الحضارية «أعلام العراق»

الثلاثاء: 23/09/2008

 

بنو موسى بن شاكر ثلاثي علمي بغدادي مُبكـّر

عبد الأمير المؤمن(*)

(خاص للمعهد)

من الصدف القليلة أو النادرة أن يجتمع لابٍ واحد ثلاثة أولاد من العلماء والباحثين والمبدعين، متخصصين بتخصصات متقاربة، كأن يكون الثلاثة مختصصين في الطب أو متخصصين في الرياضيات أو في الأدب أو في علم آخر.
لكن تاريخ الحضارة الإسلامية كريم ولود بفضل مصادره الثرية القرآن الكريم وأحاديث النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وعقول رجاله الجادّين، ففي وقت مبكر من تاريخ حضارتنا الإسلامية أولدت هذه الحضارة عدداً كبيراً من العلماء والمبدعين العلميين، وخاصة في بداية القرن الثالث الهجري. ويمكن أن نذكر منهم محمد بن موسى الخوارزمي واحمد الفرغاني والكندي وثابت بن قرة ويحيى بن أبي منصور وموسى بن شاكر واولاده الثلاثة وغيرهم الكثير.
والمثير بين هذه الكوكبة من العلماء والباحثين المبكرين في حضارتنا الاسلامية أن نجد أنّ ثلاثة أخوة وأبيهم أي أربعة أشخاص من عائلة واحدة كانوا علماء أو مشتغلين بالعلم ولهم انجازات علمية متشابهة أي من اختصاص متقارب. وهو علم الرياضيات والهندسة والفلك والميكانيك الذي كان يعرف بالحيل. فأبوهم موسى بن شاكر كان منجماً أو فلكياً، كما يذكر التاريخ، والاخوة الثلاثة (محمد وأحمد والحسن) كان محمد بن موسى بن شاكر فلكياً رياضياً، وكان احمد بن موسى عالماً بالحِيَل (أي الميكانيك) وكان الحسن عالماً بالهندسة.
وقد ذكرهم تاريخ العلم والحضارة الإسلامية بمزيد من الاهتمام وذلك بسبب نشاطهم العلمي وما خلـّفوا من انجازات ومؤلفات ورسائل، وما قدموه من خدمات في عمليات الترجمة الكبرى التي حدثت في العصر العباسي وخاصة زمن المأمون وما بعده. وقد ذكرتهم المستشرقة الالمانية زيغريد هونكه بقولها: «وفي هذا الجو المشبع بالعلم والمحتدم بالمناقشات الهامة بين العلماء، وفي وسط يعج بآلات غريبة نادرة، نشأ هؤلاء الاطفال وترعرعوا. فلا عجب إذن ان يصبح ابناء ذلك الفلكي ولص الصحراء موسى بن شاكر من اساطين العلم والأدب»(1).
حياتهم ونشأتهم
ليس لدينا أرقاماً ومعلومات دقيقة مفصـّلة عن حياة موسى بن شاكر وأولاده الثلاثة، فلا نعرف ولاداتهم ولا وفياتهم (باستثناء وفاة محمد أكبرهم) وانما نعرف أنهم عاشوا زمن المأمون بل وكانوا صغاراً أيام المأمون. فقد تقرّب موسى بن شاكر إلى المأمون حين كان مقيماً في مرو (خراسان) اثناء تولي اخيه الامين الخلافة، ولما مات الأب رعى الخليفة المأمون أولاده وتكفل بتربيتهم ليشتهروا بعد ذلك(2).
ويذكر ابن النديم في ترجمته لبني موسى: «محمد وأحمد والحسن بنو موسى بن شاكر.. وهؤلاء القوم ممن تناهى في طلب العلوم القديمة. وبذل الرغائب ، واتعبوا فيها نفوسهم، وانفذوا إلى بلد الروم من أخرجها اليهم فأحضروا النقلة من الاصقاع والاماكن بالبذل السني، فاظهروا عجائب الحكمة، وكانت الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم، وهو الأقل، وتوفي محمد بن موسى سنة تسع وخمسين ومائتين في شهر ربيع الأول، وكان لاحمد بن موسى ابن يقال له مطهّر، قليل الأدب.. ودخل في حجلة ندماء المعتضد»(3).
ويقول جمال الدين القفطي: «وقد رأيت أن أذكر قطعة من مجموع أخبارهم في هذا الموضوع من الابناء فانهم لا يعرفون الاّ ببني موسى، وأشهر ما ينسب إلهيم الكتاب المعروف بحيل بني موسى، وهم محمد وأحمد والحسن، ويعرف أولادهم من بعدهم ببني المنجم، وكان والدهم موسى بن شاكر يصحب المأمون والمأمون يرعى حقه في أولاده هؤلاء المذكورين»(4).
ويقول ايضاً: «ومات (أي موسى) وخلـّف هؤلاء الأولاد الثلاثة صغاراً فوصّى بهم المأمون اسحاق بن ابراهيم المصعبي واثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة، وكانت كتبه ترد من بلاد الروم إلى اسحاق بان يراعيهم ويوصيه بهم ويسأل عن أخبارهم، حتى قال: جعلني المأمون داية لاولاد موسى بن شاكر. وكانت حالتهم رثة رقيقة وأرزاقهم قليلة، على أن ارزاق اصحاب المأمون كلهم كانت قليلة على رسم اهل خراسان، فخرج بنو موسى بن شاكر نهاية في علومهم، وكان أكبرهم وأجلـّهم:
