الحضارية «الوعي البحثي»

الخميس: 26/06/2008


الوعي البحثي.. المفهوم والآفاق(4)

د. ثائر حسن جاسم(*)
(خاص للمعهد)

7 ـ عناصر البحث العلميّ
أ. موضوع البحث.
ب. منهج البحث.
ج. مصادر البحث.
يمكن أن ننظر إلى البحث العلمي على أنّه جهد منظّم يكون ثمرة تفاعل ثلاثة عناصر من أجل الوصول إلى النتائج المرجوّة.. وعلى الرغم من أنّ لكلّ عنصر من هذه العناصر طبيعته وخصوصيته واستقلاله النسبيّ إلا أنها لا تنفصل في الخطوات المتّصلة لإنجاز البحث العلميّ. والعناصر هي:
أ. موضوع البحث:
لا يقوم بحث إلاّ على موضوع، وموضوع البحث يتبلور في مشكلة أو قضيّة مركزية مفردة أو مجموعة من المشكلات أو القضايا المترابطة التي تشغل حيّزاً محدّداً من الزمان ومن المكان، وتتضمّن مجاهيل أو مستغلقات أو مبهمات يحيط بها الغموض، وتحتاج إلى تفسير وإلى إزالة الغموض وإبراز الحقائق، وغالباً ما تكون المشكلة أو القضية موضع خلاف، وتتحدّى تفكير الباحث وتتطلب منه أن يجد لها إجابات أو حلولاً... والوجود كلّه متّسع متّصل لما ينبغي أن يُبحث، وتصلح كلّ مفردة منه أن تكون موضوعاً للبحث يندرج في أحد المجالات المعرفيّة أو الحقول العلميّة لو أُحسِنَ وضع الحدود لها وتقييدها بالأسئلة المناسبة.
وعلى من يضع نفسه في موضع الباحث أن يختار القضايا أو المشكلات التي تكون موضوعاً مناسباً للبحث، ويمكن أن نعدّ هذا الاختيار من أوّل مرحلة من مراحل إنجاز البحوث العلمية وأكثرها حضوراً لأنها تؤثّر تأثيراً كبيراً في جميع خطوات البحث المتتابعة وإجراءاته اللاحقة. وتحديد موضوع البحث هو الذي يحدّد نوع الدراسة، وطبيعة الخطة التي ينبغي رسمها، وطبيعة المناهج التي يحسن اتّباعها، وأنواع الأدوات التي يجب استخدامها.
وغالباً ما يكون اختيار وتحديد مشكلة البحث من إولى الصعاب التي تواجه الباحث، ولذلك يؤكّد كثير من المشتغلين بالبحث العلمي ((أنّ اختيار مشكلة البحث وتحديدها، ربّما يكون أصعب من إيجاد الحلول لها))(1). وربّما يعادل تحديد مشكلة البحث نصف الجهد البحثي، لأنّ تحديد المشكلة تحديداً مناسباً وسديداً من شأنه أن يوفّر على الباحث الكثير من الجهد والوقت.
ولذلك ينبغي لطالب البحث أن يستعين على اختيار موضوع بحثه وعلى تحديده تحديداً مناسباً وموفّقاً أن يطّلع اطلاعاً واسعاً على مصادر المعرفة الموسوعية، وأن يقرأ فيها قراءة حاذقة ناقدة لأنّ القراءة الناقدة لما تحتويه مصادر المعرفة من أفكار ونظريات قد تثير في ذهن الباحث وتنبّهه إلى ما يساعده في اختيار موضوع بحثه وتحديده، لأنّ موضوع البحث ربما يكون ـ في ذهن الباحث ـ عنواناً عامّاً وفكرة غامضة وفرضيات غير محدّدة وغير مكتملة الأبعاد للمشكلة التي يرغب في حلها، فيجعله الاطلاع الكلّيّ المستمر متحمساً لجمع بيانات وحقائق قبل أن تكون عنده أغراض واضحة للفروض المراد اختبارها.
