الحضارية «الوعي البحثي»

الاربعاء: 26/03/2008

 

الوعي البحثي.. المفهوم والآفاق(3)

د. ثائر حسن جاسم(*)
(خاص للمعهد)

6 ـ شروط البحث العلميّ ومواصفات الباحث:

شروط البحث العلمي:
قد يكون المرء قادراً على أن يكتب في كثير من الموضوعات المعرفية، ويسوّد صفحات تكثر أو تقلّ بحسب قدراته الكتابية وبحسب الموضوع الذي يكتب فيه، ولكنّ كتابته لن تكون بحثاً علميّاً رصيناً، لأنّ للبحث العلميّ شروطاً ومستلزمات بحثية أساسية هي في صميم المنهجيّة العلميّة، لا بدّ أن تُهيّأ.. وهذه الشروط تميّزه من أنواع الكتابات غير العلمية الرصينة. ويمكن أن نبلور هذه الشروط في النقاط الآتية:
(1) تخطيط حدود موضوع البحث ووضوح أبعاده:
أي أن يكون موضوع البحث محدد المعالم واضح الأبعاد لا يحتمل الزيادة أو النقصان، ولا يكتنفه الغموض والاستطراد، لأنّ ضبابية حدود موضوع البحث وابتعاده عن الوضوح يُدخل الباحث في متاهات بعيدة عن الوصول إلى الهدف المنشود، فيضيع جهده ووقته. وتبرز طبيعة الوضوح، أول ما تبرز، من خلال اختيار عنوان للبحث يتطابق على نحو دقيق مع الموضوع الذي يراد البحث فيه لأن همّ الباحث من عنوان البحث هو الدلالة العلمية، وهذه المشكلة ما تزال تعاني منها كثير من البحوث التي يُفترض أنها (علميّة)، وإذا لم يتطابق عنوان البحث مع المادة البحثية، كان مدعاة إلى الاستغراب من مفارقة تدلّ على جهل صاحبها.
إذن البداية تكون من اختيار الموضوع واختيار العنوان له، إذ يُعدّ «الاختيار الموفق لعنوان البحث أو الرسالة أمراً ضرورياً في تقديم صورة جيدة عن البحث منذ بداية الاطلاع عليه أو مراجعته وقراءته وتقويمه»(1). ولكن تحديد الموضوع ووضوح أبعاده لا يقتصران على عنوانه وإنما يقومان في الأساس على وضع خطّة للبحث تتسم بالمنطقية والترابط والوضوح وتتناسب مع موضوع البحث. إضافة إلى دقة العناوين الداخلية في أقسام البحث المختلفة.
ولقد أحسن من أوجز شروط تحديد عنوان البحث في ثلاث سمات أساسية هي(2):
أ. الشمولية: أي أن يشمل عنوان البحث بكلّ عباراته وكلماته ومصطلحاته العامّة والمتخصّصة المجال المحدّد والموضوع الدقيق الذي يخوض الباحث فيه، وعلى المجال المؤسسي أو الجغرافي الذي يخصّه، وكذلك المدّة الزمنية التي يغطيها البحث إذا تطلب الأمر ذلك.
ب. وضوح العنوان: ينبغي أن يكون عنوان البحث واضحاً في مصطلحاته وعباراته وصياغة كلماته، وحتى في استخدام بعض من الإشارات والرموز إذا تطلب الأمر ذلك.
ج. الدلالة: ونقصد بها أن يعطي عنوان البحث دلالات موضوعية محدّدة للموضوع الذي يطلب بحثه ومعالجته والكتابة عنه، والابتعاد عن العموميات، وترتبط الدلالة على موضوع البحث عادة بالشمولية والتغطية، أي أن يكون العنوان شاملاً لموضع البحث ودالاً عليه دلالة واضحة.
