الحضارية «أعلام العراق»

 الأربعاء: 24/06/2009

 

العلامة الدكتور مصطفى جواد (1904-1969)م

 

 

إعداد : د. ثائر حسن جاسم
(خاص للمعهد)

 

ولادته ونشأته :

أستاذ اللغة العربية في العراق وأحد أهم اللغويين العرب في القرن العشرين. ولد الدكتور مصطفى جواد من عشيرة صارايلو في محلة (عقد القشل) ببغداد عام 1904م، ووالده جواد الخياط ابن مصطفى بن إبراهيم، وأصل أسرته من دلتاوه. درس العلوم الابتدائية في الكتاتيب في دلتاوه (الخالص بمحافظة ديالى حاليا) في عهد الدولة العثمانية. وبعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الاولى، عاد إلى مسقط رأسه بغداد. بعد الاحتلال البريطاني للعراق فكفلهُ أخوه (كاظم بن جواد) وكان يعد من أدباء بغداد في التراث الشعبي وهو الذي أسهم تنمية عشق اللغة في شقيقهِ الأصغر، فدرس النحو ومعاني الكلمات وأعطاه قاموساً في شرح مفردات اللغة العربية وأوصاه بأن يحفظ عشرين مفردة في اليوم الواحد، وحفظ أكثر من عشرين حتى نشأت عنده حافظة قوية.

دراسته :

دخل دار المعلمين الابتدائية عام 1921م، وفي هذه الدار وجد اثنين من أساتذته يعتنيان بموهبتهِ وهما: طه الراوي (1890- 1946)م، إذ أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة في ساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه، وأستاذه الآخر ساطع الحصري، إذ أهداه قلماً فضياً بعد أن وجد قابليات تلميذه تتجاوز عمره الفتي بمراحل، وكانوا يقولون له: (أنت أفضل من أستاذ) فهو يكمل عجز البيت الشعري اذا توقف الأستاذ عن ذكرهِ، ويحلل القصيدة ويتصيد الأخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من أحد.

تخرج في دار المعلمين وعين معلماً في البصرة والناصرية وديالي والكاظمية، ولما اكتشف فيه المفتشون انه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحى لامثيل لها) رحل الى التدريس في المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر ابحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولاسيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي، وفي أثناء عطلاته اخذ يتردد على مجالس بغداد ويدخل معارك ادبية حول فنه الذي ما فارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بان يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الاسانيد والشواهد مما اتاح لذاكرته بان تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة..!

 وفي هذه المدة (1925) تعرف بالعلامة اللغوي الاب انستاس الكرملي (1866-1947) وكان للكرملي مجلس ادب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه ادباء الدرجة الاولى في بغداد، وفي جلسته الاولى اثار مصطفي جواد معركة حامية حول العامية والفصحى، وكان يبزهم في الادلة والبراهين، ومال اليه الكرملي منذ لحظته الاولى: (أريدك يا أخ اللغة ان تحضر مجلسي كل اسبوع) وعند حضوره في الاسبوع الثاني كلفه الكرملي بان يهندم مكتبته على  التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس واخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته (لغة العرب) الشهيرة، فكتب ابحاثا لغوية ونقداً في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ (التصويبات اللغوية) وهذه جعلته على الالسنة بين اخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته ايضا ان يكون سيداً في ارجاع ما يشاع بانه فصحى الى العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي ارادت ان تبطش به لولا دفاع مصطفي جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة (السياسة) المصرية في الثلاثينات كان بها ينهي خصومة الكرملي.

وفي 1934- 1939 حصل على بعثة لتطوير دراساته في باريس، فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقي رواد الثقافة طه حسين والعقاد والزيات وباحثهم وجادلهم في اخطائهم ولم يذعنوا لانهم كما يقول مصطفي جواد (مدارس وقدرات) ولايجوز انتقادهم ، ثم رحل الى السوربون بجامعة باريس يدرس دكتوراه الادب العربي فنالها عن اطروحته (الناصر لدين الله الخليفة العباسي) وفي باريس افاد ذاكرته التراثية من ملازمته لمجلس (الميرزا محمد القزويني) ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته على اتساع خياله التراثي وارجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة إلى الاصل الذي هو في الكتب الاولي وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج..!

