|
|
 |
الحضارية
«الوعي
البحثي» |
المسؤولية الخلقية للعالِم
كارل بوبر
إنني الآن بسبيلي إلى
مناقشة موضوع يتضمن إشكاليات خطيرة، ولا أحسبني مستطيعاً التقدم بمساهمة ذات شأن في
طرح حلول لها.
إنني أعتقد بأنّ المسؤولية الخلقية للعالِم إنما هي قارب كلنا فيه بدرجات متفاوتة.
ولأسلم بان عنوان الموضوع «المسؤولية الخلقية للعالِم» تعبير مهذب عن مسالة بغيضة
هي الحرب النووية والبيولوجية.
بيد أني سأحاول مقاربة موضوعنا وفي ذهني بضع مسائل أوسع مجالا. ورب قائل يقول إن
المسالة قد أضحت في الآونة الأخيرة أكثر عمومية، وهذا بسبب واقع مستحدث مؤداه إن
العلم بأسرة، وفي الحق كل متلق لتعليم، إنما يجنح نحو إمكان التطبيق. أما فيما سبق،
فلم يكن عالِم العلوم البحتة أو دارسها يلتزم إلا بمسؤولية واحدة تتجاوز مسؤوليات
أي شخص آخر، ألا وهي مسؤولية البحث عن الحقيقة، لذا وجب عليه أن يواصل تنمية مادة
بحثه قدر استطاعته. وعلى الرغم من كل هذا الذي اعرفه أقول إن ماكسويل ما كان ليعنى
بإمكان تطبيق معادلاته إلا للنزر اليسير. ولعل هيرتز لم يُعن البتة بشأن تطبيق
المعادلات الهيرتزية.
ينتمي هذا الوضع البهيج للماضي. أما اليوم فكل العلوم البحتة يمكن أن تصبح علوما
تطبيقية، ليست العلوم فحسب بل أيضا كل تحصيل علمي.
وفي العلوم التطبيقية نجد مشكلة المسؤولية الخلقية للعالِم مشكلة بالغة القدم،
وشأنها شأن العديد من المشكلات الأخرى، كان الإغريق أول من طرحها. ويحضرني الآن
قـَسَم إبقراط، وانه لوثيقة باهرة على الرغم من أن بعض الأفكار الأساسية فيه قد
تكون بحاجة إلى استئناف تفحصها وإمعان النظر فيها. وأنا نفسي حين تخرجت من جامعة
فينا ألقيت قسما، تعود أصوله التاريخية قطعا إلى قسم إبقراط. ومن أكثر النقاط
الشائقة في قسم إبقراط أنه لم يكن من أجل المتخرجين، بل من اجل المبتدئين في تعلم
مهنة الطب. أساسا يلقي الطالب هذا القسم في مستهل تلقيه لأصول العلم التطبيقي.
ويتكون القسم من ثلاثة أجزاء رئيسية.
أولا :ً يتعهد الطالب المبتدئ بأن يعترف بالتزامه الشخصي العميق إزاء معلمه..
وثانياً: أن يقطع على نفسه عهداً بأن يضطلع بتقاليد صنعته، وان يحرص على بلوغ أعلى
مصافها، محكوما في هذا بفكرة حرمة الحياة، أن يبلغ بتلاميذه تلك المصاف العليا..
وثالثاً: يقطع على نفسه عهداً بألاّ يدخل بيتا إلاّ لكي يساعد من يعانون المرض، وان
يحفظ سر ما قد يعرفه عن هذا البيت في أثناء ممارسته للمهنة.
لقد شددت على أن قسم إبقراط قسم للمبتدئين، لأنّ العديد الجمّ من مناقشات موضوع
المسؤولية الخلقية للعالم لا تولي اهتماما كافيا لموقف المبتدئ، أي الطالب. غير أن
الطلبة الواعدين مهمومون بأمر المسؤولية الخلقية التي سيضطلعون بعبئها حينما يصبحون
علماء مبدعين، ويبدو لي مفيدا للغاية أن تتاح لهم فرصة مناقشة هذه المسائل في مستهل
دراساتهم. ولسوء الحظ، تنحو مناقشة القضايا الأخلاقية نحو التجريد، واقترح أن ننتهز
هذه الفرصة لنجعل تلك المسائل أكثر عينية.