إنّ اختيار البحث يتطلب من الباحث أن يتأمل جيداً وأن يكون متأنياً عند الاختيار وأن يخضع هذا الموضوع لعدة معايير ومواصفات فإن طابقها فيكون قد وفق في اختيار موضوع البحث، وينبغي أن يؤطّر البحث في حدود موضوعية وزمنية ومكانية واضحة المعالم، وأن يتجنب الباحث التخبّط والمتاهة في أمور لا تخص موضوع بحثه. فكثيراً ما تظهر جوانب فرعية عن موضوع البحث المحدد أو المدّة الزمنية التي يدرسها أو المكان المعنيّ والمحدّد والمطلوب تخصيصه بالبحث، وقد لا تقل مثل هذه الجوانب التي ظهرت للباحث أهمية عن الجانب الذي يبحث فيه ويخصه ويتحرى عنه، ولكن يجب أن لا تنسيه مثل هذه الجوانب موضوعه المطلوب والجوانب الأساسية فيه، والتي يتمّ تحديدها في عنوان البحث الرئيسي أو عناوينه الثانوية.
وهذا لا يتمّ إلا من خلال إلمام الباحث الكافي بموضوع بحثه الذي يُفترض أن يتناسب مع إمكاناته الذاتية والموضوعية، ويأتي مثل هذا الإلمام عادة إما من مجال الخبرة والعمل الذي عايشه الباحث، أو تخصصه الموضوعي فيه، وقراءاته الواسعة والمتعمقة عنه ومتابعاته له. وهنا لا بدّ من تأكيد أن يقوم الباحث باختيار المجال الموضوعي الذي يتناسب مع مؤهلاته العلمية وتحصيله التعليمي، إضافة إلى إمكاناته الفردية، فالخوض في مجال أو موضوع أكبر من إمكانات وقدرات الفرد الباحث يقوده إلى نتائج غير موفقة وبحث غير ناجح ومكتمل الجوانب. وعلى الباحث أن يتأكد من أنه يستطيع أن يقوم بالبحث في الموضوع الذي اختاره لأنه قد يكون هناك بعض الأسباب التي قد تحول دون إمكانية إجراء البحث منها ما يتعلق بالبحث أو بظروف الباحث.
(2) الترابط بين أجزاء البحث:
من الضروري أن تكون أقسام البحث وأجزاؤه المختلفة مترابطة ومنسجمة، سواء أكان ذلك على مستوى الفصول أم المباحث أم الأجزاء الأخرى، التي تظهر في البحث تحت أشكال ومسميات مختلفة. فينبغي أن يكون هناك ترابط وتسلسل منطقي، تاريخي أو موضوعي، يربط الفصل الأول بالفصل الثاني والثالث، وهكذا. كما وينبغي أن يكون هناك ترابط وتسلسل في المعلومات بين المبحث الأول، أو الجزء الأول من الفصل الواحد وبين المباحث والأجزاء المتتالية الأخرى. ويتبلور هذا الترابط أول ما يتبلور عند بناء خطّة البحث ووضع عناصرها ومفرداتها.. إنّ بناء خطّة متماسكة مترابطة من أهمّ شروط البحث الذي يوصف بأنه (علمي)، على الرغم من أنّ هذه الخطة قد تكون نامية ومتحركة مع مراحل تكوّن البحث نفسه. المهمّ أن يحافظ الباحث خلال التقدّم في عملية بحثه على الترابط المنطقي والموضوعي في رسم خطة بحثه وكذلك عند تطويرها خلال مجريات البحث النظرية والعملية، وهذا يدعو إلى أن يتجنّب البحث اعتماد الخطط الجاهزة وقوالب الخطط الجامدة التي قد تضيق بمعطيات البحث ولا تساعد على تقديم نتائج البحث على نحو متسسل منطقياً ومترابط موضوعياً.
