الحضارية «الوعي البحثي»
 
 
الوعي البحثي ـ المفهوم والآفاق(1)

ثائر حسن جاسم(*)
(خاص للمعهد)

1- توطئة
2- من تاريخ الوعي البحثيّ ومراحل تطوره.
3- الغرض من البحوث وغاياتها.
4- ما يميّز البحث العلميّ من الاتجاهات المعرفية الأخرى
5- ما هو البحث العلميّ؟
‌أ. نظرة نقدية في تعريفات البحث العلميّ.
‌ب. مفهوم (العلميّة) في البحث.
‌ج. مفهوم (المنهجيّة) في البحث.
 

6- شروط البحث العلميّ
7- عناصر البحث العلميّ:
‌أ. موضوع البحث.
‌ب. منهج البحث.
‌ج. مصادر البحث.
 

8- خطوات البحث العلمي:
9- الحرية الفكرية والبحث العلميّ:
‌أ. الحريّة وضرورات البحث
‌ب. اتّجاهات البحوث واتجاهات السلطة.
‌ج. نتائج البحوث المعتقدات السائدة.
- توطـئة:
من الواضح أنّ الكائنات الحيّة كلّها رُكّب في طبعها أن تسلك سلوكاً فيه نوع من البحث عمّا يقيم حياتها ويديم نوعها بين الأحياء. ويبدو أنّه على قدر رقي الكائن الحيّ في سلسلة الكائنات الحيّة يكون مستوى نضج سلوكه في البحث.
ولقد تميّز الإنسان، وهو الخليفة على هذه الأرض، من سائر الكائنات، بنعمة العقل، فهو يحسّ ويدرك، يفكر ويتذكّر، يعي ويفهم... ثمّ يعبّر عن المتراكم من خبرته التي يكتسبها بصياغتها أفكاراً ومعتقدات.. كلّ ذلك عن وعي منه وقصد وإدراك.. أمّا سلوك البحث لدى غير الإنسان من سائر الكائنات الحيّة فهو سلوك غريزي تلقائي غير واعٍ، ليس فيه متّسع لاكتساب الخبرات الجديدة وتصحيح الأخطاء وتعديل الاتّجاهات وتطوير المهارات نحو الأفضل.
ولقد كان لعقل الإنسان، مذ كان، القدرة الكامنة على إدراك الظواهر المختلفة وتحليل المشكلات التي تواجهه والسعي إلى وضع الحلول الناجعة لها، فهو يسأل ويجيب، يريد ويفعل ويبحث.. ولكنّ الأسباب الموضوعية والدوافع الواقعية التي تحفّز الإنسان لاستنهاض إمكانات عقله في البحث عمّا وراء الظواهر من علل واستكشاف العلاقات بينها ؛ لم تكن في عصور نشأته الأولى قد تهيّأت، فكان مدار بحثه سطحيّاً ومباشراً وكان محصوراً فيما يقيم معايشه وفيما يحميه من أذى أو هلاك، لأنّ الحياة البشرية في قديم الأزمان كانت بدائية ساذجة ولم تكن تدعو إلى البحث فيما هو أبعد من الظاهر والمحسوس من جوانبها المختلفة، فمتطلبات الحياة بسيطة، والمشكلات الفكريّة قليلة، وكان الإنسان يعالج متطلبات حياته اليومية معالجة عمليّة مباشرة.
ولكن على الرغم من ذلك تؤكد الشواهد التاريخية أنّ الإنسان، لطبع فيه، كان يسعى بشغف دائب ودائم، على مرّ الأزمان وفي كل المجتمعات ومختلف البيئات، إلى المزيد من المعرفة ولا يقنع بالمحسوس من الظواهر التي تقع له، ولكن يتطلّع جاهداً إلى تفسير ما وراءها، وإن أعوزته الوسائل، وإلى التعامل معها بحسّه وعقله بحسب تقديره لأهمّية الظاهرة ومدى تأثيرها في حياته، ويسعى إلى استكشاف خصائص الأشياء، والكشف عن غوامض العلاقات بينها، وتلمّس الخيوط الواصلة بين ما كان، وبين ما يكون، وبين ما يرجو أن يكون في المستقبل، ويحاول أن يبني تفسيراته وتصوّراته حولها على قدر نضج إدراكه، وبحسب تراكم خبرته وتجاربه .
