الحضارية «الوعي البحثي»
 
التفكير العلمي وخصائصه

الدكتورة رجاء وحيد دويدري(*)

التفكير العلمي هو كل دراسة تعتمد منهج الملاحظة الحسية والتجربة العملية إن كانت ممكنة، وتتناول الظاهرات الجزئية في عالم الحس، وتستهدف وضع القوانين لتفسيرها بالكشف عن العلاقات التي تربط بينها وبين غيرها من الظاهرات، وصياغة هذه القوانين في رموز رياضية، وذلك للسيطرة على الطبيعة والإفادة من مواردها وتسخير ظاهراتها لخدمة الإنسان في حياته الدنيا، وأهم خصائص التفكير العلمي:
1 ـ التخلي عن المعلومات السابقة:
أ
ي أن يقف الباحث من موضوع بحثه موقف الجاهل، أو أن يتجاهل كل ما يعرفه عنه، حتى لا يتأثر أثناء بحثه بمعلومات سابقة، يحمتل أن تكون خاطئة، فتقوده إلى الضلال، وقد حرص على التنبيه إلى هذا واضعو مناهج البحث العلمي من الغربيين منذ مطلع العصور الحديثة، ومن هؤلاء فرنسيس بيكون (ت 1036هـ/ 1626م)، واضع أصول المنهج العلمي(1)، وقد مهد لمنهجه التجريبي في كتابه (الأدلة الجديدة) (Novum organum)جانب سلبي أوصى فيه الباحث بتطهير عقله قبل أن يبدأ بحثه من كل ما يقود إلى الخطأ، ويعوق قدرته على التوصل إلى الحقائق، وإلى مثل ذلك ذهب ديكارت (1060-1061هـ/ 1650م) في كتابه (التأملات في الفلسفة) الأولى(Moditations Metaphiseques) ومبادئ الفلسفة (Les principes de la philosophie) فكان يوجب على الباحث أن يطهر عقله من المعلومات السابقة عن طريق الشك المنهجي إمعاناً في النزاهة وزاد في كتابه (مقال عن المنهج) (Discource de la methode) فأوجب على الباحث في القاعدة الأولى من منهجه أن يتحرر من كل سلطة إلاّ سلطة عقله.
ولا يعني هذا كلّه أن الباحث لا يستطيع أن يبدأ بحثه دون أن تكون لديه خطة للبحث، وقد قال كلود برنار ت (ت 1295هـ / 1878م) في كتابه (مدخل لدراسة الطب التجريبي): إن التجربة يسبقها تدبير لظروفها ولإيجادها، لأن تصميم التجربة ليس إلاّ توجيه سؤال، يراد الإجابة عليه، ولا يكون السؤال إلاّ بعد وجود فكرة تتطلب الجواب. هذا وقد سبق العرب إلى ما فطن إليه الغربييون بعد مئات السنين، ونذكر في هذا الشأن إبراهيم النظام (ت 221هـ / 835م)، والجاحظ (ت 225هـ / 868م) والحسن بن الهيثم (ت قرابة 431هـ / 1039م).

2 ـ الملاحظة الحسية كمصدر وحيد للحقائق:
ي
راد بالملاحظة توجيه الذهن والحواس إلى ظاهرة حسية ابتغاء الكشف عن خصائصها، توصلاً إلى كسب المعرفة الجديدة، أما التجربة فهي ملاحظة مستثارة، يتدخل الباحث في سيرها حتى يلاحظها في ظروف هيئها وأعدها بإرادة تحقيقاً لأغراضه، وقد لا تتيسر التجربة في بعض العلوم الطبيعية كالفلك وعلم طبقات الأرض، كما أن الحواس قد تقصر عن إدراك بعض الظاهرات إدراكاً مباشراً، فعوضوا ذلك باختراع آلات وأجهزة، ساعدت على أن تحول نتائج البحث إلى كميات عديدة دقيقة، اعتقاداً منهم بأن من أهم خصائص البحث العلمي تحويل الكيفيات إلى كميات عديدة والتعبير عن النتائج الدراسات العلمية (القوانين) برموز رياضة.
لقد اتجه العرب في عصورهم الوسطى إلى المنهج التجريبي، الذي يستند إلى الملاحظة الحسية في دراسة الظاهرات الجزئية، ابتغاء الكشف عن قوانينها، وشاعت الدعوة إلى الملاحظة في كتبهم طريقاً إلى كسب الحقائق، ونذكر منهم: البغدادي، والرازي، وجابر بن حيان، والبيروني.