(3) الجدة والإبتكار:
من أهم شروط البحث الجيد أن تكون هناك مبررات لقيامه، وأن توضع له أهداف وأن يحقّق غايات نظرية أو عملية. وقد ذكرنا سابقاً أنّ البحوث تُعمل في أيّ مجال علميّ أو معرفيّ، نظريّ أو تطبيقيّ لوجود حاجة إلى الكشف عن جوانب معيّنة في قضيّة علميّة، أو فكريّة، أو دينيّة، أو أدبيّة، أو تاريخيّة... تثير تساؤلات وتحتاج إلى إجابات، ويمكن أن يكون من غايات البحث أمر أو أكثر من أمور: كأن يكون اختراع علم لم يُسبق إليه، وقد يكون إتماماً لعلم غير مكتمل سُبق إليه، وفي العلوم كلّها حاجة إلى إتمام، وقد يكون مدار البحث أن يفسر علماً مستغلقاً يحتاج إلى شرح وتبيين... أو معطيات مفرّقة ومشتّتة فيجمعها، أو مختلطة ومضطربة فيرتّب فرضياتها ثمّ نتائجها.. وربّما يجتمع في البحث الواحد أكثر من غاية من هذه الغايات التي تعطي للبحث أهميّته في حركة البحث العلمي.
وأيّاً تكن الغاية والهدف وأيّاً يكن مسار البحث أو جهته فلا بدّ أن يحرص الباحث على أن ينهج في بحثه نهجاً فيه جدّة وابتكار أو بعضاً منهما، سواء في ذلك جهد الاكتشاف والاختراع، وجهد الإتمام ومواصلة الاكتشافات السابقة، وجهد التفسير والجمع والترتيب..
وربما شكّلت حداثة موضوع البحث مصدر قلق للباحثين، لكن الأمر ليس بالصعب العسير، فعلى الباحث قدر المستطاع أن يختار موضوعاً جديداً لم يطرقه أحد من قبل، لأنّ ما يُجهَل هو الأعمّ الأغلب في كلّ ميدان، (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا). وفي كثير من الأحيان يكون الموضوع قد تمّ تناوله من قبل ولكن لم يتمّ تناوله من كلّ الجوانب، وقد يكون استجدت أمور في أثناء الدراسة فيستدعي تغيير بعض النتائج ممّا يحتاج معه إلى دراسة هذا الموضوع في ضوء المتغيرات الجديدة. وربما كان هذا واضحاً في مجال العلوم الطبيعية والتجريببة والميدانية وكذلك العلوم الإنسانية. لذلك ينبغي للباحث اختيار موضوع غير مدروس، أو اختيار موضوع مدروس ولكنه غير مستهلك ليعكس شخصية الباحث وتميزه، وليبذل في إعداده جهداً، ولئلا يلجأ إلى السرقة فتفوته الفائدة التي أقرت من أجلها البحوث.
إذن يستطيع أن يكتب الباحث في موضوع مطروق إذا رأى أنه قادر على تقديم شيء جديد فيه، ربّما لأنّ الباحثين تركوا قبله الباب مفتوحاً لإضاءة أمورٍ لم يسلطوا الضوء عليها، أو ربّما أشاروا إلى مداخل تتصل بأطراف من بحوثهم لم يلجوها هم ؛ فيأتي بعدهم من يفتح الآفاق ويسلط الأضواء ويقدم الجديد أو أشياء من الجديد. فالترتيب والتنظيم للمادة تنظيماً جديداً، أو الاهتداء إلى أسباب جديدة لحقائق قديمة أو تكوين موضوع منظم من مادة متناثرة يُعدُّ إبتكاراً.
إنّ العلم جهد تراكميّ ومن شروط البحوث العلميّة أنّها يضيف بعضها إلى بعض ويصحّح بعضها أخطاء بعضها، وهكذا يرتقي العلم، نظرياً كان أم عملياً، سلّم التقدّم، وحركة العلم تضيف، من خلال البحوث العلمية، أشياء جديدة ومفيدة إلى ما قد يكون معروفاً في المجالات والتخصصات التي تنتمي إليها وترتبط بها. لذا فإن التأكيد على الابتكار والإغناء أمر في غاية الأهمية في إعداد البحوث، حيث أن البحوث العلمية مثلها مثل حلقات السلسلة، يكمل بعضها البعض الآخر في سلسلة واحدة في مجال من مجالات المعرفة البشرية. والباحث الجيد هو الذي يضع قبلاً الأهداف المركزية العامّة لموضوع بحثه بحيث يكون لجهده ن في مسيرة ميدان علمه، قيمة ومكانة ودور مؤثر، ولا بدّ من أن يتنبّه إلى مدى إسهام بحثه وإضافته إلى المعرفة في مجال تخصصه. ولا بدّ من أن يعرف كيف يبدأ من حيث انتهى زملاؤه من الباحثين الآخرين، بغرض إكمال السلسلة، وإضافة شيء جديد لها، يغنيها ويعزز مسيرتها.