والإنسان يكتسب كثيراً من المعرفة بالأشياء وخصائصها وبالعلاقات السببيّة فيما بينها كلّما تدرّج في مراقي النضج وكلما تراكمت الخبرة خلال حياته وتواصله مع حياة الآخرين.. ولكنّ مستويات هذه المعرفة ومدى دقّتها ودرجة مصداقيّتها تتباين كثيراً بين إنسان وآخر، أو لدى الإنسان نفسه في مراحل نموّه العقليّ وتكامله المعرفيّ، وتبعاً لذلك تتباين مواقف الإنسان النفسية والعقلية بإزاء الظواهر المختلفة التي يراها أو يستشعرها، وتتقلّب آراؤه ومعتقداته فيها في درجات متفاوتة بين الظنّ واليقين.
وبسبب توسّع شؤون الحياة واشتداد تعقيدها وزيادة متطلّباتها، ومحاولات الإنسان الدائبة السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمته والتحكّم بمجريات الأحداث، والتأمّل فيما كان من الأحداث الماضية واكتساب الخبرة منها واتّخاذ العبرة، ثمّ التطلّع إلى أن يكون المستقبل أفضل ممّا كان.. سعى الإنسان سعياً حثيثاً عن وعي وقصد نحو تنظيم بحثه وتطويره في مختلف جوانب حياته للكشف عن خفايا الظواهر، وعللها الكامنة..
2- تاريخ الوعي البحثيّ ومراحل تطوره:
ومن يتتبّع حركة ارتقاء الوعي البحثي لدى الإنسان عبر التاريخ، وسعيه إلى تلمّس طرائق نافعة للبحث، منذ محاولاته البدائية في فجر التاريخ لاستكشاف ما حوله، حتى يومنا هذا الذي أدرك الناس فيه أهميّة البحث المنهجيّ الدقيق والمنظم في تحصيل المعارف وتقعيد العلوم ؛ يجد أنّ الإنسان تدرّج على مراحل، خلال العصور المتتابعة، في سعيه المعرفي وفي بناء مواقفه وأفكاره، وسلك، من أجل اكتساب المعرفة، اتّجاهات متباينة واتّبع وسائل متنوعة اختلفت في درجة دقتها وتباينت في مستوى جودتها وتنوعت في مدى موضوعيتها ومصداقيتها ، وحاول من خلالها أن يقدّم إجابات للأسئلة التي شغلته، ويصل إلى تفسيرات للأشياء والأحداث والظواهر التي حيّرت عقله.. وجهد بإصرار متواصل أن يصل إلى معرفة يقينية بخصائص الأشياء وأسرار الظواهر حوله، معرفة يطمئنّ إليها ويستطيع اعتمادها في تيسير أمور حياته وتطويرها، ولم تكن تلك الأساليب في كثير من الأحيان صائبة، ولكنّ بعضها كان نافعاً في إنجاز متطلبات حياته البسيطة.. وكثيراً ما كان الإنسان يقبل تلك المعطيات دون أن يناقشها أو يتساءل عن كيفية التوصّل إليها أو التحقق من صحّتها. فقد كانت أنماط تفكيره في بادئ الأمر تتصف في الأغلب بالسطحية وتعتمد الخيال وتشوبها الأوهام، وهي لذلك بعيدة عن التحليل والتعليل المنظّم.. وقد ظل كثير من تلك الاتّجاهات والأساليب في البحث عن المعارف والحقائق عاجز عن تقديم حقيقة يمكن الوثوق بها واعتمادها.
