الحضارية «أعلام العراق»

 الإثنين: 25/05/2009

 

العلاّمة السيّد محمد سعيد الحبوبي

رجل العلم والأدب والجهاد

 

 

إعداد : د. ثائر حسن جاسم
(خاص للمعهد)

 

هو أبو علي السيّد محمد سعيد بن السيّد محمود الحسني الشهير بحبوبي، من أشهر مشاهير عصره، وأحد فقهاء النجف المجتهدين، وهو شاعر مبدع من أعلام الشعر العراقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الى جانب الرصافي والزهاوي والكاظمي والشبيبي وعبد الغفار الأخرس وحافظ جميل الذين يشكلون نسقاً من الخطاب الشعري الكلاسيكي.

ولادته ونشأته : ولد في النجف الأشرف في الرابع من جمادى الآخرة عام 1266هـ بمدينة النجف الأشرف .

أمضى ( محمد سعيد ) الحبوبي طفولته تحت رعاية أبيه . وحين بلغ سن التعلم بدأ يتعلم يتعلم الكتابة والقراءة والخط . وبدأ بالقران الكريم على عادة أهل زمانه . فحفظ القرآن الكريم وهو في سن الصغر ، وما كاد يتجاوز العاشرة من عمره بقليل حتى انصرف يدرس مبادئ الأدب . وعلوم العربية ( النحو, الصرف, البلاغة )ومقدماتها على خاله ( الشيخ عباس الاعسم ) وسُـّر أبوه لذلك فإن خاله هذا أديب وشاعر .

وقبل أن يبلغ الخامسة عشرة من عمره . أي حوالي 1280هـ هاجر أبوه وعمه إلى (حائل) حاضرة نجد . بقصد التجارة وشأنهما في ذلك شأن كثير من الأسر النجفية وبقي الصبي مع خاله مواظبا على الدرس مدّة ، ثم سافر إلى نجد الحجازية ليلحق بأبيه ، فانشغل مع والده في التجارة وما تبقّى من يومه كان يقضيه في قراءة كتب الأدب والمنطق والحكمة والفقه . في حائل ثلاث سنوات ، وعاد إلى النجف الأشرف عام 1284 هـ أو بقليل وهو دون العشرين من العمر . وفي النجف ، وهي يومئذ في أوج ازدهارها الأدبي والعلمي ، أقبل السيد الحبوبي على الأندية الأدبية , والمجالس الكثيرة التي كانت ملتقى الشعراء والعلماء , فاستمع إلى شيوخ الادب واللغة والنقد . وكبار الشعراء , فأعجب بهم . وتأثر بطريقتهم .. وجاراهم في النظم . ثم ما لبث أن شاركهم في الحفلات والمناسبات التي كان الشعر يصول فيها ويجول ,

وما كان أكثرها يومذاك!! حتى صار له صيت في الشعر , فتلقفته المحافل الادبية ، ثم انصرف إلى دراسة العلوم الدينية حتّى صار عالماً من علماء الطائفة .(1).

أساتذته: (2)

تربى السيد الحبوبي على يد أعلام لهم مكانتهم في عالم العلم والأدب، ربّما كان أولهم خاله الشيخ عباس الأعسم ، والشيخ محمّد الشربياني ، والشيخ رضا الهمداني ، والشيخ موسى شرارة ، والسيّد مهدي الحكيم .

وأخذ الأخلاق والرياضيات على العرفاني الكبير ميرزا حسين قولي وأكثر من صحبته والحضور عنده مدة حياته .

ودرس الفقه والأصول ردحاً من الزمن عند الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسين الكاظمي (المتوفى 1308هـ) ، وبعد وفاة الشيخ الكاظمي اختص بالحضور والتلمذة عند فاضل عصره الشيخ محمد طه نجف فكان من أساطين من حضروا عنده، وقد أيده الشيخ بكلمات كثيرة رَقَت منزلته بين الفضلاء وجعلته في الطبقة الأولى منهم، وبعد وفات هذا الشيخ (سنة 1323هـ) لم يحضر عند أحد من كبار العلماء، بل انقطع للتدريس والتأليف حتى أصبح يُعدّ في صدور العلماء المجتهدين، يُرجَع إليه في المسائل العويصة.

