|
السبت:
29/09/2007
الوعي البحثي... المفهوم والآفاق(2)
ثائر حسن جاسم
(خاص
للمعهد)
5- ما هو البحث العلميّ؟
لقد بلغ البحث الذي يوصف بأنّه (علميّ) (Scientific Research) المكانة العليا وحاز
الأهميّة القصوى في الفكر الإنساني اليوم، ويجيء وصفه بـ (العلمية) تمييزاً له من
ضروب البحث غير العلمية التي تتمثّل في التحصيل الاعتباطي والعفويّ للمعرفة على نحو
غير مدروس وغير منظّم.. ولقد حاول كثير من المختصين وضع تعريف لمصطلح (البحث العلميّ)
يكون جامعاً مانعاً لتحديد مفهومه تحديداً دقيقاً وتبيين خصوصيته وتميّزه، واعتمد
كلّ منهم في تعريفه منطلقات فكرية عبّرت عن خبرات وقناعات متباينة، ولذلك نجد عند
المتخصّصين تعريفات عدّة يتشابه بعضها في جوانب، ويختلف في جوانب أخرى، وقد يتّصف
بعضها بالإيجاز، وبعضها الآخر بالإطالة.. وقد يتضمّن بعضها الآخر تناقضات، وقد يثير
بعض هذه التعريفات مناقشات حول معاني الألفاظ التي يتألّف منها.
ولكي تتضح خصوصيّة (البحث العلميّ) ولكي تتبين حدود مفهومه لا بدّ من الوقوف على
التعريفات التي وضعها المختصّون لتحديد عناصره وأبعاد محيطه، ولا مناص لمن يتصدّى
لبحث ما أن يعي خصوصية الطريقة المنهجية العلمية في البحث وعياً دقيقاً يقيله من
عثرات التخبّط في متاهات المعرفة، ويحميه من خلط الوسائل غير العلمية بالوسائل
العلمية، فتكون نتائج البحث واهنة ضعيفة المصداقية.
أ. نظرة نقديّة في تعريفات البحث العلميّ:
نجد غير قليل من التعريفات لمفهوم (البحث العلمي) تعكس منطلقات فكرية وتاريخية
مختلفة فقد عرّفه بعضهم بأنه: الاستقصاء الذي يتميز بالتنظيم الدقيق لمحاولة التوصل
إلى معلومات أو معارف أو علاقات جديدة والتحقق من هذه المعلومات والمعارف الموجودة
وتطويرها باستخدام طرائق أو مناهج موثوق في مصداقيتها(1). ويرى بعضهم أن البحث:
استقصاء منظّم يهدف إلى اكتساب معرف جديدة وموثّقة بعد الاختبار العلمي لها(2)،
بينما يرى آخرون أنّ البحث العلميّ هو: التحرّي والاستقصاء المنظّم الدقيق الهادف
للكشف عن حقائق الأشياء وعلاقاتها بعضها ببعض وذلك من أجل تطويره الواقع الممارس
لها فعلاً أو تعديله(3).
وعرّفه آخر فقال: هو أداة ووسيلة موضوعية للكشف عن الحقيقة العلمية، وهو طريق مقبول
لتثبيت وترسيخ الحقيقة، حيث يتمّ عرضها ونقدها بموضوعية، وهو الطريق الميسّر لتوسيع
الاتفاق العقلي بين الناس، وجعل أحكامنا أكثر قبولاً ودقة(4).
ولكننّا أمام هذا التنوّع في التعريفات نحاول تحليل مفهوم (البحث العلمي) للكشف عن
مضامينه، فنجد أنّه مركب من مصطلحين اثنين هما: (البحث)، و(العلم)، ويحسن الوقوف
عند كل مصطلح منهما لنتبيّن حدود مفهومه الدقيق:
فأما مصطلح (البحث Research)، والذي هو أساس دراستنا هذه، فهو قد يعني عند البعض:
التحرّي والتقصّي، وعند الآخر: السؤال والاستفسار عن شيء أو موضوع ما له أهمّيّة
معينة. ولو رجعنا إلى المعنى اللغوي فسنجد أنّ لفظة (البحث) تشتمل على معنيين:
أوّلهما: مادّي وهو طلب الشيء والتفتيش عنه، والثاني: السؤال عن الشيء والاستخبار
عنه(5)، والعلاقة بين المدلولين واضحة. وعندما نتحرّى المعنى الاصطلاحي لمفهوم (البحث)
نجد تعريفات عديدة تحدّده أهمّها ما يأتي:
أحد تعريفات (البحث) يشير إلى أنّه: محاولة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها،
وتنميتها، وفحصها، وتحقيقها بتقصٍّ دقيق ونقد عميق، ثم عرضها بشكل متكامل وذكيّ
لتسير في ركب الحضارة العلمية والمعارف البشرية وتسهم إسهاماً حيّاً وشاملاً(6).