ولكن على الرغم من ذلك كانت تلك الأساليب تتطوّر عبر السنين وإن على بطء من خلال التجريب وتراكم الخبرة.. وكلّ اتّجاه أو أسلوب في البحث يعبّر عن مستوى نضج عقل الإنسان في عصر ما ومدى إدراكه ودرجة تقدّمه الحضاري.. ومن المؤكّد أنّ تلك الاتجاهات والأساليب البحثية لم تكن منفصلة ومستقلة تماماً في تاريخ تطورها في المجتمعات البشرية وإنما كانت مترافقة ومتداخلة، ولكنّ الجهد البحثي للإنسان كان في حراكه العام يسير باتّجاه تدقيق المعطيات المعرفية وتحليلها وتفسيرها بما يكشف عن عللها، وتطوير مناهج التثبّت من صحتها
ولربّما كان أسلوب التجربة والخطأ واعتماد الخبرة الفرديّة العملية المباشرة، هو الوسيلة الأولى للبحث عند الإنسان ، وهو الاتّجاه الطبيعي التي يُفترَض أنه شاع في العصور البدائية الأولى. وفي تلك المرحلة كان الإنسان يظل يجرّب حتى يجد حلاً عمليّاً للمشكلة التي يواجهها، وإن كان حلاً ساذجاً، وقد يؤسس هذا الحلّ بعض القواعد العقليّة العامّة والتعميمات الفكريّة التي تشكّل أفكاره ومعتقداته. فالجهد البحثي في هذا الاتجاه كان فرديّاً بسيطاً وسطحياً لا يمتدّ أبعد من دائرة السلوك المعاشي الآني والمباشر، ولم يكن ليتّسع إلى البحث عن الظواهر المعقدة والكليّة والعلل الكامنة. فقد كان الإنسان البدائي منذ قديم الأزل يرجع الكثير من المظاهر والأحداث التي يصادفها إلى تأثير بعض القوى الخارقة للطبيعة أو إلى أسباب غيبية لا يستطيع تحديدها أو تفسيرها أو التأكّد من صحتها وصدقها، وقد يكتفي الإنسان بالتعجّب والاستغراب من الظواهر التي لا يجد لها تفسيراً عقليّاً مقنعاً لأنّها تغاير الأنماط التي ألِفها وعايشها وفهمها في حياته الاعتيادية. وكثيراً ما يرسم الإنسان في هذه المرحلة تصوّرات ذاتيّة ساذجة يفسّر بها الظواهر التي تثير تعجّبه واستغرابه، ويرى أنّها حقائق ثابتة لا مجال لدحضها وتفنيدها وقد تؤثّر في مجريات حياته.
ومن المؤكَّد أنّ اكتساب الخبرات الفرديّة واكتشاف البيئة بأسلوب البحث الفرديّ الساذج راح تدريجياً يأخذ نمطاً جماعيّاً في مراحل لاحقة من تقدّم المجتمعات البشرية مع نشوء المجتمعات والدويلات الأولى، ويتّجه إلى تكوين معارف عامة ومعتقدات جماعيّة يعتنقها المجتمع، لا تقف عند الخبرات الفردية، ولكن تمتدّ إلى تفسير بعض الظواهر الكليّة والشمولية وتقديم تصوّرات وتفسيرات عامّة تحظى بقبول السواد الأعظم من الناس في بيئة معيّنة.. ومن المتوقع في هذه المرحلة انتشار الخرافات والأساطير التي من خلالها يحاول الإنسان تقديم معرفة جمعية تفسر الظواهر الكلّيّة للوجود بمختلف جوانبه.. وكثيراً ما نجد في هذه الحال أنّ حركة البحث تكون محصورة في اتّجاه اعتناق أفكار سادة القوم وأصحاب السلطة والنفوذ، واتّباع التقاليد العامّة التي بُنيت بتراكم الخبرات وغلبة بعضها على بعض، وفي هذه الحال يعتمد سواد الناس أفعال من يمثلون السلطة: القبلية أو الدينية أو السياسية... ويتّبعون آراءهم ويلتزمون معتقداتهم، لأنّ لها من السطوة وقوّة التأثير ما يجعلها مقبولة مرضية حتّى لو كانت خاطئة. فكأنّ هناك فئة تفكّر وتقرّر، وسائر الناس يتّبعون أفكارها ومعتقداتها. وينأون بأنفسهم عن كلّ جديد من التفسيرات والآراء التي تعارض المعتقدات العامّة ولا توافق التقاليد السائدة، أو لا تصادف هوى في نفوس أصحاب السلطة، وقد يؤثِر بعض من لا يرى رأي القوم الاحتفاظ لنفسه برأيه وفهمه، كي لا يقع في مشكلات أو خوفاً من العواقب.