شخصيته وجهاده:

والسيد محمد سعيد الحبوبي هو أحد أساتذة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قد) وقاد شارك استاذه سنة 1332هـ، في مواجهة الغزو البريطاني للعراق. وهذه التجربة التي كان يعتز بها السيد الحكيم (قد) على الرغم من فشلها لظروف خاصة فقد أغنته خبرة واسعة بالأوضاع السياسية السائدة. وكانت تضمه مع جمال الدين الأفغاني (1839-1897) حلقة فقهية واحدة، إذ كانا يحضران دروس العرفان معا، وقال عنه الأفغاني: ( إن الحبوبي عبقري التوحيد الإسلامي).

وكان السيد محمد سعيد الحبوبي يتحلى بروح وطنية عالية وشجاعة كبيرة، وله شخصية ذات تأريخ واسع وحياة مليئة بالصور والمواقف والبطولات، من ذلك أنّ له في تاريخ الحرب العالمية الأولى صفحة مشرقة للبطولة والجهاد في الدفاع عن كيان الإسلام والمسلمين.. ففي الليلة السادسة عشر من المحرم من عام 1333هـ ، أعلن الجهاد  ضد القوات البريطانية الغازية التي نزلت الى البصرة قادمة من الهند خلال الحرب العالمية الأولى، فخرج في موكب جهادي من النجف عام 1915، وقد تقلد سيفه والطبول تدق أمامه، متجهاً الى الناصرية  ليحث العشائر على الجهاد المقدس، فاطمأن بها حتّى تكامل العدد، والتحق به معظم عشائر الجنوب العراقي وسار بهم إلى الشعيبة المنطقة التي رسخت فيها أول قدم انكليزية،  ومن هناك قاد 13000مقاتلاً، بينهم 1500 مقاتل كردي، وقاتل المحتلين الانكليز في معركة الشعيبة. إلا أن تفوق الانكليز بالسلاح أجبر المقاومين الى الانسحاب بعد أن قدموا تضحيات جسيمة من الشهداء، واستمر المحتلون بتعقب المجاهدين في مدنهم وقصباتهم.

وكان الحبوبي، الذي شارك بنفسه مقاتلاً رغم كبر سنه، من الذين نالوا النصيب الاكبر في الملاحقة والتعقيب وهو على فراش المرض في النجف. وبعد أشهراتصل به القادة الأتراك وطلبوا منه رسم خطة لإعادة الكرّة للجهاد عن طريق كوت الإمارة، وهكذا كان، فخاض الحبوبي مع بقية العلماء والعشائر والجيش التركي معركة أخرى ضد القوات البريطانية الغازية، وكان النصر حليفهم هذه المرة، إذ استطاعوا محاصرة الجيش الإنكليزي وأسر جميع أفراده وعددهم اثني عشر ألف رجل إضافة الى قائده الجنرال (طاوزند).

ويروى أن القادة الأتراك حاولوا وضع خمسة آلاف ليرة ذهب تحت تصرف الحبوبي لتمويل المعارك التي يخوضها ضد المحتلين الانكليز، ولكنه رفض ذلك بشدة قائلاً: «إني مكلف بالتضحية في مالي ونفسي فإذا نفد المال بقيت نوبة النفس».

شعره :

لم يترك الحبوبي بابا من أبواب الأغراض الشعرية التي عرفت في الأدب العربي الا وطرقه طرقا جميلا تأنسه النفوس ويجتلب الأسماع الا انه لم تبد عليه من علامات التجديد سمة فكان ذا شعر تقليدي نهج فيه منهج سابقيه من الشعراء بشيء من التفوق بسبك العبارة وانتقاء الألفاظ الجزلة ورسم الصور الشعرية التي تنم عن ثقافة عالية وخيال شعري خصب. ومن اغراضه الشعرية :

المديح: وهو كثير جدا ونجده منتشرا في ديوانه لكثير من أصدقائه وأعلام عصره. عن غير مكسب او مغنم فلا مدح في ديوانه لسلطان او حاكم في عصره اذ كان عصره عصر احتلال فكان الحاكم ليس من أبناء شعبه. ومن ذلك قوله في احد فقهاء عصره:

اذا ما قيل أي الناس أتقى      فما تعدوكم كف المشير

تجر على المجرة منك ذليلا   نقيا ما تدنس بالعثور

ولم تك انت مختالا فخورا      فداؤك كل مختال فخور

فكان مدحه صادقا هادئا لا ضجيج فيه ولا مغالاة ولا دوي فقد كان يعطي ممدوحه حقه.

