|
الثلاثاء:
02/09/2008
تحديات في وجه العلوم الإنسانية
د. صلاح قنصوه
لم
تكن الطريقة ممهدة أمام مَن حاولوا تأسيس العلوم الإنسانية، فثمة عقبات
كان ينبغي لهم أن يتخطوها، وتحديات لم يكن ثمة مفر من التصدي لها.
ولعلّ مما ييسر علينا الأمر أن نصنف هذه العقبات أو التحديات إلى قسمين:
يتصل الأول بموضوع أو مادة الدراسة، بينما يتعلق الثاني بالباحث نفسه.
غير أن هذه الصعاب ليست مستقلة عن بعضها سواء ما زعم أنه سمات متميزة
باطنة في موضوع الدراسة، أو بسبب ما يفترض استخلاصه عن القول بأن دراسة
الإنسان والمجتمع جزء من موضوع الدراسة نفسه. فالمسائل والقضايا التي
يثيرها كل منها لا تختلف عن بعضها من وجهة نظر المنهج الذي ينشد التعميم
المصاغ في نظريات أو قوانين، من ثنايا كشفه للإطراد، بحيث يتاح له الوصف
المحكم للظواهر، ومتأدياً منه إلى تفسيرها، والتنبؤ بمسارها، بغية التحكم
فيها في نهاية المطاف.
ويجدر بنا أن نذكر منذ البداية أن الموقف من هذه الصعاب لا يتشعب إلى
اتجاهين لا ثالث لهما على نحو ما درجنا على ترديده في فلسفة العلم، وأعني
بهما الاتجاه الطبيعي Naturalism، والاتجاه المضاد له Anti- Naturalism،
فالاتجاه الاول لا يعدو أن يكون موقفاً من بين مواقف كثيرة من قضية أو
مشكلة العلوم الإنسانية يرى في العلوم الطبيعية النموذج الأوحد الذي يجب
احتذاؤه لكي يحظى البحث في الإنسان والمجتمع بلقب العلم. أما الموقف
الأخرى فتحرص على السعي إلى بلوغ «مستوى» العلوم الطبيعية وليس الالتزام
بنموذجها واحتذاء مثالها، وحسبها تحقيق المشروع العلمي وفقاً لتصور كل
منها. ولقد كان لكل من هذه المواقف تصوره الخاص لهذه الصعاب، وأسلوبه
المتميز في مواجهتها والتغلب عليها(1).
(أ) موضوع البحث:
تدور معظم الصعاب الخاصة بموضوع العلوم الإنسانية وهو الإنسان والمجتمع،
حول القضية الأساسية القائلة بتفرده، وما يتصل بهذا التفرد من تعقيد،
وعفوية، وحرية إرادة، وجدة، وسرعة تغير، وغيرها مما يفضي إلى تعذر
استخلاص التعميمات من تقلب سلوكه، والتنبؤ به، وإجراء التجارب عليه،
وخضوعه للقياس.
ففي التجربة المنضبطة التي يزاولها الباحثون في العلوم الطبيعية يمكن
للمجرب أن يعالج بإرادته في حدود معينة، بعض السمات والخواص في الموقف
التجريبي الذي يواجهه، وهي التي غالباً ما تـُسمى متغيرات Variables أو
عوامل Factors مفترضاً أنها تؤلف الشروط المناطة Relevent(2) لوقوع
الظواهر محل الدراسة، وبحيث يمكنه بالتنويع المتكرر لبعضها مع تثبيت
غيرها، أن يدرس آثار تلك التغيرات على الظواهر، ويكشف علاقات الاعتماد
القائمة بين الظاهرة والمتغيرات. ولا تنطوي التجربة المنضبطة فقط على
تحولات موجهة في المتغيرات التي يمكن أن تحدد وتتميز عن سائر المتغيرات
على نحو موثوق به، بل تتضمن أيضاً إعادة إنتاج للآثار التي تفضي إليها
تلك التحولات على الظواهر محل البحث.
غير أن ذلك لا يتيسر في العلوم الإنسانية، فإدخال متغير معين إلى موقف
اجتماعي قد يؤدي إلى تعديل لا يقبل عكس مساره في المتغيرات المناطة.
فتكرار التغير لمعرفة ما إذا كانت آثار المشاهدة ثابتة سيقع دوماً على
متغيرات لم تعد في أوضاعها الأصلية عند كل محاولة من محاولات التكرار.