وعُرّفه آخرون تعريفاً أكاديمياً بأنّه: استعلام دراسي جدي، أو اختبار، وخاصة عن
طريق التحري والتنقيب والتجريب، الذي يكون غرضه اكتشاف حقائق جديدة، أو تفسيرها، أو
مراجعة للنظريات والقوانين المتداولة والمقبولة في المجتمع، وذلك بضوء حقائق جديدة
أو تطبيقات عملية لنظريات وقوانين مستحدثة أو معدلة(7).
أمّا صفة (العلميّ) فهي نسبة إلى (العلم)، ومفهوم (العلم) يشبه بعض الشيء مفهوم (المعرفة)
ويشترك معه في جانب، ولكنه يتميز منه في جوانب أخرى، ويفرّق الباحثون بين العلم
والمعرفة على أساس الأسلوب ومنهج التفكير الذي تمّ من خلاله تحصيل المعرفة، فمفهوم
المعرفة ليس مرادفاً لمفهوم العلم، فالمعرفة تتضمّ، معارف علميّة وأخرى غير علميّة،
فكلّ علم معرفة، إلا أنّه ليس بالضرورة كلّ معرفة علماً(8). وقيل في تعريف مفهوم (المعرفة)
إنها: ((عبارة عن مجموعة المعاني والتصورات والآراء والمعتقدات والحقائق التي تتكون
لدى الإنسان نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به))(9)...
أمّا تعريف مفهوم (العلم) فهو: ((المعرفة المنسقة التي تنشأ من الملاحظة والدراسة
والتجريب، والتي تتمّ بهدف تعرّف طبيعة وأصول الظواهر التي تخضع للملاحظة والدراسة))(10).
ويعرّف قاموس وبستر الجديد (العلم Science) بأنه: المعرفة المنسّقة التي تنشأ عن
الملاحظة والدراسة والتجريب، والتي تتم بفرض تحديد طبيعة أو أسس ما تمّ دراسته(11).
ويعرّفه قاموس أوكسفورد بأنه: الإدراك الذي يستحصل بواسطة الدراسة، التي لها علاقة
بنوع من أنواع المعرفة(12).
ونستطيع القول من خلال نظرة متفحّصة في تلك التعريفات التي وضعت لمفهوم (البحث
العلمي) وما ينطوي عليه من مفاهيم ضمنية مكوّنة له، إنّ مفهوم (البحث العلمي) يقوم
على ثلاث دعائم أساسية هي:
1- أنّه استعلام واستفهام وسعي للإدراك من خلال التنقيب والتحرّي والاستقصاء والكشف.
2- أنّه يختصّ بالمعارف والمعلومات الدقيقة والصحيحة التي تسمّى (حقائق موضوعيّة)،
وتنسيقها في قوانين وقواعد وأنساق نظرية تتطابق مع معطيات الواقع، وليس بالمعرفة
الاعتباطية أو الإدراك السطحي أو العفوي.
3- أنّه يلتزم في حركته طرائق منظّمة ومدروسة بعناية هي (مناهج) مقنّنة. وهذه
الطرائق المنظمة في البحث تشمل:
أ- الخطط الذهنية التي تنظّم خطوات البحث على نحو مدروس يُتوقع أنه يعطي حلولاً
وإجابات صحيحة.
ب- الوسائل والآليات العملية والتقنية لتطبيق هذه الخطوات.
والملاحظ أن تلك التعريفات تربط بين مفهوم (العلمية) ومفهوم (المنهجية)، على نحو لا
يمكن الفصل بينهما، فـ(العلمية) في البحث تعني أساساً التزام منهج أي طريقة منظّمة
ومتتابعة الخطوات على نحو مدروس للوصول إلى نتائج هي حلول للمشكلات أو أجوبة
للأسئلة التي دفعت إلى البحث بشرط أن تكون النتائج سليمة منطقياً وغير متناقضة مع
ما ثبتت صحته قبلاً ومما يمكن التأكّد من صحته.