واقتراحي هو أن نبذل بالتعاون مع طلابنا جهودا دءوبة لصياغة صورة حديثة لتعهد يماثل
القسم الإبقراطي.
ومن الواضح أن مثل هذه الصياغة لا ينبغي فرضها على الطلبة فرضا، وإذا اعترضوا، فسوف
يكشفون بذلك عن اهتمامات أخرى يحبذونها، أكثر وينبغي أن نطالبهم بإعطاء مقاربة
بديلة، أو أن يتقدموا بأسباب اعتراضهم. ويحدونا في هذا هدف أساسي هو أن نجذب انتباه
الطلاب لأهمية ومغزى هذه المسائل وبالتالي نجعل مناقشتها متواصلة.
ويجمل بي أن اقترح تبديل نظام قـَسَم إبقراط تبعا لمغزى وأهمية شتى أفكاره الأساسية.
وعلى هذا نجد الأفكار الرئيسية الواردة لاحقا الخاصة برؤيتي، الأفكار 1و2و3 ، تناظر
بشكل عام الأجزاء 2 و1 و3 من قسم إبقراط كما أوجزته فيما سبق. وارغب في أن ألمح
أيضا إلى إمكان تعميم المسائل الأساسية في القسم، إلى حد ما وفقا للخطوط التالية:
1 ـ المسؤولية المهنية: أول الواجبات المنوطة بكل طالب جاد أن يواصل تنمية المعرفة
عن طريق المساهمة في البحث عن الحقيقة، أو في البحث عن اقتراب تقديري أكثر من
الحقيقة. وطبعا كل طالب معرض للوقوع في الخطأ، فإن كل شخص عرضة لارتكاب غلطة، حتى
أعاظم المفكرين. وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة قد تحثنا على ألا نأخذ أخطاءنا بتشدد
بالغ، فإننا يجب أن نقاوم الإغراء بان نأخذ أخطاءنا بتساهل، فثمة أمران كلاهما لا
يمكن التغاضي عنه، وهما: تنصيب محكات رفيعة المستوى للحكم على أعمالنا، ثم الواجب
بان نرتفع دائما بهذه المحكات عن طريق العمل الجاد. وفي الوقت نفسه، يجب علينا (خصوصا
فيما يتعلق بتطبيق العلم) أن نذكر أنفسنا دائما بتناهي معرفتنا وإمكان الخطأ فيها،
وبلا تناهي جهلنا.
2 ـ الطالب: إنه ينتمي إلى تقليد وإلى عشيرة، ويدين بالاحترام لكل الذين ساهموا
ويساهمون في البحث على الحقيقة، وأيضاً يدين بالولاء لمعلميه الذين نهل ـ بلا مقابل
ـ وبإغداق من معارفهم ومن تحمسهم. وفي الوقت نفسه على الطالب أن يتخذ موقفا نقديا
تجاه الآخرين، بمن فيهم أساتذته وزملاؤه، وأن يتخذ موقفا نقديا من نفسه خصوصا.
والأهم أن الطالب يجب عليه الحذر من الكبر والغطرسة الفكرية، ويحاول ألا يجاري
البدع الفكرية الشائعة مجارات عمياء.
3 ـ الالتزام الطاغي: لا يدين بهذا الالتزام إزاء معلمه وزملائه فحسب، بل إزاء
الإنسانية جمعاء؛ تماما كما يدين الطبيب بالالتزام الطاغي إزاء مرضاه. ولابدّ أن
يكون ماثلا على الدوام في وعي الطالب أن كل نوع من أنواع الدرس قد تنجم عنه نتائج
ربما تؤثر في حياة العديد من البشر، ويجب عليه أن يحاول دائما استبصار أي خطر محتمل،
والحيلولة دونه، ودون أي سوء استخدام محتمل للنتائج التي يتوصل إليها، حتى ولو كان
لا يرغب في تطبيق تلك النتائج.
