|
|
 |
الحضارية
«الوعي
البحثي» |
البحث العلمي والإطار المرجعي
د. محمد طه
إذا كان من البديهي القول بأن البحث العلمي ليس
عملية تتم في الفراغ، فإنه لابد من الاقتناع بأنه لا يمكن فهم البحث العلمي بمعزل
عن العوامل المحيطة بالباحث، والسياق السياسي ـ الاجتماعي الذي يعيش فيه.
فالباحث ليس ذلك الإنسان الذي يعيش في برج عاجي يطور أفكاره ويختبر فروضه مدفوعاً
فقط بفضوله العلمي وبرغبته في تطوير مجاله البحثي والإضافة إليه. بل إن الباحث ـ
بالإضافة إلى ذلك ـ إنسان له تحيزاته وهمومه ويعيش في زمن معين على أرض معينة.
هذه التحيزات والآراء السابقة، بل والأوهام والطموحات والآمال لا يمكن للباحث أن
ينزعها عن نفسه بشكل آلي على باب معمله قبل أن يدلف إليه، بل هي موجودة دائماً
تصحبه في مجال عمله كما تصحبه في حياته الشخصية. وبالتالي أصبح هذا الفصل المصطنع
بين الباحث وموضوع بحثه أو بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي فصلا غير ذي معنى.
فالموضوعية المطلقة وهم حتى على المستوى الفيزيقي كما بين عالم الفيزياء الألماني
فيرنر هيزنبرغ Heisenberg في مبدئه المعروف بمبدأ اللايقين(1) Uncertainty. فجزيئات
المادة وفقا لهذا المبدأ تختلف حركتها اعتمادا على الشخص الذي يقوم برصدها، وزاوية
رؤيته. فالموضوعية إذن ليست في التشدق بالأرقام والمعادلات، بل في قدرة الباحث على
الوعي بتحيزاته وتأثيرها في عمله. إن هذا الوعي بالتحيزات المسبقة ـ وليس تجاهلها ـ
هو أكبر ضامن لتحقيق الموضوعية.
ويتسق هذا الاتجاه ـ بوجه عام ـ مع تأكيد علم النفس المعرفي على أن الإنسان لا
يتعامل مع ما تصل إليه الحواس بشكل نقي ومباشر كما يصر «الموضوعيون»، بل إن ما يصل
إلى الحواس ليس إلا المادة الخام التي تخضع لعديد من عمليات الفلترة والضبط
والانتقاء التي تحدد ما يصل إلى الوعي.
وهذا المعالجة processing هي أساس التفرقة بين الإحساس (أي المثيرات الفيزيقية
الموجودة في العالم الخارجي كما اتصل إلى الحواس) وبين الإدراك (أي تفسير الإنسان
لهذه المثيرات وتعامله معها). وبالمثل فنحن لا نتذكرها الأحداث السابقة كما حدثت
بالفعل مهما كـُنا أمناء في محاولتنا لتذكرها، بل نتذكر مصبوغة بانفعالاتنا آنذاك
وموقفنا الراهن تجاه الأحداث بعد انتهائها، واتجاهاتنا نحو الأشخاص أو الموضوعات
التي كانت طرفا في هذه الأحداث.
وتشير هذه الخصائص التي تسم الجهاز المعرفي لدى البشر إلى أن أي إنسان إنما يواجه
العالم دائماً من خلال إطار مرجعي ومنطلقات معرفية، حتى وإن لم يكن واعياً بذلك.
ومن ناحية أخرى فالباحث إنسان يعيش في مجتمع، وهو بالتالي يتأثر بظروفه السياسية
والاجتماعية والاقتصادية وبنسق القيم السائدة في المجتمع. والبحث العلمي نشاط
اجتماعي له مصادر مجتمعية للتمويل، وأوجه للاتفاق، ووسائط إعلامية لعرض البيانات
والنتائج، وإجراءات للتقييم، وهي كلها أوجه اجتماعية تحددها جماعة المشتغلين بالبحث
في كل تخصص وهي تؤثر في خطوات البحث وإجراءاته وإن بدت بعيدة نسبياً عن جوهره.
ويؤدي بنا هذا الطرح إلى التأكيد على أن الباحث لا يبدأ من نقطة الصفر عند دراسة أي
موضوع، بل يبدأ من خلال إطار مرجعي أو بما يسميه د. عبد الوهاب المسيري(2) «نموذجاً»
لفهم الظاهرة. وهو تركيب معرفي مجرد ينظم جنبات الظاهرة ويحدد ما هو أساسي وما هو
هامشي فيها والعلاقات بين هذه الجوانب. والنموذج بالتالي قادر على توليد فروض
وتنبؤات، وعلى اختبارها مما يؤدي إلى تدعيم أو تعديل أو إلى إلغاء النموذج.