لذا يجب أن يتمّ اختيار الموضوع في منتهى الدقة والاحتراز، إذ كلما كان الاختيار موفقاً تذللت الكثير من المشاكل المهمة في أولها، ومن المفترض أن يكون اختيار الموضوع على وفق معايير ومواصفات يمكن إيجاز أهمها في ما يأتي(2):
1ـ أن يكون في الأساس جديداً وأصيلاً في محيط المادة التي ينتسب إليها البحث، وليس تكراراً وإعادة لما سبق بحثه. كأن يقوم الموضوع من حيث انتهى السابقون، أو من حيث اختلفوا.. وأن يكون الموضوع جديداً معناه أن تكون هناك مساهمة حقيقية في البحث العلمي وإضافة متوقعة في حقل الاختصاص وهي غاية ما تنشده البحوث العلمية. وفي حالة اختيار موضوع فيه معالجات سابقة من المفروض أن يستهدف البحث تقويماً جديداً أو مساهمة جديدة لم تكن في البحوث السابقة.
2 ـ أن يكون ذا نطاق محدّد وأبعاد واضحة، وأن تقتصر مساحة البحث ضمن هذه الحدود على قضية مركزية واحدة وإن اشتملت ربّما على قضايا فرعية تقتضيها طبيعة القضية المركزية، لا أن يمتدّ موضوع البحث ليشمل قضايا مركزية أخرى مهما كانت صلاتها وثيقة. إلا أن الوصف المتقدّم لا يعفي الباحث من الإلمام الواسع في كلّ ما يتّصل بموضوعه من علاقات ترابطية رئيسية وجانبية للوقوف على موضوعه بدقة إزاء الموضوعات الأخرى ولتكون معالجته صائبة ودقيقة ونافذة لها حدودها وأبعادها بين المواضيع الأخرى وهذا ما نعنيه بالتصور الواضح في الرؤية.
3 ـ أن يكون ذا قيمة علمية. وأن يهدف إلى معالجة مشكلات علمية حقيقة، ويستحسن أن يكون على ارتباط وثيق بالمشكلات المعاصرة ذات الأهمّية.
4 ـ أن تكون له مصادر للمعلومات المطلوبة لإنجازه: إنّ الخطوة الأولى التي توافق عملية الاختيار هي التثبّت من إمكانية الحصول على المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب والشكل الذي يضمن استكمال البحث في مراحله المختلفة، فليس هناك جدوى انتقاء موضوع معين ليس له مراجع أو بيانات كافية يمكن الحصول عليها في الوقت المناسب، وإن شقّ على الباحث أو تعسّر.
5 ـ أن يكون الموضوع قابلاً للبحث، وفي حدود الإمكانات المادية والبشريّة المتاحة.
6 ـ أن يتّفق مع ميول الباحث وقدراته وثقافته العامّة، بمعنى أن يكون للباحث اهتمام بموضوع البحث ورغبة في تتبّعه، ليدفعه ذلك إلى العمل وليشعره بالمتعة ويبعده عن الملل الذي طالما اقترن بالجهد البحثي. وأن تكون للباحث القدرة والكفاءة على إنجازه.
ولتحديد موضوع البحث يُفضّل أن تُتّبع الإجراءات الآتية:
1 ـ تحديد مشكلة البحث بتفصيلها وصياغتها أسئلة محدّدة وصحيحة ضمن الزمان والمكان والأحداث والأشخاص والعلاقات، لأنّ الأسئلة تحتاج إلى إجابات محدّدة، وهذا يجعل حدود موضوع البحث أكثر وضوحاً وثباتاً.
2 ـ تقييد الموضوع بعنوان محدّد دالّ على حدود البحث وأبعاده..
3 ـ كلّ موضوع للبحث لا بدّ أن يكون قد درس قبلاً.. وعلى الباحث أن ينتبه إلى:
أ. الاطلاع على الدراسات والبحوث السابقة المتعلقة بالموضوع أو موضوعات مشابهة.
ب. الأخطاء التي وقعت فيها البحوث السابقة لتجنّبها.
ج. النتائج التي سبق أن وصل إليها السابقون من القضايا والمشكلات الخاصة بموضوع البحث، والحيّز الذي لم يبحث منها، لكي لا يقع الباحث في التكرار بدراسة مواضيع بحثت من قبل، ولكي يكون البحث الجديد جديداً حقّاً في قضاياه ونتائجه.. ويستطيع الباحث أن يقارن موضوع بحثه مع البحوث الأخرى في ميدان تخصصه.