هذه إعادة صياغة لقسم إبقراط مبدئية للغاية، أو هي على أفضل الفروض اقتراح باستئناف
المناقشة. ولا مندوحة لي عن تأكيد أن كل هذا هامشي بالنسبة للموضوع الذي نناقشه،
بيد أني بدأت بهذا الاقتراح العلمي لأنني أؤمن بالتراث وبالحاجة إلى المراجعة
النقدية المستمرة له. واحد الأشياء القلية التي نستطيعها إزاء موضوعنا الأساسي هو
أن نحاول جعل الوعي بالمسؤولية الخلقية حيا ماثلا في رشد العلماء أجمعين .
وثمة نقطة ينبغي ذكرها في هذا المقام، وأعتقد أنها متصلة بأزمة الجامعات الراهنة،
وتلك هي القضية. لقد أصبحنا في حاجة إلى المزيد من جموع المتخصصين، وبالتالي يتلقى
المزيد من جموع طلبة الدكتوراه تدريباتهم فقط بوصفهم متخصصين . وكثيرا ما يتم
تدريبهم على مجرد إجراء قياسات تخصصية، ولا يخبرهم أحد حتى بالمشكلة الأصلية التي
تحلها قياسات تخصصية يقومون بها من أجل اطروحاتهم لنيل درجة الدكتوراه. وأنا أعتبر
هذا الموقف غير مسؤول ولا مسوغ له، وارى فيه خرقا من نوع ما لقسم إبقراط من جانب
المعلم الأكاديمي، فمهمته في أن يأخذ بيد الطالب إلى صميم التقاليد وان يشرح له
المشاكل الكبرى التي تنشا خلال تنامي المعرفة، وأيها تلهم بدورها بكل نماء ابعد
للمعرفة وتستحثه.
وبالطبع أعلم أن سوء الاستعمال يمكن أن يلحق حتى بالتقليد الجميل للقسم الإبقراطي،
وقد لحق به سوء الاستعمال أو سوء الفهم حين جرى تأويله كأخلاقيات خاصة ملزمة
للزملاء في إحدى المهن. بعبارة أخرى، جرى تأويله كنوع من أخلاقيات طائفة بعينها.
إن مناقشة مسائل خطيرة الشأن، كالهوة بين الأخلاق وقواعد السلوك (أي الأخلاق
المهنية) هي على وجه التحديد التي آمل أن تؤدي بنا إلى تقدم في وعينا الخلقي الذي
نحن في أمس الحاجة إليه. آمالي متواضعة، فلا أحسب أن أيا من المشاكل الكبرى التي
نواجهها يمكن حلها بمثل هذه المناقشات. بيد أن المناقشات المتمركزة حول مراجعة قسم
إبقراط قد تفضي إلى التأمل في مشاكل أخلاقية أساسية، من قبيل أولوية تخفيف المعاناة.
ومنذ عدة سنوات خلت، اقترحت أن برنامج السياسة العامة ينبغي أن يتشكل في المقام
الأول من إيجاد طرق ووسائل لتجنب المعاناة، على قدر ما يمكن تجنبها. وأنا أضع هذا
في مقابل مبدأ النفعيين بتعظيم السعادة.. إنّ السعادة يمكن تركها أساسا للمبادرات
الشخصية، بل إنها لا يمكن أن تترك إلا للمبادرات الشخصية، أما تخفيف المعاناة التي
يمكن تفاديها فمن مشكلات السياسة العامة. وأشرت أيضا إلى أن النفعيين ـ أو بعضهم
على الأقل ـ حين يتحدثون عن تعظيم السعادة، ربما يضعون نصب أعينهم تقليل البؤس.
وبطبيعة الحال، لم ازعم أبدا أن تقليل المعاناة ينبغي أن يكون المبدأ الأخلاقي
الأعلى.
وفي الواقع لا اعتقد بوجود مثل ذلك الشيء الذي يمثل المبدأ الأخلاقي الأعلى الواحد
الوحيد ذا الصحة العمومية. وعلى العكس من هذا، اعتقد انه في مسائل السياسة العامة
يجب علينا دائماً أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وفي تخطيط قائمة الأوليات ينبغي أن يكون
مرشدنا الأساسي تجنب المعاناة وليست السعادة.