3
ـ نزوح التفكير العلمي الحديث إلى التكميم:
(Quantipicatition) (القياس الكمي) فقد نقل التقدم العلمي الحديث مركز الاهتمام من الملاحظة الحسية إلى تحويل الكيفيات إلى كميات، والتعبير عن وقائع الحس بأرقام عديدة، وأصبحت الظاهرات المشاهدة تترجم إلى رسوم بيانية وجداول إحصائية، وتمشياً مع هذه النزهة اخترعت آلات وأجهزة، وأمكن تحويل الكيفيات إلى كميات عددية تتميز بالدقة والضبط.
ولما كانت العلوم الإنسانية الحديثة، قد نزعت بدورها إلى اصطناع المنهج التجريبي ما أمكن ذلك، فقد اتجهت بدورها إلى تكميم دراستها، وتحولت قوانين العلم إلى دلالات رياضية، وبهذا احتلت مكان الصدارة في البحث العلمي الذي لا يزال يعتمد على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية، ومن العرب نذكر في هذا الشأن: ابن الهيثم، والإدريسي، والزهراوي، إضافة إلى ذلك أن علماء العرب نزعوا إلى اختراع آلات تستخدم في تحويل الكيفيات إلى كميات عددية توفيراً للدقة في نتائج البحوث العلمية.

4 ـ نزاهة الباحث:
(Disinterestedness)يراد بها إقصاء الذات elemination-self))، أي تجرد الباحث عن الأهواء والميول والرغبات، وإبعاد المصالح الذاتية والاختبارات الشخصية، وبالتالي فهي تقضي إنكار الذات وتنمية كل ما يعوق تقصي الحقائق من طلب شهرة أو مجد أو استغلال للثراء، مع اعتصام بالصبر والأناة، وحرص على توخي الدقة، حتى يتسنى للباحث أن يفحص موضوعه في أمانة ومن غير تحيز، ويستلزم ذلك طاقة أخلاقية وروحاً نقدية. وتحرراً من أية سلطة يمكن أن تملي عليه رأياً، وبهذا يتوخى الحق ويخلص في طلبه، ويستبعد التعصب، ويتفانى في تحري الحقائق وتمحيصها وفاءً بحق الأمانة العلمية.
5 ـ الموضوعية:
أ
وجب الباحثون المحدثون من الغربيين أن يتوخى العالم الموضوعية (Objectivity)، في كل بحث يتصدى له، بمعني أن يحرص على معرفة الوقائع كما هي في الواقع، وليس كما تبدو في تمنياته، ويقتضي هذا إقصاء الخبرة الذاتية (Subjectivity)؛ لأن العلم قوامه وصف الأشياء، وتقرير حالتها، ومحّك الصواب في البحث العلمي هو التجربة التي تحسم أي خلاف يمكن أن ينشأ بين الباحثين، ومن هنا كان الخلاف بين العلم حيث ينتهي العلماء في دراساتهم لأية ظاهرة إلى نتائج واحدة، وإلاّ كان الالتجاء إلى التجربة لمعرفة الصواب في أمرها، وبين الفن والأدب الذي يقوم على الخبرة الذاتية.
لقد فطن علماء العرب إلى أن مفهومي النزاهة والموضوعية من خصائص التفكير العلمي ومن مقوماته الأساسية، ودليل ذلك ما يرد في مقدمات كتبهم عندما يحددون منهج بحثهم وخطته وهدفه، فمن ذلك ما أورده (الحسن بن الهيثم) في مقدمته (الشكوك على بطليموس)(2)، وكذلك الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال)(3)، وابن رشد في كتابه (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) وكلها تشهد على تجرد علماء العرب من الأهواء والنزوات واستبعاد الميول الشخصية والاعتبارات الذاتية والعصبية القومية والدينية، وتوخى الحق والإخلاص في طلبه.
6- الاعتقاد بمبدأ الحتمية: (Determinism) أو السببية العامة ((Universal causality، أي القول بأن لكل ظاهرة علة توجب وقوعها، ولكل علة معلول ينشأ عنها، فالظاهرات يتحتم وقوعها متى توافرت أسبابها، ويستحيل أن تقع مع غياب هذه الأسباب، هذه الاستحالة هي ما يسمى بالضرورة، ومشكلة العلية قديمة قال بها أرسطو، وقد اهتم المحدثون بالعلل الفاعلة، وجعلوا العلة حادثة سابقة على الظاهرات سبقاً مطرداً، وكان هذا تفسيراً جديداً للعليه، وأول من قال به بين الغربيون ديفيد هيوم (D. Hume) (1190هـ / 1776م).
وضع جون ستيوارت مل (John Stewart Mill) (ت 1290هـ / 1873م) في القرن التاسع عشر قواعد التثبت من صحة الفروض أو خطئها، وكان مؤدى قواعده الثلاث الأولى أن وجود العلة يستتبع وجود معلولها، وفطن في القاعدة الرابعة إلى أن البحث العلمي يقتضي تحديد العلاقة بين ظاهرتين تحديداً كمياً، وفي هذا النطاق الضيق فطن إلى التكميم، وقد تطورت هذه الطريقة بعد (مل) بفضل الطرق الإحصائية التي ساعدت على التعبير عن الارتباط بين ظاهرتين برموز رياضية.
وقد اعتقد علماء القرن التاسع عشر من أمثال لابلاس (ت 1243هـ / 1827م) وكلود برنار (ت1295هـ / 1878م) بأن العلية قضية مسلمة، إلاّ أن التقدم العلمي في القرن (العشرين) زعزع ثقة العلماء في هذه الحتمية فتعرضت للنقد على يد أمثال آرثر ادنجتون (Arthur Eddington) وبرنالد رسل (Bertrand Russell) لحملة من النقد انتهت بأن تخلت العلية عن مكانها ليحتله (القانون الطبيعي)، الذي يتميز في أيامنا الحاضرة بأنه يصاغ في كم عددي. ونذكر في هذا المجال الغزالي (ت 505هـ / 1111م) في كتابه (تهافت الفلاسفة) وقد سبق رأس التجريبيين (ديفيد هيوم) بستة قرون ومن قبله جابر بن حيان (ت 198هـ / 813م) في رفض تفسير العقليين للعلاقة العلية (السببة) وفي تفسيرها الجديد الذي قدمه لها(4)، وهكذا قدر لمفكري العرب أن يفطنوا إلى تفسير العلة قبل أن يتوصل إليه الغربيون بمئات السنين.
7- توافر الثقافة الواسعة للعلماء: ولع الغربيون في العصور الحديثة بالتخصص الضيق، حتى استخف أهله بسائر فروع المعرفة البشرية، وقد شهد القرن العشرين تحولاً فجائياً أفضى إلى نوع من التقارب بين العلم التجريبي وغيره من فروع المعرفة البشرية، وكان هذا بعد أن غلبت النزعة المادية على ذلك العلم، وأيد هذا التحول واضعو المناهج العلمية، حيث طالبوا الباحثين بالوقوف على كل ما من شأنه أن يساعدهم على دراسة موضوعاتهم وفهمها على أحسن الوجوه، ومن ذلك أنهم أوصوا الطبيب بأن يلم بعلوم الأحياء والكيمياء والصيدلة والنفس وغيرها، بل إن (كلود برنالد) كان يوصي العالم الطبيعي بأن يتزود بثقافة واسعة في الفلسفة والفن معاًَ.
أما عن التراث العربي، فقد اقتضت روح العصر الذي نتناول علماءه في هذا البحث، أن تتهيأ للمفكر ثقافة واسعة، لأن فروع المعرفة ومنها العلم الطبيعي، كانت مذابة في الفلسفة، بل إن العلوم الطبيعية حتى في أوروبا، لم تعرف طريقها إلى الاستقلال إلاّ بعد أن وضعت مناهج البحث العلمي المختلفة، فكان تراث أرسطو وابن سينا(5) في العصور الوسطى دائرة معارف، وإن كان هذا لم ينمع من أن يغلب على تفكير المفكر العربي وبحوثه اتجاه يجعله أقرب إلى الفلكيين أو الكيميائيين أو الفلاسفة.
واقتضى هذا الوضع أن يكون العالم العربي على إلمام واسع بثقافة عصره في أوسع مجالاتها ومثال ذلك ابن خلدون في مقدمته التي شملت ثقافات العصر على أحسن الوجوه، وهكذا تحققت في المفكر العربي خاصية الثقافة الواسعة التي أوجبت المحدثون من الغربيين توافرها في المحدثين من العلماء(6).