فثمة صلة وثيقة تربط مفهوم البحث العلمي بمفهوم العلم ومفهوم المنهج إذ لا وجود
للعلم ولا للبحث العلمي بدون المنهج العلمي في الكشف عن المعارف والحقائق والقوانين
التي يسعيان إلى إبرازها وتحقيقها، ولكي يكون البحث علميّاً لا بدّ أن تكون الطريقة
المتّبعة فيه ذات منهج موضوعي محكم ومدروس بعناية من أول خطوة فيه ( خطوة تحديد
المشكلة ) إلى آخر خطوة (اكتشاف الحقائق والعلاقات فيما بينها). وكثيراً ما يتوقف
حكمنا على أي بحث بالصحة وسلامة النتائج على مدى صحة وسلامة المنهج الذي اتبع في
هذا البحث ويقاس تقدم البحث العلمي في هذا البحث ويقاس تقدم البحث العلمي في أي بلد
بمدى النجاح الذي أحرزه هذا البلد في تطوير مناهج ووسائل البحث العلمي فيه(13).
ب. مفهوم (العلميّة) في البحث:
ترتبط (العلمية) التي توصف بها البحوث بطبيعة العلم وبوظيفته القائمتين على أساس
الوصول إلى قوانين عامّة تغطي وتعالج الأحداث والمسائل القائمة، والعلم يمكننا من
وضع معرفتنا التي توصلنا إليها بشكل تعميمات وقوانين تعالج أحداثاً وظواهر وأشياء
قد تكون موجودة في مكان آخر وتقديم الاستنتاجات معزّزة بأدلتها، ووضع التنبؤات
المناسبة لها. ونستطيع أن نحدّد مفهوم (العلمية) من مضامين التعريفات السابقة،
بأنّها: مجموعة متلاحمة ومتكاملة من الخصائص التي تميّز الجهد البحثي، بما يجعلها
ذات دلالات يمكن تحديدها بالنقاط الآتية:
1- أنّها تعني تحصيل حقائق موضوعية: بمعنى تحصيل معلومات دقيقة صحيحة وغير متناقضة
منطقياً ومطابقة لواقع موضوعها، وهي لذلك معلومات تتصف بثبات نسبي ولا يكون حراكها
إلاّ باتجاه أن تكون أكثر دقّة وأكثر مطابقة للواقع.
2- أنّها تعني الفهم والتفسير: أي فهم الظواهر المختلفة بنظم معطياتها في أنساق
معرفية أو نظريات أو قوانين تيسّر فهم وتفسيرها، في ضوء الظروف المحيطة بها
والعوامل المؤثرة فيها.
3- أنّها تساعد على التنبؤ: ومعنى ذلك أنّ الطبيعة العلميّة تهيّئ مهاداً معرفيّاً
موثوقاً به يمكن اعتماده للتنبّؤ بما سيحدث أو يكون من الظواهر إذا تهيّأت ظروف
معيّنة.
4- أنّها تعين على التحكّم بالظواهر: وهو السيطرة على الظواهر المختلفة والتحكم بها
بغرض إنتاج ظواهر مرغوب بها(14).
وتستند (العلميّة) في البحوث إلى منطق أساسي يتمثّل في تحديد علاقات السببية
Cause-effect بين مجموعتين من المحددات أو المتغيرات في الظاهرة التي هي موضع
الدراسة، تسمّى إحداهما المتغيرات المستقلة Independent Variables، وهي المؤثرات
الأساسية في الظاهرة؟ وتسمى الأخرى المتغيرات التابعة Dependent Variables، وهي
المجريات المشاهدة التي تحدث للظاهرة، ثم محاولة اكتشاف العلاقة بين هاتين
المجموعتين من المتغيرات، ومن خلال اكتشاف هذه العلاقات يمكن التوصل إلى تفسير
لأشكال الظواهر المشاهدة.