ب. منهج البحث وخطته:
العنصر الثاني من عناصر البحث العلمي الذي يمثّل الخطوة المركزية الثانية نحو إنجاز أي بحث يتمثّل في تصميم البحث ووضع الإطار العام للبحث والمفردات التفصيلية الخاصّة به وتعيين الطرائق المناسبة التي ينتظم من خلالها الجهد البحثي. لأنّ ((تصميم البحث العلمي الجوهر والبداية التي لا يمكن بدونها المضيّ بالدراسة العلمية. ذلك أن تصميم البحث ـ المراحل والمنهجية ـ هو الذي يوفر الدليل المتدرج أو المتسلسل لكافة الخطوات الواجب اتباعها خطوة خطوة وصولاً إلى تحقيق الهدف النهائي من البحث العمي المتمثّل بتحديد السباب التي أدّت أو دفعت الباحث أو المؤسسة المعنية إلى القيام بإجراء البحث العلمي. بالإضافة إلى اقتراح كافة السبل الكفيلة لمعالجة المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث))(3).
ولا يقوم بحث علميّ إلاّ على وفق منهج محدّد، وهو ـ كما ذكرنا ـ طريقة منسّقة يتّبعها الباحث في إنجاز بحثه للتوصّل إلى الحقيقة، وإذا كان (المنهج) قد عُرِّف بأنّه: ((مجموعة من القواعد العامة المستخدمة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم، بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدّد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة))(4)؛ فإنّ ذلك يعني اشتماله على عناصر متنوّعة، يمكن أن نميّز منها ما يأتي:
1- الأفكار العامّة والكلّيّة التي يستهدي بها الباحث في تحليل المعطيات في بحثه وتفسيرها، واستخلاص النتائج... تدخل ضمن مفهوم (منهج البحث).
2- القواعد التي يتّبعها الباحث في كلّ مراحل بحثه من تشكيل الفرضيات، وجمع المعلومات من المصادر إلى معالجتها، وتقديمها... تدخل أيضا في إطار مفهوم (منهج البحث).
3- الأدوات التي قد يستخدمها الباحث في إنجاز بحثه، مثل: جذاذات البحث، والاستبانات، والإحصاء، والأجهزة المختبرية، والتجارب المعمليّة... قد تدخل في مفهوم (المنهج).
4- والخطّة التي يرسمها الباحث في تقسيم موضوع بحثه إلى مباحث متتالية ومترابطة، سواء أكانت نظرية أم تطبيقية.
وعلى الرغم من اختلاف هذه العناصر في طبيعة كلّ منها وتنوّعها، يمكن أن نرى أن ما يجمعها في إطار مفهوم (المنهج) هو كونها تكوّن مجتمعةً الطرائق التي يتوصّل بها الباحث إلى الغايات المرجوّة لبحثه.
ولاختلاف هذه العناصر وتنوّعها يختلف (المنهج) بين باحث وآخر، وبين بحث وآخر فالباحث في سعة من حريّة الاختيار وله أن يختار من هذه العناصر ما يراه مناسباً في إقامة منهج بحثه، وبحسب ما تقتضيه ضرورات البحث. لأنّ (المنهج العلميّ) لا يعني التزام طرائق ثابتة أو قوالب جامدة تُكرّر في كل بحث وإنّما هي طرائق ووسائل فنيّة تُتَّبَع بمرونة وبأساليب خلاّقة ومبدعة من أجل تقصّي الحقائق وتبيانها، ولذلك هي تختلف بالضرورة من موضوع إلى آخر ومن باحث إلى آخر، وبحسب الظرف الزماني والمكاني والفلسفة التي دفعت الباحث إلى اختيار الموضوع والبحث فيه، ولذلك تختلف المناهج العلميّة، كما قلنا، بحسب جانبين رئيسيّين هما:
1 ـ اختلاف المناهج لاختلاف طبيعة موضوع البحث، فمنهج البحث في العلوم الصرفة كالفيزياء، والكيمياء... يختلف عنه في العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، وعلم النفس... وهو يختلف أيضاً في العلوم النظرية عنه في العلوم التطبيقية...
2 ـ اختلاف المناهج لاختلاف ثقافة الباحث ومنطلقاته الفكرية والفلسفية، التي يصدر عنها مخطَّط المنهج.
وربّما يذهب ظنّ بعض الباحثين إلى أنّ خطّة البحث هي منهج البحث نفسه، وليست بذاك، لأنّ خطّة البحث لا تمثل كلّ (المنهج)، وإنما هي جانب من جوانبه أو وجه من أوجهه.