وربما لا يدوم هذا إلى الأبد، قد يأتي زمن نجد فيه تخفيف المعاناة التي يمكن تجنبها
أقل أهمية مما هو عليه في عصرنا هذا.
ولا بد لي من المجاهرة بأنني أوافق تماما على أن تجنب الحرب هو المشكلة الملحة على
السياسة العامة في هذا العصر. وفي رأيي لا جال البتة في أن علينا جميعا سواء بوصفنا
علماء أو باحثين أو بشرا أن نبذل كل ما في وسعنا لنعين على وضع نهاية للحروب.
وهذه الجهود الواجبة يتمثل جانب منها في العمل على أن يوضح لكل شخص، ما الذي تعنيه
الحرب، ليس فقط بلغة الموت والدمار، بل أيضا بلغة الانحطاط الأخلاقي. وفي هذا
المقام ينبغي أن نعلن بلا مواربة أن عبارة العنف من أشد ما يزعجنا من تجليات
الأحداث الأخيرة. ونعلم جميعا أن الدعاية المستديمة للعنف من أبرز الجوانب المزعجة
في صناعتنا لوسائل الترفيه، وتأتي هذه الدعاية من قصص الجريمة وأفلام سينمائية
وتلفزيونية تصور الحياة في الأقاليم الغربية للولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف
الثاني من القرن التاسع عشر، تبدو في الظاهر بلا ضرر ولا ضرار بينما هي عروض للقسوة
الوحشية بلا مواربة.
وإنه لمفجع حقا أن نرى هذه الدعاية تمارس تأثيرها حتى على ذوي الأصالة من الفنانين
والعلماء، وعلى الطلاب أيضا لسوء الطالع ( كما تبين عبادة العنف الثوري).
وعلى أي حال، أظل على اقتناع تام بأنه لا الحرب العالمية الأولى ولا الثانية ولا
مأساة فيتنام أو غيرها، يمكن تفسيرها في حدود عدوانية البشر. وفي عصرنا الراهن على
الأقل، يأتي الخطر الأساسي للحرب من الحاجة إلى دفع العدوان، ومن الخوف من العدوان،
وإذ توجد وسائل دمار جبارة في حوزتنا، تغدو المصادر الرئيسية للخطر هي هذا الدفع
للعدوان والخوف منه، مع ارتباطه بأذهان ملوثة ونقص في المرونة الفكرية، وربما جنون
العظمة.
ولا مشكلة تباري في إلحاحها مشكلة تفادي الحروب إلا مشكلة تفادي الطغيان.. إنه خطر
فقدان حريتنا (وفقدان حريتنا ـ بدوره ـ يؤدي في النهاية إلى الحرب) هذا التباري بين
المشكلتين يجعل اتخاذنا للقرارات صعبا في بعض الأحيان.
ولهذا يرى البعض الالتزام الخلقي للعالِم في أن ينسحب من أي مجهود حربي، وأن يناصر
نزع السلاح بأي ثمن ، بما في ذلك نزع السلاح من جانب واحد. ولا أعتقد إطلاقا أن
الموقف بمثل هذه البساطة، فثمة حقيقة لا نستطيع إغماض عيوننا عنها تتمثل في أن خطر
الدمار المتبادل هو الذي يحول دون الحروب النووية حتى الآن. إنه رادع نجح حتى الآن
في الردع، لهذا لا ينبغي علينا فيما اعتقد أن نؤيد نزع السلاح من جانب واحد. لم
تمتلك اليابان أسلحة نووية، ولم يمنعنا هذا من أن نضربها بها، ولا أحسب أنّ هذا حدث
لأننا أحط خلقيا من منافسينا في سباق التسلح. أما السؤال عما إذا كان ينبغي أن نلقي
أصلا بالقنبلة الذرية على اليابان فانه سؤال عسير للغاية. وقطعا كان العلماء الذين
انحازوا إلى جانب إلقائها على مستوى رفيع من المسؤولية. واعتقد أن خطأهم يكمن في
أنهم لم يشددوا على وجوب إلقاء القنبلة الذرية على أهداف عسكرية خالصة، على الرغم
من أن ذلك ينطوي على مخاطرة جسيمة، هذا إذا جاز أن تلقى القنبلة أصلاً. (وكان ثمة
مثل هذه التشديدات في ذلك الوقت). ومهما يكن الأمر، علينا إدراك أن مثل هذه
القرارات رهيبة. من السهل جدا أن نتحدث عن مثل هذه الأمور، بيد أن المهول حقا هو
التورط فيه وأن يُعمل المرء عقله ليتخذ قراراً من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى أقل
قدر من المعاناة. وأيضاً لا ننسى أن الساسة المسؤولين عن القرار النهائي كانوا
يتصرفون بوصفهم أمناء على أولئك الذين منحوهم أصواتهم.