ومع تطور حياة الإنسان بتقدّم الأزمان وتراكم الخبرات وتعدّد المعتقدات وتباينها، أخذت التناقضات الكبيرة في الأفكار المختلفة تبرز للإنسان، تناقضات بين أنساق الأفكار التي نما بعضها مستقلاً وبمعزل عن غيره، وتناقضات هذه الأنساق المعرفيّة مع معطيات الواقع الموضوعي، وتكشفت الأوهام التي شابت فهم الظواهر والأخطاء في تفسيرها وتعليلها، لذلك شهد تاريخ البشرية مراحل متتابعة من الانقلاب على السائد والثابت من الأفكار والمعتقدات بسبب عوامل الحراك التاريخي، وبسبب أنّ تلك الأفكار والمعتقدات لم تعد صالحة وينجلي لبعض ذوي الألباب خطلها، وما تنطوي عليه من تناقضات، وأنّها لم تعد تواكب متغيّرات الحياة عند بزوغ عصر جديد، أو حدوث ثورات تاريخية... ولذلك يشهد الوعي البحثي، في هذا الاتّجاه، حركة انقلاب جوهريّة على السائد من الآراء والمعارف، وعلى المناهج المتّبعة في تحصيل العلوم واكتشاف الحقائق.. وفي سياق هذا الاتّجاه الثوري في البحث ينتشر الجدل والحوار والتأمّل وتقليب الأفكار ومقارنتها وامتحانها، ويأخذ الإنسان الشكّ في الأفكار المسبقة المستقرّة وآراء الفئات السلطوية الفوقيّة المفروضة فرضاً، فيتمرّد على ما تمليه الأنماط المعرفية التقليدية السائدة، ويتجرّأ على مناقشتها ودحضها، ويستثمر في سبيل ذلك إمكانات الجدل ويعتمد قوّة المنطق محاولاً الوصول إلى الحقائق وتفسير الظواهر المحيّرة وحلّ ما يواجهه من مشكلات.