وخطّة البحث هي شبكة مترابطة من الخطوات المدروسة والمنسّفة ترسم لاتّباعها في إنجاز البحث. ولكلّ بحث خطّته التي تولد من طبيعة الموضوع متواشجة بطبيعة المنهج الكلّي الذي يوضع للبحث.
لذلك كان من الأمور المتّبعة في منهج البحث أن يقسّم الباحث بحثه على مباحث فرعيّة أو فصول، يكون عددها وحجم كلّ فصل منها بحسب ما تفرضه طبيعة الموضوع وتقتضيه الحاجة، ويقدّم الباحث لبحثه بـ(مقدّمة) يحدّد فيها عنوان بحثه ومبرّرات اختياره والخطّة المعتمدة في إنجازه. ويختمه بـ(خاتمة) يستعرض فيها خلاصة ما توصّل إليه من استنتاجات أو أفكار أو حلول لمشكلات. ويستتبع ذلك بقائمة المصادر والمراجع التي اعتمدها الباحث في بحثه.
ومن المؤكّد أنّ هذه التقسيمات في ظاهرها إجراءات شكلية، ولكنّ ما يكمن وراءها من جوهر الجهد البحثي العلميّ هو الذي يحدّدها، فجوهر البحث يقوم في البدء على اختيار الموضوع، واختيار الموضوع هو في الأساس تحديد لمشكلة جوهرية تنطوي على مشكلات فرعيّة تحتاج إلى حلول..
وينبغي للباحث في أي موضوع أن يراعى عند وضع خطة البحث ما يأتي:
1 ـ تحديد الموضوعات الرئيسية وتثبيتها معقودة بالموضوعات الثانوية التي تتفرع منها.
2 ـ ترتيب موضوعات البحث الرئيسية والثانوية ترتيباً موضوعيا ومنطقياً.
3 ـ الترابط بين أجزاء الموضوع.
4 ـ تثبيت الموضوعات الأكثر أهمّية وعدم الإغراق في تفصيلها إلى موضوعات دقيقة قبل الخوض في الجهد البحثي.
5 ـ تغيير الخطّة إذا استدعدت ضرورات البحث تغييرها أو تغيير أجزاء منها.
وهكذا يعمل الوعي العلميّ الدقيق لجوهر البحث في تشكيل هيكله وتحديد أقسامه وترتيبها منطقياً. ويضرّ بالبحث أيّما ضرر إقامة البحث على هياكل مفرغة واتّخاذ قوالب جاهزة، من دون النظر إلى ما يقتضيه جوهر البحث في الموضوع الذي هو قيد الدرس، لأنّ إدراك الباحث لطبيعة موضوعه والمشكلات التي يعالجها والأسئلة التي يحاول أن يجيب عنها هو الذي يحددّ التقسيمات الرئيسية والفرعية للبحث.
ج. مصادر البحث.
إنّ اختيار البحث ووضع خطّته العامّة يستتبعه جمع المصادر التي ستقدّم المادّة الأوّليّة الخام التي سيُنسج البحث منها، ولا بدّ أن يستند كلّ بحث إلى مصادر أولية، لأنّ العلم تراكميّ، ولأنّ اللاحق لا بدّ أن يضيف إلى السابق حتى ينمو العلم ويتقدّم عن طريق البحث والدراسة، والباحث يستعمل المصادر لمعرفة ما تمّ التوصّل إليه من افكار، وللاعتراف بفضل السابقين من العلماء، ولتوثيق ما يؤلفون، وكلّ هذه الأمور تعلو بالبحث وقيمته النظرية والتطبيقية، وتعلي من شأن الباحث لأمانته. من هنا كان للمعلومات أثر كبير في تشكيل هيكل الموضوع الذي تكتب عنه، وكان جمع المعلومات عن هذا الموضوع أمراً ضرورياً ولازماً حتى يخرج على الصورة المرجوة واللائقة.
وكل بحث له طبيعته التي تحدد مصادره، فمصادر المعلومات للعلوم النظرية تختلف عن المصادر للعلوم التطبيقية أو الميدانية، وكذكل تختلف مصادر المعلومات للحقول العلمية الصرفة عن مصادر المعلومات للحقول العلمية الإنسانية.. ولكن في المحصلة لا بدّ من تتبع مصادر المعلومات واستقصائها لأنّ الباحث إذا لم تكن لديه الأفكار والمعلومات عن موضوع ما فإنه لن يستطيع أن يكتب عنه أي شيء.