(4) الإحاطة بمصادر البحث:
لأنّ من طبيعة الجهد العلميّ في أيّ ميدان متّصل بعضه ببعض ويقوم بعضه على بعض فلا بدّ من أن يقوم أيّ بحث جديد على الاستقراء الوافي للجهود التي سبقت إلى تناول موضوع البحث والمبثوثة في المصادر والمراجع على اختلاف أنواعها: كتباً، ومقالات في الدوريّات، ورسائل جامعية، ومقابلات.. ولا شك في أن المصادر هي المادة الخام التي تموّن البحوث بالنصوص والمعلومات. والموضوع الذي تقلّ مصادره بشكل واضح أو الذي يكون التحدث عنه في مصدر واحد أو مصدرين لا يصلح للاختيار لأن البحث فيه لا يعدو التلخيص، فالتنقيب عن المعلومات بين المصادر وجمعها من هنا وهناك من المقومات الأساسية في البحث العلميّ.
ومن الضروري التأكد من وجود معلومات كافية ومصادر وافية عن المجال الموضوعي الذي اختار الباحث الخوض فيه والكتابة عنه. وهذا يشمل مصادر المعلومات المكتوبة أو المطبوعة أو الإلكترونية، وهذا الشرط يصدق على البحوث الوثائقية والنظرية التي تحتاج إلى المصادر في كل مرحلة من مراحل الكتابة، وكذلك يصدق على البحوث والرسائل ذات الطابع الميداني، كالمسح ودراسة الحالة، والتي هي أيضاً تحتاج إلى المصادر النظرية للتعرف على الخلفية الموضوعية لمثل تلك البحوث، وتوسيع دائرة المعرفة الموضوعية للباحث في المجال الذي يكتب عنه. إضافة إلى الحاجة في كتابة ما يطلق عليه بالفصل النظري، الذي يعتمد أساساً على عرض الأدبيات الخاصة بالموضوع، والذي يعدّ منطلقاً مهما لكتابة بقية الفصول التي تجمع معلوماتها ميدانياً.
ولا بدّ أن يقوم البحث العلمي الرصين على الدراسات والآراء الأصيلة والمسندة، وعليه أن يكون دقيقاً في جمع معلوماته، والاطلاع على الآراء والأفكار المختلفة المطروحة في مجال بحثه. وأن يكون إسناد الآراء والأفكار إلى أصحابها على وجه الدقّة، لأنّ الأمانة العلمية في الاقتباس والاستفادة من المعلومات ونقلها تعدّ أمراً في غاية الأهمية في كتابة البحوث، وتتركز الأمانة العلمية في البحث على جانبين أساسيين، هما:
أ. الإشارة إلى المصدر أو المصادر التي استقى الباحث معلوماته وأفكاره منها، مع ذكر البيانات الأساسية (الببليوغرافية) والكاملة للمصادر، وأصحابها، والمكان والصفحات التي وردت فيها... إلخ، إذا كانت مصادر وثائقية، وكذلك ذكر الشخص أو الأشخاص الذين أخذ عنهم معلومات، إذا كانت معلوماته من أشخاص بالمقابلة، وما شابه من الإشارات الضرورية التي تكفل النقل الأمين لمختلف أنواع المعلومات.