وبالتالي فالإطار المعرفي للباحث هو الذي يحدد ما هو مهم وما هو هامشي، ويحدد ما
يحذف وما يبقى من النتائج، أي أنه يمثل جوهر البحث وليس مجرد الرصد التراكمي
للبيانات حول الظاهرة. ويتفق هذا التأكيد على الإطار المعرفي للباحث وتحيزاته
ودورها في البحث العلمي مع مفهوم العلم لدى واحد من أهم فلاسفة العلم المعاصرين هو
عالم الفيزياء والمؤرخ توماس كون في كتابه عن «بنية الثورات العلمية»(3)، حيث توصل
كون من خلال دراسته تاريخ العلم واستعراضه عدداً كبيرا من الأمثلة حول تطورات
العلوم الطبيعية، إلى أن مسار العلم لا يمضي بشكل تراكمي وفي اتجاه واحد بل في
مسارات دائرية، حيث يمضي التقدم العلمي في أي فرع من فروع العلوم محكوماً بنموذج
إرشادي Paradigm عام يحدد مسار العلم وأدوات الدراسة وطرق فهم وتفسير النتائج، بل
ويزود الباحثين بافتراضات ضمنية أو صريحة حول الظواهر محل الدراسة، وهو ما يُسمى
بالعلم القياسي normal science، إلا أنه مع تقدم العلم يتراكم حجم هائل من
المعلومات في نطاق هذا النموذج الإرشادي، ويتراكم كذلك عدد كبير من المشكلات وأوجه
التناقض وجوانب لا يستطيع النموذج السائد تفسيرها، مما يؤدي إلى دخول العلم إلى ما
يسميه كون «مرحلة الأزمة» التي تؤدي إلى إعادة النظر في العديد من القواعد
والنظريات المستقرة وإلى حدوث «ثورة علمية» في التخصص، مما يؤدي ـ بدوره ـ إلى
تغيير النموذج الإرشادي وظهور نموذج إرشادي جديد يحمل افتراضات صريحة وضمنية جديدة
حول طبيعة التخصص وظواهره.
فهو تحول في النظر إلى العالم يؤدي إلى أن تبدو الموضوعات التقليدية في ضوء مغاير
وقد ارتبطت في الوقت ذاته بموضوعات أخرى غير مألوفة، مما يرسم مساراً جديداً لطبيعة
المشكلات موضع الدراسة في المستقبل.
وعلى أساس هذا الفهم لطبيعة العلم ولدور العوامل الشخصية والاجتماعية في البحث
العلمي يصبح فهم هذه العوامل مكونا أساسيا في فهم طبيعة وتاريخ بل ومستقبل أي علم
من العلوم، ويصبح فهم أي علم ناقصاً إذا اقتصر الأمر على سرد الوقائع وبيان
القوانين الأساسية من دون التطرق إلى السياق الاجتماعي التاريخي لهذا العلم وللأطر
المعرفية التي انطلق الباحثون فيه من خلالها.
الهوامش
ــــــــــــ
(1) فرنر هيزنبرغ (1972)، المشاكل الفلسفية في العلوم النووية، ترجمة: د. أحمد
مستجير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
(2) للمزيد عن مفهوم النموذج ودوره في فهم الظواهر المختلفة، انظر عبد الوهاب
المسيري (2002م)، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ج2، دار الشروق، القاهرة.
ولمناقشة نقدية حول المفهوم، انظر محمد طه (2004م)، أزمة العلوم الاجتماعية والصراع
العربي الإسرائيلي، في أحمد عبد الحليم عطية (محرر)، في عالم عبد الوهاب المسيري،
تقديم: محمد حسنين هيكل، دار الشروق، القاهرة.
(3) Kuhn T. (1962). Structure of Scientific Revolutions, Chicago: University of
Chicago Press.
وتوجد ترجمة عربية إضافية لهذا الكتاب في توماس كون (1992م)، بنية الثورات العلمية،
ترجمة: شوقي جلال، عالم المعرفة، العدد 168، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،
دولة الكويت.
المصدر: الذكاء الإنساني اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية علم المعرفة ـ المجلس الوطني
للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت أغسطس 2006
|
|
|