مصادر جمع المعلومات:
إنّ مصادر المعلومات كثيرة ومتعددة وكل بحث له طبيعته التي تحدد مصادره. ولكنّ أبرز مصادر المعلومات:
1 ـ المطبوعات، ومنها:
أ. الكتب. ب. الدوريات. ج. الرسائل الجامعية.
2 ـ المخطوطات.
3 ـ الرسوم والخرائط.
4 ـ المقابلات الشخصية.
5 ـ الملاحظة الميدانية (المشاركة / والمنفصلة)
6 ـ الاستبانات.
7 ـ الإنترنيت.
8 ـ وسائل الإعلام المتنوعة المسموعة والمرئية.
9 ـ الأفلام.
ومفردات القائمة قد تزداد وتتجدّد مع التطورات الكبيرة الجارية في تقنيات العصر الحديث، ومن الواضح أنّ هذه المصادر ليست كلّها على مستوى واحد من العلميّة والأهميّة، وربّما يتّصف كلّ نوع منها ببعض السلبيّات، فلا بد أن يحسن الباحث الإفادة من هذه المصادر، وأن يختار ما يناسب الموضوع الذي يكتب عنه، وأن يعتمد منها المراجع الجادة التي تعمق معلوماته، وتثري موضوعه.
إجراءات الباحث في استعمال المصادر(5):
- أن تُجمع المعلومات الضرورية واللازمة للموضوع.
- أن تُرتّب هذه المعلومات حسب أهميتها.
- أن تُنتقى منها ما يوصل إلى الهدف من كتابة الموضوع.
- أن تُصاغ الموضوع بلغة واضحة، مباشرة ودقيقة
- أن تُراعى ترتيب الأحداث ترتيباً منطقياً (الأسباب/ النتائج/ التسلسل الزمني)
أصول التعامل مع مصادر البحث:
من الأصول المتّبعة في منهج البحث العلمي أن يستقرئ الباحث الجهود السابقة التي تناولت موضع بحثه أو تعرّضت إلى جانب منه. وهذه الجهود تكون على صور مختلفة وتسمّى (مصادر البحث). وهذه المصادر هي التي ستقدّم المادّة الأوّليّة الخام التي سيُنسج البحث بالكثير من خيوطها، ولا بدّ أن يستند كلّ بحث إلى مصادر أولية، لأنّ العلم تراكميّ، ولأنّ اللاحق لا بدّ أن يضيف إلى السابق حتى ينمو العلم ويتقدّم عن طريق البحث والدراسة، والباحث يستعمل المصادر لمعرفة ما تمّ التوصّل إليه من أفكار، ولتوثيق ما اكتشف الباحثون، وللاعتراف بفضل السابقين من العلماء، وكلّ هذه الأمور تعلو بالبحث وقيمته النظرية والتطبيقية، وتعلي من شأن الباحث لأمانته.
وإذا لم تكن لدى الباحث الأفكار والمعلومات عن موضوع ما فإنه لن يستطيع أن يكتب عنه أي شيء، من هنا كان للمعلومات أثر كبير في تشكيل هيكل الموضوع الذي يبحث فيه، وكان جمع المعلومات عن هذا الموضوع أمراً ضرورياً ولازماً حتى يخرج على الصورة المرجوة واللائقة.
إنّ مصادر البحث ليست خزائن للمعلومات التي تعين الباحث على إنجاز بحثه فحسب، ولكنها قد تعين الراغب في البحث على اختيار موضوع بحثه، بأن تقدّم الجوانب التي لم تبحث بعد أو الجوانب التي تحتاج إلى استكمال بحث غير تامّ، أو تصحيح أخطاء بحث في موضوع درس قبلاً.
وكثيراً ما نجد في بحوث علمية سابقة إشارة إلى موضوع أو مشكلة مجموعة من الموضوعات والمشاكل التي تستحق الدراسة والبحث، حيث أن الكاتب لم يستطع بحثها أو دراستها لضيق الوقت عنده، أو لعدم توفر الإمكانيات اللازمة ـ ومن هنا يستطيع باحث آخر أو أكثر أن يبدأ دراسته من حيث انتهت دراسة غيره. ((وإضافة إلى الموضوعات والمشاكل التي يقترحها الباحثون في بحوثهم فإنه قد تكون البحوث السابقة هي نفس المصدر لبحث آخر متمّم لها في نفس الاتجاه، أو في اتجاه معاكس، ويكون ذلك من خلال قراءة تلك البحوث وفهمها ودراستها))(6).