ولا تقوم صفة (العلمية) في أيّ بحث إلاّ على أسس محدّدة ولازمة يمكن أن نوجزها فيما
يأتي(15):
1. تتضمّن (العلمية) في البحث وضع تعريفات دقيقة Definitions للظواهر الملاحظة
وتحديد مقاييس كميّة لتلك الظواهر في حين أنّ الأسلوب غير العلمي في البحث لا يولي
تلك الناحية قدراً كبيراً من الاهتمام. فالباحث الذي لا يؤمن بأسلوب البحث العلمي
يمضي في دراسته دون تعريف العوامل أو الظواهر تعريفاً دقيقاً ودون إخضاع الظواهر
للقياس الكمي فتجده يلجأ إلى الأوصاف الكيفية التي لا تستند إلى أساس رقمي.
2. تتيح (العلمية) في البحث الفرصة لاستغلال المعلومات المتاحة استغلالاً أفضل حيث
تستخدم النتائج التي يحصل عليها أحد الباحثين كأساس لبحوث يجريها باحث آخر ويرجع
السبب في ذلك إلى أن الباحث العلمي يضمن دراسته وصفاً دقيقاً للعوامل التي درسها
والتعاريف التي وضعها لها وكيفية قياس تلك العلوامل والطرق الإحصائية التي استخدمها
في تحليل وتفسير تلك البيانات الأمر الذي ييسر استمرار عملية البحث والدراسة.
3. تعتمد (العلمية) الأدلة التي يمكن التحقق من صحتها Verifiable Evidence، والدليل
يعني ملاحظة واضحة وصريحة وحقيقية بحيث يمكن لأي شخص رؤيتها وقياسها أو التحقق من
صحتها بأي شكل، فعلميّة أيّ بحث تقوم أساساً على إمكانية ملاحظة الظاهرة موضوعة
البحث وتحديد صفاتها بما لا يدع مجالاً للخلاف مثال ذلك قياس الأطوال والمسافات
الرياضية أو قياس الذكاء والقدرات في علم النفس.
ولأن العلم يستند إلى ضرورة التحقق من صحة الأدلة التي تقدم لتغيّر الظواهر فإنه لا
يصلح للإجابة عن الأسئلة التي لا يمكن التحقق من الأدلة الخاصة بها، فالعلم لا يصلح
لدراسة القيم، والجماليات، والظواهر الخارقة إذ لا يمكن تقديم أدلة تقبل القياس
ويمكن التحقق من صحتها. ولا تفترض العلميّة تقديم تفسير مطلق أو نهائيّ للظواهر
والأمور، فليس هناك حقائق مطلقة في العلم، والتفسير العلمي يعتمد على الأدلة
المتاحة وظهور أدلة جديدة لا بدّ أن يؤدّي بالضرورة إلى تقديم تفسيرات جديدة
للظاهرة موضوع البحث.
4. تلتزم (العلمية) في البحث بالحيادNeutrality بمعنى أن العالم يحاول اكتشاف
الحقائق المتعلقة بالظاهرة دون أن يتعدى ذلك إلى محاولة التحكم في السلوك بناء على
تلك الحقائق. إن استخدام نتائج العلم متروك لذوي الشأن وهو الذين يقررون كيفية
الإفادة من تلك النتائج.
ج. مفهوم (المنهجيّة) في البحث:
من المعروف أن تقدم العلم مقترن بتقدم المناهج، ولا يمكن إجراء بحث جادّ عن حقيقة
ما بدون منهج منظّم، لأن البحث دون منهج يعيق العقل عن الوصول إلى الحقيقة. لكي
نستطيع تحديد مفهوم (البحث العلميّ) لا بد من إعطاء تعريف عامّ وشامل لمصطلح (المنهج)،
لأنّ تعريف المنهج بشكل واضح ومحدّد ضرورية يعطينا دلالات ومؤشرات على وظيفته في
مفاصل البحث، ولأهمية هذه الوظيفة تعددت واختلفت الآراء حول مفهوم المنهج في البحث
العلمي، وهي تختلف باختلاف المنطلقات الثقافية والفكرية والتاريخية لواضع أيّ تعريف.
لذلك نجد العديد من التعريفات لكلمة المنهج.
و(المنهج) في اللغة هو الطريق الواضح البيّن(16)، واستعير هذا المعنى للطريقة
المنسّقة التي يتّبعها الباحث في إنجاز بحثه للتوصّل إلى الحقيقة، ولذلك عُرِّف (المنهج)
بأنّه: مجموعة من القواعد العامة المستخدمة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم،
بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدّد عملياته، حتى يصل
إلى نتيجة معلومة(17).