الهوامش:
ـــــــــــــــ
(*) أستاذة مناهج البحث العلمي ـ جامعة حلب، وأستاذة في قسم الجغرافية ـ كلية الآداب ـ جامعة دمشق.
(1) بين روجر بيكون داعية الطريقة العلمية التجريبية وفرنسيس بيكون فيلسوف هذه الطريقة قرابة ثلاثو قرون ونصف قرن، فيها انتقل العالم الاوربي من العصور الوسطى المظلمة إلى عصر ما يسمى الثورة العلمية، وهي باكورة العصور الحديثة التي تخلق فيها الفكر المعاصر (سعيدان: 101).
(2) الحسن بن الهيثم في مقدمة الشكوك على بطليموس، تحقيق: عبد الحميد صبرة وزميله، القاهرة 1971م.
(3) الغزالي، المنقذ من الضلال، مكتب النشر العربي، دمشق 1956م.
(4) علي سامري النشار:مناهج البحث عند مفكري الإسلام، القاهرة، 1965م، (فصل في بيان ذلك).
(5) أحصى الأب جورج شحادة القنواتي آثار ومؤلفات ابن سينا فبلغت (276) كتاباً ورسالة وقصيدة، كما ورد في كتابه (مؤلفات ابن سينا). وللوقوف على نظرية العلم عند ابن سينا ارجع إلى: ابن سينا، والبرهان والشفاء 109 ـ 111.
(6) ارجع في هذا الشأن إلى: توفيق الطويل في تراثنا العربي الإسلامي، مجلة المعرفة 1405هـ / 1985م: 9، 85، 87.