وقد يكون هذا بالنسبة لك أو لي ذريعة للعزوف عن احتراف السياسة، ولكن لا ينبغي أن
يكون بالنسبة لك أو لي ذريعة لكي ننزلق إلى إطلاق الحكم على الساسة ببساطة.
لا يستطيع المرء أن يتراجع تماما عن المحيط العام الذي هو قطاع من الحياة
الإنسانية، ينبغي بذل كل ما في الوسع لتفادي الحرب، ولإنهائها إن كانت ناشبة. ولا
يعني هذا انه لا يمكن أن يوجد شيء من قبيل الحرب العادلة أو الحرب الدفاعية.
هناك اختلاف شاسع بين العدوان والدفاع، على الرغم من أنه لا يسهل دائما تقرير من هو
المعتدي. من يتصور أن سويسرا أو السويد يمكن أن تشن الآن حربا عدوانية؟ من يستطيع
لوهلة واحدة تصديق أن الصرب هي التي هاجمت النمسا في يوليو من العام 1914م ؟! أو أن
فنلندا هي التي هاجمت روسيا في الثلاثين من نوفمبر عام 1939م بدلا من أن يحدث
العكس؟! أو أن تشيكوسلوفاكيا تهدد روسيا؟!
لا يمكن أن يلام عالم أحس أن وطنه مهدد بهجوم فعمل على الدفاع عنه. ومع هذا حتى
الحرب العادلة قد تخرج تماما عن السيطرة ولا يبدو أن ثمة حربا وجدت أو يمكن أن توجد
من دون جرائم حرب من كلا الجانبين. ومن هنا يقع العالم كأي مواطن آخر في مأزق
أخلاقي رهيب بمجرد نشوب الحرب، لا احد يستطيع أن يسدي له نصحا أو أن يزيح عن كاهله
المسؤولية.
وثمة نقطة يمكن توضيحها؛ ذلك إن ساسة ورجال القانون من مختلف دول الحلفاء قد أقاموا
محاكمات نورمبرج التي أسست وضع جرائم الحرب، ومن ثم سلموا بأن ضمير كل إنسان هو
الساحة النهائية للاحتكام بشأن السؤال حول ما إذا كان أمر بعينه يجب الاعتراض عليه
أم لا. هؤلاء الساسة ورجال القانون أنفسهم يستحيل عليهم الآن ألا يناقضوا أنفسهم
إذا أكدوا أن واجب المواطن ـ أو واجب العالم ـ ألا يسأل عن السبب وأن يطيع أي أمر.
إنّ الحرية التي يجب أن نستعد للحرب من أجلها هي على وجه التحديد الحرية في
الاعتراض على أمر نشعر بالجرم في طاعته. وأعتقد أن الواجب المحتوم على كل سياسي
مخلص للديموقراطية أن يتفهم الموقف الرهيب الذي قد يجد العالم نفسه فيه، وأن يناصر
حقوق كل معترض حي الضمير، سواء أكان عالما أم جندياً.
