الحضارية «اعلام العراق»

الاثنين: 14/07/2008


محمد بهجة الأثري باحث تراثي عراقي رائد

عبد الأمير المؤمن(*)

(خاص للمعهد)

حفل القرن العشرون بعددٍ مهم من التراثيين والباحثين الرواد، كتبوا وألـّفوا وحققوا وأنجزوا انجازات علمية وثقافية جمّة، كانت ومازالت أسساً مهمة من أسس الثقافة العراقية والعربية والإسلامية الراهنة، ودافعا ومنبها قويا نحو البحث الجاد والدؤوب.
ويمكن أن نذكر من هؤلاء الروّاد: الأب انستاس ماري الكرملي، وكوركيس عواد، وأحمد سوسه، ومصطفى جواد، وعلي الوردي، وحسين علي محفوظ.
ومن هؤلاء الباحثين التراثيين والرواد الكبار الأستاذ الكبير محمد بهجة الأثري، فهو باحث في اللغة العربية والتاريخ والأدب، وهو محقق وشاعر.. له اكثر من ثلاثين كتاباً بين مطبوع ومخطوط ومئات البحوث المنشورة في مختلف المجلات والدوريات الثقافية والعلمية.. ونال من الدول العربية أوسمة كثيرة.. وهو أحد مؤسسي المجمع العلمي العراقي، ونائبا لرئيسه في احدى دوراته.. يقول عن نفسه: «أقدّم الناس على نفسي لان همومهم هي ما يهمني، أما امر نفسي فهذا امر هين، وكل ما اريد لها هو تمهيد لما احب أن اوصله إلى غيري من الخير والمنافع في هذه الحياة»(1).
والآن لنقرأ حياة هذا الرائد التراثي وما أنجزه من انجازات علمية وثقافية.
حياته ونشأته
الاستاذ محمد بهجة الأثري باحث ورائد تراثي من مدينة بغداد، ولد سنة 1902م في هذه المدينة ونشأ فيها ومارس التجارة والفروسية. دخل الرشيدية العسكرية فلم يتحمّل التدريب العسكري لضعف بنيته، فأمضى دور النقاهة في محكمة الاستئناف يتدرب على الانشاء التركي. وترك الوظيفة ليتفرغ للتخصص في العربية وعلومها. فدرس على السيد محمود شكري الآلوسي المتوفى سنة 1924م. اخذ منه البحث والتحقيق وطريقة الكتابة والتأليف، ومضى في بداية العشرينات يكتب الفصول الأدبية في الصحف. وفي صدر شبابه خاض معارك مع الشاعرين العراقيين الكبيرين جميل صدقي الزهادي ومعروف الرصافي.
تولى رئاسة تحرير مجلة (البدائع الأسبوعية) وجعلها ميدان جهاده الاجتماعي والأدبي، وحقق وشرح طائفة من الكتب الأدبية واللغوية نشرت في بغداد والقاهرة.كان يجيد اضافة الى العربية: اللغة التركية والانجليزية والفرنسية.
مارس التعليم في الثانوية المركزية ببغداد لمدة 10 سنوات، وفي سنة 1936م عهدت إليه مديرية أوقاف بغداد. ثم عهد إليه كرسي المفتش الاختصاصي في وزارة المعارف.
وعند اندلاع حركة رشيد عالي الكيلاني الوطنية عام 1941م كان من أنصارها والمحرضين على نصرتها خطابة وشعرا، فعندما فشلت الثورة صدر أمر حكومي بفصله من ويفته واعتقاله، وأمضى في المعتقل نحو ثلاثة أعوام.
وفي عام 1047 عين عضوا في لجنة التأليف في وزارة التربية، وقد كان الشيخ محمد رضا الشبيبي هو الساعي من أجل اعادة تعيينه.
ثم كان أحد مؤسسي المجمع العلمي العراقي، وانتخب عضوا فيه سنة تأسيسه (1948) ثم انتخب نائبا لرئيسه في السنة التالية 1949.
وانتخب عضوا في العديد من المجامع العلمية العربية، وهي:مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بالاردن، والمجمع العلمي بدمشق، والمجلس الاستشاري الاعلى للجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة. ومنذ سنة 1951م كان يدعى إلى المؤتمرات العربية والعالمية في انحاء مختلفة من العالم(2)، كما حاضر في جامعات عديدة خارج العراق.
وفي عام 1958 عين مديرا عاما لأوقاف بغداد، حتى احيل على التقاعد عام 1963.
ولأهمية هذه الشخصية العلمية فقد حظيت باهتمام العديد من الباحثين والكتاب، العراقيين والعرب، منهم: انو الجندي، وعزيز اباظة، واحمد مطلوب، ورؤوف الواعظ، وعبد الله الجبوري، وعدنان الخطيب، ومحمد مهدي علام.
إضافة إلى ذلك فقد كتبت عنه رسائل جامعية(3).
توفي الاستاذ الأثري في 24 آذار ـ مارس من سنة 1996 ميلادية.
وبعد وفاته أصدر المجمع العلمي كتابا في تكريمه والاشادة بجهوده.
آثاره ومؤلفاته
للأستاذ الباحث محمد بهجة الأثري عدد من الكتب والمؤلفات والبحوث والمقالات بين مطبوعة ومخطوطة، ومن كتاباته وانجازاته يمكن أن نذكر:
ـ الاتجاهات الحديثة في الاسلام.