وقيل في تعريفه أيضاً إنّه: الطريق المؤدّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم
المختلفة، وذلك عن طريق جملة من القواعد العامة التي تسيطر على سير العقل وتحدد
عملياته حتى يصل إلى نتيجة مقبولة ومعلومة(18).
وذهب آخرون إلى تعريف البحث بأنه: مجموعة من القواعد والإجراءات والأساليب التي
تجعل العقل يصل إلى معرفة حقّة بجميع الأشياء التي يستطيع الوصول إليها بدون أن
يبذل مجهودات غير نافعة(19).
ولأنّ مفهوم (المنهجيّة) الذي هو التزام البحث بمنهج معيّن، يرتبط ارتباطاً صميماً
بمفهوم (العلميّة) الذي هو اتّصاف البحث بأنّ نتائجه علم، فغالباً ما يوصف المنهج
بأنّه منهج علميّ، تعتمده البحوث الجادّة الرصينة... وذكر (منهج علمي) يعني أنّ
هناك في المقابل منهجاً غير علميّ، وهذا يعني أنّ للمنهج العلمي خصائص وأسس تميّزه
من غير العلمي، ولذلك حاول كثير من المختصّين تحديد تلك الخصائص والأسس ووضعوا له
تعريفات، ويمكن أن نخلص منها إلى أنّ تعريف (المنهج العلميّ) هو أنّه: الطريقة
المنسّقة بانتظام، والآليات والوسائل المعدّة بعناية والتي يعتمدها الباحث في بحثه
للوصول إلى الحلول أو الأجوبة التي تمثّل الحقيقة الموضوعيّة.
أما المنهج غير العلمي فهو اتّباع طرائق عشوائيّة غير مدروسة وغير مخطّطة بعناية،
وفي مثل هذه الحال يضيع جهد الباحث ولا يُتوقَّع أن تكون النتائج علميّة. أمّا
المنهج العلمي فإنّه يعتمد الملاحظة الدقيقة للظواهر موضوع البحث، والملاحظة
العلمية تختلف عن مجرد الرواية العادية إن الملاحظة العلمية تتصف بالدقة Accuracy،
والتمحيص Precision، فهي بذلك تختلف عن الملاحظة العابرة أو السطحية ووسيلة العلم
إلى الدقة والتمحيص هي استخدام أساليب القياس Measurement المختلة من ناحية أخرى
فالملاحظة العلمية تتصف بالانتظام Systematic ويتم تسجيلها بطريقة منظمة تسمح
بالإفادة منها كذلك تتميّز الملاحظة بالموضوعية أي بعدم تأثرها بوجهة نظر الباحث
ومعتقداته الشخصية ولا شكّ أنّ درجة الموضوعية تزداد في العلوم الطبيعية عنها في
العلوم السلوكية حيث يؤثر تحيّز الباحث على نتائج البحث. تلك هي أهمّ الصفات التي
تميز الأسلوب العلمي في البحث عن غيره من الأساليب غير العلميّة التي تجعل نتائج
الدراسة العلمية أكثر فائدة في تفسير السلوك والتنبؤية.
ولا يعني (المنهج العلميّ) التزام طرائق ثابتة أو قوالب جامدة تُكرّر في كل بحث
وإنّما هي طرائق ووسائل فنيّة تُتَّبَع بمرونة وبأساليب خلاّقة ومبدعة من أجل تقصّي
الحقائق وتبيانها، ولذلك هي تختلف بالضرورة من موضوع إلى آخر ومن باحث إلى آخر،
وبحسب الظرف الزماني والمكاني والفلسفة التي دفعت الباحث إلى اختيار الموضوع والبحث
فيه، ولذلك تحتلف المناهج العلميّة بحسب جانبين رئيسيّين هما:
1- اختلاف المناهج لاختلاف طبيعة موضوع البحث، فمنهج البحث في العلوم الصرفة
كالفيزياء، والكيمياء... يختلف عنه في العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع، وعلم النفس...
وهو يختلف أيضاً في العلوم النظرية عنه في العلوم التطبيقية...