أبو جعفر محمد، وكان وافر الحظ من الهندسة والنجوم عالماً باقليدس والمجسطي وجمع كتب النجوم والهندسة والعدد والمنطق، وكان حريصاً عليها ... إلى أن غلب الاتراك على الدولة وذهبت دولة خراسان وانتقلت إلى العراق فعلت منزلته واتسع حاله إلى أن كان مدخوله في كل سنة بالحضرة وفارس ودمشق ونحوها نحو اربعمائة الف دينار، ومدخول اخيه نحو سبعين ألف دينار..
وكان أحمد دون أخيه في العلم إلا في صناعة الحيل، فإنه قد فتح له فيها ما لم يفتح مثله لاخيه محمد ولا لغيره من القدماء والمحققين بالحيل ...
وكان الحسن وهو الثالث منفرداً بالهندسة وله طبع عجيب فيها لا بداينه احد»(5).
اعمالهم وانجازاتهم
يُعدّ اولاد موسى بن شاكر من اوائل من ساهموا في مجال العلوم الطبيعية والرياضيات والفلك، وقد ذكرهم القفطي بقوله: «وكانوا جميعاً متقدمين في النوع الرياضي وهيئة الفلك وحركات النجوم»(6)، وتتحدث الدكتورة زيغريد هونكه حول انجازاتهم بقولها «وكان ثمة عبقريتهم الفذة الخلاقة الاختراعية التي طورت الآلات الموروثة، وابتكرت آلات جديدة أخرى، فأرست بذلك حجر الاساس في صرح طريقتهم العلمية الصادقة في مراقبة الطبيعة من مراصدهم العديدة المختلفة فوصلوا إلى نتائج مذهلة فاقت نتائج القدامى، أضف إلى ذلك منهاج بحوثهم العلمية الكثيرة. وكان هناك نبوغهم النادر في علم الرياضيات وشغفهم بحل المعضلات التي تمكنوا بواسطتها من ايجاد فروع للرياضيات جديدة ومن تطويرها، وبالتالي مكنهم من أن يجدوا لهم وللغرب مواد فكرية أساسية للقيام بالقياسات الفلكية»(7).
لقد اهتم بنو موسى باهتمامات علمية متعددة، اهتموا بعلم «طبقات الجو» والوسائل والتركيبات الميكانيكية، وحل المسائل المستعصية.. كما ألـّفوا كتاباً في «قطع المستديرات» بقي مصدراً أساسياً لعلماء الغرب في الاشكال الاهليلجية.. كما اهتمو بصنع بعض الآلات المتحركة مثل الروافع المبنية على فكرة الفائدة الميكانيكية، والتي تستخدم لجر الاثقال أو لرفعها أو لوزنها. كما انهم طوّروا «قانون هيرون» لايجاد مساحة المثلث بمعرفة طول كل من اضلاعه الثلاثة.
وقد اكتشف بنو موسى طريقة جديدة لرسم الشكل الاهليلجي، وذلك بغرس ابرتين في نقطتين. ثم أخذ خيط بطول يفوق مثلي بعد هاتين النقطتين، ثم يربط هذا الخيط من طرفيه ويوضع حول الابرتين، ويولج فيه قلم رصاص، فعند ادارة القلم يتكون الشكل الاهليلجي، وتسمى النقطتان (محترفي) الشكل الاهليلجي أو بؤرتيه.
وقد برز ابناء موسى في قياس السطوح الكروية والمستوية، واكبر عمل وانجاز قاموا به بتكليف من المأمون هو قياس محيط الأرض الذي اشترك فيه عدد من كبار علماء المأمون ومن جملتهم ابناء موسى بن شاكر(8).
وبنوا مرصداً في منطقة قنطرة بغداد المؤدية إلى باب الطاق في بغداد، وقد وجدوا بهذا المرصد ان انحراف سمت الشمس 23 درجة و25 دقيقة، وقد حققوا ايضاً للمرة الأولى اعظم عرض للقمر، ووضع اكبر الاخوة محمد تقاويم لمنازل السيارات(9).
هذا وتوصّل بنو موسى بن شاكر إلى اختراع ساعة نحاسية.. وإلى اختراع تركيب ميكانيكي يسمح للاوعية أن تمتلئ تلقائياً كلما فرغت.. والقناديل ترتفع فيها الفتائل تلقائياً كلما اتت النار على جزءٍ منها ويصب منها الزيت تلقائياً، ولا تنطفئ عند هبوب الريح عليها..
كما ابتكروا آلة ميكانيكية للزراعة تـُحدث صوتاً بصورة تلقائية كلما ارتفع الماء إلى حد معين في الحقل عند سقايته.. كما اخترعوا عدداً كبيراً من نافورات المياه الصاعدة. وما تزال إلى اليوم نظريات ابناء موسى ولا سيما احمد بن موسى تستخدم عند تصميم وتنفيذ النافورات الحديثة المقامة في القصور والحدائق العامة..