ثمّ بزغ في العصر الحديث اتّجاه جديد في الوعي البحثي، وهو اتجاه البحث المنهجيّ المنظّم والمعرفة العلميّة الذي حاول الإنسان من خلاله أن يتجاوز أخطاء الاتّجاهات السابقة، ويصلح الخلل في منهجيّتها، وسعى من خلاله سعياً حثيثاً نحو وضع طرائق للبحث مدروسة، وتثبيت وسائل محكمة من أجل الوصول إلى معرفة توصف بأنّها (علميّة) أي حقائق موثوق بها ويمكن التثبّت من صحتها.. وقد برز هذا الاتجاه، أكثر ما برز، في عصر النهضة، وشاعت جهوده أوّلاً في العلوم الطبيعيّة، وانتشرت بعد ذلك في مختلف الميادين العلمية والحقول المعرفية، وصار (البحث) يقرن بـصفتي (المنهجيّة) و(العلميّة) لأنّه يفترض في كلّ جهد بحثي أن يلتزم منهجاً منظّماً ودقيقاً منذ الشروع به حتى التوصّل إلى نتائج، إذ يضع الباحث فرضيّات ما في موضوع محدّد، ويجمع لها البيانات والمعلومات، ثم يدرس هذه البيانات ويختبرها بالوسائل المناسبة.. ليصل إلى نتائج تؤيد أو تنفي فرضياته. والمفترض بنتائج هذا البحث أن تكون (علماً) بمعناه الدقيق الخاص، أي يمكن اعتمادها والوثوق بمصداقيتها، والتأكّد من صحّتها.. وفي هذا الاتّجاه يتقدّم الوعي البحثي باستمرار نحو التخصّص والتثبّت والتدقيق.. وبسبب ذلك صارت لفظة (البحث) مصطلحاً لها مفهومها المحدّد الدقيق، ولم تعد محصورة بمعناها اللغوي الذي يقتصر على مجرّد الكشف عن المخفي أو التفتيش عن المفقود..
فالمعنى الاصطلاحي لـ(لبحث): هو السعي للوصول إلى إجابات صحيحة عن أسئلة محدّدة في مجال معرفي باستخدام منهج معيّن.
على الرغم من أنّ الاتّجاه المنهجي العلمي كان ثمرة ناضجة لجهود كبيرة عبر تاريخ تطور وعي البحثي للإنسان، نجد أنّ الاتجاهات الأخرى في اكتساب المعارف ما تزال حتى يومنا هذا حاضرة ومتداخلة بكلّ أصنافها في المجتمعات البشرية كافّة. ولكنّ الطريقة العلمية خاصّة أصبحت لها السيادة المطلقة اليوم. فقد صار الوعي البحثي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ (المنهج) مفهوماً ووسائل وأساليب.. ويوصف النشاط البحثي في هذا الاتجاه بأنه (منهجيّ) و(علميّ) لأنّ البحث المنهجيّ أصبح توأم العلم والتعليم واكتساب المعارف الموثّقة بل هو صانعها وملهمها وبدونه لا يستقيم لها كيان، والأمم المتقدّمة لا تألوا جهداً في دفع عجلة البحوث المنهجيّة في كلّ ميادين المعرفة لأنّ ازدهار الأمم لا ينفصل عن حركة البحث... ولا شكّ في أنّ البحث المنهجيّ العلميّ هو أرقى أساليب الوصول إلى المعارف الصحيحة التي يمكن البناء عليها والانطلاق منها إلى آفاق معرفية أوسع، وليس كمثله أسلوب في إقامة الدليل وفي تحقيق الاستنتاج المنطقي، وفي قوّة التأثير والقدرة على الإقناع..
3- ما يميّز البحث العلميّ من الاتجاهات المعرفية الأخرى:
من المؤكّد أنّ للبحث المنهجيّ العلميّ له قواعده ومبادئه وشروطه لكي يكتسب هذه التسمية. كما أنّ الباحث العلمي أيضاً له مواصفاته، فليس كل ما يكتب يعدّ بحثاً، وليس كل من يكتب يعدّ باحثاً. ولا يمكن للبحث أن يحقق أهدافه وأن يكون علمياً بمعنى الكلمة، ما لم تتوافر له تلك الشروط والقواعد ولكاتبه تلك المواصفات. ولكي يصبح البحث علمياً على الباحث أن يلتزم بخطوات وأدوات وطرق المنهج العلميّ في البحث حتى يصل إلى نتائج أكثر دقّة وهذا الأسلوب يساعد على تركيز الجهد واختزال وقت الباحث وحصره في نطاق البحث المطلوب ويتيح له بالتالي مجالاً أكبر للإبداع والابتكار.