وما دمنا على غير يقين في عزونا للثوابت أو التغيرات المشاهدة في الآثار
والنتائج إلى الحالات الأصلية للمتغيرات أو إلى الاختلافات في الملابسات
الأخرى للتجربة، فمن المستحيل علينا أن نقرر بالوسائل التجريبية ما إذا
كان تعديل أو تحويل معين في ظاهرة اجتماعية يمكن أن ننسبه، بثقة إلى نمط
معين من التغير في عامل معين أو «متغير» بعينه. وقد يتغلب الباحثون على
هذه الصعوبة في موضوعات الدراسة غير الإنسانية باستخدامهم لعينات جديدة
في كل محاولة من التكرار على شريطة أن تكون العينات الجديدة متجانسة من
جهة الجوانب المناطة مع العينة الأصلية. بينما يتعذر ذلك في العلوم
الإنسانية لأن العينات، على فرض وجود قدر كاف منها، قد لا تكن متماثلة في
الخواص المطلوبة(3).
فالإطراد في هذا المجال أقل ظهوراً منه في الظواهر الطبيعية وذلك لأن
درجة التركيب والتعقيد في الظواهر الإنسانية أكبر منها في الظواهر
الطبيعية، مما يصعب معه أن نعزل جانباً واحداً من جوانب الموقف التجريبي
عزلاً يمكننا من تتبع ذلك العامل أو المتغير وحده في تكرار وقوعه.
فإذا نحن اقتصرنا على مشاهدة الظواهر في حالة تركيبها وتعقيدها دون
تحليلها إلى عناصرها وجدنا تلك الظواهر ذوات طابع فريد لا يحتمل لها أن
تتكرر بالقدر الذي يتيح لنا أن نشاهد الإطراد فيها. فالباحث في العلوم
الإنسانية ليس في وسعه أن يعيد الظاهرة التي يدرسها كلما أراد أن يخضعها
للمشاهدة لأنها تجيء مرة واحدة ثم تمضي(4).
ويترتب على هذا أن يكون التنبؤ في العلوم الإنسانية عسيراً، وليس بسبب
تعقد الأبنية الاجتماعية، بل كذلك بسبب ذلك التعقد الخاص الذي ينشأ عن
الترابط بين التنبؤات نفسها وبين الحوادث المتنبأ بها. ويسمي «كارل بوبر»
تأثير التنبؤ على الحادث المتنبأ به، أو بوجه عام تأثير المعرفة على
الموقف المتصل بها، «الأثر الأوديبي» Oedipus effect سواء ساعد هذا
التأثر على وقوع الحادث أو حال دون وقوعه(5). بينما يفرق «آرنست ناجل»
بين نوعين من التنبؤ، الأول التنبؤ «القاتل لنفسه» Suicidal، والثاني
التنبؤ «المحقق لنفسه» Self-Fulfilling فالأول يـُصاغ على أساس سليم في
الوقت الذي يتوصل إليه الباحث، غير أن سلامته هذه هي نفسها التي تؤثر في
مجرى الحوادث بعد اكتشافه. فمثلاً، على أساس تحليل لحالة الاقتصاد
الأمريكي تنبأ الاقتصاديون بحالة ركود في الأعمال التجارية خلال عام
1947. وبناءً على هذا التحذير العلمي خفض رجال الأعمال أسعار عدد من
المنتجات الاستراتيجية، فزاد الطلب عليها، و من ثم تحدث حالة الركود
المتنبأ بها(6).
أما النوع الثاني فيتألف من تنبؤات لا تصدق على الواقع الفعلية في الوقت
الذي تـَصاغ فيه هذه التنبؤات، غير أنها تغدو صادقة بسبب الأفعال التي
تتخذ كنتيجة مترتبة على الاعتقاد بصحة هذه التنبؤات. فمثلاً، على الرغم
من أن «بنك الولايات المتحدة» (وهو بنك خاص رغم اسمه) لم يكن في ضائقة
مالية جديدة عام 1928، إلا أن الكثير من أصحاب الودائع قد حسبوا أنه
يعاني ضائقة لا مخرج منها وقد يفلس سريعاً. وقد أدى هذا الاعتقاد إلى
سحبهم لودائعهم مما أفضى في الواقع إلى إفلاس البنك(7).