ب. التأكد من عدم تشويه الأفكار والآراء التي نقل الباحث عنها معلوماته، فإذا حدث أن استفاد الباحث من فكرة أو معلومة، من مصدر، فعليه أن يذكرها بذات المعنى والمغزى الذي وردت فيه، حتى وإن اضطر إلى إعادة صياغتها بأسلوبه الخاص.
(5) وضوح الأسلوب وسلامة اللغة:
إنّ اللغة هي أداة التفكير وهي وسيلة توصيل الفكر، ولا يستقيم الفكر عامة، والفكر العلميّ خاصّة، إلا بلغة صحيحة منضبطة، قادرة على أداء الأفكار والمعاني على وجه الدقة، إضافة إلى السلاسة والوضوح. والبحث الجيد يكون مكتوباً عادة بأسلوب واضح، ومقروء ومشوق، بطريقة تجذب القارئ لقراءته، وتشده إلى متابعة صفحاته ومعلوماته، وليس أكره على محصِّل العلم، من متابعة وقراءة بحث مكتوب بأسلوب معتم وملتوٍ وغامض.
وسلامة اللغة شرط ضروري من شروط البحث العلمي الرصين، وليس شرطاً كمالياً لأنّ اضطراب اللغة يتبعه، بالتأكيد، اضطراب الفكر الذي يُراد توصيله.. ويمكن حصر سلامة اللغة في جانبين، هما:
أ. استعمال الألفاظ لمعانيها الصحيحة الدقيقة التي وضعت لها، ولأن معاني الألفاظ يصيبها الانحراف، قليلاً أو كثيراً، في تاريخها، فعلى الباحث أن يكون ملمّاً بمعاني ألفاظ لغته، وعلى أقل تقدير الألفاظ التي يكثر ورودها في أدبيات الكتابة.. وأن يتابع تصويبات الأخطاء الشائعة التي تدلّ كثرتها على ضعف البحث وجهل الباحث.
ب. سلامة التراكيب في الجمل، لأنّ المبتدأ يحتاج إلى خبر، والفعل إلى فاعل، وفعل الشرط يحتاج إلى جواب شرط، والأدوات اللغوية التي تضع مقدمات لا بدّ أن يتبعها ما يؤدّي النتائج.. ومثل هذا يقال في النفي والإثبات والتقديم والتأخير والاستثناء والتوكيد... ووضع العبارات وبناء الجمل في تركيباتها الصحيحة يمثل توصيل الفكر على نحو مرتّب وصحيح منطقياً.
إن من صفات البحث الجيد أن تكون لغتهُ فصيحة وسليمة، فالألفاظ على قدر المعاني كما تقول البلاغة العربية، وإذا كان لكل باحث أسلوب خاص به في طرح أفكاره ومناقشاته، فيجب أن تكون تلك الأفكار والمناقشات واضحة أمام القارىء، بعيدة عن التكلف، تجعلنا نواصل قراءة البحث من غير تذمر، أو تكلف.
وعلى هذا الأساس فإنه من الضروري أن يراجع الباحث مسودات بحثه والتأكد من وضوح الكلمات والمصطلحات والجمل المستخدمة، وصحتها لغوياً وموضوعياً، وأن يستخدم مصطلحاته بشكل موحد، وأن يبتعد عن استخدام عدة مصطلحات لمفهوم واحد.
مواصفات الباحث العلميّ:
لا بد من أن يتّصف الباحث العلمي بصفات يكتسبها، أو ينميها في نفسه، منها ما تكون خارجة عن قدراته ومواهبه الشخصية كالثقافة العامة والإطلاع، ومنها ما هو فطري يتمثل في الموهبة الذاتية والقدرة على التحليل والاستنتاج والربط وحب العلم وتقصي الحقيقة، وأهم هذه الصفات:
(1) الثقافة وسعة الإطلاع: education and wide knowledge
إنّ القراءة الواسعة والإحاطة بكل ما يتصل بالبحث من قريب أو بعيد ؛ من العناصر المهمة التي على الباحث أن يتصف بها، إذ تعينه على المناقشة وتموين بحثه، وأن يكون ملماً بأساليب البحث ومناهجه.