إن الصعوبة في تشريع الولايات المتحدة الراهن المتعلق بالمعترضين من ذوي الضمير
الحي تتمثل في أن الشخص لكي يتذرع بالاعتراض الذي يمليه الضمير، يجب عليه المجاهرة
بأنه على أساس من ضميره الحي يعارض الحروب بأسرها. ولكن البعض قد يشعرون بان واجبهم
هو القتال من اجل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنهم يشعرون بأنهم لا يستطيعون
القتال بضمير حي في فيتنام، مثلاً. ويجمل بنا ـ كما هو واضح ـ النظر بعين الاعتبار
لهذه الخلجات الأخلاقية على قدر ما تقع في نطاق التعريف الراهن للاعتراض الذي يمليه
الضمير الحي. والمناقشات النقدية التي أومن بها دائماً، أؤمن بها أيضاً في المشكلة
المتضمنة ها هنا، وليس رفع الشعارات الميسورة من كلا الجانبين.
لم أناقش هذه المسائل البالغة الخطورة من منطلق اعتقادي بقدرتي على طرح الحلول لها
أو قول شيء جديد تماما بشأنها، ولكن أساسا لإحساسي بأنها مسائل لا يمكن التملص من
مواجهتها. غير أني مقتنع تماما بان المسؤولية الخلقية للعالم لا تنحصر في مسؤوليته
عن المسائل المرتبطة بالحرب والتسليح.
لقد اشتهر عن الدكتور روبرت ابوبنهايمر(1) الراحل قوله: «في السنوات الأخيرة لامسنا
نحن العلماء حدود الغطرسة. لقد عرفنا طريق الغواية...».
وهذه، مرة أخرى، ليست مسالة جديدة فقد لامس بيكون هو الآخر حدود الغطرسة حين حاول
أن يجعل العلم جذاباً بقوله: «المعرفة قوة». ليست الغطرسة في امتلاكه معرفة جمة أو
قوة جمة، لكن في طلبه للمعرفة لأنه يطلب القوة، أو في أنه على الأقل أعطى انطباعا
بهذا.
لست أنوي أن أتفلسف بشان شرور القوة على عمومها، على الرغم من أن خبرتي تؤكد قول
اللورد أكتون Lord Acton: «إن القوه تجنح نحو الإفساد، والقوة المطلقة إفساد مطلق».
وعلى قدر مانحن معنيون بالعلم، لا شك عندي مطلقا في أن أي نظرة إلى العلم بوصفه
وسيلة لمضاعفة قوة الفرد إنما تعد جريمة في حق الروح القدس، والترياق الأكيد من
سموم هذا الإغواء هو أن نكون على وعي بمدى ضالة ما نعرفه، وأن أفضل ما أنجزناه من
إضافات هزيلة لمعرفتنا يكشف عن مغزاه ودلالاته في حقيقة تخبرنا على وجه التحديد
أننا قد افتتحتا عالماً جديداً من عوالم جهلنا.
وها هنا تناط بعالم العلوم الاجتماعية مسؤولية خاصة، لان دراساته تكون عادة معنية
مباشرة باستخدام وسوء استخدام القوة، فإذا اكتشف العالم الاجتماعي أدوات للقوة،
خصوصا الأدوات التي يمكن أن تمثل يوما ما خطرا على الحرية، ينبغي عليه أن يحذر
الناس من هذه الأخطار، ليس فحسب بل أيضا يتكرس لاكتشاف التدابير المضادة الفعالة،
وأشعر بأن هذا أحد التزاماته الخلقية التي يجب أن يسلم بها. وأثق في أنّ معظم
العلماء في الواقع، أو على الأقل معظم العلماء المبدعين, على قدر عال من
الاستقلالية في قيمهم، ومن الطابع النقدي في تفكيرهم، وغالبيتهم يمقتون صميم فكرة
المجتمع الذي يتلاعب به اهل التكنولوجيا [التقانة] ووسائل الاتصال الجماهيري. سوف
يتفق غالبية العلماء على أن الأخطار الرابضة في هؤلاء التقانيين [التكنولوجيين]
تضاهي الاخطار الرابضة في الاستبداد. لقد صنعنا القنبلة الذرية لكي نتصدى
للاستبداد، إلاّ أنّ القليل منا يأخذون على عاتقهم التفكير في التصدي لأخطار
التلاعب بالجماهير.. ومع هذا لا شك عندي في اننا يجب ان نفعل ويمكننا أن نفعل
الكثير في هذا الصدد، بغير الوقوع في براثن الرقابة أو أي تقييد مماثل للحرية.