فالصعاب التي تواجه العلوم الإنسانية لا تنشأ فحسب عن التعقد الهائل
للظواهر الاجتماعية بل وأيضاً ـ في المحل الأول ـ لأن الأفعال الإنسانية
واعية وتصدر عن روية وتدبر وبالتالي فهي عرضة للتعديل والتبديل على أساس
من الفهم والتبصر. فالأفكار الآراء قوة محركة قادرة على تغيير الثقافات.
وتكتنف التنبؤات حدود لا منجاة منها حيث تدفع معرفة الإنسان للمجرى
المتنبأ به للحوادث إلى تبديله بالتالي إلى تكذيبه للتنبؤ بنفسه.
والواقعة، أو الحادثة، أو العملية، أو الموقف، لا يحدث أي منها إلا في
نطاق سياق أوسع تقوم فيه علاقة متبادلة بين السياق وبين أية حادثة ينطوي
عليها السياق بحيث لا يمكن فهم الحادث أو السياق أو تفسير كل منهما في
ذاتهما، مما يسلم إلى صعوبة التغلب على التعارض بين ما هو فردي، أو فذ،
وبين ما هو عام، أو متكرر(8).
وهنا نواجه صعوبة تنفرد بها طبيعة موضوعات الدراسة في العلوم الإنسانية،
وهي أن القيم أو التقويم جزء جوهري من الوقائع التي يدرسها الباحث، ولكن
ليس بالمعنى الذي يجعلها الالتزامات الخاصة بالباحث، بل بوصفها التزامات
باطنة في الظاهرة الإنسانية نفسها. ولقد تجاوز العلم الطبيعي منذ زمان
طويل التفسير الغائي للكون الذي كنا نجده لدى أرسطو في إلحاحه على «العلة
الغائية» وظل سائداً حتى عند كوبرنيكس الذي آثر أن تكون النجوم متحركة
لأنها أكثر نبلاً وقدسية من الأرض، «فالأرض تحكم، من الشمس، والشمس تحكم
أسرة النجوم»(9)، غير أننا لا نستطيع أن نتجاوز هذا في العلوم الإنسانية
لأن الإنسان والمجتمع يتبعان غايات، ويتحركان وفقاً لقيم. بل إن أكثر
العلوم تقدماً مثل الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع تقوم على افتراضات
قيمية وغائية مثل القول «بالمنفعة» و«التكامل» و«المصلحة» و«الإتزان»
و«التكيف» و«السواء» و«الانحراف» وغيرها. فالإنسان في كل جوانب حياته
موجه بالغايات التي بموجبها يفاضل بين الوسائل ويقومها من أجل بلوغها.
والجماعة الإنسانية تؤدي وظيفتها ككل متى كان لدى أعضائها ـ على الأقل ـ
التزام قيمي أساسي ومشترك، وعندما يكونون عازمين جماعياً بوصفها تجسيداً
للجهود المتعاونة المبذولة لتحقيق القيم والالتزام بها. وأي تغير في
الالتزامات القيمية لابد أن يؤدي إلى تحوير النظم التي تضمها. وعلى هذا
النحو يتغير النموذج البنائي للجماعات الإنسانية. ولا ريب أن الباحث
الاجتماعي لابد أن يـُعني عناية خاصة بالنظم من حيث نشأتها، ووظيفتها،
وتطورها، وكذلك بعلاقاتها المتبادلة وصلتها بالفرد، وهكذا لا مفر من
التصدي بالدراسة لهذه الغايات والقيم(10). ومن هنا كانت صعوبة التخلص من
التفسيرات الغائية في العلوم الإنسانية. ويضاف إلى ذلك اصطباغ تحليلات
هذه العلوم بالطابع الكيفي الذي يتعذر إخضاعه للتكميم والقياس. وتعد
التفسيرات الغائية والتحليلات الكيفية عقبات رئيسية في طريق صوغ القوانين
العامة في العلوم الإنسانية. فعلى الرغم من أن لمعظم المجتمعات الإنسانية
في الماضي والحاضر عدداً من النظم والمؤسسات المتماثلة، إلا أن هذه قد
نشأت وتطورت بوجه عام، عن استجابة لبيئات مختلفة، وتقاليد ثقافية متباينة،
بحيث أن التركيب الداخلي لهذه النظم والعلاقات المتبادلة بينها تختلف من
مجتمع إلى آخر. ويترتب على ذلك أن النتائج التي تبلغها دراسة لمعطيات
عينة مستخلصة من مجتمع واحد لا يحتمل أن تصدق على عينة نستخرجها من مجتمع
آخر.