وعاد إلى بغداد وهو مزود بقراءتين: القديمة التي في المراجع والمصادر الرئيسة ، والحديثة وهي الاكاديمية التي تنفتح على العصر، وجاء بهاتين القراءتين إلى دار المعلمين العالية التي عين فيها استاذا للادب العربي، وكان في الدار اساتذة كبار امثال محمد مهدي البصير (1896- 1974) وصفاء خلوصي (1917- 1995) ومحمد الهاشمي (1910- 1996) وحينما اضيف اليهم مصطفي جواد صار في الدار مجلس تراث لغوي تثار فيه كل شاردة وواردة في اللغة وتحسم فيه مواقف الادب الا ان الشهرة كانت لمصطفي جواد لانه اكثرهم تذكرا ومذاكرة واكثرهم قدرة على  تخيل الصحيح في القواميس وهو ايضا افاد منهم في جعل حافظته تتمرن على  الاعادة، واتمام النقص في مسائل التحقيق التراثي.

 وفي سنة 1942 انتقل ملاحظا فنيا في مديرية الاثار العامة، وفي مدة اخري، رفع في هذه المديرية إلى درجة اختصاصي في التراث حتي سنة 1948.. وبعدها عاد إلى دار المعلمين العالية وكان في مديرية الاثار يجرد ذاكرته اللغوية في مكتبة المتحف العراقي، ثم يطبق ويقارن بين قراءاته في الكتب وماعايشه على ارض الآثار، وتلك المشاهدة والمقارنة اعطته خبرة جديدة في الكشف عن الغامض في تراثنا، وهذا البحث عن الغامض هو الذي دفعه إلى الاجتهاد، اذ كان يذهب بنفسه إلى مواقع الاثر القديم ويجتهد في التوصل إلى الحقيقة اولا وإلى اليقين التراثي ثانيا .

بعد نيل شهادة الدكتوراه عُيّن مدرسا في معهده الذي تخرج منه وساهم في التدريس فيه وأيضا في كلية التربية التي ورثت المعهد بعد تأسيس جامعة بغداد. وفي عام 1962م انتدب للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية العليا وعين عميداً للمعهد المذكور بعد عام.

منزلته وجهوده العلمية :

كان العلامة مصطفى جواد دائرة معارف متنقلة تمشي على أرجل بما حفظ ووعى من دقائق الأشياء، وله القدرة على الإجابة عن أي سؤال يوجه له في أي وقت، وقد بز أساتذته وأقرانه واستظهر عليهم في مناقشاتهم لعويص المسائل، وقد كان بمثابة تلميذ للمرحوم الكرملي لمواظبته على حضور مجلسه والاستفادة من مكتبته إلا أنه تفوق عليه في الكثير من مسائل اللغة ومنعطفات التاريخ، وكان ملازما للعلامة الميرزا محمد القزويني عند دراسته في باريس، ومرجعا للمستشرقين والدارسين، وقد كتب لويس ماسنيون المستشرق المعروف إلى وزارة المعارف العراقية خطاب شكر على إرسالهم مصطفى جواد الذي تعلموا منه ولم يتعلم منهم وهذه شهادة لم يحظ بها عالم عربي على كثرة الأفذاذ والمشاهير، وكان أعلام اللغة والأدب يتحاشون الدخول معه في جدل أو مساجلة لما عرف به من إحاطة واسعة وعلم غزير، وخاض معارك وصراعات نقدية كثيرة مع أعلام الأدب وأساتذة الجيل فكان المجلي في هذا المضمار وشغل الناس بمساجلاته تلك، وقد اختلفت ردوده بين الشدة واللين، وكان جادا في عمله التربوي، ومعروفا بصرامته العلمية منذ بدايات عمله في التعليم، وقد أشرف على إعداد الملك فيصل وتعليمه. وبعد عودته من دراسته العالية انصرف لعمله التربوي بما عرف عنه من علمية، وانشغل بالتدريس في الجامعة العراقية وإلقاء المحاضرات في معاهد العلم ونوادي الأدب، واشتهر بحضوره التلفزيوني من خلال الندوة الثقافية التي يقدمها الدكتور حسين أمين وبعده الأستاذ سالم الألوسي وبرنامجه الشهير ((قل ولا تقل)) الذي طبع مادته بجزأين في حياته، ما أكسبه شهرة شعبية لم تتأت للكثيرين من أقرانه، ولم يحظ بها عالم عراقي بعده، وابتدأ بنشر موضوع كتابه هذا منذ عام 1943 في مجلة (عالم الغد) فكان يذكر اولا الصحيح او الفصيح ويشفعه بالغلط او الضعيف، وكان يرتب ذلك على  حروف المعجم.