وتتضح نتائج تلك الإطلاعات والثقافات حين يتناول الباحث موضوعاً متشعب الجوانب الفكرية والعلمية، كدراسة شخصية متنوعة الأفكار والإنتاج، أو عندما يكتب موضوعاً متشعب الجوانب، ومن خلال الإطلاع الثقافي المتنوع تبرز عمليتان على جانب كبير من الأهمية وهما الاستقراء والاستنباط. أي جمع المواد والنصوص من المصادر، ثم استنباط خلاصتها. ويقتضي الاستنباط أن لا يحشر الباحث كل ما يجمعه في بحثه، بل يوازن ويقارن وينتخب ما هومفيد، مبتدئاً بالجزئيات ومنتقلاً إلى الكليات.
(2) الصبر (Patience)
إن سعة الإطلاع والرغبة في البحث لا تكفي، فطريق البحث طويلة وشاقة، ومن هنا وجب أن تصحبها صفة الصبر لمواجهة العقبات التي تعترض الباحث في أثناء البحث.لأنّه قد يدبّ الملل والتذمّر في نفس الباحث في مراحل البحث المختلفة خلال جمع المصادر وتوثيق النصوص وارتياد المكتبات والبحث عن كل صغيرة وكبيرة تخص البحث، وقراءة كل ما له صلة بموضوع البحث. لذلك لا بدّ من الصبر الذي يعيد النشاط ويساعد على التروي وعدم التسرع. وكثيراً من البحوث اتصفت بالضعف والترهل بسبب تسرع الباحث في كتابة البحث وقلّة صبره على مشقّة إنضاجه على النحو الأمثل.
(3) الدقة والتركيز والتحليل Precision, Concentration and Analysis
إن الدقة في اختيار النصوص التي لها علاقة بالبحث من سمات البحث الجيد، وسمات الباحث المنهجي. وعلى الباحث أن يكون نبيهاً ودقيقاً في ( الملاحظة) و( الاختيار) و( بحث الفكرة).
أما ( الملاحظة) فتعني أنّ الباحث يجب عليه أن لا يجمع مادة بحثه من المصادر والمراجع ثم يقوم بترتيبها ونقلها والإحالة إليها في الحواشي من دون إطالة فكر وتأمل. فيجب أن يدخل النص في مختبر التجربة، فقد يكون النص مقبولاً في الذوق ولكنه عقلاً لا يساير أو ينسجم مع مذهب الكاتب أو أفكاره، فالملاحظة يجب أن يكون لها مكان، ثم يقبل أو يرفض أو يعلق على النص، التعليقات التي يستحقها.
أما (الاختيار) فنعني به اختيار النصوص المتعلقة بموضوع البحث وتُعدُّ من المشكلات التي يعاني الباحث منها. لذلك يجد بعضاً من الباحثين المبتدئين صعوبة في اختيار النصوص المناسبة فيحاولون حشر ونقل ما يضر وينفع، ظناً منهم أنها تخدم البحث، مما يؤدي إلى اضطراب البحث وضعفه. لذلك كان للدقة في اختيار النصوص أهمية كبيرة.
ذكرنا أن الثقافة وسعة الإطلاع، تموّن الباحث بالأفكار وأساليب الكتّاب، ولا بدّ أن تنشأ لدى الباحث نتيجة لتلك القراءات ملكة التذوق وتحليل النصوص وفهمها على وجه الدقة، لاسيما قراءة النصوص القديمة والنصوص المترجمة، لأنّ النصوص قد تحمل معنى ظاهراً غير مقصود وتنطوي على أفكار أعمق هي المقصودة، لا سيما في الموضوعات العلمية المعقّدة.
