|
|
 |
الحضارية
«الوعي
البحثي» |
تقويم منهج البحث التاريخي
الدكتورة رجاء وحيد دويدری
دار نقاش جاد وجدل بين
المؤرخين والعلماء حول موضوع (المنهج العلمي للبحث التاريخي) وأيضاً بين بعض المناطقة والفلاسفة في القرن (التاسع عشر)، وما زال مستمراً حتى الآن، لقد دار
الجدل حول طبيعة المادة التاريخية وطرائق الوصول إلى الحقيقة العلمية المجردة ونعرض
فيما يلي وجهتي النظر:
1 ـ لقد أنكر كثير من العلماء الطبيعيين والمناطقة على المعرفة التاريخية علميتها (الوضعية)
وصحة حقائقها وثبوتها، بحجة عدم إمكان إخضاعها لطرائق العلم الوصفي الحديث، المعتمد
على الملاحظة المباشرة والتجربة واستنباط القوانين وحتميتها.
2 ـ لا يمكن ملاحظة جميع أحداث التاريخ المعاصر، بنزاهة واستيعاب وتجرد، فهي تحدث
مرة واحدة في زمانها ومكانها، وقد تجري بشكل مفاجئ وفي ساحات متعددة، مما يصعب معه
الإحاطة بها بالملاحظة المباشرة ولهذا فمن الأحرى أن يصعب الإحاطة بالأحداث التي
مضت.
3 ـ التاريخ لا يعيد نفسه تماماً، وعنصر الصدفة قد يبتر أي محاولة لاستشفاف
المستقبل والتنبّؤ بالحدث قبل وقوعه، لهذا يقول البعض: إن التاريخ مجموعة أقاصيص
كاذبة أو صادقة(1)، وآخرون: إن التاريخ نوع ممتع من الأدب، وقد أكد رجال الأدب أن
التاريخ فن من فنون وليس علماً من العلوم، ويرى آخرون أن التاريخ أخطر إنتاج صنعته
كيمياء الفكر(2).
4 ـ إن مصدر الباحث التاريخي في المعرفة لا يعتمد على الملاحظة المباشرة، ومصادره
غير مباشرة من مثل: الآثار والسجلات أو الأشخاص، وقد يشك في قدرتهم على الاحتفاظ
بالحقيقة بعد مرور فترة زمنية عليها، كما أن الباحث التاريخي لا يستطيع أن يصل إلى
كل الحقائق المتصلة بمشكلة بحثه، قد لا يستطيع الكشف عن كل الأدلة واختبارها، لهذا
فإن المعرفة التي يتوصل إليها جزئية وليست كاملة.
5 ـ على الرغم من أن غرض العلم هو التنبؤ، فإن الباحث التاريخي لا يستطيع دائماً أن
يعمم (Generalize) على أساس الأحداث السابقة، لأن هذه الأحداث كانت غالباً غير
مخططة، أو أنها لم تتطور كما هو مخطط لها، فهناك عوامل أخرى لا يمكن التحكم فيها،
كما أن تأثيراً واحداً أو لعدد من الأشخاص كان حاسماًن وعلى ذلك فإن النموذج نفسه
بما يشمل من عوامل سوف لا يتكرر.
6 ـ يعاني المنهج التاريخي كأسلوب علمي من تعرض بعض الأحداث للتلف أو التزوير، مما
يحدّ من عطاء المعرفة الكاملة حول مختلف جوانب الحياة،وظاهراتها في الماضي، ويجعلها
معرفة جزئية.
7 ـ يصعب التطبيق المنهجية العلمية لتغيير الأحداث التاريخية، بالإضافة إلى صعوبة
إخضاع الحدث التاريخي للتجربة، وما يلاحظ صعوبة وضع فرضيات مبنية على أسس نظرية
قوية للأحداث التاريخية، لأن علاقة السبب بالنتيجة في تحديد مسار الأحداث التاريخية،
لا يمكن تطورها بشكل دقيق لتعدد الأسباب عن الإلمام الكافي بالمادة التاريخية، ومن
مصادرها الأولية أو الثانوية، مما يوجد صعوبات لدى التحقق من الفرضيات، وعليه من
الصعوبة بمكان الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها حسب هذا المنهج.
8 ـ ويشار إلى ملاحظة وهي أن البحث التاريخي لا يخضع للتجريب، كما أنه يصعب الوصول
إلى نتائج تصلح للتعميم، لصعوبة تكرار الظروف التي وجدت فيها الظاهرة المدروسة،
لهذا كانت الحقائق التي يتم التوصل إليها من خلال المنهج التاريخي غير دقيقة
بمعايير البحث العلمي.