فعلى خلاف قوانين الفيزياء والكيمياء، ليس لتعليمات العلوم الإنسانية سوى
مدى شديد الضيق تحدده الظواهر الاجتماعية التي تحدث أثناء حقبة تاريخية
قصيرة وفي نطاق أوضاع نظمية خاصة. فقانون «سنل» Snell عن انكسار الضوء
يحدد العلاقات بين ظواهر ثابتة في كل أرجاء الكون، بينما تتنوع الطريقة
التي يتم بها معدل الولادة الإنسانية بتنوع المكانة الاجتماعية في مجتمع
محلي في وقت معلوم، وهي بذلك تختلف بوجه عام عن الطريقة التي ترتبط بها
تلك الامور في مجتمع محلي آخر، أو حتى في نفس المجتمع في وقت آخر(11).
وعلى الرغم من انطواء الأفعال الإنسانية على علميات فيزيائية فسيولوجية
لا تتباين قوانين عملها في كل المجتمعات ، إلا أن الطريقة التي تشبع بها
الجماعة الإنسانية حاجاتها البيولوجية الأساسية لا تتعين فحسب بالوراثة
البيولوجية أو الطابع الفيزيائي للبيئة الجغرافية لأن تأثير هذه العوامل
على الفعل الإنساني تتوسطه تقاليد ثقافية خاصة تساهم الغايات والقيم
الإنسانية في صوغها.
(ب) الباحث:
تنشأ الصعاب المتصلة بالباحث عن تأثره بالعوامل التي تحرف حكمه على
الواقع، وتعوق قدرته على استخلاص النتائج من البينات والشواهد المتاحة
لديه. فمن أيسر ضروب النقد الموجهة إلى قضايا ونظريات العلوم الإنسانية
القول بأن الباحث، على الرغم من اعتقاده المخلص فيما يتقدمه، إنما هو قد
لا يملك حكماً سليماً على الأمور، وعرضة للقفز إلى النتائج التي لا
تسوغها بينات كافية. أو القول ـ دون أن تشك في قدرته على استخلاص النتيجة
الصحيحة من الشواهد المتاحة له ـ أنه لم يتيسر له بعض البينات المهمة.أو
القول ـ دون أن نضع قدرته أو بيناته وشواهده محل التساؤل ـ إن حكمه يمكن
أن يقلل من شأنه وقيمته تحيزه وتعاطفه الخاص أو تنشئته الاجتماعية وموقفه
السياسي، إلى غير ذلك من الحجج التي جرى التقاليد على تسميتها بالحجج
الشخصية أو الإنسانية Argumentum and Hominem(12)، وهي الحجج الموجهة
لشخص الباحث وتتعلق بذاته وقدراته وعواطفه وقيمه، وهي في ذلك تقرب إلى حد
كبير من أوثان بيكون، وهي ضروب التحيز التي وصفها بيكون بأنها «تحاصر
عقول البشر بحيث لا تكاد الحقيقة تجد لها مخرجها»(13).
ويمكن أن نوجز هذه الصعاب في دوائر أو مستويات ثلاثة رئيسية هي: الذاتية،
والقيمة، والأيديولوجية. ففي الذاتية يتقوّم موقف الباحث من موضوع دراسته
بوصفه فرداً وشخصاً معيناً، بينما يتحدد موقف في القيمة (أو التقويم)
بوصفه ملتزماً بمعايير جماعته ومجتمعه، على حين يتعين موقفه في
الأيديولوجية بوصفه متوحداً بجماعته متقمصاً لمجتمعه.