(4) الموضوعية (Objectivity)
تكتنف النفس الإنسانية كثيراً من الأهواء والميول ؛ لذلك كان لزاماً على الباحث أن يكون موضوعياً في نظرته إلى آراء الآخرين ومذاهبهم، فالبحث كما ذكرنا هو الوصول إلى الحقيقة المجردة عن ذاتية الكاتب. ويبرز أثر العواطف غالباً في البحوث والمؤلفات التي تتخذ من الشخصيات الفكرية والعلمية موضوعاً للبحث، لأن اختيار الشخصية يكون على وفق هوى الباحث ومذهبه الفكري والسياسي فيحاول عن طريق ما يكتب إظهار الميل والتعصب للأفكار التي يعتنقها المبحوث فيه. فيجب في مثل هذه الحالة الكتابة بأسلوب هادىء ومتزن ذلك أن البحث ليس ميداناً للعواطف وعرض الأمزجة.
(5) حضور الشخصية Self Assured
ينبغي على الباحث أن يكون له حضور دائم بين سطور البحث، وأن لا يجعل بحثه ميداناً لطرح آراء الكُتّاب، فعليه أن يناقش ويجادل، فيرفض ما يراه بعيداً، ويقبل ما يراه مناسباً. إن حشد الآراء والنقل المباشر من المصادر والمراجع، يعني التسليم بكل ما يقوله المؤلفون، دون تأمل، أو دون أن يكون له موقف مما قيل، وهذا يعكس عدم قدرة الباحث على المناقشة والاحتجاج.
أما إذا كان الباحث غير قادر على طرح الآراء ومناقشة أقوال النقاد فإنه ملزم بتنظيم النصوص على وفق ما يتطلبه منهج البحث العلمي؛ إذ إن وضع النصوص إلى جانب النصوص الأخرى المناسبة لها، بطريقة متناسقة ومنطقية حتى نهاية البحث يُعدُّ عملاً جيداً، على أنّ بروز شخصية الباحث شرط ومبدأ من مبادىء البحث المنهجي الرصين.
(6) الأمانة العلمية Science of Integrity
إنّ الباحث أمام حشد من المصادر والمراجع التي تعكس آراء أصحابها وأفكارهم، ومثلما يحفل بعضها بالأفكار النافعة والمفيدة، يفتقر البعض الآخر إلى مثل تلك الآراء. لكن الباحث أمام تلك المصادر المتنوعة، لا يملك إلاّ إن يأخذ وينقل ما يراه مناسباً لموضوعه، ويترك ما لا يراه مناسباً، لكن الأمانة العلمية تقتضيه أن يكون أميناً في نقل آراء الآخرين من دون تغيير أو تزويق، أو أن يرى رأياً يعجبه فينسبه إلى نفسه من غير الإشارة إليه في الهامش، أو أن يتصرف في رأي أحد النقاد ويُعيد صياغته، ثم يدعيه لنفسه. فالأمانة شرط في فهم آراء الآخرين وشرط في مناقشتها. وعلى الباحث أن يعرض أفكار الآخرين وحججهم كما هي، ثم يناقشها، إذا كان لا بد من المناقشة.

الهوامش
ــــــ
(*)
مدرس في كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية ـ جامعة بغداد، معهد الابحاث والتنمية الحضارية
(1) البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات: ص36.
(2) المصدر نفسه: ص 37.

مصادر البحث:
(1) أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية. د. مروان عبد المجيد إبراهيم. ط1 2000 مؤسسة الوراق.
(2) الأسس العلمية لكتابة رسائل الماجستير والدكتوراه. د. محمد عبد الغني عوض و د. محسن أحمد الخضيري. مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة 1992.
(3) أسس ومبادئ البحث العلمي. د. فاطمة عوض صابر و د. ميرفت علي خفاجة. ط1 2002 مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية.
(4) دليل الباحث. مجموعة من الباحثين المتخصصين. من منشورات دار المريخ في مدينة الرياض 1408هـ/ 1988م.
(5) ما قبل الفلسفة الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى. هـ فرانكفورت وآخرون. ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا. المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت. ط2 1980.
(6) منهجية البحث العلمي القواعد والمراحل والتطبيقات. د. محمد عبيدات وآخران. كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية - الجامعة الأردنية. ط2 1999.
 

البريد الالكتروني: abhath_dv@yahoo.com