الحضارية «الوعي البحثي»
 
مناهج البحث(*)

ثائر جاسم حسن(**)
(خاص للمعهد)

مناهج البحث هي الطرائق المحدّدة المرسومة بدقّة والتي تُتّبع من أجل الوصول إلى نتائج صحيحة للفرضيّات الموضوعة، على النحو الذي يمكن فيه الاطمئنان إلى سلامتها العلمية والوثوق بمعطياتها واعتمادها.. ومناهج البحث، كما هو معروف، متنوّعة ومختلفة، بحسب ميادين البحوث وموضوعاتها، ولابدّ لكلّ بحث علميّ من أن يقوم على منهج معيّن محدّد الملامح ومخطّط الأبعاد، لكي يستقيم بحثاً علميّاً معترفاً به.. فإمّا أن يعتمد منهجاً واحداً محدّداً أو يعتمد مزيجاً من المناهج في البحث الواحد.
وهذا مبحث مهمّ حول مناهج البحث شغل الفصل الأوّل من كتاب (دليل الباحث) تأليف مجموعة من الباحثين المتخصّصين وهم: الدكتور أحمد حافظ نجم، والدكتور محمد ماهر الصوّاف، والدكتور أسامة محمد كامل عمارة، والدكتور صبري محمد حسن. وهو من منشورات دار المريخ في مدينة الرياض 1408هـ/ 1988م.
ابتُدِئ المبحث بتعريف دقيق لمصطلح (المنهج)، فورد فيه أنّ:((المنهج هو ذلك التنظيم الفكري المتداخل في الدراسة العلمية، وبمعنى أبسط هو الخطوات الفكرية التي يسلكها الباحث لحلّ مشكلة معينة. ومناهج البحث التي يستخدمها الباحثون متعدّدة، إذ يعتمد اختيار المنهج على طبيعة المشكلة موضوع البحث)) ولأنّ مناهج البحث تختلف باختلاف المعارف والعلوم وأغراضها، فقد شرع مؤلفو الكتاب باستعراض أنواع المناهج في البحث العلميّ.. فكان تقسيم مناهج البحث من جهتين، أولاهما: من جهة نوع العمليات العقلية التي تسير على أساسها البحوث، فقالوا: وإذا نظرنا إلى مناهج البحث من حيث نوع العمليات العقلية التي تسير على أساسها يمكننا التمييز بين نوعين من المناهج الشائعة وهما:
أولاً: المنهج الاستدلاليّ أو الاستنباطيّ:
وهو الذي يربط بين الأشياء وعللها على أساس المنطق والتأمّل الذهني، وعادة ما يبدأ هذا المنهج بالكليّات ليصل منها إلى الجزئيات.
ثانياً: المنهج الاستقرائي:
ويرتكز هذا المنهج على التحقق بالملاحظة المنظمة الخاضعة للتجريب مع التحكم في التغيرات المختلفة ليصل، في النهاية، إلى قوانين عامة، وعلى هذا يمكن القول: بأنّ هذا المنهج عكس المنهج السابق في أنّه يبدأ بالجزئيات لينتهي إلى قواعد عامّة .
والجهة الثانية في أنواع مناهج البحث: تمّ تقسيم مناهج البحث على وفق الأسلوب الإجرائيّ للبحوث، إذ تتنوع مناهج البحث بالإضافة إلى ذلك بالنظر إلى الأسلوب الإجرائي. فهناك المنهج التجريبي والوضعي والتاريخي وسوف نوضح بإيجاز هذه المناهج كالآتي:
1 ـ المنهج التجريبي:
يهدف البحث التجريبي بصفة عامّة إلى تحليل ظاهرة ما، وفهمها ثمّ معرفة تأثير موقف معين أو عامل معين على تلك الظاهرة. أي أنّ المنهج التجريبي يعتمد أسساً على افتراض فرضيّة معينة أو عدد من الفرضيّات وعن طريق التحكم في مختلف العوامل التي يمكن أن تؤثر في الظاهرة موضوع البحث، يتعرّف الباحث على العلاقات بين الأسباب والنتائج. وهكذا تسعى الأبحاث التجريبية إلى اختبار صحة الفرضيات العملية ومعرفة العلاقات السببية بين العوامل المتفاعلة والمتداخلة في ظاهرة ما.
ويتناول تصميم البحث التجريبي عادة جانبين:
أولاً: الجانب النظريّ
الذي يشمل تحديد المشكلة والفروض والهدف من البحث بالإضافة إلى تحديد معايير اختبار العينتين التجريبية والضابطة. ولمعرفة النتائج تجرى التجربة على عينتين متشابهتين في كافة الصفات والمتغيّرات وذلك عدا متغير واحد يتوافر في العيّنة التجريبة فقط.
ثانياً: الجانب العلمي
وهو جانب التنفيذ والتصميم حيث يتمّ اختبار العينتين وتصميم مواقف الملاحظة وجمع النتائج ومناقشتها.
2ـ المنهج الوصفيّ:
لا يعتمد المنهج الوصفي، كما يعتقد البعض على مجرد وصف ظاهرة معينة موجودة بل يتعدى ذلك إلى اكتشاف الحقائق، وآثارها والعلاقات التي تتصل بها، وتفسيرها، والقوانين التي تحكمها.
ويصنف العلماء المنهج الوصفي إلى:
أ‌ ـ الدراسات المسحية.
ب‌ ـ الدراسات المتعلقة بالعلاقات المتبادلة.
ت‌ ـ الدراسات التطويرية.
وبالنسبة للدراسات المسحيّة فهي ترتكز على دراسة الجوانب المختلفة لظاهرة أو مشكلة معينة في مجتمع أو بيئة محدّدة. فالغاية هنا هي مسح مشكلة أو ظاهرة معينة لتحديد طبيعتها ومعرفة خصائصها، وذلك بصورة موضوعية قدر الإمكان حتى نصل في النهاية إلى تعميمات بشأنها.
أمّا بالنسبة للدراسات المتعلقة بالعلاقات المتبادلة فهي تحاول أن تربط بين المتغيرات المختلفة مع بعضها وتحدّد العوامل المشتركة. وهي تهدف بصفة عامة من خلال الارتباط إلى تحليل الأسباب , ومن الأمثلة الواضحة على هذا النوع من الدراسات دراسة العلاقة بين المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي للأسرة وبين مظاهر السلوك المختلفة عند الأحداث مثلاً.
وفيما يتعلق بالدراسات التطويرية فهي تهتمّ بمتابعة تطور ظاهرة معينة مثل دراسة النموّ عند الإنسان وتطور قدراته أثناء نموه، وقد تكون هذه الدراسات طولية أي تصف المتغيرات في مجرى تطور الكائنات الحيّة موضع الدراسة خلال فترة زمنية قد تمتدّ شهوراً أو سنين. كما توجد الدراسات العرضية التي تدرس قطاعاً عرضيّاً لعيّنة في مجنمع من حيث عدد من التغيرات.
3 ـ المنهج التاريخيّ
ويهدف المنهج التاريخيّ إلى الوصول إلى المبادئ والقوانين العامّة عن طريق البحث في أحداث التاريخ الماضية وتحليل الحقائق المتعلّقة بالمشكلات الإنسانية والقوى الاجتماعية التي شكّلت الحاضر، وذلك لأنّنا كثيراً ما يصعب علينا فهم حاضر الشيء دون التعرف على الخلفية التاريخية.
ويعتمد البحث التاريخي على دراسة الوثائق التاريخية والسجلات، فمنها يتمّ استخلاص الحجج، وتجميعها لتكوين استنتاجات قد تدعم الحقائق المجهولة حتّى ذلك الوقت، أو لتقديم تعميمات فيما يتعلق بالأحداث الماضية أو الحاضرة.
وأهمّ ما يقوم به الباحث من إجراءات في مجال البحث التاريخيّ هو:
أ ـ إنتقاء المشكلة التي تهمّه أو تواجهه.
ب ـ جمع المادّة العلمية عن تلك المشكلة من جميع المصادر المتوفرة.
ج ـ تمحيص المادّة العلمية اللازمة ونقدها وتقويمها.
د ـ صياغة الفروض التي تفسّر الأحداث على ضوء ما توفّر للباحث من معلومات مدروسة ومقيّمة.
بعد أن عرضنا مناهج البحث المختلفة يجب أن نلفت النظر إلى أنّه في كثير من الأحيان تتداخل هذه المناهج عند إجراء البحوث، فقد يدمج الباحث بين أكثر من منهج حيث يتوقف ذلك على هدف البحث. وعلى الرغم من تعدّد المناهج واختلافها، إلا أن ملامح رئيسيّة عامّة تجمع بين تلك المناهج، يجب توافرها في أيّ بحث علميّ حديث، أو يسمّيها البعض أسلوب البحث العلميّ الحديث، أو المدخل العلمي للبحث. ففيه تتكامل المناهج المختلفة حسب هدف البحث وموضوعه.
ويمكن إيجاز أهمّ متطلّبات منهج البحث العلميّ في الآتي:
1 ـ البحث العلميّ يرفض التسليم بالمعتقدات السائدة كحقائق مسلّم بها، إلاّ بعد تحقيق وإثبات دقيقين.
2 ـ البحث العلميّ يهدف إلى المعرفة الإنسانيّة، وذلك بتطوير النظريّات والكشف عن مبادئ عامّة.
3 ـ البحث العلميّ يتطلّب صياغة فرضية أو جواباً متوقّعاً عن سؤال مستند على أسس، ويتطلب تسجيلاً أميناً دقيقاً للبيانات والمعلومات وكذلك تعريف مصطلحات البحث بشكل يضمن وحدة الفهم والتفسير.
4 ـ وأخيراً يتطلّب البحث العلميّ الأمانة العلمية في النقل والاقتباس وفي عرض النتائج وتحليلها.
وهناك تقسيمات وتفرعيات وأنواع من مناهج البحث العلميّ لا غنى للباحث عن الاطلاع عليها والتدبّر في اعتماد ما يلائم طبيعة بحثه وموضوعه منها.. وليس من الضروري أن يكون هذا المنهج أو ذاك، ولكن الضروريّ أن يقوم البحث على منهج سليم مرسوم بدقّة ومحسوب الخطوات.


(*) تلخيص وتهذيب من كتاب: (دليل الباحث) لمجموعة من الأساتذة المختصين؛ د. أحمد حافظ نجم، د. محمد ماهر الصواف، د. أسامة محمد كامل عمارة، د. صبري محمد حسن، من منشورات دار المريخ، الرياض.
(**) كاتب من العراق.