وهذه الدوائر الثلاث ليست في الواقع دوائر متخارجة بل هي متداخلة تنفتح
الواحدة منها على غيرها وتنساب إليها:
1ـ الذاتية:
تقترن الصعوبة المنهجية المتعلقة بذاتية الباحث وصلته بموضوع بحثه
بالمشكلة الأبستمولوجية التقليدية بصدد استقلال موضوع الدراسة وخارجيته
بالنسبة للذات العارفة. غير أن هذه المشكلة لا تستوقف الباحث في العلوم
الطبيعية قبل المضي إلى بحثه، فالاعتقاد بواقعية الموضوعات العلمية أو
إنكارها، كما يقول «جيفريز» عالم الفيزياء، لا يؤثر قليلاً أو كثيراً في
العلم، فكل من المثاليين والواقعيين من العلماء ينطلق في الطريق نفسها
عندما يتصدون لمادتهم العلمية لأنهم متفقون مع غيرهم في الاستنتاج من
معطيات الحس(14). وكلاً الموقفين كما يقول «دانتسج» Dantzig يمكن إثباته
من وجهة نظر المنطق، وأما من وجهة نظر الخبرة الحسية، فلا يمكن البرهنة
على واحد منهما وعلى ذلك سيظل الاختيار فيهما مسألة مواقفة وملاءمة(15).
ويذهب إلى مثل ذلك الفيلسوف «إيربان» Urban في قوله بأن «المثالية
والواقعية الأبستمولوجية على السواء لا يمكن أن تثبتها «وقائع الفيزياء
أو تدحضها»(16). وقد يتطرّف البعض من العلماء مثل «سوليفان» حتى يذهب إلى
القول بأن نظرتنا إلى الكون الفعلي الذي نحيا فيه على أنه واقعة إنما هي
مشكلة تخص علم النفس، والتفرقة بين ما هو فعلي، وما هو غير فعلي هي تفرقة
من قبل العقل الإنساني(17).
إلا أن الأمر يختلف أشد الاختلاف عنه في دراسة الإنسان والمجتمع. فنحن لا
نزعم أن في وسع العلوم الطبيعية أن تتسلل إلى كينونة الأشياء والعمليات
الفيزيائية على نحو ما تستطيع ـ أو يـُراد لها أن تستطيع ـ العلوم
الإنسانية، في بحثها في البشر والمجتمعات حيث لا يمكننا فحسب أن نقدر
الحركات والتغيرات الخارجية، بل وكذلك الدوافع التي تولدها، ومعناها
بالنسبة لمن تدرسهم وتعرفهم من الناس. ففي البحوث الإنسانية ينبغي أن
نميز بين الداخل والخارج فيما يأتيه الإنسان من الأفعال. وحينئذٍ تنشأ
الصعوبة عندما تدرس العقل نفسه، فالبواعث والميول والأهداف والمقاصد ليست
من الأمور التي يمكن أن تفضّ المعاينة الحسية مغاليقها. والسلوك الخارجي
الظاهر وهو سلوك هادف، محصلة ـ بشكل أو بآخر ـ لهذه التفاعلات الذاتية
الباطنة. ولا يمكننا أن نلمّ بها إلا بتوسطٍ من خبرتنا الذاتية. وقد يعني
هذا أن نفترض سلفاً الألفة بالبواعث والنوايا وسائر مصادر السلوك
الانساني الهادف، وكذلك الألفة بالغايات والقيم التي يكون بلوغها هو
الهدف المعلن أو المضمر لمثل هذا السلوك. بيد أن هذه الألفة، أو التوحّد
قد يكون عائقاً حقيقياً في وجه البحث العلمي فيختلط ما يعرفه الباحث عن
نفسه بما يحاول درسه. كما أن افتقاد الألفة أو العجز عن التوحّد قد يحيل
موضوع الدراسة الإنساني لغزاً مستعصياً على الفهم. وفي الحالين لا يؤتي
فصل الذات أو عزلها عن الموضوع نتائجه المنهجية الدقيقة التي يمكن أن
نقارنها بنتائج العلوم الطبيعية. وعلى أية حال فإن الصلة بين الباحث (كذات)
وبين موضوع بحثه في العلوم الإنسانية صلة لها وضعها الخاص وتأثيرها الذي
لا يمكن إغفاله في هذه العلوم.
2ـ القيمة:
لم يعد من اليسير الزعم بان بالملاحظة وحدها دون تصورات مسبقة، يمكن أن
تنتظم الوقائع العلمية من تلقاء ذاتها في نسق يفترض أنه قائم موجود سلفاً
ليس علينا سوى اكتشافه. فبدون أن تطرح أسئلة لن نتلقى إجابات، بل إن
الإجابات نفسها قد سبق ـ على نحو ما ـ تصورها في صوغنا وطرحنا للأسئلة.