ـ اعلام العراق، يتضمن سيرة الامام الآلوسي الكبير وتراجم نوابغ الآلوسيين، سنة 1924م.
ـ المجمل في تاريخ الأدب العربي، طبع سنة 1927م.
ـ المدخل في تاريخ الادب العربي.
ـ مهذب تاريخ مساجد بغداد وآثارها، طبع سنة 1927م أيضاً.
ـ مأساة الشاعر وضـّاح اليمن، طبع سنة 1935م أيضاً.
ـ تاريخ نجد، تأليف محمود شكري الآلوسي (تحقيق) القاهرة سنة 1998م.
ـ تفسير ارجوزة أبي نؤاس في تقريظ الفضل بن الربيع وزير الرشيد والامين، لابن جنى، (تحقيق) الشرح (مجمع اللغة العربية، دمشق سنة 1980م.
ـ خريدة القصر وجريدة العصر، تأليف عماد الدين الكاتب الاصفهاني (تحقيق وشرح) بغداد سنة 1976م.
ـ ديوان الأثري، الجزء الأول المجمع العلمي العراقي سنة 1990م.
ـ البحث وبيان حقيقته ونبذة عن قواعده، محمود شكري الآلوسي (شرح وتحقيق) المجمع العلمي العراقي سنة 1989م.
ـ محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث سنة 1404 هجرية.
ـ نظرات فاحصة في قواعد رسم الكتابة العربية وضوابط اللغة وطريقة تدوين تاريخ الأدب العربي، بغداد، سنة 1991م.
ـ ارتسامات حملات نادر شاه في آثار ادباء حديقة الزوراء (المجمع العلمي العراقي/المجلد33 سنة 1982م.
ـ الألوان في الفصحى والدراسات العلمية واللغوية (ضمن كتاب المحاضرات المفتوحة في المجمع العلمي العراقي).
ـ تاريخ مدينة دمشق ، (تحقيق)(المجمع العراقي، المجلد 31، ج1، سنة 1980م).
ـ تحرير المشتقات من مزاعم الشذوذ (الدورة الاربعون لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1974م).
ـ خواطر وسوانح في حلول مشكلات الماء والتغذية وتزايد السكان/ مجلة اكاديميّة المملكة المغربية، ج1، سنة 1982م.
ـ الرئي بديل التلفزيون/المجمع العلمي العراقي، مج4، الجزء 3-4، سنة 1989م.
ـ سيرة العلامة الاثري بقلمه/المورد/المجلد 24 سنة 1996م.
ـ صورة الارض ، للادريسي، تحقيق.
ـ الطيران من الخيال إلى الحقيقة ومغزى غزو الفضاء، المجمع العلمي العراقي، مج37، ج4، سنة 1986.
ـ علم استنباط الحياة الخفية عند العرب وكتاب عين الحياة في علم استنباط الحياة ، المجمع العلمي العراقي، المجلد36، الجزء1، سنة 1988م.
ـ عقوبات العرب في جاهليتها وحدود المعاصي التي يرتكبها بعضهم، الآلوسي (تحقيق وشرح)/ المجمع العلمي العراقي، مج35، ج2، سنة 1984م.
ـ مصادر تاريخ الجزيرة، دراسات تاريخ الجزيرة العربية، ج1، سنة 1979م.
ـ فتاوى أو تحقيقات لغوية ونحوية نادرة، اكاديمية المملكة المغربية، العدد6، سنة 1989م.
ـ مقدمة نزهة الارواح وروضة الافراح، لشمس لدين الشهرزوري(تحقيق) نشرت ضمن كتاب: نصوص فلسفية مهداة إلى د.إبراهيم مدكور، سنة 1974م(4).
من نثره وشعره
كان الاستاذ محمد بهجة الأثري كاتباً وشاعراً، وكان بليغاً فصيحاً في كتابته، وكان شاعراً له ديوان شعر مطبوع. ولنذكر الآن بعضاً من نثره الفني، وشعره لتصبح صورة هذا العَلـَم العراقي واضحة قريبة منا.
1. فعلى مستوى نثره جاء ي الخطبة التي افتتح بها الأثري حفلة التأبين الاربعينية لأستاذه محمود شكري الآلوسي المتوفى سنة 1344 قوله:
«احييكم تحية مهيض جُبر كسره، وكئيب أذهب عنه الحزن بعد أن راعه دهره، واشكركم على شعوركم الحيّ في تقدير نوابغ الرجال والاهتمام بأمورهم: شعرتم بالأمس عندما حمّ القضاء، ونزل البلاء، وغالت المنية رجل الاسلام الفذ، بالفراغ الكبير الذي كان يشغله في عالمي العلم والأدب، فهرعتم لتشييع جثمانه الطاهر من كل فج متفجعين، وما فيكم الا المحوقل والمرجع والمتأسف والمتوجع، والنادب والمتصدع والنائح والجازع.
واليوم لبيتم دعوتنا واجتمعتم لتأبينه واستمطار الرحمة لتلك الروح الطاهرة التي خدمت العلم والأدب سبعين حجة واصلة ليلها بنهارها من غير ان يعروها فتور أو سأم إلى أن لبّت داعي ربها فذهبت اليه طاهرة زكية. فنشكركم على عرفانكم للجميل، ووفائكم بالذمة وتقريركم للعلم، لا جعل الله لعدوكم عليكم سبيلا»(5).
2. وعلى مستوى شعره يُمكن ان نذكر هنا بعضاً من قصيدته المعنونة (واحر قلباه) راثياً بها استاذه الكبير محمود شكري الآلوسي، وقد عمد ةفيها الى مجاراة قصيدة معروف الرصافي في رثاء الىلوسي نفسه، والتي مطلعها:

أزمـعت عنـا الى مـولاك تـرحـالا   لـما  رأيـت  منـاخ القـوم أوحـالا

فأنشد الاثري:

اتيت   بالعيد   أهْني  العيد  شوّالا   والظن    أنك    قد   ابللت   ابلالا
فعدت    والقلب   ملتاع   بلوعته   والعين  ترسل  فيض الدمع ارسالا
فوا  لدهري!  اما  يكفيه  ما فعلت   صروفه   فيّ   حتى   كرّ   صيالا
بالامس  صاح  باخواني  فأخمدهم   واليوم    صال   الاستاذ   فاغتالا
يا  راحلاً  جدّد  الاحزان  مصرعه   نغصت  عيشي  وزدت  البال بلبالا
قد   كنت   براً   لا   تنثني   حدبا   فمالك  اليوم  تجفو  الصحب والآلا
سئمت منا فاً زمعت السرى عجلاً؟   ام  قد  رأيت  مصير القوم ممحالا
ام   لم   يرقك  مقام  بين  اظهرنا   لما  رأيت  رعاء  الشاء  احطالا؟
عليهم   من   جلود  الشاء  اردية   يخادعون    بها    الاغنام   خُتالا
آلت   اليهم   مقاليد  الأمور  وهم   لا   يرقبون  سوى  احوالهم  حالا
بالامس  كانت  إلى  جنكيز نسبتهم   واليوم  صاروا  الى  قحطان انجالا
حال  لعمرك  تبكي  كل  ذي  بصر   وتذهل    العاقل    الفكّير   اذهالا
باسم  العروبة  قد  باعوا  مواطننا   وحملونا    على    الاثقال   اثقالا
وارهقونا    على   الاذلال   اذلالا   وطوقونا   على   الاغلال   اغلالا

وللقصيدة تممه يمكن مراجعتها في كتابه المعروف (اعلام العراق)(6).
 

الهوامش
ــــــ

(*)  باحث من العراق، متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الفلك.
(1) موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين، حميد المطبعي، ح1: 182.
(2) المرجع السابق، ح1: 182.
(3) معجم الادباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2000م، كامل الجبوري، ح5: 173.
(4) معجم المؤلفين والكتاب العراقيين، صباح الزوك، ج7: 109-112، وكتاب معجم المؤلفين العراقيين، كوركس عواد/ ح3: 114-116، وكتاب معجم الأدباء للجبوري ج5: 173.
(5) اعلام العراق، محمد بهجة الأثري: 189-190.
(6) المرجع السابق: 226-229.