الرثاء: وهو كثير ايضا – وغالبا ما يكون في فضلاء عصره- ونجده يتفجر حنينا وألما واسى على المجاهدين العراقيين والعلماء والأدباء ورجال الفكر في عصره ونلمح فيه العاطفة الصادقة والشجن الأليم. له مرثية في كبار عصره منها:

نزعتك من قريش صقيلا      وطوتك فذاً بل طوتك قبيلا

فجعت بفقدك واحدا فكأنها      فجعت بآل النضر جيلا جيلا

صبغت عليك مدامعا لو لم تكن    حُمرا لخيُلت البطاح النيلا

الوصف: تبدو روعة وصف الحبوبي- على كثرة الوصف- واضحة في شعره فكان دقيق الرسم متأني الوصف فكأنه وصف ابي تمام او البحتري، فمن وصفه:

أحيي المدارس والدروس كأنها    موتى الم بها فكان مسيحا

كأن الاقحوانة قبّلتـــها            بمبسمها فأبقت فيها شكلا

الغزل: نجد عذوبة غزل الحبوبي ورقته في كل قصيدة يكتبها على الرغم مما فيه من سمة تقليدية فكأنه يجسد مقولة ابي الطيب المتنبي (ان كان مدحا فالنسيب مقدم) في كثير من قصائده سواء اكانت في المدح ام في غرض آخر ومنه قوله:

احبك حباً لست ادري خواطرا    من الخبل تعروني لذكرك ام عشق

فأخرس عن نطقي وتجري محاجري   بسرّي وكاد القلب إذاك ينشق

موشحات الحبوبي : ظهر الموشح في الأدب العربي في الاندلس، وهو شعر موزون مقفى يختلف شيئاً عن الشعر العربي العمودي في ترتيبه .. برع الحبوبي في هذا النوع من الشعر . ونجد قرابة نصف ديوانه موشحات جميلة تنقلنا الى اجواء الاندلس ، الا انه يوظف فيها الفاظا تحاكي واقعه وعصره والبلاد التي عاش فيها

وفاته :

توفّي السيّد الحبّوبي عشية الأربعاء الثاني من شعبان 1333 هـ الموافق 1915م ، في مدينة الناصرية عند عودته من المعركة ، ودفن  في النجف الأشرف . وحُمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، ودُفن في مقبرة خاصة له في الايوان الكبير في الصحن الحيدري للإمام علي (ع) عن يسار الداخل من الباب القبلي. ورثاه الشعراء، وأرخ وفاته فريق من أعلام المؤرخين وقد كتب بعضهم على قبره هذا التأريخ:

فـقيـدُ المسلميـن غـداة أودى  حسيـب الـديـن بينهـم فقيـدا

فـإن شهدتـه أعينهـم سعيـداً   فقـد حملتـه أرؤسهـم سعيـدا

تـقـدّمَ للجهـاد أمـيـرَ ديـن  فسـاق المسلميـن لـه جنـودا

ومـذ لاقـى المـنيـة أرخـوه  ( سعيدٌ في الجهاد مضى سعيدا )

ورثاه الشيخ جواد الشبيبي بقصيدة عصماء مطلعها:

عمّ الثغورَ الموحشاتِ ظلامُ  ودجت لأنك ثغرها البسّـامُ

ورثاه الشيخ جواد البلاغي بقصيدة مطلعها:

شاقك الركب فأسرع سباقـا  وتركت الصب يلتاع اشتياقا

ورثاه الشيخ علي الشرقي بقصيدة مطلعها:

حماة الحمى قد شيعوك إلى الثغرِ  فبالرغم ان يستقبلوك إلى القبـرِ

 

الهوامش :
..............

(1) انظر : شعراء الغريّ ، علي الخاقاني : 2/ 147-154 .

(2) انظر : ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي, وزارة الثقافة والإعلام العراقية, دار الرشيد, بغداد 1980 : 8 وما بعدها.

 

.........
لمزيد من الاطلاع انظر المواقع الآتية :

 

http://www.imamreza.net/arb/imamreza.php?id=2211

http://www.al-shia.org/html/ara/others/?mod=monasebat&id=501

http://www.alnasiriyah.com/forum/showthread.php?t=101

http://www.iraqcp.org/Articlesokicpnet/view.php?id=6818