فالأسئلة لابد أن تعبر عن اهتمامات الباحث التي لا يمكن أن يكون الباعث
عليها علمياً خالصاً، فهي اختيارات ونتاجات لتقويمات الباحث. «وبدون
تقويمات لن يكون للباحث اهتمامات، ولا معنى، ولا إحساس بالإناطة أو
بالدلالة المتعلقة بالمعطيات وبالتالي لا يكون لدينا موضوع»(18).
فالوقائع لا تنتظم بنفسها في مفهوم نظرية بمجرد التطلع إليها. وبدون ان
تـُضمّ إلى إطار من المفهومات والنظريات فلن يكون ثمة وقائع علمية، بل
مجرد عماء. ولا معدى عن وجود هذا العنصر «القبلي» ـ إن أبيح ذلك التعبير
هنا ـ في كل عمل علمي. فالاهتمامات التي توجه الأسئلة هي تقويمات ماثلة
في كل مراحل العمل العلمي: عندما نقوم بملاحظة الوقائع، ونعمد إلى
التحليل النظري، وليس فقط في المراحل التي عندها نستخلص استنتاجات سياسية
أو عملية من الوقائع والتقويمات(19).
وهذه القيم التي يلتزم بها الباحثون في الظواهر الإنسانية لا تصبغ فحسب
محتويات كشوفهم ونتائجهم، بل إنها لتتحكم كذلك في تقديرها للشواهد
والبينات التي يؤسسون عليها تلك النتائج. وطالما اختلف الباحثون في
التزاماتهم القيمية، فإن ما يـُسمى «بالحياد القيمي» أمر يوشك أن يكون
مستحيلاً في العلوم الإنسانية. ولهذا ذهب بعض المفكرين إلى القول بأن من
العبث أن نتوقع من العلوم الإنسانية أن تقدم إجماعاً أو إتفاقاً حول
الوقائع وتفسيراتها. وتدور مبررات تأثير أحكام القيمة في البحث العلمي
للظواهر الإنسانية حول العمليات والجوانب التي تتصل بانتقاء المشكلات،
وتعيين محتويات النتائج المستخلصة، وتمييز الوقائع وتحديدها، وتقدير أو
وزن الشواهد والأدلة(20).
فالثقافة مثلاً، كما يقول ماكس فيبر، لا تغدو واقعاً تجريبياً إلا بقدر،
أو بسبب ما نعزوها إلى أفكار قيمية، فالحوادث أو الوقائع الثقافية تفترض
سلفاً «توجيهاً قيمياً». وتتضمن الثقافة تلك الجوانب من الواقع التي
أصبحت هامة وذات دلالة بالنسبة للباحث لأنها مناطة بالقيم Value
relevant، ومن هنا تكون جديرة بالدراسة عند الباحث. فلا يمكنه أن يكتشف
ما يكون محتوياً على معنى بوساطة بحث يخلو من الافتراضات المسبقة
للمعطيات التجريبية، بل بالأحرى يكون إدراك احتواء الموضوع على المعنى
بالنسبة للباحث هو الافتراض المسبق لصيرورته موضوعاً للبحث(21).
ومادام الباحث خاضعاً لتأثير اعتبارات الصواب والخطأ، فإن أفكاره
وتصوراته الخاصة عمّا يشكل نظاماً اجتماعياً مرضياً، أو مقاييسه الخاصة
عن العدالة الشخصية والاجتماعية، تتسلل جميعاً إلى تحليلاته الاجتماعية.
فمن العسير على الباحث في كل الأحوال أن يفصل بين ما هو وقائعي، وما هو
تقويمي في تقديره للوقائع. ومن غير الميسور في العلوم الإنسانية أن نميز
في العديد من المصطلحات المستخدمة في هذه العلوم بين ما هو منتسب إلى
تقرير الواقع وبين ما هو نابع عن أحكام القيمة.
3ـ الأيديولوجية:
لئن احتلت القيمة موقعاً وسطاً بين ذاتية الباحث بوصفه فرداً وشخصية
مستقلة، وبين توحّده بمواقف واتجاهات الجماعات التي ينتمي إليها باعتباره
عضواً، فإن الايديولوجية تقع على الطرف الأقصى من متصل Continuum الفرد ـ
الجماعة، حيث تنطوي على منظومة كاملة مستوعبة من الآراء والمعايير
والمواقف التي تعكس أو تعبر عن مصلحة الجماعة في مجملها بغض النظر عن
تفاوت أدوار أعضائها، وتباين مكاناتهم، وفي وضعهم في السياق التاريخي
والاجتماعي للمجتمع العام الذي تندرج فيه.
