقع على المؤسسات نفسها التي لم تفرض هذا النمط من التعليم بعد.

أين نحن من محاولات النهوض في العالم العربي ؟

محاولة النهوض العربية الأولى صبغت بطابع رومنسي وطني، لكنها لم تكن متصالحة مع العلم والتطور. بناء الانسان الجديد على قاعدة الوجدان القومي والوطني غير كافٍ في القرن الواحد والعشرين، ومحاولات النهوض بوجود المفكرين والمؤسسين كسبت وهجا معينا لكنها لم تستطع مماشاة مع التطور. لا نستطيع ان ندخل في النهضة بمعزل عن العالم. ان الثورات ومحاولات النهوض في العالم العربي من ناحية الفكر كانت متقدمة في طروحاتها،لكن الوجدان بحاجة الى اختصاص، وهذا ما قتل او جمّد محاولات النهضة بسبب فصل الوجدان عن الاختصاص. اليوم نحن امام نموذجين: نموذج حالات تملك الاختصاص ولا تملك الوجدان القومي، وحالات أخرى من أصحاب الوجدان القومي الفاقدين للاختصاص ما جعلهم في موقع المتفرج على التاريخ وليس الصانع له. حتى نستعيد دور النهضة بشكل فاعل، نحن بحاجة لربط الوجدان بالاختصاص. والنهضة التي تحدث عنها المفكر ناصيف نصار لا يمكن ان تحصل دون العلم والاختصاص المرتبط بالوجدان القومي.

 

 

.........................

المصدر : مجلة تحولات ، ع 31 ، آذار 2008م ، من الموقع :

http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=2328