وتتميز الطريقة العلمية في البحث بمجموعة من الخطوات والقواعد التي يتمّ في إطارها والتي لا يحيد عنها مهما اختلفت موضوعاتها أو تعدّدت وجهات النظر التي تعالج مشكلاته. إنّ المفهوم العام للطريقة العلمية يؤكد على استخدام الأساليب العلمية للتوصل إلى حقائق والتحقق منها ومحاولة إنماء المعرفة الإنسانية. والطريقة العلمية دائماً هي نشاط هادف موجه وهي عملية دقيقة ونافذة ومنظمة تتطلب العديد من الخطوات المتدرجة . ولذلك صار اتّجاه البحث المنهجي العلمي متفوّقاً على ما سواه من حيث مواصفاته الموضوعية، ومن حيث مصداقية نتائجه، ومن حيث أهميّة معطياته في البناء الحضاري للإنسان، لأنّ أسلوبه يعتمد الاستقصاء الذي يتميّز بالتنظيم الدقيق لمحاولة التوصل إلى معلومات أو معارف عن الظواهر وما وراءها والعلاقات القائمة بينها، والتحقّق من هذه المعلومات والمعارف الموجودة وتطويرها باستخدام طرائق أو مناهج موثوق في مصداقيتها. والبحث العلمي، بسبب ذلك كله يختلف عن الاتّجاهات المعرفية والأساليب الأخرى لاكتساب المعرفة. ولذلك يضع المختصّون مواصفات عامّة للبحث العلمي المنهجيّ تميّزه من غيره وتتوّجه بالأهمية التي يستحقها بين الاتجاهات الأخرى، يمكن إيجازها في النقاط الآتية :
1- الانطلاق من الأسئلة إلى الأجوبة ومن المشكلة إلى الحلّ ومن المجهول إلى المعلوم ومن الشكل إلى اليقين.. فالبحث العلميّ يرفض التسليم بالمعتقدات السائدة كحقائق مسلّم بها إلاّ بعد تحقيق وإثبات دقيقين.
2- الموضوعيّة: التي هي نقيض الذاتية، وتعني أن تجري مجريات البحث كلها من غير تحيّز فلا تتأثر برغبات الباحث ودوافعه تأثّراً يؤثّر في النتائج. ويتبع ذلك عدم اللجوء إلى تحريف النتائج أو تشويهها بدوافع ذاتية أو لأهداف شخصيّة.
3- الدقّة: التي تعني أن يلتزم الباحث في خطوات بحثه كلّها بتحديد المفردات العلمية والمعرفية تحديداً دقيقاً مضبوطاً يؤمن عنده اللبس ويمنع الخلط، فلا تكون المعلومة غائمة وحدودها مطاطة.
4- الأمانة: يتطلّب البحث العلميّ الأمانة العلمية في النقل والاقتباس وفي عرض النتائج وتحليلها .
4- الغرض من البحوث وغاياتها:
للبحث العلمي اليوم أهمّيّة كبيرة في تحقيق التقدّم والتفوّق وعلى المستويات كافّة، وذلك من خلال الأسس والمناهج والوسائل والأدوات الخاصّة به والتي تساعد على حل المشاكل التي تعترض أي ميدان من ميادين الحياة، وبهذا فإن أي مجتمع ينشد التقدم ويرغب في تحقيق نهضة فكرية واجتماعية لا بدّ له من الاهتمام بالبحث العلمي لأنه يمثل المصدر المركزي من مصادر المعرفة.
تُعمل البحوث في أيّ مجال علميّ أو معرفيّ، نظريّ أو تطبيقيّ لوجود حاجة إلى الكشف عن جوانب معيّنة في قضيّة علميّة، أو فكريّة، أو دينيّة، أو أدبيّة، أو تاريخيّة... تثير تساؤلات وتحتاج إلى إجابات، ويمكن حصر الغايات التي تُبتغى من البحوث والأهداف المتوخّاة منها بما يأتي:
1- علم لم يُسبق إليه فيخترعه:
وهو بحث الابتكار: بأن يسعى الباحث إلى أن يَسبق الناس إلى أمر لم يعرفه أحد من قبل فيطلع به عليهم.