وقد يختلف المفكرون في معنى الأيديولوجية، إلا أنهم يتفقون في نهاية
الأمر على أنها تعبير ـ على نحو ما ـ عن ارتباط الفكر بالأصول الاجتماعية،
وقد يكون هذا الارتباط في نظر البعض انعكاساً مباشراً، وقد يصبح لدى
آخرين حجباً وتحريفاً متعمداً أو دون قصد لهذه الصلة. وغاية هذا الانعكاس
أو ذلك الحجب هي إما أن تكون سعياً إلى ترسيخ الحالة الراهنة للجماعة أو
طلباً لتغييرها وقلبها. ومن ثم فإن التفاعل بين الباحث والحياة
الاجتماعية لابد أن يخلق، في معظم الأحوال، مواقف لا تدعونا فقط إلى
تقدير صدق الأقوال والأحكام، بل وإلى النظر في تأثرها الفعلي بما صدرت في
نطاقه من مواقف اجتماعية. وفي تأثيرها النشط على تطورات هذه المواقف في
المستقبل، فقد يسعى الباحث إلى الكشف عن الحقيقة، ولكنه في الوقت عينه
لابد دوماً من مزاولته لنفوذ معين من شأنه أن يؤثر في موضوعية أحكامه.
وإذا كان لتأثير الميول والمصالح الاجتماعية للباحث مثل هذا النفوذ في
محتوى النظريات العلمية، فمما يدعو إلى الربية إمكان التحكم في التحيز
وتجنبه.
وهكذا ينبغي أن نتوقع العثور في العلوم الاجتماعية. على العديد من الميول
والاتجاهات بنفس القدر الذي نجد عليه الكثير من المصالح والمواقف في
الحياة الاجتماعية. وعلى هذا النحو يمكن أن تؤدّي هذه العلوم وظيفة «القابلة»
في معاونتها في تعويق أو إجهاض التحولات الاجتماعية الوشيكة الحدوث(22).
وعلى هذا، فإن الأفكار تكاد تسمي أن تكون وظيفة أو «دالة» Function لـَمن
يعتنقها، ولوضعه في وسطه الاجتماعي، كما يقول كارل مانهايم(23).
فما دامت النظم الاجتماعية ومتراتباتها الثقافية دائبة التغير، فإن
الجهاز الفكري المتطلب لفهمها لابد أن يعتوره التغير هو أيضاً. ومن ثم
يندر ألا يعبر أي تحليل للظواهر الإنسانية عن موقف اجتماعي خاص، أو يعكس
المصالح والقيم السائدة لقطاع معين من المسرح الاجتماعي في مرحلة معينة
من تاريخه.
ولا ريب ـ والأمر كذلك ـ أن يكون للأيديولوجية تأثيرها البارز في العلوم
الإنسانية الذي لا يسهل عزله ودرسه على حدة لأنه تأثير يتسلل خفية وبلا
وعي في الكثير من الأحيان، متسربلاً في مصطلحات علمية أخاذة، رغم أن كلا
من الأيديولوجية والعلم يخضعان لقوانين مختلفة من حيث الطابع والنوع.
وهذا هو ما يفسّر لنا تناقض الأيديولوجيات ونزاعها الدائم. فالعلم يخضع،
أو ينبغي أن يخضع لمطلب التفكير المستقل، متحرراً من القيود في اختبار
موضوعاته وفي مناهجه وأساليبه، ويلتزم بالمناقشة والنقد اللذين لا
يتقرران إلا من وجهات نظر علمية، ويتوصل إلى إقامة النظريات التي تظل
بدورها خاضعة لمزيد من الفحص والتمحيص. كما أن القضايا العلمية لا تستند
إلا إلى البينات والشواهد والبراهين وليس فيها من الحقائق ما يتحول إلى
ضرب من الإيمان. أما الأيديولوجية ـ كما يقول «كولاكوفسكي» ـ فإنها على
النقيض من ذلك لا تمارس نفوذها «حتى عندما تعمل على صعيد الأساليب
الفكرية المحضة، عن طريق الأسباب العقلية، بل بواسطة الشعارات، ومن خلال
مخاطبة العواطف، ومناشدة السلطات والتقاليد، وعلى الرغبات والأحكام
المسبقة، والخرافات، ومشاعر الحقد والخصومة»(24).