ورب متسائل عمّا إذا كان ثمة شيء من قبيل مسؤولية العالم التي تختلف عن مسؤولية أي
مواطن آخر أو أي إنسان آخر. والإجابة ـ فيما اعتقد ـ هي أن كلّ إنسان ذو مسؤولية
خاصة في المجال الذي يمتلك فيه قدرة خاصة او معرفة خاصة، ومن ثم كان العلماء عموما
هم فقط المستطيعين تقييم متضمنات اكتشافاتهم. لا يمتلك القانوني، وبالمثل السياسي
معرفة كافية. ينسحب هذا على اشياء من قبيل كيماويات جديدة تزيد من محاصيل المنتجات
الزراعية، مثلما ينسحب على أسلحة حديثة. وكشأن مقتضيات النبل في العهود السابقة نجد
مقتضيات الحكمة الان كما طرحها البروفيسور مرسييه Mercier في أن السبيل المتاح
للمعرفة هو السبيل الذي يخلق الإلتزام.
إنّ العلماء فقط هم الذين يستطيعون التنبؤ بالاخطار، مثلا أخطار الإنفجار السكاني،
او الأخطار الكامنة في النفايات الذرية، بل حتى الاخطار الكامنة في الاستخدام
السلمي للذرة. ولكن هل يملكون معرفة كافية لهذا؟ هل هم على وعي بمسؤولياتهم؟ البعض
منهم هكذا، والبعض الاخر كثيرا ما يبدون لي خلاف هذا, ربما كان بعضهم منشغلا إلى
أقصى درجة. ربما كان البعض الاخر غير مبال تماما. ولا يبدو أحد منشغلاً، إلى الدرجة
الكافية، بعموم رجع الصدى لتقدمنا التكنولوجي المندفع، ويبدو ان امكانات التطبيقات
قد أدارت الرؤوس. وعلى الرغم من ان الكثيرين يتساءلون عما إذا كان التقدم
التكنولوجي يجعلنا دائما اسعد، فان القلة هي التي تضطلع بعبء التحقق من المعاناة
التي يمكن تجنبها، وإلى أي حد تكون ناتجا لا يمكن تجنبه للتقدم التكنولوجي، وإن كان
ناتجاً غير مقصود.
إنّ المشكلة الأساسية للعالم الاجتماعي هي مشكلة النواتج غير المقصودة لأفعالنا،
تلك النواتج ليست فقط غير مقصودة، بل أيضاً يصعب كثيراً التنبؤ بها.
ومادام العالم الطبيعي قد بات مشتبكا بتطبيقات العلم اشتباكا لا فكاك منه، وجب عليه
أيضاً أن يجعل إحدى مسؤولياته الخاصة ان يتنبأ قدر المستطاع بالنواتج غير المقصودة
لعمله، وأن يلفت الانتباه إلى النواتج التي ينبغي ان نناضل لتجنبها، ومنذ اولى
بشائرها.
الهامش:
ـــــــــــ
(1) روبرت أوبنهايمر Oppenbeimer R. (1967 ـ 1904) من عتاة الفيزيائيين، ويعدّ من
آباء القنبلة الذرية، وكان مديراً لمعمل لوس آموس في نيو مكسيكو حيث جرى تصميم
وبناء أول قنبلة ذرية. وفيما بعد أقلقه ضميره وعارض القنبلة الهيدروجينية بشدة،
وعانى الكثير. وبات نموذجاً للعالم الذي ينقلب على محصلات للتطبيقات العلمية بواعز
من الضمير الإنساني. (المترجمة)
المصدر: كارل بوبر / اسطورة الإطار ـ في دفاع عن العلم والعقلانية، ترجمة أ.د. يمنى
طريف الخولي، كتاب عالم المعرفة (292).
|
|
|