وكان يكتب الشعر وهو في دار المعلمين طالبا، ونشر شعراً سياسياً واجتماعياً في شتى الأغراض، وله الكثير من القصائد والمقاطع وترجم رباعيات الخيام ورباعيات قدس نخعي شعرا. وكتب القصة والرواية وشارك في الكثير من المؤتمرات الأدبية واللغوية والتاريخية وحاضر في الجامعات العربية والأجنبية، وكان مكثرا في نتاجه حتى لا تخلو مجلة أو جريدة من بحث أو مقال، ولو هيئ لنتاجه أن يجمع ويطبع لأربى على عشرات المجلدات إضافة لكتبه المطبوعة والمخطوطة التي تجاوزت الأربعين، وهي كتابات متنوعة تناولت التاريخ واللغة والخطط والأدب والتراث العربي والشعبي، وكان من رواد الكتابة الفولكلورية في العراق وأسهم بالكثير من المقالات في مجلة التراث الشعبي منذ صدورها عام 1963. إضافة لزياراته إلى المواقع الأثرية وتقديمه الشروح عن خططها وطراز بنائها مما انتفع به الكثيرون.

لقد أنجز الدكتور مصطفى جواد أعمالا علمية مختلفة في ميادين المعرفة التي احبها وافنى عمره فيها تقدر باكثر من 46 اثرا نصفها مطبوع ونصفها الاخر مازال مخطوطا، فضلا عن المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد، تشير كلها إلى طول باعه وجليل علمه وحجة لغته وثبت تاريخه ومرجعية ما نشره وابدع او اجتهد فيه.

وكان أول كتاب صدر له سنة 1932 تحت عنوان (الحوادث الجامعة)، وكان آخر كتاب طبعه تحت عنوان (رسائل في النحو واللغة) سنة 1969، وبلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية أكثر من عشرة كتب واهمها: (مستدرك على  المعجمات العربية)، وله ديوان شعر أسماه (الشعور المنسجم) وله ايضا كتب مترجمة عن الفرنسية ، ونقد شعره مرارا لانه شعر علماء يغلب فيه المنطق على الوجدان، اما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وفي علم المخطوطات وفي التاريخ والاثار العباسية وفي النقد اللغوي.

ومن مؤلفاته أيضا:

- دليل خارطة بغداد المفصل - (بالمشاركة مع الدكتور أحمد سوسة)- مطبعة المجمع العلمي العراقي - 1958م.

- جاوان القبيلة الكردية المنسية- مطبعة المجمع العلمي العراقي.

- الضائع من معجم الادباء.

وفاته :

توفي العلامة الدكتور مصطفى جواد ببغداد في عام 1969م. وافتقدته الأوساط العلمية والثقافية ، ورثاه الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين بقصيدة منها:

         ياحارس اللغة التي كادت على       صدأ اللهي ان لايرن لها صدي

        هبت عليها الحادثات ، فلم تدع       غصناً بعاصف حقدها متـأوّدا

        ........

وكأن الشاعر أراد ان يلخص في قصيدته إجماع الكبار على منزلة العلامة مصطفي جواد وأهمية جهوده العلمية في حياة العرب والمسلمين.. في انه حرس الفصحى بأمانة القديس وحرص على حمايتها من الراطنين بها، ومن الذين يعلّمونها في المعاهد والجامعات وليسوا من الكفاة ..

 

 

 

.........
منقول بتصرف عن الموقع :

 http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89_%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%AF