وقد عـُني فريق من الباحثين بدراسة الصلة بين العلم والأيديولوجية تحت ما
يـُسمى بسوسيولوجية المعرفةSociolgy of Knowledge، أو النزعة
السوسيولوجية Sociologism وخاصة عند ماكس شلر وكارل مانهايم كنظرية
للتعيين الاجتماعي للمعرفة العملية. وهي نظرية تعتمد كثيراً على دعوى «هيجل»
في الطبيعة الجدلية للتاريخ الإنساني، وتتكامل مع الكثير من الفلسفات
الماركسية وغير الماركسية التي تلح على إبراز أهمية الطابع النسبي
التاريخي للفكر الإجتماعي(25).
الهوامش
ــــــــ
(1) سيرد بيان ذلك جميعاً في الفصل الخاص بكل موقف.
(2) نستخدم لفظ المناط ترجمة للإصطلاح relevant والإناطة للإصطلاح
relevance وهذا الإصطلاح الأخير قد آثر «لالاند» في معجمه أن يثبته كما
هو بأصله الانجليزي لتعذر ترجمته الفرنسية. وقد ترجمه الدكتور عثمان في
كتابه عن شيلر في عبارة هي: «مطابقة مقتضى الحال». على حين ترجمه غيره
بألفاظ متعددة مثل التعلق بالموضوع، أو الدلالة، أو الصلة ذات الشأن، وهي
ألفاظ أو عبارات لها مقابل آخر بالانجليزية وبذلك يمكن أن تختلط فيما
بينها على النحو الذي لا يجعل الاصطلاح الذي بين أيدينا متميزاً عن غيره.
ولقد وجدنا أن «الإناطة» أقرب إليه لأن الأصل اللاتيني للكلمة هو
relevare بمعنى «يرفع» على حين أن الفعل «نوط» يعني علق فهو أقرب إلى
المعنى الأصلي، فضلاً عن فائدته في أفراد لفظ خاص للمصطلح.
(3) E. Nagel, The Structure of Science, p. 451.
(4) زكي نجيب محمود، المنطق الوضعي، جزء ثان، طبعة رابعة: 308.
(5)K. Poppor, The Poverty of Historicism, p.13.
غير أننا نرى أن كارل بوبر لم يوفق في هذه التسمية لأن أسطورة أوديب تؤدي
إلى نقيض هذه الدعوى، فلم يفلح التنبؤ بمثير أوديب في تغييره على الإطلاق،
ووقع لأوديب كل ما انطوت عليه نبوءة العرّاف من أحداث.
(6) E. Nagel. Op. Cit., P. 469.
(7)Ibid, PP. 468 -9.
(8)Werkmeister «Theory construction and the problem of objectivity in
Gross L.,(ed.) Symposuim on Sociological Theory, PP. 490-2.
(9) Bronowski and Mazlish, Op. Cit., P.141.
(10) Werkmeister «Theory Sciences and the problem of value in
Scientism and Values edited by schoeck PP.16-17.
(11) Nagel. Op. Cit., PP. 459-460.
(12) Q. Gibson, The Logic of Social Enquiry, P. 73.
(13) E.Chinoy, Society, p.5.
(14) Jefreys, Scientific method and philosophy Science News, P. 61.
(15) دانتسج، لغة العلم: 22.
(16) Urban, Beyond Realism and Idealism, p.167.
(17) Sullivan G. Gallio, p.38.
(18) G. Myrdal, Value in Social Theory, p.51.
(19) G. Myrdal, Objectivity in Social Research, P.9.
(20) Nagel, Op. Vit.,p485.
(21) M.Weber, The Methodology of The Social Sciences, P. 76.
(22) K. Popper, Op, Cit., P.16.
(23) K. Mannheim, Ideology and Utopia, P.50.
(24) مقتبسة في: ياكوب باريون، ما هي الأيديولوجية، ترجمة د.أسعد رزوق:
75.
(25) Nagel. Op. Cit., p.498.
المصدر: كتاب «الموضوعية في العلوم الإنسانية»، عرض نقدي لمناهج البحث،
دارالتنوير للطباعة والنشر، بيروت.
|