بالاضافة إلى ذلك شرح ابناء موسى صعود مياه الفرات والعيون إلى أعلى وكيفية ترشيح مياه الآبار من الجوانب وشرحوا كيفية صعود المياه إلى الاماكن المرتفعة كالحصون والقلاع ورؤوس المنارات. والحقيقة فان علم السوائل كان عندهم من فروع علم الحيل (الميكانيك)(10) ولهم اعمال وانجازات أخرى كثيرة.
آثارهم ومؤلفاتهم
إضافة إلى انجازات واعمال ابناء موسى الثلاثة ألـّفوا عدداً من الكتب والرسائل في الهندسة والحيل والمساحات والرياضيات والفلك والفيزياء وقد ذكرها ابن النديم والقفطي وغيرهم. ولنذكر الآن كتب أبناء موسى كما وردت في الفهرست، ثم نذكر أهمها وهو كتاب الحيل بشكل مستقل.
يقول ابن النديم: ولبني موسى من الكتب:
1ـ كتاب بني موسى في الفرسطون.
2ـ كتاب الحيل لاحمد بن موسى.
3ـ كتاب الشكل المدور المستطيل للحسن بن موسى.
4ـ كتاب حركة الفلك الأولى، مقالة لمحمد.
5ـ كتاب المخروطات.
6ـ كتاب ثلث أو المثلث، لمحمد.
7ـ كتاب الشكل الهندي الذي بيّن جالينوس امره، لمحمد.
8ـ كتاب الجزء، لمحمد.
9ـ كتاب بيّن فيه بطريق تعليمي ومذهب هندسي انه ليس في خارج كرة الكواكب الثابتة كرة تاسعة لاحمد بن موسى.
10ـ كتاب في اولية العالم، لمحمد.
11ـ كتاب المسألة التي القاها على سند بن علي احمد بن موسى.
12ـ كتاب على ماهية الكلام، مقالة لمحمد.
13ـ كتاب مسائل جرت أيضاً بين سند وبين أحمد.
14ـ كتاب مساحة الاكر وقسمه الزوايا بثلاثة أقسام متساوية ووضع مقدار بين مقدارين ليتوالى على قسمة واحدة(11).
كتاب الحيل لبني موسى
وكتاب الحيل لبني موسى بن شاكر من أهم كتب الأخوة الثلاثة فله قيمة علمية كبرى ومكانة مرموقة في مجال التكنولوجيا ويحتوي على مائة تركيب ميكانيكي. عشرون منها ذات قيمة علمية، منها وصف طريقة حفظ مستوى الماء في الانابيب. ذكره ابن خلكان في وفياته بقوله: «وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل والحركات.. ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشمل على كل غريبة. وقد وقفتُ عليه فوجدته من احسن الكتب وانفعها، وهو مجلد واحد»(12).
وقد بدأ اهتمام مؤرخي العلوم بكتاب الحيل منذ نهاية القرن الماضي، ولكن الدراسات الجادة له بدأت في مطلع هذا القرن عند نشر كلٍ من فيدمان وهاوسر حول اواني الشراب وشرحا الاشكال 85-87 من كتاب الحيل. ثم نشر هاوسر كتاباً موسعاً أدرج فيه بقية اشكال الكتاب، وبذلك اصبح (كتاب الحيل) معروفاً باللغة الألمانية.
وكان العمل الأخير والمهم الذي تناول (كتاب الحيل) هو الترجمة الانجليزية الكاملة التي صدرت سنة 1979م والتي قام بها (دونالد هيل).
ويتميز كتاب الحيل الذي اصدره هيل بالانجليزية بانه اول كتاب يصدر مشتملاً على كامل (كتاب الحيل) بأي لغة كانت بما في ذلك اللغة العربية.وقد كان لاكتشاف مخطوطة طور بقابي في استانبول أهمية كبيرة زادت من قيمة كتاب هيل وجعله متميزاً عن كتاب هاوسر الصادر باللغة الالمانية.
 

هوامش
ـــــــــ

(*) باحث من العراق، متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الفلك.
(1) شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه، ترجمة فاروق بيضون: 119.
(2) قاموس دار العلم الفلكي، عبد الأمیر المؤمن: 29.
(3) الفهرست، ابن النديم: 379، وإخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي: 208.
(4) إخبار العلماء بأخبار الحكماء، جلال الدين القفطي: 286.
(5) المرجع السابق: 287.
(6) المرجع السابق: 208.
(7) شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه: 126-127.
(8) التراث الفلكي عند العرب والمسلمين، عبد الأمير المؤمن: 135.
(9) المرجع السابق: 78.
(10) العلوم عند العرب، اصولها وملامحها الحضارية، د. حربي عباس محمود ود.حسان حلاق: 345.
(11) الفهرست، ابن النديم: 379.
(12) وفيات الاعيان، ابن خلكان، ج4: 247.