يرى آخرون أن كل ما ذكر لا يحول دون الاعتماد على المنهج التاريخي منهجاً علمياً
لتوافر معظم مقوماته كمنهج لإجراء بحث علمي وذلك من خلال ما يلي:
1) إن البحث التاريخي يعتمد المنهج العلمي في البحث، فالباحث يبدأ بالشعور بالمشكلة
وتحديدها، ووضع الفروض المناسبة، وجمع المعلومات والبيانات لاختبار الفروض والوصول
إلى النتائج والتعميمات، كما أن رجوع الباحث إلى الأدلة غير المباشرة من خلال رجوعه
إلى السجلات والآثار والأشخاص الذين عاشوا الأحداث أو كتبوا عنها، لا يعتبر نقطة
ضعف في البحث التاريخي، إذ أخضع الباحث معلوماته وبياناته للنقد والتحليل والتمحيص.
2) إن التجريب هو جوهر الطريقة العلمية، والفاحص الناقد للمصادر هو التجريب في
الطريقة التاريخية، كذلك مسألة الفروض والنظرية التعميم، (ونؤكد بأن أكبر نتائج
البحث فائدة ودلالة تكون في التعميمات والمبادئ المستمدة من البيانات والمعلومات
الحقيقة، والبحث التاريخي (الوثائقي) من هذه الناحية قد أدى إلى تعميمات وفروض
كثيرة. والباحثون في العلوم الإنسانية بصورة عامة يدركون ويلاحظون الفروض أو
التفسيرات للأحداث التاريخية خلال فترة معنية، بخاصة فيما يتعلق بالتعرف على كيفية
وسبب وقوع هذه الأحداث.. ومن الواضح أن كل واحدة من التفسيرات تمثل تعميمات موضوعية
بحرص وعناية معتمدة البيانات الحقيقية المستمدة من تحليل الوثائق.. أي أن استخدام
الوثائقي (التاريخي) يتضمن أكثر من مجرد تجميع الحقائق..(3)).
إن الباحث التاريخي يخضع دليله بشدة لتحليل النقدي للتعرف على أصالته وصدقه وعندما
يقرأ نتائجه فإنه يستخدم قواعد الاحتمالات المتشابهة لتلك لتي يستخدمها علماء
الطبيعة.
3) إذا كان العالم الطبيعي لا يستطيع التحكم في المتغيرات بصورة مباشرة، فإن هذا
العيب ليس قاصراً على المنهج التاريخي، بل يميز البحوث السلوكية كلها بخاصة تلك
التي تستخدم فيها البحوث المعملية، من مثل علم الاجتماع السياسي والعلوم الاجتماعية
الأخرى والاقتصادي وغيرها.
4) ولعل العوامل التي تحدّ من فاعلية المنهج التاريخي هو أنه غير مباشر(Indirect)،
وبالتالي فإن مصادر المعرفة للنقد الخارجي والداخلي، يتصل الأول بأصالة الوثيقة
ويتعلق الثاني بمعناها ودرجة اتصالها بالحقيقة مما أشرنا إليه في موضع آخر.
5) إن المعرفة التاريخية معرفة جزئية أكثر منها كلية، ولكن هذا لا يمنع من أننا
نتبع فيها كل الطرائق العلمية، ونتخذ فيها كل الاحتياطات الموضوعية، وما دامت طبيعة
الحادثة التاريخية مختلفة عن طبيعة الحادثة الطبيعية فلا نستطيع أن نطالب الباحث
المؤرخ بقوانين تشبه قوانين الطبيعة ، إن الأسباب في الحادثة التاريخية أكثر عداداً
وأشد تعقيداً، ولذلك ففروضه أكثر وأشد غموضاً وتعميماته أقل دقة وموضوعية.
ويبقى المنهج التاريخي علمياً وضرورياً لدراسة نوع من الحوادث، ومادام الباحث يبحث
عن الحقيقة، فلابدّ من أن يتبع المنهج التاريخي في سبيل الوصول إلى الحقائق
التاريخية(4).
الهوامش
ـــــــــــــ
(1) هرنشو، علم التاريخ، ترجمة: عبد الحميد العبادي، القاهرةن 1944: 2.
(2) Regard Sur le mondactual, Paris, Gallimare. 24 Eailien. P 43.
(3) أحمد بدر، أصول البحث العلمي ومناهجه، مرجع سبق ذكره: 270.
(4) Van Dalen, D. B. op. cit. ch7.
المصدر: البحث العلمي أساسياته النظرية وممارسته العملية – دار الفكر – دمشق.
|
|
|