وأهم ما ينبغي للباحث أن يتّصف به في التعامل مع مصادر المعلومات التي تهمّ موضوع بحثه والتي سيحتاج إلى أن ينقاشها هو: الدقّة والأمانة.
فأمّا الأمانة فلا غنى عنها، لأنّ على الباحث في موضوع ما أن يذكر بأمانة ما توصّل إليه الذين سبقوه من نتائج وافكار وآراء، وأن ينسب لكلّ ذي فضل فضله. وأمّا الدقّة فيفترض أن يكون الباحث دقيقاً في فهم أفكار الآخرين وآراءهم، ويكون دقيقاً في نقلها.
إن طرق جمع المادة العلمية تختلف باختلاف أهداف البحث، ووظيفة المادة العلمية وموقعها في البحث، وإمكانات البحث، وإمكانات الباحث(7)، ومن القواعد التي تتّبع لتحقيق الدقّة والأمانة في التعامل مع المصادر أن يكون اقتباس أفكار الآخرين ونصوصهم في متن البحث على طرقتين هما:
1 ـ اقتباس النصّ حرفيّاً: ويكون ذلك عندما يريد الباحث النصّ نفسه لغرض الاستشهاد به أو للتوثيق، أو عندما يصعب على الباحث اعتماد فكرة النصّ وصياغتها بأسلوبه الخاصّ في مثل إيجاز النصّ الأصليّ ومثل دقته وكفاءته ولهذا يقوم بنقل النصّ الأصلي نفسه. ويوضع النصّ بين قوسيْ تنصيص وفي آخره رقم الإحالة الذي يحيل إلى الهامش حيث اسم المصدر ورقم الصفحة والجزء إن وجد.
2 ـ اقتباس مضمون النص: ويكون ذلك عندما يجد الباحث أنّ النصّ الأصلي طويل ويمكن أن يعبّر عنه بعبارة أوجز تلخّص الفكرة المطلوبة، أو عندما تكون الفكرة المطلوبة ممتزجة في النصّ الأصلي بأفكار أخرى ولا يمكن فصلها عند اقتباس النصّ نفسه، فيعمد الباحث إلى أن يصوغ الفكرة المطلوبة المحدّدة بأسلوبه الخاصّ، وعند نهاية الفكرة يضع رقم الإحالة، وفي الهامش يضع رقم الإحالة ويكتب عبارة (يًنظَر:) أو (انظُرْ:) وبعدها يذكر المصدر ورقم الجزء والصفحة.
إنّ هذه الإجراءات التي تبدو في ظاهرها شكلية في جمع المعلومات الضرورية واللازمة للموضوع. وترتيبها بحسب أهميتها. والانتقاء منها ما يوصل إلى الهدف من كتابة الموضوع. يجب أن تقام على أساس جوهري من الوعي البحثي بأن تحلل المعلومات، ويُعلق عليها إيجاباً أو سلباً بحسب ما تقتضيه الضرورة مع التعليل وذكر الأدلة، بمعنى أن أن تظهر شخصية الباحث، ويبرز جهده العلمي في البحث. إن طرق جمع المادة العلمية تختلف باختلاف أهداف البحث، ووظيفة المادة العلمية وموقعها في البحث، وإمكانات البحث، وإمكانات الباحث.

الهوامش
ــــــــ

(*)  مدرس في كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية ـ جامعة بغداد، معهد الابحاث والتنمية الحضارية.
(1) مناهج البحث العلمي دليل الطالب إلى كتابة الأبحاث والرسائل العلمية:ص 35.
(2) يُنظر: كيفية كتابة الأبحاث والإعداد للمحاضرات:ص 24-25. و: أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية:ص 85 وما بعدها.
(3) منهجية البحث العلمي: ص 23.
(4) مناهج البحث العلمي: ص 5.
(5) يُنظر: البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق: ص 21.
(6) البحث العلمي، دليل الطالب في الكتابة والمكتبة والبحث: ص 30.
(7) بُنظر: البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق: ص 21.

 

tsha4ever@yahoo.com