2- اختلاف المناهج لاختلاف ثقافة الباحث ومنطلقاته الفكرية والفلسفية، ولا بدّ أن
تكون وراء كل منهج بحث فلسفة ما أو وجهة نظر فكرية كليّة وشمولية يصدر عنها مخطط
المنهج، وتتضح فلسفة المنهج بالإجابة على السؤال لماذا يختلف الباحثون أو يتفقون في
التعرف على الموضوع الواحد، ((لأنّ المنهج هو الطابع المميز للموضوع أو وسيلة
إبرازه علمياً. من خلال السبل الفنية التي تتبع من قبل الباحث أثناء تجميع
المعلومات والبيانات وأثناء تصنيفها وتحليلها وتفسيرها وعرض نتائجها في شكلها
النهائي لهذا إذا كان المنهج بلا فلسفة فهو عبارة عن مشروع ارتجالي لم يبن على أسس
ثابتة ويعتبر المنهج هو الوعي بالموضوع من خلال الوعي بفلسفته وبالخطوات التي تتبع
من أجل اكتماله وتبيانه))(20).
ومن الضرورة أن يرتبط (المنهج العلمي) بالزمن لكي يستوعب المستقبل. ويتطلع إلى
آفاقه المرتقبة، ولكي لا تكون المناهج تكراراً مملاً نتيجة اقتصارها على الجاهز فقط
ينبغي أن تكون تطلعية لكي تفتح آفاق الإبداع أمام العلوم باستيعابها تطلعات المجتمع،
ولهذا لا ينبغي أن تقف المناهج عند الذي كان أو ما هو كائن بل ينبغي أن تتطلع إلى
ما هو متوقع، وأن تكون مناهج تحسينية لا تقف عند قبول الواقع فقط بل تعمد إلى
تحسينه إلى ما ينبغي أن يكون عليه حتى لا تكون بمرور الزمن جامدة أو متحجرة لا
مرونة فيها...
الاحالات
ـــــ
(1) يُنظر: أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية: ص 15.
(2) يُنظر: مبادئ في كتابة البحث العلمي: ص 10.
(3) يُنظر: مناهج البحث العلمي: الأسس والأساليب: ص 11-12.
(4) يُنظر: البحوث العلمية والتربوية بين النظرية والتطبيق: ص 13
(5) لسان العرب: مادة (بحث).
(6) منهاج البحوث العلمية للطلاب الجامعيين: ص 24.
(7) البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات: ص 13.
(8) يُنظر: منهجية البحث العلمي القواعد والمراحل والتطبيقات: ص 5.
(9) يُنظر: أصول البحث العلمي: ص 18.
(10) منهجية البحث العلمي القواعد والمراحل والتطبيقات: ص 6.
(11) أصول البحث العلمي ومناهجه: ص 15.
(12) البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات: ص 31، عن: Compact Edition of the
Oxford Dictionary. Glasgow, Oxford University, 1971. p.2668
(13) يُنظر:أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية: ص 67-68.
(14) البحث العلمي: مفهومه، أدواته، أساليبه: ص 33.
(15) يُنظر: أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية: 53-54.
(16) يُنظر لسان العرب: مادة (نهج).
(17) مناهج البحث العلمي: ص 5..
(18) البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات: ص 30.
(19) أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية: ص 61.
(20) أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية: 62.
المصادر:
ــــــ
أصول البحث العلمي. د. عبد المنعم حسن، 1980.
أصول البحث العلمي ومناهجه. أحمد بدر. ط2، الكويت، وكالة المطبوعات، 1975.
البحث العلمي: مفهومه، أدواته، أساليبه. ذوقان عبيدات وعبد الرحمن عدس وكايد عبد
الحق. عمان، دار الفكر، 1984.
البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات. عامر إبراهيم قنديلجي. بغداد وزارة
الثقافة والإعلام. دار الشؤون الثقافية، 1993.
لسان العرب. ابن منظور (630 ـ 711 هـ ـ 1232 ـ 1311 م). دار صادر لبنان.
مبادئ في كتابة البحث العلمي والثقافية المكتبية. كايد عبد الحق. دمشق، مكتبة دار
الفتح، 1972.
مناهج البحث العلمي. بدوي عبد الرحمن. ط3 الكويت، وكالة المطبوعات، 1977
مناهج البحث العلمي: الأسس والأساليب. عمار بوحوش ومحمد ذنيبات. الأردن، مكتبة
المنار، 1989.
منهاج البحوث العلمية للطلاب الجامعيين. ثريا عبد الفتاح ملحس. بيروت، دار الكتاب
اللبناني 1960.
|