2- معرفة ناقصة فيُتمّـها:
وهو بحث التتميم: بأن يقع الباحث على جوانب معرفية فيها نقص مخلّ فيعكف على تتميمها، كأن يكون موضوع ما دُرِس قبلاً ولكن لم يكتمل فيه جانب من الجوانب، فيكمله الباحث ببحثه
3- علم مستغلق أو مبهم فيشرحه:
وهو بحث الشرح: بأن يرى الباحث أمراً غامضاً مستغلقاً على الكثرة من الناس فيتولى شرحه وإيضاحه لهم، أو بتفصيل المسألة الشائكة شيئاً فشيئاً حتى تتضح.
4- معرفة عُرِضت بأسلوب مطوّل فيختصره:
وهو بحث التلخيص: كأن يقع الباحث على جوانب معرفية عُرضت بلغة مطوّلة يمكن اختصارها أو عولجت بمراحل أو وسائل يمكن اختزالها والوصول إليها بما أقرب وأدنى أو إيجاز عرضها من غير إخلال.
5- معارف مفـرَّقة فيجمعها:
وهو بحث التجميع: كأن توجد معارف جزئية مفرّقة أو مسألة مشتتة وأدلّتها في بطون الكتب لم بلتفت أحد إلى أنّ جمعها في نسق معين يحلها أو يكشف حقائقها أو يفتح من شؤونها آفاقاً جديدة
6- دراسات مختلطة فيرتّبها:
وهو بحث التنظيم: كأن يقع الباحث على دراسات اختلطت فرضياتها أو نتائجها فاضطربت، فيعمل الباحث ‘لى تقديم و تأخير في ترتيب المادة أو الموضوع حتى تتسق.
وربّما يجتمع في البحث الواحد أكثر من غاية من هذه الغايات التي تعطي للبحث أهميّته في حركة البحث العلمي
الإحالات: لمزيد من الاطلاع يُنظر: ما قبل الفلسفة: ص 13 وما بعدها.
يُنظر: أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية. د. مروان عبد المجيد إبراهيم. ط1 2000 مؤسسة الوراق: ص 16.
يُنظر: أسس ومبادئ البحث العلمي. د. فاطمة عوض صابر و د. ميرفت علي خفاجة. ط1 2002 مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية: ص 13-14.
يُنظر: الأسس العلمية لكتابة رسائل الماجستير والدكتوراه: ص 10 وما بعدها.
يُنظر: دليل الباحث. مجموعة من الباحثين المتخصصين. من منشورات دار المريخ في مدينة الرياض 1408هـ/ 1988م: ص 17
لمزيد من الاطلاع يُنظر: منهجية البحث العلمي: ص 7 وما بعدها.

مصادر البحث
ــــــــ
(*) باحث من العراق.
(1) أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية. د. مروان عبد المجيد إبراهيم. ط1 2000 مؤسسة الوراق.
(2)الأسس العلمية لكتابة رسائل الماجستير والدكتوراه. د. محمد عبد الغني عوض و د. محسن أحمد الخضيري. مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة 1992.
(3) أسس ومبادئ البحث العلمي. د. فاطمة عوض صابر و د. ميرفت علي خفاجة. ط1 2002 مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية.
(4) دليل الباحث. مجموعة من الباحثين المتخصصين. من منشورات دار المريخ في مدينة الرياض 1408هـ/ 1988م.
(5) ما قبل الفلسفة الإنسان في مغامرته الفكرية الأولى. هـ فرانكفورت وآخرون. ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا. المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت. ط2 1980.
(6) منهجية البحث العلمي القواعد والمراحل والتطبيقات. د. محمد عبيدات وآخران. كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية - الجامعة الأردنية. ط2 1999.